Al-Biqa'iAl‑Ahzab · 33:52–55

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:52–55

33:52Page 425

لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعۡدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ حُسۡنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ رَّقِيبٗا ٥٢

Not lawful to you, [O Muḥammad], are [any additional] women after [this], nor [is it] for you to exchange them for [other] wives, even if their beauty were to please you, except what your right hand possesses. And ever is Allāh, over all things, an Observer.1

ولَمّا أمَرَهُ بِما يَشُقُّ مِن تَغَيُّرِ العَوائِدِ في أمْرِ العِدَّةِ، ثُمَّ بِما قَدْ يَشُقُّ عَلَيْهِ ﷺ مِن تَخْصِيصِهِ بِما ذُكِرَ خَشْيَةً مِن طَعْنِ بَعْضِ مَن لَمْ يَرْسُخْ إيمانُهُ، وخَتَمَ بِما يَسُرُّ أزْواجَهُ، وصَلَ بِهِ ما يَزِيدُ سُرُورَهُنَّ مِن تَحْرِيمِ غَيْرِهِنَّ عَلَيْهِ شُكْرًا لَهُنَّ عَلى إعْراضِهِنَّ عَنِ الدُّنْيا (p-٣٨٨)واخْتِيارِهِنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقالَ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ﴾ ولَمّا كانَ تَعالى شَدِيدَ العِنايَةِ بِهِ ﷺ لَوَّحَ لَهُ في آيَةِ التَّحْرِيمِ إلى أنَّهُ يَنْسَخُهُ عَنْهُ، فَأثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدُ﴾ أيْ مِن بَعْدِ مَن مَعَكَ مِن هَؤُلاءِ التِّسْعِ - كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةٍ عَنْهُ، شُكْرًا مِنَ اللَّهِ لَهُنَّ لِكَوْنِهِنَّ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ اخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَتَكُونُ الآيَةُ مَنسُوخَةً بِمُتَقَدِّمٍ عَلَيْها في النَّظْمِ وتَأخَّرَ عَنْها في الإنْزالِ مِن آيَةِ ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وفي رِوايَةٍ أُخْرى مِن بَعْدِ ”اللّاتِي أحْلَلْنا لَك“ بِالصِّفَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن بَناتِ العَمِّ وما مَعَهُنَّ، ويُؤَيِّدُها ما تَقَدَّمَتْ رِوايَتُهُ عَنْ أُمِّ هانِئٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

ولَمّا كانَ رُبَّما فَهِمَ أنَّ المُرادَ الحَصْرُ في عَدَدِ التِّسْعِ، لا بِقَيْدِ المُعَيَّناتِ، قالَ: ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ أيْ هَؤُلاءِ التِّسْعِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن﴾ أيْ شَيْئًا مِن ﴿أزْواجٍ﴾ أيْ بِأنْ تُطَلِّقَ بَعْضَ هَؤُلاءِ المُعَيَّناتِ وتَأْخُذَ بَدَلَها مِن غَيْرِهِنَّ بِعَقْدِ النِّكاحِ بِحَيْثُ لا يَزِيدُ العَدَدُ عَلى تِسْعٍ، فَعُلِمَ بِهَذا أنَّ المَمْنُوعَ [مِنهُ] نِكاحُ غَيْرِهِنَّ مَعَ طَلاقِ واحِدَةٍ مِنهُنَّ أوَّلًا، وهو يُؤَيِّدُ الرِّوايَةَ الأُولى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لِأنَّ المُتَبَدِّلَ بِها لا تَكُونُ إلّا مَعْلُومَةَ العَيْنِ، والجَوابُ عَنْ قَوْلِ أمِّ هانِئٍ (p-٣٨٩)رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّهُ فَهِمَ مِنها، لا رِوايَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وأمّا عِنْدَ مَوْتِ واحِدَةٍ مِنهُنَّ فَلا حَرَجَ في نِكاحِ واحِدَةٍ بَدَلَها.

ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا المَنعِ مِن كُلِّ زَوْجَةٍ بِأيِّ صِفَةٍ كانَتْ، أكَّدَ المَعْنى وحَقَّقَهُ، وصَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ حالًا مِن فاعِلِ ”تَبَدَّلَ“: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ أيِ النِّساءُ المُغايِراتُ لِمَن مَعَكَ، وفي هَذا إباحَةُ النَّظَرِ إلى مَن يُرادُ نِكاحُها لِأنَّ النَّظْرَةَ الأُولى لا تَكادُ تَثْبُتُ ما عَلَيْهِ المَرْئِيُّ مِن حاقِّ الوَصْفِ؛ ولَمّا كانَ لَفْظُ النِّساءِ شامِلًا لِلْأزْواجِ والإماءِ، بَيَّنَ أنَّ المُرادَ الأزْواجُ [فَقَطْ] بِقَوْلِهِ: ﴿إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ أيْ فَيَحِلُّ لَكَ مِنهُنَّ ما شِئْتَ، وقَدْ مَلَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَيْحانَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مِن سَبْيِ بَنِي قُرَيْظَةَ، واسْتَمَرَّتْ في مُلْكِهِ مُدَّةً لا يَقْرَبُها حَتّى أسْلَمَتْ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ عامِ الحُدَيْبِيَةِ مارِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أمِّ ولَدِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ولَمّا تَقَدَّمَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآياتِ فَأمَرَ ونَهى وحَدَّ حُدُودًا، حَذَّرَ مِنَ التَّهاوُنِ بِشَيْءٍ مِنها ولَوْ بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ فَقالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا شَيْءَ أعْظَمُ مِنهُ، وهو المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ أيْ يَفْعَلُ فِعْلَ المُراعِي لِما يُتَوَقَّعُ مِنهُ مِن خَلَلٍ عَلى أقْرَبِ قُرْبٍ مِنهُ بِحَيْثُ لا يَفُوتُ مَعَ رِعايَتِهِ فائِتٌ مِن أمْرِ المَرْعى، (p-٣٩٠)ولا يَكُونُ الرَّقِيبُ إلّا قَرِيبًا، ولا أقْرَبَ مِن قُرْبِ الحَقِّ سُبْحانَهُ، فَلا أرْعى مَن رُقْبَتِهِ، وهو مِن أشَدِّ الأسْماءِ وعِيدًا.

33:53Page 425

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيۡرَ نَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِيتُمۡ فَٱدۡخُلُواْ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُواْ وَلَا مُسۡتَـٔۡنِسِينَ لِحَدِيثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ يُؤۡذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسۡتَحۡيِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا يَسۡتَحۡيِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا ٥٣

O you who have believed, do not enter the houses of the Prophet except when you are permitted for a meal, without awaiting its readiness. But when you are invited, then enter; and when you have eaten, disperse without seeking to remain for conversation. Indeed, that [behavior] was troubling the Prophet, and he is shy of [dismissing] you. But Allāh is not shy of the truth. And when you ask [his wives] for something, ask them from behind a partition. That is purer for your hearts and their hearts. And it is not [conceivable or lawful] for you to harm the Messenger of Allāh or to marry his wives after him, ever. Indeed, that would be in the sight of Allāh an enormity.

ولَمّا كانَ القُرْبُ والإحاطَةُ لِلَّهِ، كانَ بِالحَقِيقَةِ لا رَقِيبَ إلّا هُوَ، والآيَةُ عَلى كُلِّ حالٍ مَنسُوخَةٌ إنْ قُلْنا بِالِاحْتِمالِ الأوَّلِ أوِ الثّانِي، فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وناهِيكَ بِها ولا سِيَّما في هَذا البابِ أنَّها قالَتْ: ما ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أحَلَّ لَهُ النِّساءَ، وقالَ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. انْتَهى. ونَقَلَ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَنْها رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ النّاسِخَ [آيَةُ] ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وكَذا [عَنْ] جَماعَةٍ مِنهم عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وأُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ولَكِنْ ﷺ تَرَكَ ذَلِكَ أدَبًا مَعَ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ عَبَّرَ في المَنعِ بِصِيغَةِ الخَبَرِ والفِعْلِ المُضارِعِ، ورِعايَةً أشارَ اللَّهُ إلَيْهِ مِن رِعايَةِ حَقِّهِنَّ في اخْتِيارِهِنَّ مِنَ الدّارِ الآخِرَةِ.

ولَمّا قَصَرَهُ ﷺ عَلَيْهِنَّ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ إلَيْهِنَّ بِلُزُومِ البُيُوتِ وتَرْكِ ما كانَ عَلَيْهِ الجاهِلِيَّةُ مِنَ التَّبَرُّجِ، أرْخى عَلَيْهِنَّ الحِجابَ في البُيُوتِ ومَنَعَ غَيْرَهُ ﷺ مِمّا كانَتِ العَرَبُ عَلَيْهِ مِنَ الدُّخُولِ عَلى النِّساءِ لِما عِنْدَهم مِنَ الأمانَةِ في ذَلِكَ، فَقالَ (p-٣٩١)مُخاطِبًا لِأدْنى أسْنانِ أهْلِ هَذا الدِّينِ لِما ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها، ولِأنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُنْتَهِينَ [عَنْ ذَلِكَ] بِغَيْرِ ناهٍ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما يَأْتِي مِن قَوْلِ عَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الحِجابِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعَوُا الإيمانَ صَدَّقُوا دَعْواكم فِيهِ بِأنَّ ﴿لا تَدْخُلُوا﴾ مَعَ الِاجْتِماعِ، فالواحِدُ مِن بابِ الأوْلى.

ولَمّا كانَ تَشْوِيشُ الفِكْرِ رُبَّما كانَ شاغِلًا عَنْ شَيْءٍ مِمّا يُنْبِئُ اللَّهُ بِهِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «بُيِّنَتْ لِي لَيْلَةُ القَدْرِ فَتَلاحى فُلانٌ وفُلانٌ فَأُنْسِيتَها» - أوْ كَما قالَ ﷺ، عَبَّرَ بِصِفَةِ النُّبُوَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ أيِ الَّذِي يَأْتِيهِ الإنْباءُ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ بِما فِيهِ غايَةُ رِفْعَتِهِ، في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أصْلًا ﴿إلا﴾ في حالِ ﴿أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أيْ مِمَّنْ لَهُ الإذْنُ في بُيُوتِهِ ﷺ مِنهُ أوْ مِمَّنْ يَأْذَنُ لَهُ في ذَلِكَ، مُنْتَهِينَ ﴿إلى طَعامٍ﴾ أيْ أكْلِهِ، حالَ كَوْنِكم ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ أيْ وقْتَ ذَلِكَ الطَّعامِ وبُلُوغَهُ واسْتِواءَهُ لِلْأكْلِ، فَمَنَعَ بِهَذا مَن كانَ يَتَحَيَّنُ طَعامَ النَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّ في ذَلِكَ تَكْلِيفًا لَهُ ﷺ بِما يَشُقُّ عَلَيْهِ جِدًّا، فَإنَّهُ رُبَّما كانَ ثَمَّ مَن هو أحْوَجُ إلى ذَلِكَ الطَّعامِ مِنَ المُتَحَيِّنِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأعْذارِ، فَلا يَتَوَجَّهُ (p-٣٩٢)الخِطابُ إلى غَيْرِ أهْلِ السِّنِّ السّافِلِ، ومَن وقَعَتْ لَهُ فَلْتَةٌ مِمَّنْ فَوْقَ رُتْبَتِهِمْ دَخَلَ في خِطابِهِمْ بِما أنْزَلَ مِن رُتْبَتِهِ، والتَّعْبِيرُ بِاسْمِ الفاعِلِ المُجَرَّدِ في ”ناظِرَيْنِ“ أبْلَغُ في النَّهْيِ.

ولَمّا كانَ هَذا الدُّخُولُ بِالإذْنِ مُطْلَقًا، وكانَ يُرادُ تَقْيِيدُهُ، وكانَ الأصْلُ في ذَلِكَ: فَإذا دُعِيتُمْ، إلى آخِرِهِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ المَقامُ لِلْخَتْمِ بِالجَزْمِ فِيما يَذْكُرُ، وكانَ لِلِاسْتِدْراكِ أمْرٌ عَظِيمٌ مِن رَوْعَةِ النَّفْسِ وهَزَّها لِلْعِلْمِ بِأنَّ ما بَعْدَهُ مُضادٌّ لِما قَبْلَهُ قالَ: ﴿ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ﴾ أيْ مِمَّنْ لَهُ الدَّعْوَةُ ﴿فادْخُلُوا﴾ أيْ لِأجْلِ ما دَعاكم لَهُ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا طَعِمْتُمْ﴾ أيْ أكَلْتُمْ طَعامًا أوْ شَرِبْتُمْ شَرابًا ﴿فانْتَشِرُوا﴾ أيِ اذْهَبُوا حَيْثُ شِئْتُمْ في الحالِ، ولا تَمْكُثُوا بَعْدَ الأكْلِ لا مُسْتَرِيحِينَ لِقَرارِ الطَّعامِ في بُطُونِكم ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أيْ طالِبِينَ الأُنْسِ لِأجْلِهِ، قالَ حَمْزَةُ بْنُ نَضْرٍ الكِرْمانِيُّ في كِتابِهِ جَوامِعِ التَّفْسِيرِ: قالَ الحَسَنُ: حَسْبُكَ في الثُّقَلاءِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَجَوَّزْ في أمْرِهِمْ - انْتَهى، وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: حَسْبُكَ بِالثُّقَلاءِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَحْتَمِلْهُمْ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُصَوِّبًا الخِطابَ إلى جَمِيعِهِ، مُعَظِّمًا لَهُ بِأداةِ البُعْدِ: ﴿إنَّ ذَلِكُمْ﴾ أيِ الأمْرَ الشَّدِيدَ (p-٣٩٣)وهُوَ المُكْثُ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ ﴿كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ أيِ الَّذِي هَيَّأْناهُ لِسَماعِ ما نُنَبِّئُهُ بِهِ مِمّا يَكُونُ سَبَبَ شَرَفِكم وعُلُوِّكم في الدّارَيْنِ، فاحْذَرُوا أنْ تَشْغَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ فَنُنَبِّئُهُ بِشَيْءٍ تَهْلَكُونَ فِيهِ. ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ المانِعِ لَهُ مِن مُواجَهَتِهِمْ بِما يُزِيلُ أذاهُ فَقالَ: ﴿فَيَسْتَحْيِي﴾ أيْ يُوجَدُ الحَياءُ، وأصْلُهُ إيجادُ الحَياةِ. كَأنَّ مَن لا حَياءَ لَهُ جَمادٌ لا حَياةَ لَهُ ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ أنْ يَأْمُرُكم بِالِانْصِرافِ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ ﴿لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ لا يَفْعَلُ فِعْلَ المُسْتَحْيِي فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إلى تَرْكِ الأمْرِ بِهِ.

ولَمّا كانَ البَيْتُ يُطْلَقُ عَلى المَرْأةِ لِمُلازَمَتِها لَهُ عادَةً، أعادَ الضَّمِيرَ عَلَيْهِ مُرادًا بِهِ النِّساءُ اسْتِخْدامًا فَقالَ:﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ﴾ أيِ الأزْواجَ ﴿مَتاعًا﴾ أيْ شَيْئًا مِن آلاتِ البَيْتِ ﴿فاسْألُوهُنَّ﴾ أيْ ذَلِكَ المَتاعَ، كائِنَيْنِ وكائِناتٍ ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ أيْ سِتْرٍ يَسْتُرُكم عَنْهُنَّ ويَسْتُرُهُنَّ عَنْكم ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ الأمْرُ العالِي الرُّتْبَةِ الَّذِي أُنَبِّئُكم جَمِيعَكم بِهِ مِنَ السُّؤالِ مِن وراءِ حِجابٍ وغَيْرِهِ ﴿أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾ أيْ [مِن] وساوِسِ الشَّيْطانِ الَّتِي كانَ يُوَسْوِسُ بِها في أيّامِ الجاهِلِيَّةِ قَناعَةً مِنهُ بِما كانُوا في حِبالَتِهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿وما كانَ لَكُمْ﴾ أيْ وما صَحَّ وما اسْتَقامَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿أنْ تُؤْذُوا﴾ وذَكَرَهم بِالوَصْفِ الَّذِي هو سَبَبٌ (p-٣٩٤)لِسَعادَتِهِمْ واسْتَحَقَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ ما لا يَقْدِرُونَ عَلى القِيامِ بِشُكْرِهِ فَقالَ: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ ﷺ، أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ فَلَهُ إلَيْكم مِنَ الإحْسانِ ما يَسْتَوْجِبُ [مِنكُمْ] بِهِ غايَةَ الإكْرامِ والإجْلالِ، فَضْلًا عَنِ الكَفِّ عَنِ الأذى، فَلا تُؤْذُوهُ بِالدُّخُولِ إلى شَيْءٍ مِن بُيُوتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ أوِ المُكْثِ بَعْدَ فَراغِ الحاجَةِ ولا بِغَيْرِ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ قَدْ قَصَرَهُ [ﷺ عَلَيْهِنَّ، ولَزِمَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ أحَلَّ لَهُ غَيَّرَهُنَّ قَصَرَهُنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ] المَوْتِ زِيادَةً لِشَرَفِهِ وإظْهارًا لِمَزِيَّتِهِ فَقالَ: ﴿ولا أنْ تَنْكِحُوا﴾ أيْ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ،

﴿أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ بَعْدِ فِراقِهِ لِمَن دَخَلَ بِها مِنهُنَّ بِمَوْتٍ أوْ طَلاقٍ لِما تَقَدَّمَ أنَّهُ حَيٌّ لَمْ يَمُتْ ﴿أبَدًا﴾ فَإنَّ العِدَّةَ [مِنهُ] يَنْبَغِي أنْ لا تَنْقَضِيَ لِما لَهُ مِنَ الجَلالِ والعَظَمَةِ والكَمالِ، وهو حَيٌّ في قَبْرِهِ لا يَزالُ، [وثَمَّ عِلَّةٌ أعَمُّ مِن هَذِهِ لَمْسُها في المِيراثِ، وهي قَطْعُ الأطْماعِ عَنِ امْتِدادِها إلى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا بَعْدَهُ لِئَلّا يَتَمَنّى أحَدٌ مَوْتَهُ ﷺ لِيَأْخُذَ ذَلِكَ فَيَكْفُرَ لِأنَّهُ لا إيمانَ لِمَن لا يُقَدِّمُهُ عَلى نَفْسِهِ]، وأمّا العالِيَةُ بِنْتُ ظَبْيانَ الَّتِي طَلَّقَها النَّبِيُّ ﷺ. وتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ فَكانَ أمْرُها قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ - ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ - ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكُمْ﴾ أيِ الإيذاءَ بِالنِّكاحِ وغَيْرِهِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ (p-٣٩٥)عَلى غايَةِ البُعْدِ ﴿كانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿عَظِيمًا﴾ وقَدْ ورَدَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أشْياءُ، رَوى أبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ في مُسْنَدِهِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «بَعَثَتْنِي أمُّ سُلَيْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِرُطَبٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى طَبَقٍ في أوَّلِ ما أيْنَعَ ثَمَرُ النَّخْلِ قالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأصابَ مِنهُ ثُمَّ أخَذَ بِيَدِي فَخَرَجْنا وكانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قالَ: فَمَرَّ بِنِساءٍ مِن نِسائِهِ وعِنْدَهُنَّ رِجالٌ يَتَحَدَّثُونَ فَهَنَّأْنَهُ وهَنَّأهُ النّاسُ فَقالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أقَرَّ بِعَيْنِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَضى حَتّى أتى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فَإذا عِنْدَها رِجالٌ، قالَ: فَكَرِهَ ذَلِكَ، وكانَ إذا كَرِهَ الشَّيْءَ عُرِفَ في وجْهِهِ، قالَ: فَأتَيْتُ أمَّ سُلَيْمٍ فَأخْبَرْتُها، فَقالَ أبُو طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَئِنْ كانَ ما قالَ ابْنُكِ [حَقًّا] لِيَحْدُثَنَّ أمْرٌ، قالَ: فَلَمّا كانَ مِنَ العَشِيِّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَعِدَ المِنبَرَ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: وأمَرَ بِالحِجابِ» وأصْلُهُ في التَّفْسِيرِ مِن جامِعِ التِّرْمِذِيِّ ورَوى البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فَقالَتْ لِي أمُّ سُلَيْمٍ: لَوْ أهْدَيْنا لِلنَّبِيِّ ﷺ (p-٣٩٦)هَدِيَّةً! فَقُلْتُ لَها: افْعَلِي، فَعَمَدَتْ إلى تَمْرٍ وأقِطٍ وسَمْنٍ، فاتَّخَذَتْ حَيْسَةً في بُرْمَةٍ، فَأرْسَلَتْ بِها مَعِي إلَيْهِ، فَقالَ لِي: ضَعْها، ثُمَّ أمَرَنِي فَقالَ لِي: ادْعُ [لِي] رِجالًا - سَمّاهم - وادْعُ لِي مَن لَقِيتَ، فَفَعَلْتُ الَّذِي أمَرَنِي، فَرَجَعْتُ فَإذا البَيْتُ غاصَ بِأهْلِهِ» - وفي رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ أنَّ الرّاوِيَ قالَ: «[قُلْتُ] لِأنَسٍ: كَمْ كانُوا؟ قالَ: زُهاءَ ثَلاثِمِائَةٍ - فَرَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وضَعَ يَدَهُ عَلى تِلْكَ الحَيْسَةِ وتَكَلَّمَ بِما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ جَعَلَ يَدْعُو عَشْرَةً عَشْرَةً يَأْكُلُونَ مِنهُ، ويَقُولُ لَهُمْ: اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، ولْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمّا يَلِيهِ، حَتّى تَصَّدَعُوا كُلُّهم عَنْها، قالَ التِّرْمِذِيُّ فَقالَ [لِي]: يا أنَسُ، ارْفَعْ، فَرَفَعْتُ فَما أدْرِي حِينَ وضَعْتُ كانَ أكْثَرَ أوْ حِينَ رَفَعْتُ - فَخَرَجَ مِنهم مَن خَرَجَ وبَقِيَ نَفَرٌ يَتَحَدَّثُونَ، قالَ: وجَعَلْتُ أغْتَمُّ - قالَ التِّرْمِذِيُّ ورَسُولُ اللَّهِ جالَسَ وزَوْجَتُهُ مُوَلِّيَةٌ وجْهَها إلى الحائِطِ، فَثَقَّلُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛» وقالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في تَفْسِيرِهِ: «فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَحِي مِنهم أنْ يَقُولَ لَهم شَيْئًا - ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَ الحُجُراتِ وخَرَجْتُ في أثَرِهِ، فَقُلْتُ: إنَّهم قَدْ ذَهَبُوا، فَرَجَعَ فَدَخَلَ البَيْتَ وأرْخى السِّتْرَ وإنِّي لَفي الحُجْرَةِ وهو (p-٣٩٧)يَقُولُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآيَةَ،» وفي رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ «ثُمَّ رَجَعَ، فَلَمّا رَأوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ ظَنُّوا أنَّهم قَدْ ثَقَّلُوا عَلَيْهِ، فابْتَدَرُوا البابَ، فَخَرَجُوا كُلُّهُمْ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أرْخى السِّتْرَ ودَخَلَ وأنا جالِسٌ في الحُجْرَةِ، فَلَمْ يَلْبَثْ إلّا يَسِيرًا حَتّى خَرَجَ عَلَيَّ وأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآياتُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَّأهُنَّ عَلى النّاسِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآيَةُ،» [و] رَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهَذا لَفْظُ البُخارِيِّ - في رِواياتٍ قالَ: «بُنِيَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِخُبْزٍ ولَحْمٍ، فَأرْسَلَتْ عَلى الطَّعامِ داعِيًا، فَيَجِيءُ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ ويَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ ويَخْرُجُونَ، فَدَعَوْتُ حَتّى ما أجِدُ أحَدًا أدْعُو، فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ! ما أجِدُ أحَدًا أدْعُو، قالَ: ارْفَعُوا طَعامَكُمْ، فَجَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ في البَيْتِ فَإذا هو كَأنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيامِ، فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قامَ، فَلَمّا قامَ قامَ مَن قامَ، وقَعَدَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ،» وفي رِوايَةٍ، «ثَلاثَةُ رَهْطٍ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فانْطَلَقَ إلى حُجْرَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ورَحْمَةُ اللَّهِ.

فَقالَتْ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ، (p-٣٩٨)كَيْفَ وجَدْتَ أهْلَكَ، بارَكَ اللَّهُ لَكَ! فَتَقَرّى حِجْرَ نِسائِهِ كُلِّهِنْ يَقُولُ لَهُنَّ كَما يَقُولُ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. ويَقُلْنَ لَهُ كَما قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ فَإذا القَوْمُ جُلُوسٌ، وكانَ [النَّبِيُّ] ﷺ شَدِيدَ الحَياءِ فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا، نَحْوَ حُجْرَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها،» وفي رِوايَةٍ: «أوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَنى بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَأشْبَعَ النّاسَ خَبْزًا ولَحْمًا، ثُمَّ خَرَجَ إلى حُجَرِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ كَما كانَ يَصْنَعُ صَبِيحَةَ بِنائِهِ، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ ويَدْعُو لَهُنَّ، ويُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ ويَدْعُونَ لَهُ، فَلَمّا رَجَعَ إلى بَيْتِهِ رَأى رَجُلَيْنِ جَرى بِهِما الحَدِيثُ، فَلَمّا رَآهُما رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ، فَلَمّا رَأى الرَّجُلانِ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ وثَبا مُسْرِعَيْنِ، فَما أدْرِي أنا أخْبَرْتُهُ بِخُرُوجِهِما أوْ أُخْبِرَ أنَّ القَوْمَ خَرَجُوا، فَرَجَعَ حَتّى إذا وضَعَ رِجْلَهُ في أُسْكُفَّةِ البابِ داخِلَةً وأُخْرى خارِجَةٌ أرْخى السِّتْرَ، وفي رِوايَةٍ: فَذَهَبْتُ أدْخَلُ فَألْقى الحِجابَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، وأُنْزِلَتْ آيَةُ الحِجابِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآيَةُ،» ولِلْبُخارِيِّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (p-٣٩٩)قالَتْ: «كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: احْجُبْ نِساءَكَ قالَتْ: فَلَمْ يَفْعَلْ، وكانَ أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ يَخْرُجْنَ لَيْلًا إلى لَيْلٍ قَبْلَ المَناصِعِ، خَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ وكانَتِ امْرَأةً طَوِيلَةً رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فَرَآها عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو في المَجْلِسِ فَقالَ: عَرَفْتُكِ يا سَوْدَةُ، حِرْصًا عَلى أنْ يَنْزِلَ الحِجابُ، قالَتْ: فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الحِجابَ» ولِلْبُخارِيِّ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كِلاهُما عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ نِساءَكَ يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ البَرُّ والفاجِرُ، فَلَوْ أمَرْتَهُنَّ أنْ يَتَحَجَّبْنَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ،» ورُوِيَ في السَّبَبِ أشْياءُ غَيْرُ هَذِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ أنْ يَكُونَ لِلْآيَةِ الواحِدَةِ عِدَّةُ أسْبابٍ مُسْتَوِيَةِ الدَّرَجَةِ، أوْ بَعْضُها أقْرَبُ مِن بَعْضٍ، عَلى أنَّهُ قَدْ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ في سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ ما هو صَرِيحٌ في أنَّ قِصَّةَ سَوْدَةَ بَعْدَ الحِجابِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قالَتْ: «خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَ ما ضُرِبَ الحِجابُ لِحاجَتِها وكانَتِ امْرَأةً جَسِيمَةً لا تَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُها، فَرَآها عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: يا سَوْدَةُ! أما واللَّهِ ما تَخْفَيْنَ عَلَيْنا، فانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ، قالَتْ: فانْكَفَأتْ راجِعَةً ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَيْتِي وإنَّهُ يَتَعَشّى وفي يَدِهِ عِرْقٌ فَدَخَلَتْ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي (p-٤٠٠)خَرَجْتُ لِبَعْضِ حاجَتِي، فَقالَ لِي عُمَرُ كَذا وكَذا، قالَتْ: فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وإنَّ العِرْقَ في يَدِهِ ما وضَعَهُ فَقالَ: قَدْ أذِنَ لَكِنَّ أنْ تَخْرُجْنَ لِحاجَتِكُنَّ» وهَؤُلاءِ الَّذِينَ جَلَسُوا - والنَّبِيُّ ﷺ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الكَراهَةِ لِجُلُوسِهِمْ بِما ذَكَرَ مِن هَيْئَتِهِ في حَيائِهِ وتَهَيُّئِهِ لِلْقِيامِ ونَحْوِ ذَلِكَ - لَمْ يَسْتَثْمِرُوا الفِقْهَ مِن أحْوالِهِ، بَلْ كانُوا واقِفِينَ عِنْدَما يَسْمَعُونَهُ مِن مَقالِهِ، وطَرِيقَةِ الكُمَّلِ الِاسْتِبْصارُ بِرَسْمِهِ وحالِهِ كَما يَسْتَبْصِرُونَ مِن قالِهِ وفِعالِهِ، قالَ الحِرالِيُّ: الحالُ كُلُّ هَيْئَةٍ [تَظْهَرُ] عَنِ انْفِعالٍ باطِنٍ، ويَخْتَصُّ بِتَفَهُّمِها المُشاهِدُ المُتَوَسِّمُ، وذَلِكَ كَضَحِكِهِ ﷺ لِلَّذِي رَآهُ يَوْمَ خَيْبَرَ وقَدْ أخَذَ جِرابَ شَحْمٍ مِن فَيْءِ يَهُودٍ وهو يَقُولُ: لا أُعْطِي اليَوْمَ مِن هَذا أحَدًا شَيْئًا، وكَتَغَيُّرِ وجْهِهِ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا أخَذَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ صَحِيفَةً مِن حِكَمِ الأوَّلِينَ حَتّى نَبَّهَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَن تَوَسَّمَ في وجْهِهِ ﷺ الكَراهَةَ لِفِعْلِ عُمَرَ، وإنْباءُ كُلِّ [حالٍ] مِنها يَحْسَبُ ما يُفِيدُهُ الِانْفِعالُ مِنَ الِانْبِساطِ والِانْقِباضِ [والإعْراضِ] ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَتَوَسَّمُهُ المُتَفَطِّنُ، ويَقْطَعُ بِمُقْتَضاهُ المُتَفَهِّمُ، وأمّا الرَّسْمُ فَهو كُلُّ ما (p-٤٠١)شَأْنُهُ البَقاءُ بَعْدَ غَيْبَتِهِ ووَفاتِهِ، فَيَتَفَهَّمُ مِنهُ المُعْتَبِرُ حُكْمَ وضْعِهِ ومَقْصِدَ رَسْمِهِ، كالَّذِي يُشاهَدُ مِن هَيْئَةِ بِنائِهِ مَسْجِدِهِ عَلى حالِ اجْتِزاءٍ بِأيْسَرِ مُمْكِنٍ وكَبِنائِهِ بُيُوتَهُ عَلى هَيْئَةٍ لا تَكَلُّفَ فِيها، ولا مَزِيدَ عِلَّةٍ مِقْدارَ الحاجَةِ، وكَمَثَلِ الكِساءِ المُلَبَّدِ الَّذِي تَرَكَهُ، وفِراشَهُ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن مَتاعِ بُيُوتِهِ، وكَما يَتَفَهَّمُ مِنِ احْتِفالِهِ في أداةِ سِلاحِهِ مِثْلُ كَوْنِ سَيْفِهِ مُحَلًّى بِالفِضَّةِ وقَبْضَتُهُ فِضَّةٌ، ومِثْلُ احْتِفالِهِ بِالتَّطَيُّبِ حَتّى [كانَ] يُرى في ثَوْبِهِ وزِرِّهِ، فَيَتَعَرَّفُ مِن رُسُومِهِ أحْكامَهُ، كَما يَتَعَرَّفُ مِن أحْوالِهِ وأفْعالِهِ وأقْوالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الإباناتِ كُلِّها هي حَقِيقَةُ ما هو الكَلامُ. انْتَهى.

وبُرْهانُ ذَلِكَ أنَّ الأصْلَ في الكُلِّ الكَلامُ النَّفْسِيُّ الَّذِي هو المَنشَأُ، والقَوْلُ والفِعْلُ والحالُ والرَّسْمُ مُتَرْجَمَةٌ عَنْهُ، ولَيْسَ بَعْضُها أحَقَّ بِالتَّرْجَمَةِ مِن بَعْضٍ، نَعَمْ بَعْضُها أدَلُّ مِن بَعْضٍ وأنُصُّ وأصْرَحُ، فَتَهَيُّؤُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْقِيامِ مِن بَيْتِهِ مِثْلُ لَوْ قالَ: أُرِيدُ أنْ تَذْهَبُوا، فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِن قِيامِ الرَّجُلِ مِن بَيْتِهِ الَّذِي هو مَحَلٌّ ما يَسْتُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ أنْ يُرِيدَ ذَهابَ، غَيْرِهِ مِنهُ لِئَلّا يَطَّلِعُ عَلى ما لا يُحِبُّ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أحَدٌ، وإتْيانُهُ لِيَدْخُلَ فَإذا رَآهم رَجَعَ مِثْلَ لَوْ قالَ: إنَّما يَمْنَعُنِي مِنَ الدُّخُولِ إلى مَحَلِّ راحَتِي جُلُوسُكم (p-٤٠٢)فِيهِ لِثِقَلِ جُلُوسِكم عَلَيَّ، وكَذا الأحْوالُ والرَّسُولُ. واللَّهُ الهادِي.

33:54Page 425

إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٥٤

Whether you reveal a thing or conceal it, indeed Allāh is ever, of all things, Knowing.

ولَمّا كانَ بَعْضُ الدّالِّ عَلى الكَلامِ - كَما مَرَّ - أصْرَحَ مِن بَعْضٍ، فَكانَ الإنْسانُ قَدْ يُضْمِرُ أنْ يَفْعَلَ ما يُؤْذِي إذا تَمَكَّنَ، وقَدْ يُؤْذِي بِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ، ويَدَّعِي أنَّهُ قَصَدَ شَيْئًا آخَرَ مِمّا لا يُؤَذِي، قالَ تَعالى حامِلًا لَهم عَلى التَّفَطُّنِ والتَّنَبُّهِ في الأقْوالِ وغَيْرِها والمَقاصِدِ الحَسَنَةِ ظاهِرًا وباطِنًا، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ في جَوابِ مَن رُبَّما انْتَهى بِظاهِرِهِ، وهو عازِمٌ عَلى أنْ يَفْعَلَ الأذى عِنْدَ التَّمَكُّنِ: ﴿إنْ تُبْدُوا﴾ أيْ بِألْسِنَتِكم أوْ غَيْرِها ﴿شَيْئًا﴾ [أيْ] مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ أيْ في صُدُورِكم.

ولَمّا كانَ فِعْلُ مَن يُخْفِي أمْرًا عَنِ النّاسِ فِعْلَ مَن يَظُنُّ أنَّهُ يَخْفى عَلى رَبِّهِ، قالَ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا لِفاعِلِ ذَلِكَ عَلى هَذا اللّازِمِ لِفِعْلِهِ تَرْهِيبًا لَهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿كانَ﴾ أزَلًا وأبَدًا بِهِ، هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ أتى بِما يَعُمُّهُ وغَيْرُهُ فَقالَ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿عَلِيمًا﴾ فَهو يَعْلَمُ ما أسْرَرْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ وإنْ بالَغْتُمْ في كَتْمِهِ، فَيُجازِي عَلَيْهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ.

33:55Page 426

لَّا جُنَاحَ عَلَيۡهِنَّ فِيٓ ءَابَآئِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآئِهِنَّ وَلَآ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ أَخَوَٰتِهِنَّ وَلَا نِسَآئِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّۗ وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا ٥٥

There is no blame upon them [i.e., women] concerning their fathers or their sons or their brothers or their brothers' sons or their sisters' sons or their women or those their right hands possess [i.e., slaves].1 And fear Allāh. Indeed Allāh is ever, over all things, Witness.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ كَما تَقَدَّمَ تَغْلِيظُ الحِجابِ عَلى ذَواتِ الخُدُورِ، وكانَ قَدْ ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ خَصائِصَ وتَغْيِيرَ أحْكامٍ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ (p-٤٠٣)عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِأزْواجِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ ولِغَيْرِهِمْ، كانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّ الحِجابَ تَغَيَّرَ أوْ شَيْءٌ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الدُّخُولِ أوْ غَيْرِهِ، فاسْتَثْنى مَن عَمَّهُ النَّهْيُ السّابِقُ عَنِ الدُّخُولِ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ جَمِيعَ النِّساءِ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ النُّورِ فَقالَ: ﴿لا جُناحَ﴾ أيْ إثْمَ ﴿عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ﴾ دُخُولًا وخَلْوَةً مِن غَيْرِ حِجابٍ، والعَمُّ والخالُ وأبُو الزَّوْجِ بِمَصِيرِ الزَّوْجَيْنِ كالشَّيْءِ الواحِدِ بِمَنزِلَةِ الوالِدِ ﴿ولا أبْنائِهِنَّ﴾ أيْ مِنَ البَطْنِ أوِ الرَّضاعَةِ، وابْنِ الزَّوْجِ بِمَنزِلَةِ الوَلَدِ، وتَرَكَ ذِكْرَهم يَفْهَمُ أنَّ الوَرَعَ الحِجابُ عَنْهم ﴿ولا إخْوانِهِنَّ﴾ لِأنَّ عارَهُنَّ عارُهم ﴿ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ﴾ فَإنَّهُنَّ بِمَنزِلَةِ آبائِهِمْ ﴿ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ﴾ فَإنَّهُنَّ بِمَنزِلَةِ أُمَّهاتِهِمْ ﴿ولا نِسائِهِنَّ﴾ أيِ المُسْلِماتِ القُرْبى مِنهُنَّ والبُعْدى بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، وأمّا الكافِراتُ فَهُنَّ بِمَنزِلَةِ الأجانِبِ مِنَ الرِّجالِ ﴿ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ لِأنَّهم لِما لَهُنَّ عَلَيْهِمْ مِنَ السُّلْطانِ تَبْعُدُ مِنهُمُ الرِّيبَةُ هَيْبَةً لَهُنَّ مَعَ مَشَقَّةِ الِاحْتِجابِ عَنْهم.

ولَمّا كانَتِ الرِّيبَةُ لَيْسَتْ مَقْطُوعًا بِنَفْيِها، وكانَتْ مِن جِهَةِ النِّساءِ أكْثَرَ، لِأنَّهُ لا يَكادُ رَجُلٌ يَتَعَرَّضُ إلّا لِمَن ظَنَّ بِها الإجابَةَ لِما يَرى مِن (p-٤٠٤)مَخايِلِها أوْ مَخايِلِ أشْكالِها، أقْبَلَ عَلَيْهِنَّ بِالخِطابِ لِأنَّهُ أوْقَعُ في النَّفْسِ، فَقالَ آمِرًا عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأظْهَرْنَ عَلى مَن شِئْتُنَّ مِن هَؤُلاءِ: ﴿واتَّقِينَ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ، فَلا تَقْرَبْنَ شَيْئًا مِمّا يَكْرَهُهُ، وطَوى ما عَطَفَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِالتَّقْوى بَعْدَ أنْ ساقَ نَفْيَ الجَناحِ في أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ، وأبْرَزَ الأمْرَ بِها وجَعَلَهُ في أُسْلُوبِ الخِطابِ إيذانًا بِأنَّ الوَرَعَ تَرَكَ الظُّهُورَ عَلى أحَدٍ غَيْرِ مَن يَمْلِكُ التَّمَتُّعَ، فَإنْ دَعَتْ حاجَةٌ كانَ مَعَ الظُّهُورِ حِجابٌ كَثِيفٌ مِنَ الِاحْتِشامِ والأدَبِ التّامِّ.

ولَمّا كانَ الخَوْفُ لا يَعْظُمُ إلّا مِمَّنْ كانَ حاضِرًا مُطْلَقًا، قالَ مُعَلِّلًا مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ فِعْلَ مَن يَتَهاوَنُ في شَيْءٍ مِن أوامِرِهِ فِعْلُ مَن لا يَتَّقِي، ومَن لا يَتَّقِي كَمَن يَظُنُّ أنَّهُ سُبْحانَهُ غَيْرُ مُطَّلِعٍ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ العَظِيمَ الشَّأْنِ ﴿كانَ﴾ أزَلًا وأبَدًا ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن أفْعالِكُنَّ وغَيْرِها، ولِمَزِيدِ الِاحْتِياطِ والوَرَعِ في ذَلِكَ [عَبَّرَ] بِقَوْلِهِ: ﴿شَهِيدًا﴾ أيْ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ وإنْ دَقَّ، فَهو مُطَّلِعٌ عَلَيْكُنَّ حالَ الخَلْوَةِ مِمَّنْ ذُكِرَ، كَما هو مُطَّلِعٌ عَلى [غَيْرِ] ذَلِكَ فَلْيَحْذَّرْهُ كُلُّ أحَدٍ [فِي] حالِ الخَلْوَةِ كَما يَحْذُرُهُ في حالِ الجَلْوَةِ، فَيا لَها مِن عَظَمَةٍ باهِرَةٍ، وسَطْوَةٍ ظاهِرَةٍ قاهِرَةٍ، يَحِقُّ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَبْكِيَ مِنها الدِّماءَ فَضْلًا عَنِ الدُّمُوعِ، وأنْ تَمْنَعَهُ مُرِيحَ القَرارِ ولَذِيذَ الهُجُوعِ، رَوى البُخارِيُّ (p-٤٠٥)عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «”أسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أفْلَحُ أخُو أبِي القُعَيْسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ ما أنْزَلَ الحِجابَ، فَقُلْتُ: لا آذَنُ لَهُ حَتّى اسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ ﷺ فَإنَّ أخاهُ [أبا] القُعَيْسِ لَيْسَ هو أرْضَعَنِي [و] لَكِنْ أرْضَعَتْنِي امْرَأةُ أبِي القُعَيْسِ، [فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أفْلَحَ أخا أبِي القُعَيْسِ] اسْتَأْذَنَ فَأبَيْتُ أنْ آذَنَ لَهُ حَتّى أسْتَأْذِنَكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وما يَمْنَعُكِ؟ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هو أرْضَعَنِي، ولَكِنْ أرْضَعَتْنِي امْرَأةُ أبِي القُعَيْسِ، فَقالَ: ائْذَنِي لَهُ فَإنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ،» قالَ عُرْوَةُ: فَلِذَلِكَ كانَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضاعَةِ ما تُحَرِّمُوا مِنَ النَّسَبِ“ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском