Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Saba 34:16–22
34:16Page 430
فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَٰهُم بِجَنَّتَيۡهِمۡ جَنَّتَيۡنِ ذَوَاتَيۡ أُكُلٍ خَمۡطٖ وَأَثۡلٖ وَشَيۡءٖ مِّن سِدۡرٖ قَلِيلٖ ١٦
But they turned away [refusing], so We sent upon them the flood of the dam,1 and We replaced their two [fields of] gardens with gardens of bitter fruit, tamarisks and something of sparse lote trees.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا الإنْعامِ بَطَرُهُمُ المُوجِبُ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الشُّكْرِ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأعْرَضُوا﴾ ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ إعْراضِهِمْ مَقْتُهُمْ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا﴾ ودَلَّ عَلى أنَّهُ إرْسالُ عَذابٍ بَعْدَ مَظْهَرِ العَظَمَةِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ﴾ أيْ سَيْحَ المَطَرِ الغالِبِ المُؤْذِي الشَّدِيدِ الكَثِيرِ الحادِّ الفِعْلِ المُتَناهِي في الأذى الَّذِي لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ ولا تَمْنَعُهُ حِيلَةٌ بِسَدٍّ ولا غَيْرِهِ مِنَ العَرامَةِ، وهي الشِّدَّةُ والقُوَّةُ، فَأفْسَدَ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ، قالَ أبُو حَيّانَ: سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجُرَذَ (p-٤٧٩)فارًا أعْمى تَوالَدَ فِيهِ، ويُسَمّى الخُلْدَ، فَخَرَّفَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَأرْسَلَ اللَّهُ سَيْلًا في ذَلِكَ الوادِي، فَحَمَلَ ذَلِكَ السَّدَّ فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ مِنَ العِظَمِ وكَثْرَةِ الماءِ بِحَيْثُ مَلَأ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وحَمَلَ الجِنانَ وكَثِيرًا مِنَ النّاسِ مِمَّنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الفِرارُ. ولَمّا غَرِقَ مَن غَرِقَ مِنهم ونَجا مَن نَجا، تَفَرَّقُوا وتَمَزَّقُوا حَتّى ضَرَبَتِ العَرَبُ المَثَلَ بِهِمْ فَقالُوا: تَفَرَّقُوا أيْدِيَ سَبا [وأيادِيَ سَبا]، والأوْسُ والخَزْرَجُ مِنهُمْ، وكانَ ذَلِكَ في الفَتْرَةِ الَّتِي بَيْنَ عِيسى ونَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ﴾ أيْ جَعَلْنا لَهم بَدَلَهُما ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ هُما في غايَةِ ما يَكُونُ مِن مُضادَّةِ جَنَّتَيْهِمْ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُما بِقَوْلِهِ إعْلامًا بِأنَّ إطْلاقَ الجَنَّتَيْنِ عَلَيْهِما مُشاكَلَةٌ لَفْظِيَّةٌ لِلتَّهَكُّمِ بِهِمْ: ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ﴾ أيْ ثَمَرٍ ﴿خَمْطٍ﴾ وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِتَنْوِينٍ ﴿أُكُلٍ﴾ أقْعْدُ في التَّهَكُّمِ مِن قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ بِالإضافَةِ.
ولَمّا كانَ الخَمْطُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ البَهائِمِ والإنْسانِ في الأكْلِ والتَّجَنُّبِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِما أرادَ مِنهُ، لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الأراكِ، لَهُ ثَمَرٌ يُؤْكَلُ، وكُلُّ شَجَرَةٍ مُرَّةٍ ذاتِ شَوْكٍ، والحامِضُ أوِ المُرُّ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وكُلُّ نَبْتٍ (p-٤٨٠)أخَذَ طَعْمًا مِن مَرارَةٍ حَتّى لا يُؤْكَلَ، و[لا] يُمْكِنُ أكْلُهُ، وثَمَرٌ يُقالُ لَهُ فَسْوَةُ الضَّبْعِ عَلى صُورَةِ الخَشْخاشِ يَنْفَرِكُ ولا يُنْتَفَعُ بِهِ، والحَمْلُ القَلِيلُ مِن كُلِّ شَجَرٍ، ذَكَرَ ما يَخُصُّ البَهائِمَ الَّتِي بِها قِوامُ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿وأثْلٍ﴾ أيْ [و] ذَواتَيْ أثْلٍ، وهو شَجَرٌ لا ثَمَرَ لَهُ، نَوْعٌ مِنَ الطَّرْفاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَخُصُّ الإنْسانَ فَقالَ: ﴿وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ﴾ أيْ نَبْقٍ ﴿قَلِيلٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَ السِّدْرِ و[هُوَ] ما لا مَنفَعَةَ فِيهِ أوْ مَنفَعَتُهُ مَشُوبَةٌ بِكَدَرٍ أكْثَرَ مِنَ السِّدْرِ؛ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الفَرّاءَ فَسَّرَ هَذا السِّدْرَ بِالسَّمُرِ، قالَ: وقالَ الأزْهَرِيُّ: السِّدْرُ سِدْرانِ: سِدْرٌ لا يُنْتَفَعُ بِهِ ولا يَصْلُحُ ورَقُهُ لِلْغُسُولِ، ولَهُ ثَمَرَةٌ عَفْصَةٌ لا تُؤْكَلُ، وهَذا الَّذِي يُسَمّى الضّالَّ وسِدْرٌ يَنْبُتُ عَلى الماءِ وثَمَرُهُ النَّبْقُ ووَرَقُهُ الغُسُولُ يُشْبِهُ العُنّابَ. وقَدْ سَبَقَ الوَعْدُ في البَقَرَةِ بِبَيانِ مَطْلَبِ ما يُفِيدُهُ دُخُولُ الجارِّ مَعَ مادَّةِ ”بَدَّلَ“ فَإنَّ الحالَ يَفْتَرِقُ فِيها بَيْنَ الإبْدالِ والتَّبْدِيلِ والِاسْتِبْدالِ والتَّبَدُّلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهي كَثْرَةُ الدَّوْرِ مُشْتَبِهَةَ الأمْرِ، وقَدْ حَقَّقَها شَيْخُنا مُحَقِّقُ زَمانِهِ قاضِي الشّافِعِيَّةِ بِالدِّيارِ المِصْرِيَّةِ (p-٤٨١)شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ القاياتِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقالَ فِيما عَلَّقْتُهُ عَنْهُ وذُكِرَ أكْثَرُهُ في شَرْحِهِ لِخُطْبَةِ المِنهاجِ لِلنَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المادَّةَ - أعْنِي الباءَ والدّالَ واللّامَ - مَعَ هَذا التَّرْتِيبِ قَدْ يُذْكَرُ مَعَها المُتَقابِلانِ فَقَطْ وقَدْ يُذْكَرُ مَعَهُما غَيْرُهُما وقَدْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ فَإنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِما فَقَدْ يُذْكَرانِ مَعَ التَّبَدُّلِ والِاسْتِبْدالِ مَصْحُوبًا أحَدُهُما بِالباءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ [البقرة: ١٠٨] الآيَةُ، فَتَكُونُ الباءُ داخِلَةً عَلى المَتْرُوكِ ويَتَعَدّى الفِعْلُ بِنَفْسِهِ لِلْمُقابِلِ المُتَّخَذِ، وقَدْ يُذْكَرانِ مَعَ التَّبْدِيلِ والإبْدالِ وأحَدُهُما مَقْرُونٌ بِالباءِ، فالباءُ داخِلَةٌ عَلى الحاصِلِ، ويَتَعَدّى الفِعْلُ بِنَفْسِهِ إلى المَتْرُوكِ، نَقَلَ الأزْهَرِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ: بَدَّلْتُ الخاتَمَ بِالحَلْقَةِ - إذا أذَبْتَهُ وسَوَّيْتَهُ حَلْقَةً، وبَدَّلْتُ الحَلْقَةَ بِالخاتَمِ - إذا أذَبْتَها وجَعَلْتَها خاتَمًا، وأبْدَلْتُ الخاتَمَ بِالحَلْقَةِ - إذا نَحَّيْتَ هَذا وجَعَلْتَ هَذِهِ مَكانَهُ، وحَكى الهَرَوِيُّ في الغَرِيبَيْنِ عَنِ ابْنِ عَرَفَةَ يَعْنِي نِفْطَوَيْهِ أنَّهُ قالَ: التَّبْدِيلُ: تَغْيِيرُ الشَّيْءِ عَنْ حالِهِ والإبْدالُ: جَعْلُ الشَّيْءِ مَكانَ آخَرَ وتَحْقِيقُهُ أنَّ مَعْنى التَّبْدِيلِ التَّغْيِيرُ وإنْ لَمْ يُؤْتَ بِبَدَلٍ كَما ذَكَرَ في الصِّحاحِ (p-٤٨٢)وكَمًّا هو مُقْتَضى كَلامِ ابْنِ عَرَفَةَ، فَحَيْثُ ذُكِرَ المُتَقابِلانِ وقِيلَ: ”بَدَّلْتُ هَذا بِذاكَ“ رَجَعَ حاصِلُ ذَلِكَ أنَّكَ أخَذْتَ ذاكَ وأعْطَيْتَ هَذا، فَإذا قِيلَ: بَدَّلَ الشَّيْءَ بِغَيْرِهِ، فَمَعْناهُ غَيَّرَ الشَّيْءَ بِغَيْرِهِ، أيْ تَرَكَ الأوَّلَ وأخَذَ الثّانِيَ، فَكانَتِ الباءُ داخِلَةً عَلى المَأْخُوذِ لا المَنحى، ومَعْنى إبْدالِ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ يَرْجِعُ إلى تَنْحِيَةِ الشَّيْءِ وجَعْلِ غَيْرِهِ مَكانَهُ، فَكانَتِ الباءُ داخِلَةً عَلى المُتَّخَذِ مَكانَ المَنحى، ولِلتَّبْدِيلِ ولَوْ مَعَ الِاقْتِصارِ عَلى المُتَقابِلِينَ اسْتِعْمالٌ آخَرُ، يَتَعَدّى إلى المَفْعُولَيْنِ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ [الكهف: ٨١] الآيَةُ بِمَعْنى يَجْعَلُ الحَسَناتِ بَدَلَ السَّيِّئاتِ ويُعْطِيهِما بَدَلَ ما كانَ لَهُما خَيْرًا وقَدْ لا يَذْكُرُ المَذْهُوبَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] ومَعْنى التَّبَدُّلِ والِاسْتِبْدالِ أخْذُ الشَّيْءِ مَكانَ غَيْرِهِ، فَإذا قُلْتَ: اسْتَبْدَلْتُ هَذا بِذاكَ، أوْ تَبَدَّلْتُ هَذا بِذاكَ، رَجَعَ حاصِلُ ذَلِكَ أنَّكَ أخَذْتَ هَذا وتَرَكْتَ ذاكَ، وإنْ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِما بَلْ ذَكَرَ مَعَهُما غَيْرَهُما وأحَدُهُما مَصْحُوبٌ بِالجارِّ وذَكَرَ التَّبْدِيلَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ (p-٤٨٣)تَعَدّى الفِعْلُ بِنَفْسِهِ إلى المَفْعُولَيْنِ يَعْنِي إلى المَفْعُولِ ذَلِكَ لِأجْلِهِ وإلى المَأْخُوذِ بِنَفْسِهِ، وإلى المَذْهُوبِ المُبْدَلِ مِنهُ بِالباءِ كَما في ”بَدَّلَهُ بِخَوْفِهِ أمْنًا“ ومَعْناهُ: أزالَ خَوْفَهُ إلى الأمْنِ وقَدْ يَتَعَدّى إلى المَذْهُوبِ والحالَةُ هَذِهِ - بِمَن كَما في ”بَدَّلَهُ مِن خَوْفِهِ أمْنًا“ ولِلتَّبْدِيلِ أيْضًا اسْتِعْمالٌ آخَرُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ مِثْلِ: بَدَّلْتُ الشَّيْءَ أيْ غَيَّرْتُهُ، قالَ تَعالى ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] عَلى أنَّ هَهُنا ما يَجِبُ التَّنَبُّهُ لَهُ وهو أنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ مَأْخُوذًا بِالقِياسِ والإضافَةِ إلى شَيْءٍ، مَتْرُوكًا بِالقِياسِ والإضافَةِ إلى آخَرَ، كَما إذا أعْطى شَخْصٌ شَخْصًا شَيْئًا وأخَذَ بَدَلَهُ مِنهُ، فالشَّيْءُ الأوَّلُ مَأْخُوذٌ لِلشَّخْصِ الثّانِي ومَتْرُوكٌ لِلْأوَّلِ، والمُقابِلُ بِالعَكْسِ فَيَصِحُّ أنْ يُعَبَّرَ بِالتَّبَدُّلِ والتَّبْدِيلِ، ويُعْتَبَرُ في كُلٍّ مِنهُما ما يُناسِبُهُ، والإشْكالُ المُقامُ قَصَدْنا بَعْضَ الإطْنابِ. انْتَهى، واللَّهُ أعْلَمُ.
34:17Page 430
ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ ١٧
[By] that We repaid them because they disbelieved. And do We [thus] repay except the ungrateful?
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ هَذا المَحْقِ والتَّقْتِيرِ بَعْدَ ما كانُوا فِيهِ مِن ذَلِكَ المُلْكِ الكَبِيرِ، هَوَّلَ أمْرَهُ مُقَدِّمًا لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ مِمّا يَهْتَمُّ غايَةَ الِاهْتِمامِ بِتَعَرُّفِهِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الجَزاءُ العَظِيمُ العالِي الرُّتْبَةِ في أمْرِ المَسْخِ ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِما كَفَرُوا﴾ أيْ غَطَّوْا (p-٤٨٤)الدَّلِيلَ الواضِحَ.
ولَمّا كانَ مِنَ العادَةِ المُسْتَقِرَّةِ عِنْدَ ذَوِي الهِمَمِ العَوالِ، العَرِيقَيْنِ في مُقارَعَةِ الأبْطالِ، المُبالَغَةُ في جَزاءِ مَن أساءَ بَعْدَ الإحْسانِ، وقابَلَ الإنْعامَ بِالكُفْرانِ، لِما أثَّرَ في القُلُوبِ مِنَ الحَرِيقِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وكَرَّةً في أثَرِ كَرَّةٍ، أجْرى الأمْرَ سُبْحانَهُ عَلى هَذا العُرْفِ، فَقالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ عادًّا لِغَيْرِ جَزائِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَدَمًا، تَهْدِيدًا يُصَدِّعُ القُلُوبَ ويَرْدَعُ النُّفُوسَ، ويَدَعُ الأعْناقَ خاضِعَةً والرُّؤُوسَ: ﴿وهَلْ نُجازِي﴾ أيْ هَذا الجَزاءَ الَّذِي هو عَلى وجْهِ العِقابِ مِن مُجازٍ ما عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ ﴿إلا الكَفُورَ﴾ أيِ المَبالِغَ في الكُفْرِ، وقِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ ”نُجازِي“ بِالنُّونِ عَلى أُسْلُوبٍ ما قَبْلَهُ مِنَ العَظَمَةِ ونَصْبِ ”الكَفُورِ“ وقالَ الفَرّاءُ: المُؤْمِنُ يُجْزى ولا يُجازى - كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ عِقابَ المُسِيءِ لِأجْلِ عَمَلِهِ فَهو مُفاعَلَةٌ، وأمّا ثَوابُ المُطِيعِ فَهو فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لا لِأجْلِ عَمَلِهِ، فَإنَّ عَمَلَهُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ لا يُنافِي المُضاعَفَةَ، قالَ القُشَيْرِيُّ: [كَذَلِكَ] مِنَ النّاسِ مَن يَكُونُ في رَغَدٍ مِنَ الحالِ (p-٤٨٥)واتِّصالٍ مِنَ التَّوْفِيقِ وطِيبٍ مِنَ القَلْبِ ومُساعَدَةٍ مِنَ الوَقْتِ فَيَرْتَكِبُ زَلَّةً أوْ يُسِيءُ أدَبًا أوْ يَتْبَعُ شَهْوَةً، ولا يَعْرِفُ قَدْرَ ما هو فِيهِ فَيُغَيِّرُ عَلَيْهِ الحالَ، فَلا وقْتَ ولا حالَ، ولا طَرَبَ ولا وِصالَ، يُظْلِمُ عَلَيْهِ النَّهارُ، وكانَتْ لَيالِيهُ مُضِيئَةٍ بِبَدائِعِ الأنْوارِ.
34:18Page 430
وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ ٱلۡقُرَى ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا قُرٗى ظَٰهِرَةٗ وَقَدَّرۡنَا فِيهَا ٱلسَّيۡرَۖ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ١٨
And We placed between them and the cities which We had blessed1 [many] visible cities. And We determined between them the [distances of] journey,2 [saying], "Travel between them by night or by day in safety."
ولَمّا أتَمَّ الخَبَرَ عَنِ الجِنانِ الَّتِي بِها القِوامُ نِعْمَةً ونِقْمَةً، أتْبَعَهُ مَواضِعَهُ السُّكّانَ فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، ونَبَّهَ بِنَزْعِ الجارِّ عَلى عِمارَةِ جَمِيعِ تِلْكَ الأراضِي بِالبِناءِ والِانْتِفاعِ فَقالَ: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ قُرى أهْلِ سَبَأٍ ﴿وبَيْنَ القُرى﴾ أيْ مُدُنًا كانَتْ أوْ دُونَها ﴿الَّتِي بارَكْنا﴾ أيْ بَرَكَةً اعْتَنَيْنا بِها اعْتِناءَ مَن يُناظِرُ آخَرَ بِغايَةِ العَظَمَةِ ﴿فِيها﴾ أيْ بِأنْ جَعَلْناها مَحالَّ العِلْمِ والرِّزْقِ بِالأنْبِياءِ وأصْفِياءِ الأوْلِياءِ وهي بِلادُ الشّامِ ﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ أيْ مِن أرْضِ الشّامِ في أشْرافِ الأرْضِ وما صَلُبَ مِنها وعَلا، لِأنَّ البِناءَ فِيها أثْبَتُ، والمَشْيَ بِها أسْهَلُ، والِابْتِهاجَ بِرُؤْيَةِ جَمِيعِ الجِنانِ وما فِيها مِنَ النَّضْرَةِ مِنها أمْكَنُ. فَهي ظاهِرَةٌ لِلْعُيُونِ بَيْنَ تِلْكَ الجِنانِ، كَأنَّها الكَواكِبُ الحِسانُ، مَعَ تَقارُبِها بِحَيْثُ يُرى بَعْضُها مِن بَعْضٍ وكَثْرَةُ المالِ بِها والمَفاخِرُ والنَّفْعُ والمَعُونَةُ لِلْمارَّةِ؛ قالَ البَغَوِيُّ: كانَتْ أرْبَعَةَ آلافٍ وسَبْعَمِائَةِ قَرْيَةٍ مُتَّصِلَةً مِن سَبَأٍ (p-٤٨٦)إلى الشّامِ.
ولَمّا كانَتْ مَعَ هَذا الوَصْفِ رُبَّما كانَ فِيها عُسْرٌ عَلى المُسافِرِ لِعَدَمِ المُوافَقَةِ في المَقِيلِ والمَبِيتِ، أزالَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ أيْ جَعَلْناهُ عَلى مَقادِيرَ هي في غايَةِ الرِّفْقِ بِالمُسافِرِ في نُزُولِهِ مَتى أرادَ مِن لَيْلٍ أوْ نَهارٍ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُ السُّفّارِ، فَهي لِذَلِكَ حَقِيقَةٌ بِأنْ يُقالَ لِأهْلِها والنّازِلِينَ بِها عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ: ﴿سِيرُوا﴾ والدَّلِيلُ عَلى تَقارُبِها جِدًّا قَوْلُهُ: ﴿فِيها﴾ ودَلَّ عَلى كَثْرَتِها وطُولِ مَسافَتِها وصَلاحِيَتِها لِلسَّيْرِ أيَّ وقْتٍ أُرِيدَ، مُقَدِّمًا لِما هو أدَلُّ عَلى الأمْنِ وأعْدَلُ لِلسَّيْرِ في البِلادِ الحارَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيالِيَ﴾ وأشارَ إلى كَثْرَةِ الظِّلالِ والرُّطُوبَةِ والِاعْتِدالِ الَّذِي يُمْكِنُ مَعَهُ السَّيْرُ في جَمِيعِ النَّهارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأيّامًا﴾ أيْ في أيِّ وقْتٍ شِئْتُمْ، ودَلَّ عَلى عَظِيمِ أمانِها في كُلِّ وقْتٍ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ مُلِمٍّ بِقَوْلِهِ: ﴿آمِنِينَ﴾ أيْ مِن خَوْفٍ وتَعَبٍ، أوْ ضَيْعَةٍ أوْ عَطَشٍ أوْ سَغَبٍ.
34:19Page 430
فَقَالُواْ رَبَّنَا بَٰعِدۡ بَيۡنَ أَسۡفَارِنَا وَظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَ وَمَزَّقۡنَٰهُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ١٩
But [insolently] they said, "Our Lord, lengthen the distance between our journeys," and wronged themselves, so We made them narrations1 and dispersed them in total dispersion. Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
ولَمّا انْقَضى الخَبَرُ عَنْ هَذِهِ الأوْصافِ الَّتِي تَسْتَدْعِي غايَةَ الشُّكْرِ لِما فِيها مِنَ الألْطافِ، دَلَّ عَلى بَطَرِهِمْ لِلنِّعْمَةِ بِها بِأنَّهم جَعَلُوها سَبَبًا لِلتَّضَجُّرِ والمِلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا﴾ عَلى وجْهِ الدُّعاءِ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المُرَبِّي لَنا ﴿باعِدْ﴾ أيْ أعْظِمِ البُعْدَ وشَدِّدْهُ - عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو (p-٤٨٧)وهِشامٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِتَشْدِيدِ العَيْنِ وإسْكانِ الدّالِ، وهَذا بِمَعْنى قِراءَةِ الباقِينَ غَيْرِ يَعْقُوبَ ﴿باعِدْ﴾ المُقْتَضِيَةُ لِمَدِّهِ وتَطْوِيلِهِ ﴿بَيْنَ أسْفارِنا﴾ أيْ قُرانا الَّتِي نُسافِرُ فِيها، أيْ لِيَقِلَّ النّاسُ فَيَكُونُ ما يَخُصُّ كُلَّ إنْسانٍ مِن هَذِهِ الجِنانِ أضْعافَ ما يَخُصُّهُ الآنَ ونَحْمِلُ الزّادَ ونَسِيرُ عَلى النَّجائِبِ ونَتَعَلَّقُ السِّلاحَ ونَسْتَجِيدُ المَراكِبَ، وكانَ بَعْضُهم كَأنَّ عَلى الضِّدِّ مِن غَرَضِ هَؤُلاءِ فاسْتَكْثَرَ مَسافَةَ ما بَيْنَ كُلِّ قَرْيَتَيْنِ فَقالَ كَما قَرَأ يَعْقُوبُ ”رَبُّنا“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ ”باعَدَ“ فِعْلًا ماضِيًا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ فازْدَرى تِلْكَ النِّعْمَةَ الوارِدَةَ عَلى قانُونِ الحِكْمَةِ واشْتَهى أنْ تَكُونَ تِلْكَ القُرى مُتَواصِلَةً ﴿وظَلَمُوا﴾ حَيْثُ عَدُّوا النِّعْمَةَ نِقْمَةً، والإحْسانَ إساءَةً ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ تارَةً بِاسْتِقْلالِ الدِّيارِ، وتارَةً بِاسْتِقْلالِ الثِّمارِ، فَسَبَّبَ ذَلِكَ تَبْدِيلَ ما هم فِيهِ بِحالٍ هو في الوَحْشَةِ بِقَدْرِ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الأُنْسِ وهو مَعْنى ﴿فَجَعَلْناهُمْ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أحادِيثَ﴾ أيْ يَتَواصَفُها النّاسُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ لِما لَها مِنَ الهَوْلِ ﴿ومَزَّقْناهُمْ﴾ أيْ تَمْزِيقًا يُناسِبُ العَظَمَةَ، فَما كانَ لَهم دَأْبٌ إلّا المُطاوَعَةُ فَمُزِّقُوا ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيَّ تَمْزِيقٍ كَما يُمَزَّقُ الثَّوْبُ، بِحَيْثُ صارُوا مَثَلًا مَضْرُوبًا إلى هَذا الزَّمانِ، (p-٤٨٨)يُقالُ لِمَن شُتِّتَ أمْرُهُمْ: تَفَرَّقُوا أيْدِيَ سَبا.
ولَمّا كانَ كُلٌّ مِن أمْرَيْهِمْ هَذَيْنِ في العِمارَةِ والخَرابِ أمْرًا باهِرًا دالًّا عَلى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، مِنها القُدْرَةُ عَلى السّاعَةِ الَّتِي هي مَقْصُودُ السُّورَةِ بِالنَّقْلَةِ مِنَ النَّعِيمِ إلى الجَحِيمِ والحَشْرِ إلّا ما لا يُرِيدُ الإنْسانُ كَما حُشِرَ أهْلُ سَبَأٍ إلى كَثِيرٍ مِن أقْطارِ البِلادِ كَما هو مَشْهُورٌ في قِصَّتِهِمْ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ مُسْتَأْنِفًا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِنْتاجِ، مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِ النَّظَرِ فِيهِ، لِما لَهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صِفاتِ الكَمالِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ دَلالاتٍ بَيِّنَةً جِدًّا عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى التَّصَرُّفِ فِيما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ بِالإيجادِ والإعْدامِ لِلذَّواتِ والصِّفاتِ بِالخَسْفِ والمَسْخِ، فَإنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ خارِقٍ وخارِقٍ، وعَلى أنَّ بَطَرَهم لِتِلْكَ النِّعْمَةِ حَتّى مَلُّوها ودَعَوْا بِإزالَتِها دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ ما دامَ حَيًّا فَهو في نِعْمَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ شُكْرُها كائِنَةً ما كانَتْ وإنْ كانَ يَراها بَلِيَّةً، لِأنَّهُ لِما طُبِعَ عَلَيْهِ مِنَ القَلَقِ كَثِيرًا ما يَرى النِّعَمَ نِقَمًا، واللَّذَّةَ ألَمًا، ولِذَلِكَ خَتَمَ الآيَةَ بِالصَّبْرِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ.
ولَمّا كانَ الصَّبْرُ حَبْسَ النَّفْسِ عَنْ أغْراضِها الفاسِدَةِ وأهْوِيَتِها المُعْمِيَةِ، وكانَتْ مُخالَفَةُ الهَوى أشَدَّ ما يَكُونُ عَلى النَّفْسِ وأشَقَّ، وكانَتِ النِّعَمُ تُبْطِرُ وتُطْغِي، وتُفْسِدُ وتُلْهِي، فَكانَ عَطْفُ النُّفُوسِ إلى الشُّكْرِ (p-٤٨٩)بَعْدَ جِماحِها بِطُغْيانِ النِّعَمِ صَعْبًا، وكانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ شارَكَتْ سَبَأً فِيما ذُكِرَ وزادَتْ عَلَيْهِمْ بِرَغَدِ العَيْشِ وسُهُولَةِ إتْيانِ الرِّزْقِ بِما حَبَّبَهم بِهِ وبَلَدَهم إلى العِبادِ بِدَعْوَةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أمْنِ البَلَدِ وجَلالَةِ النَّسَبِ وعَظِيمِ المَنصِبِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: ١١٢] الآيَةُ، قالَ تَعالى مُحَذِّرًا لَهم مِثْلَ عُقُوبَتِهِمْ: ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ بَنِي آدَمَ، مُشِيرًا بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ إلى ذَلِكَ كُلِّهِ، وأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ في طَبْعِهِ الصَّبْرُ والشُّكْرُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ مَن لَيْسَ في طَبْعِهِ الصَّبْرُ فاتَهُ الشُّكْرُ.
34:20Page 430
وَلَقَدۡ صَدَّقَ عَلَيۡهِمۡ إِبۡلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٠
And Iblees had already confirmed through them1 his assumption,2 so they followed him, except for a party of believers.
ولَمّا كانَ المَعْنى: آياتٌ في أنْ تُخالِفُوا إبْلِيسَ فَلا تُصَدِّقُوا ظَنَّهُ في احْتِناكِهِمْ حَيْثُ قالَ: ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٦٢] قالَ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِ كُلِّ أحَدٍ أنْ يَكُونَ صَدَقَ ظَنُّ إبْلِيسَ فِيهِ: ﴿ولَقَدْ﴾ أيْ كانَ في ذَلِكَ آياتٌ مانِعَةٌ مِنِ اتِّباعِ الشَّيْطانِ والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿صَدَّقَ﴾ ولَمّا كانَ في اسْتِغْوائِهِمْ غالِبًا لَهم في إرْكابِهِمْ ما تَشْهَدُ عُقُولُهم بِأنَّهُ ضَلالٌ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
(p-٤٩٠)ولَمّا كانَ في سِياقِ الإثْباتِ لِعَظَمَةِ اللَّهِ وما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ وما لَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ التّامِّ الدّاعِي ذَلِكَ إلى الإقْبالِ إلَيْهِ وقَصْرِ الهِمَمِ عَلَيْهِ، عَبَّرَ بِقَوْلِهِ تَعالى ”إبْلِيس“ الَّذِي هو مِنَ البَلَسِ وهو ما لا خَيْرَ عِنْدَهُ - والإبْلاسُ - وهو اليَأْسُ مِن كُلِّ خَيْرٍ - لِيَكُونَ ذَلِكَ أعْظَمَ في التَّبْكِيتِ والتَّوْبِيخِ ﴿ظَنَّهُ﴾ أيْ في قَوْلِهِ: ﴿لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٦٢] ﴿ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] ﴿إلا عِبادَكَ﴾ [الحجر: ٤٠] ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] فَكَأنَّهُ لَمّا قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ تَقاضاهُ ظَنُّهُ [الصِّدْقُ فَصَدَّقَهُ] في إعْمالِ الحِيلَةِ حَتّى كانَ ذَلِكَ الظَّنُّ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالتَّخْفِيفِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ بِالتَّشْدِيدِ فالمَعْنى أنَّهُ جَعَلَ ظَنَّهُ الَّذِي كانَ يُمْكِنُ تَكْذِيبُهُ فِيهِ قَبْلَ التَّحَقُّقِ صادِقًا، بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ أحَدًا تَكْذِيبُهُ فِيهِ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ سُبْحانَهُ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاتَّبَعُوهُ﴾ أيْ بِغايَةِ الجُهْدِ بِمَيْلِ الطَّبْعِ والِاسْتِلْذاذِ المُوجِبِ لِلنُّزُوعِ والتَّرامِي بَعْضُهم في الكُفْرانِ وبَعْضُهم في مُطْلَقِ العِصْيانِ.
ولَمّا كانَ المُحَدَّثُ عَنْهم جَمْعَيِ النّاسِ، عَرَّفَ بِهِ الِاسْتِثْناءَ المُعَرَّفَ لِقِلَّةِ النّاجِينَ فَقالَ: ﴿إلا فَرِيقًا﴾ أيْ ناسًا لَهُمُ القُدْرَةُ عَلى تَفْرِيقِ كَلِمَةِ أهْلِ الكُفْرِ وفَضِّ جَمْعِهِمْ وإنْ كانُوا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ (p-٤٩١)فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الإيمانِ، فَكانُوا خالِصِينَ لِلَّهِ مُخْلِصِينَ في عِبادَتِهِ، وأمّا غَيْرُهم فَمالُوا مَعَهُ، وكانَ مِنهُمُ المُقِلُّ ومِنهُمُ المُكْثِرُ بِالهَفَواتِ والزَّلّاتِ الصَّغائِرِ والكَبائِرِ.
34:21Page 430
وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيۡهِم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يُؤۡمِنُ بِٱلۡأٓخِرَةِ مِمَّنۡ هُوَ مِنۡهَا فِي شَكّٖۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٢١
And he had over them no authority except [it was decreed] that We might make evident who believes in the Hereafter from who is thereof in doubt. And your Lord, over all things, is Guardian.1
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ أنْ لِإبْلِيسَ أمْرًا بِنَفْسِهِ، نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ما ﴿كانَ﴾ أصْلًا ﴿لَهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ولا غَيْرِهِمْ، وأعْرَقَ فِيما هو الحَقُّ مِنَ النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ تَسَلُّطٍ قاهِرٍ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ بِوَجْهٍ لِأنَّهُ مِثْلُهم في كَوْنِهِ عَبْدًا عاجِزًا مَقْهُورًا، ذَلِيلًا خائِفًا مَدْحُورًا، قالَ القُشَيْرِيُّ: هو مُسَلَّطٌ، ولَوْ أمْكَنَهُ أنْ يُضِلَّ غَيْرَهُ أمْكَنَهُ أنْ يُمْسِكَ عَلى الهِدايَةِ نَفْسَهُ ﴿إلا﴾ أيْ لَكِنْ نَحْنُ سَلَّطْناهُ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانِنا ومَلَّكْناهُ قِيادَهم بِقَهْرِنا؛ وعَبَّرَ عَنِ التَّمْيِيزِ الَّذِي هو سَبَبُ العِلْمِ بِالعِلْمِ فَقالَ: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مَن يُؤْمِنُ﴾ أيْ يُوجِدُ الإيمانَ لِلَّهِ ﴿بِالآخِرَةِ﴾ أيْ لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا بِذَلِكَ في عالَمِ الشَّهادَةِ في حالِ تَمَيُّزِهِ تَعَلُّقًا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ في مَجارِي عاداتِ البَشَرِ كَما كانَ مُتَعَلَّقًا بِهِ في عالَمِ الغَيْبِ ﴿مِمَّنْ هو مِنها﴾ أيْ مِنَ الآخِرَةِ ﴿فِي شَكٍّ﴾ فَهو لا يَتَجَدَّدُ لَهُ بِها إيمانٌ أصْلًا، لِأنَّ الشَّكَّ ظَرْفٌ لَهُ مُحِيطٌ بِهِ، وإنَّما اسْتَعارَ ”إلّا“ مَوْضِعَ ”لَكِنْ“ إشارَةً إلى (p-٤٩٢)أنَّهُ مَكَّنَهُ تَمْكِينًا تامًّا صارَ بِهِ كَمَن لَهُ سُلْطانٌ حَقِيقِيٌّ.
ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْقَعَ في وهْمٍ نَقْصًا في العِلْمِ أوْ في القُدْرَةِ، قالَ مُشِيرًا إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يَسَّرَهُ ﷺ بِتَكْثِيرِ هَذا الفَرِيقِ المُخْلِصِ وجَعَلَ أكْثَرَهُ مِن أُمَّتِهِ فَقالَ: ﴿ورَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِإخْزاءِ الشَّيْطانِ بِنُبُوَّتِكَ وإخْسائِهِ عَنْ أُمَّتِكَ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ ﴿حَفِيظٌ﴾ أيْ حافِظُ أتَمَّ حِفْظٍ مُحِيطٌ بِهِ مُدَبِّرٌ لَهُ عَلى وجْهِ العُلُوِّ بِعِلْمِهِ الكامِلِ وقُدْرَتِهِ الشّامِلَةِ، فَلا يَفْعَلُ الشَّيْطانُ ولا غَيْرُهُ شَيْئًا إلّا بِعِلْمِهِ وإذْنِهِ.
34:22Page 430
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ ٢٢
Say, [O Muḥammad], "Invoke those you claim [as deities] besides Allāh." They do not possess an atom's weight [of ability] in the heavens or on the earth, and they do not have therein any partnership [with Him], nor is there for Him from among them any assistant.
ولَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ ولِذاتِهِ الأقْدَسِ مِنَ المُلْكِ في السَّماواتِ والأرْضِ وغَيْرِهِما ما رَأيْتَ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي لا يُمْكِنُ التَّصْوِيبُ إلَيْها بِطَعْنٍ بِما سَمِعْتَ، وكانَ المَقْصُودُ الأعْظَمُ التَّوْحِيدَ فَإنَّهُ أصْلٌ يَنْبَنِي عَلَيْهِ كُلُّ خَيْرٍ قالَ: ﴿قُلِ﴾ أيْ [يا] أعْلَمَ الخَلْقِ! بِإقامَةِ الأدِلَّةِ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ أشْرَكُوا ما لا يَشُكُّ في حَقارَتِهِ مَن لَهُ أدْنى مِسْكَةٍ: ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أيْ أنَّهم آلِهَةٌ كَما تَدْعُونَ اللَّهَ لا سِيَّما في وقْتِ الشَّدائِدِ، وحَذَفَ مَفْعُولَيْ ”زَعَمَ“ وهُما ضَمِيرُهم وتَألُّهُهم تَنْبِيهًا عَلى اسْتِهْجانِ ذَلِكَ واسْتِبْشاعِهِ، ولَيْسَ المَذْكُورُ في الآيَةِ مَفْعُولًا ولا قائِمًا (p-٤٩٣)مَقامَ المَفْعُولِ لِفَسادِ المَعْنى؛ وبَيَّنَ حَقارَتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي حازَ جَمِيعَ العَظَمَةِ لِشَيْءٍ مِمّا أثْبَتَهُ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ فَلْيَفْعَلُوا شَيْئًا مِثْلَهُ أوْ يُبْطِلُوا شَيْئًا مِمّا فَعَلَهُ سُبْحانَهُ.
ولَمّا كانَ جَوابُهم في ذَلِكَ السُّكُوتِ عَجْزًا وحَيْرَةً، تَوَلّى سُبْحانَهُ الجَوابَ عَنْهُمْ، إشارَةً إلى أنَّ جَوابَ كُلِّ مَن لَهُ تَأمُّلٌ لا وقْفَةَ فِيهِ بِقَوْلِهِ، مُعَبِّرًا عَنْهم بِعِبارَةِ مَن لَهُ عِلْمٌ بِإقامَتِهِمْ في ذَلِكَ المَقامِ، أوْ لِأنَّ بَعْضَ مَنِ ادُّعِيَتْ إلَهِيَّتُهُ مِمَّنْ لَهُ عِلْمٌ: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ أيِ الآنَ ولا يَتَجَدَّدُ لَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ أصْلًا.
ولَمّا كانَ المُرادُ المُبالَغَةَ في الحَقارَةِ بِما تَعْرِفُ العَرَبُ قالَ: ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ولَمّا أُرِيدَ العُمُومُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ وأكَّدَ فَقالَ: ﴿ولا في الأرْضِ﴾ لِأنَّ السَّماءَ ما عَلا، والأرْضَ ما سَفُلَ، والسَّماواتُ في العَرْشِ، والأرْضُ في السَّماءِ، فاسْتَغْرَقَ ذَلِكَ النَّفْيَ عَنْهُما وعَنْ كُلِّ ما فِيهِما مِن ذاتٍ ومَعْنًى إلى العَرْشِ، وهو ذُو العَرْشِ العَظِيمِ.
ولَمّا كانَ هَذا ظاهِرًا في نَفْيِ المُلْكِ الخالِصِ عَنْ شَوْبِ المُشارَكَةِ، نَفى المُشارَكَةَ أيْضًا بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا تَكْذِيبًا لَهم فِيما يَدْعُونَهُ: ﴿وما لَهم فِيهِما﴾ أيِ السَّماواتِ والأرْضِ ولا فِيما فِيهِما، وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: (p-٤٩٤)﴿مِن شِرْكٍ﴾ [أيْ] في خَلْقٍ ولا مُلْكٍ ولا مِلْكٍ، وأكَّدَ النَّفْيَ بِإثْباتِ الجارِّ. ولَمّا كانَ مِمّا في السَّماواتِ والأرْضِ نُفُوسُ هَذِهِ الأصْنامِ وقَدِ انْتَفى مُلْكُهم لِشَيْءٍ مِن أنْفُسِهِمْ أوْ ما أسْكَنَ فِيها سُبْحانَهُ مِن قُوَّةٍ أوْ مَنفَعَةٍ، فانْتَفى أنْ يَقْدِرُوا عَلى إعانَةِ غَيْرِهِمْ، وكانَ لِلتَّصْرِيحِ مَزِيدُ رَوْعَةٍ لِلنُّفُوسِ وهِزَّةٌ لِلْقُلُوبِ وقَطْعٌ لِلْأطْماعِ، حَتّى لا يَكُونَ هُناكَ مُتَشَبَّثٌ قَوِيٌّ ولا واهٍ قالَ: ﴿وما لَهُ﴾ أيِ اللَّهِ ﴿مِنهُمْ﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن ظَهِيرٍ﴾ أيْ مُعِينٍ عَلى شَيْءٍ مِمّا يُرِيدُهُ، فَكَيْفَ يَصِحُّ مَعَ هَذا العَجْزِ الكُلِّيِّ أنْ يُدْعَوْا كَما يُدْعى ويُرْجَوْا كَما يُرْجى ويُعْبَدُوا كَما يُعْبَدُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences