Al-Biqa'iSaba · 34:3–11

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Saba 34:3–11

34:3Page 428

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأۡتِينَا ٱلسَّاعَةُۖ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأۡتِيَنَّكُمۡ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِۖ لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَآ أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٣

But those who disbelieve say, "The Hour will not come to us." Say, "Yes, by my Lord, it will surely come to you. [Allāh is] the Knower of the unseen." Not absent from Him is an atom's weight1 within the heavens or within the earth or [what is] smaller than that or greater, except that it is in a clear register -

ولَمّا ثَبَتَتْ حِكْمَتُهُ بِما نُشاهِدُ مِن مُحْكَمِ الأفْعالِ وصائِبِ الأقْوالِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ عِلْمُهُ لِأنَّ الحِكْمَةَ لا تَكُونُ إلّا بِالعِلْمِ، وكانَ الرَّبُّ الرَّحِيمُ العَلِيمُ لا تَكْمُلُ رُبُوبِيَّتُهُ إلّا بِالمُلْكِ الظّاهِرِ والأيالَةِ القاهِرَةِ الَّتِي لا شَوْبَ فِيها، ثَبَتَ البَعْثُ الَّذِي هو مَحَطُّ الحِكْمَةِ ومَوْضِعُ ظُهُورِ العَدْلِ، فَكانَتْ نَتِيجَةَ ذَلِكَ: فاللَّهُ يَأْتِي بِالسّاعَةِ لِما ثَبَتَ مِن بُرْهانِها كَما تَرَوْنَ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما دَلَّتْهم عَلَيْهِ عُقُولُهم مِن بَراهِينِها الظّاهِرَةِ: ﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ والإخْبارُ عَنْها باطِلٌ.

ولَمّا تَقَدَّمَ مِنَ الأدِلَّةِ ما لا يَرْتابُ مَعَهُ، أمَرَهُ أنْ يُجِيبَهم بِرَدِّ كَلامِهِمْ مُؤَكِّدًا بِالقَسَمِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُخْلِهِ مِن دَلِيلٍ ظاهِرٍ فَقالَ: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ بِما عَمَّنِي بِهِ مَعَكم مِنَ النِّعَمِ، وبِما خَصَّنِي بِهِ مِن تَنْبِئَتَيْ وإرْسالِي إلَيْكم - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ لا يُحْصِيها إلّا هو سُبْحانَهُ، فَهو أكْرَمُ مِن أنْ يَدَعَكم مِن غَيْرِ أنْ يَحْشُرَكم لِيَنْتَقِمَ لِي مِنكُمْ، ويُقِرَّ عَيْنِي بِما يُجازِيكم بِهِ مِن أذاكم لِي ولِمَنِ اتَّبَعَنِي، فَإنَّهُ لا يَكُونُ سَيِّدٌ قَطُّ يَرْضى أنْ يَبْغِيَ بَعْضُ عُصاةِ عَبِيدِهِ عَلى بَعْضٍ، ويَدَعُهم سُدًى مِن غَيْرِ تَأْدِيبٍ، فَكَيْفَ إذا كانَ المَبْغِيُّ عَلَيْهِ مُطِيعًا لَهُ، والباغِي عاصِيًا عَلَيْهِ، هَذا ما لا يَرْضاهُ عاقِلٌ فَكَيْفَ بِحاكِمٍ فَكَيْفَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ؟ ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ أيْ (p-٤٤٥)السّاعَةُ لِتَظْهَرَ فِيها ظُهُورًا تامًّا الحِكْمَةُ بِالعَدْلِ والفَضْلِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن عَجائِبِ الحُكْمِ [والفَصْلِ].

ولَمّا كانَ الحاكِمُ لا يُهْمِلُ رَعِيَّتَهُ إلّا إذا غابُوا مِن عِلْمِهِ، ولا يُهْمِلُ شَيْئًا مِن أحْوالِهِمْ إلّا إذا غابَ عَنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وكانَتِ السّاعَةُ مِن عالَمِ الغَيْبِ، وكانَ ما تَقَدَّمَ مِن إثْباتِ العِلْمِ رُبَّما خَصَّهُ مُتَعَنِّتٌ بِعالَمِ الشَّهادَةِ، وصَفَ ذاتَهُ الأقْدَسَ سُبْحانَهُ بِما بَيَّنَ أنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الغَيْبِ الَّذِي السّاعَةُ مِنهُ والشَّهادَةِ، بَلِ الكُلُّ عِنْدَهُ شَهادَةٌ، ولِلْعِنايَةِ بِهَذا المَعْنى يُقَدَّمُ الغَيْبُ إذا جُمِعا في الذِّكْرِ، فَقالَ مُبَيِّنًا عَظَمَةَ المُقْسَمِ بِهِ لِيُفِيدَ حَقِّيَّةَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ لِأنَّ القَسَمَ بِمَنزِلَةِ الِاسْتِشْهادِ عَلى الأمْرِ، وكُلَّما كانَ المُسْتَشْهِدُ بِهِ أعْلى كَعْبًا وأبْيَنَ فَضْلًا وأرْفَعَ مَنزِلَةً كانَ [فِي] الشَّهادَةِ أقْوى وآكَدَ، والمُسْتَشْهَدُ عَلَيْهِ أثْبُتَ وأرْسَخَ، واصِفًا لَهُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ ومُسْتَأْنِفًا، - وهو أبْلَغُ - عَلى قِراءَةِ المَدَنِيِّينَ وابْنِ عامِرٍ ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِالرَّفْعِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾ وقِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”عَلّامُ“ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ كَما هو ألْيَقُ بِالمَوْضِعِ.

ولَمّا كُنّا لِقُصُورِ عِلْمِنا مُتَقَيِّدِينَ بِما في هَذا الكَوْنِ مَعَ أنَّ الكَلامَ فِيهِ، (p-٤٤٦)قالَ مُصَرِّحًا بِالمَقْصُودِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ أيْ يَغِيبُ ويَبْعُدُ عَزُوبًا قَوِيًّا - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالضَّمِّ - ولا ضَعِيفًا - عَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ بِالكَسْرِ - ﴿عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾ أيْ مِن ذاتٍ ولا مَعْنًى، والذَّرَّةُ نَمْلَةٌ حَمْراءُ صَغِيرَةٌ جِدًّا صارَتْ مَثَلًا في أقَلِّ القَلِيلِ فَهي كِنايَةٌ عَنْهُ. ولَمّا كانَ في هَذِهِ السُّورَةِ السِّباقُ لِلْحَمْدِ، وهو الكَمالُ وجِهَةِ العُلُوِّ بِهِ أوْفَقَ ولِأمْرِ السّاعَةِ ومَبْدَأهُ مِنها بَدَأ بِها.

ولَمّا كانَ قَدْ بَيَّنَ عِلْمَهُ بِأُمُورِ السَّماءِ، وكانَ المُرادُ بِها الجِنْسَ، جَمَعَ هُنا تَصْرِيحًا بِذَلِكَ المُرادِ فَقالَ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ بِتَكْرِيرِ ”لا“ فَقالَ: ﴿ولا في الأرْضِ﴾ ولَمّا كُنّا مُقَيَّدِينَ بِالكِتابِ، ابْتَدَأ الخَبَرَ بِما يَبْهَرُ العَقْلُ مِن أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَسْطُورٌ مِن قَبْلِ كَوْنِهِ ثُمَّ يَكُونُ عَلى وفْقٍ ما سُطِّرَ، فَإذا كُشِفَ لِلْمَلائِكَةِ عَنْ ذَلِكَ ازْدادُوا إيمانًا وتَسْبِيحًا وتَحْمِيدًا وتَقْدِيسًا، فَقالَ - عِنْدَ جَمِيعِ القُرّاءِ عاطِفًا عَلى الجُمْلَةِ مَن أصْلِها [لا] عَلى المِثْقالِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ يَمْنَعُهُ: ﴿ولا أصْغَرُ﴾ أيْ ولا يَكُونُ شَيْءٌ أصْغَرُ ﴿مِن ذَلِكَ﴾ أيِ المِثْقالِ ﴿ولا أكْبَرُ﴾ أيْ مِنَ المِثْقالِ فَما فَوْقَهُ ﴿إلا في كِتابٍ﴾ وإخْبارُنا بِهِ لِما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُنا مِن تَقْيِيدِ العِلْمِ بِالكِتابِ، وأمّا هو سُبْحانَهُ فَغَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَكْتُبُ الشَّيْءَ ثُمَّ يَغِيبُ عَنْهُ ويَنْسى مَكانَهُ (p-٤٤٧)فَيَعْجِزُ في اسْتِخْراجِهِ أخْبَرَ أنَّ كِتابَهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، بَلْ هو حَيْثُ لا يَكْشِفُ مَن يُرِيدُ إطْلاعَهُ عَلَيْهِ شَيْئًا إلّا وجَدَهُ في الحالِ فَقالَ: ﴿مُبِينٍ﴾ ويَجُوزُ - ولَعَلَّهُ أحْسَنُ - إذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ مَعَ آيَةِ يُونُسَ أنْ يَعْطِفَ عَلى مِثْقالٍ، ويَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، ولَكِنْ عَلى بابِها في كَوْنِها بَيْنَ مُتَنافِيَيْنِ، فَإنَّ المَعْنى أنَّهُ لا يَغِيبُ ولا يَبْعُدُ عَنْهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَكِنَّهُ مَحْفُوظٌ أتَمَّ حِفْظٍ في كِتابٍ لا يُرادُ مِنهُ كَشْفُ عَنْ شَيْءٍ إلّا كانَ لَهُ في غايَةِ الإبانَةِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِأداةِ المُتَّصِلِ إشارَةً إلى أنَّهُ إنْ كانَ هُناكَ عُزُوبٌ فَهو عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي في غايَةِ البُعْدِ عَنِ العُزُوبِ،

34:4Page 428

لِّيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤

That He may reward those who believe and do righteous deeds. Those will have forgiveness and noble provision.

ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ كُلَّهُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِ القَسَمِ بِما خُتِمَتْ بِهِ الأحْزابُ مِن حِكْمَةِ عَرْضِ الأمانَةِ مِمّا لا يَمْتَرِي ذُو عَقْلٍ ولَوْ قَلَّ في صِحَّتِهِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ في الحِكْمَةِ أنْ يَفْعَلَ غَيْرَهُ فَقالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ فَإنَّهُ ما خَلَقَ الأكْوانَ إلّا لِأجْلِ الإنْسانِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَدَعُهُ بِغَيْرِ جَزاءٍ: ﴿وعَمِلُوا﴾ أيْ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾

ولَمّا التَفَتَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ جَزائِهِمْ، أوْرَدَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، جَوابًا لِلسُّؤالِ مُشِيرًا إلَيْهِ بِما دَلَّ عَلى عُلُوِّ رُتْبَتِهِ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ أهْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ (p-٤٤٨)أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ أيْ لِزَلّاتِهِمْ أوْ هَفَواتِهِمْ لِأنَّ الإنْسانَ المَبْنِيَّ عَلى النُّقْصانِ لا يُقَدِّرُ العَظِيمَ السُّلْطانِ حَقَّ قَدْرِهِ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ جَلِيلُ عَزِيزٌ دائِمٌ لَذِيذٌ نافِعٌ شَهِيٌّ، لا كَدَرَ فِيهِ بِوَجْهٍ.

34:5Page 428

وَٱلَّذِينَ سَعَوۡ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٞ ٥

But those who strive against Our verses [seeking] to cause failure1 - for them will be a painful punishment of foul nature.

ولَمّا كانَتْ أدِلَّةُ السّاعَةِ قَدِ اتَّضَحَتْ حَتّى لَمْ يَبْقَ مانِعٌ مِنَ التَّصْدِيقِ بِها إلّا العِنادُ، وكانَ السِّياقُ لِتَهْدِيدِ مَن جَحَدَها، قالَ مُعَبِّرًا بِالماضِي: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ أيْ [فَعَلُوا] فِعْلَ السّاعِي ﴿فِي آياتِنا﴾ [أيْ] عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ ﴿مُعاجِزِينَ﴾ أيْ مُبالِغِينَ في قَصْدِ تَعْجِيزِها بِتَخَلُّفِها عَمّا نَزِيدُهُ مِن إنْفاذِها، وهَكَذا [مَعْنى] قِراءَةِ المُفاعَلَةِ، ولَمّا كانَ ذَنْبُهم عَظِيمًا، أشارَ بِابْتِداءٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ [أيِ البُعَداءُ البُغْضاءُ الحَقِيرُونَ عَنْ أنْ يَبْلُغُوا مُرادًا بِمُعاجَزَتِهِمْ] ﴿لَهم عَذابٌ﴾ وأيُّ عَذابٍ ﴿مِن رِجْزٍ﴾ أيُّ شَيْءٍ كُلُّهُ اضْطِرابٌ، فَهو مُوجِبٌ لِعَظِيمِ النَّكَدِ والِانْزِعاجِ، فَهو أسْوَأُ العَذابِ ﴿ألِيمٌ﴾ أيْ بَلِيغُ الألَمِ - جَرَّهُ الجَماعَةُ نَعْتًا لِرِجْزٍ، ورَفَعَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ نَعْتًا لِعَذابٍ.

34:6Page 428

وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلۡحَقَّ وَيَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٦

And those who have been given knowledge see that what is revealed to you from your Lord is the truth, and it guides to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy.

ولَمّا ذَمَّ الكَفَرَةَ، وعَجَّبَ مِنهم في إنْكارِهِمُ السّاعَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ (p-٤٤٩)كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ [سبإ: ٣] [و] أقامَ الدَّلِيلَ عَلى إتْيانِها، وبَيَّنَ أنَّهُ لا يَجُوزُ في الحِكْمَةِ غَيْرُهُ لِيَحْصُلَ العَدْلُ والفَضْلُ في جَزاءِ أهْلِ الشَّرِّ وأُولِي الفَضْلِ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ مَدْحَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ واصِفًا لَهم بِالعِلْمِ، إعْلامًا بِأنَّ الَّذِي أوْرَثَ الكَفَرَةَ التَّكْذِيبَ الجَهْلُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ﴾ مُعَبِّرًا بِالرُّؤْيَةِ والمُضارِعِ إشارَةً [إلى أنَّهم في عَمَلِهِمْ غَيْرُ شاكِّينَ، بَلْ هم كالشّاهِدِينَ لِكُلِّ ما أخْبَرَهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وبِالمُضارِعِ] إلى تَجَدُّدِ عَمَلِهِمْ مُتَرَقِّينَ في رُتَبِهِ عَلى الدَّوامِ مُقابَلَةً لِجَلافَةِ أُولَئِكَ في ثَباتِهِمْ عَلى الباطِلِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ الماضِي، وأشارَ إلى أنَّ عِلْمَهم لَدُنِّيٌّ بِقَوْلِهِ: ﴿أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ قَذَفَهُ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ فَصارُوا مُشاهِدِينَ لِمَضامِينِهِ لَوْ كَشَفَ الغِطاءَ ما ازْدادُوا يَقِينًا سَواءٌ كانُوا مِمَّنْ أسْلَمَ مِنَ العَرَبِ أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴿الَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ أيْ كُلِّهِ مِن أمْرِ السّاعَةِ وغَيْرِهِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِهِ، [وأُتِيَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ تَفْخِيمًا لِلْأمْرِ وتَنْصِيصًا عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ مَفْعُولُ ”أُوتُوا“ الثّانِي فَقالَ]: ﴿هُوَ الحَقَّ﴾ أيْ لا غَيْرُهُ مِنَ الكَلامِ ﴿ويَهْدِي﴾ أيْ [يُجَدِّدُ عَلى مَدى الزَّمانِ هِدايَةَ] مَنِ اتَّبَعَهُ ﴿إلى صِراطِ﴾ أيْ طَرِيقٍ واضِحٍ واسِعٍ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، وكانَ الكُفّارُ فِيها مُسْتَظْهِرَيْنِ (p-٤٥٠)والمُؤْمِنُونَ قَلِيلِينَ خائِفِينَ، والعَرَبُ يَذُمُّونَهم بِمُخالَفَةِ قَوْمِهِمْ ودِينِ آبائِهِمْ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الخُرافاتِ الَّتِي حاصِلُها الِاسْتِدْلالُ عَلى الحَقِّ المَزْعُومِ بِالرِّجالِ قالَ: ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ أيِ الَّذِي مَن سَلَكَ طَرِيقَهُ - وهو الإسْلامُ - عَزَّ وحَمِدَهُ رَبُّهُ فَحَمِدَهُ كُلُّ شَيْءٍ وإنْ تَمالَأ عَلَيْهِ الخَلْقُ أجْمَعُونَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا بُدَّ أنْ يَتَجَلّى لِلْفَصْلِ بَيْنَ العِبادِ، بِالإشْقاءِ والإسْعادِ عَلى قَدْرِ الِاسْتِعْدادِ.

34:7Page 428

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلۡ نَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ يُنَبِّئُكُمۡ إِذَا مُزِّقۡتُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمۡ لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍ ٧

But those who disbelieve say, "Shall we direct you to a man who will inform you [that] when you have disintegrated in complete disintegration, you will [then] be [recreated] in a new creation?

ولَمّا عَجِبَ [سُبْحانَهُ] مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قَوْلِهِمْ ﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ [سبإ: ٣] المُتَضَمِّنِ لِتَكْذِيبِهِمْ، وخَتَمَ بِتَصْدِيقِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مُشِيرًا إلى أنَّ [سَبَبَ] تَكْذِيبِ الكَفَرَةِ الجَهْلُ الَّذِي سَبَبُهُ الكِبْرُ، عَجَّبَ مِنهم تَعْجِيبًا آخَرَ أشَدَّ مِنَ الأوَّلِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ [عَلى وجْهٍ عَجِيبٍ] فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ الَّذِينَ تَحَقَّقُوا أمْرَهُ ﷺ وأجْمَعُوا خِلافَهُ وعَتَوْا عَلى العِنادِ، لِمَن يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مِمَّنْ لا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ حالِهِ مُعْجَبِينَ ومُنَفِّرِينَ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ أيْ أيُّها المُعْتَقِدُونَ أنْ لا حَشْرَ. ولَمّا أخْرَجُوا الكَلامَ مُخْرَجَ الغَرائِبِ [المُضْحِكَةِ] لَمْ يَذْكُرُوا اسْمَهُ مَعَ أنَّهُ أشْهَرُ الأسْماءِ، بَلْ قالُوا: ﴿عَلى رَجُلٍ﴾ أيْ لَيْسَ هو صَبِيًّا ولا امْرَأةً حَتّى تَعْذُرُوهُ ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ يُخْبِرُكم (p-٤٥١)[مَتى شِئْتُمْ] إخْبارًا لا أعْظَمَ مِنهُ بِما حَواهُ مِنَ العَجَبِ الخارِجِ عَمّا نَعْقِلُهُ [مُجَدَّدًا لِذَلِكَ مَتى شاءَ المُسْتَخْبِرُ لَهُ].

ولَمّا كانَ القَصْدُ ذِكْرَ ما يَدُلُّ عِنْدَهم عَلى اسْتِبْعادِ البَعْثِ، قَدَّمُوا المَعْمُولَ فَقالُوا: ﴿إذا﴾ [أيْ إنَّكم إذا] ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ أيْ قُطِّعْتُمْ وفُرِّقْتُمْ بَعْدَ مَوْتِكم مِن كُلِّ مَن شَأْنُهُ أنْ يُمَزِّقَ مِنَ التُّرابِ والرِّياحِ وطُولِ الزَّمانِ ونَحْوِ ذَلِكَ تَمْزِيقًا عَظِيمًا، بِحَيْثُ صِرْتُمْ تُرابًا، وذَلِكَ مَعْنى ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ كُلَّ تَمْزِيقٍ، فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِن أجْسادِكم مَعَ شَيْءٍ، بَلْ صارَ الكُلُّ بِحَيْثُ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ تُرابِهِ وتُرابِ الأرْضِ، وذَهَبَتْ بِهِ السُّيُولُ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَصارَ مَعَ اخْتِلاطِهِ بِتُرابِ الأرْضِ والتِباسِهِ مُتَباعِدًا بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ، وكُسِرَ مَعْمُولُ ”يُنَبِّئُكُمْ“ لِأجْلِ اللّامِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَفِي﴾ أيْ لِتَقُومُونَ كَما كُنْتُمْ قَبْلَ المَوْتِ قِيامًا لا شَكَّ فِيهِ، والإخْبارُ بِهِ مُسْتَحِقٌّ لِغايَةِ التَّأْكِيدِ ﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهَذا عامِلُ إذا الظَّرْفِيَّةِ.

34:8Page 429

أَفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةُۢۗ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ فِي ٱلۡعَذَابِ وَٱلضَّلَٰلِ ٱلۡبَعِيدِ ٨

Has he invented about Allāh a lie or is there in him madness?" Rather, they who do not believe in the Hereafter will be in the punishment and [are in] extreme error.

ولَمّا نَفَّرُوا عَنْهُ بِهَذا الإخْبارِ المُحَيِّرِ في الحامِلِ لَهُ عَلَيْهِ، خَيَّلُوا بِتَقْسِيمِ القَوْلِ فِيهِ في اسْتِفْهامٍ مُرَدَّدٍ بَيْنَ الِاسْتِعْجامِ تَعْجِيبًا والإنْكارِ، فَقالُوا جَوابًا لِمَن سَألَ عَنْ سَبَبِ إخْبارِهِ بِإسْقاطِ هَمْزَةِ الوَصْلِ، لِعَدَمِ الإلْباسِ (p-٤٥٢)هُنا بِخِلافِ ما يَصْحَبُ لامَ التَّعْرِيفِ فَإنَّها لِفَتْحِها تُلْبِسُ بِالخَبَرِ: ﴿أفْتَرى﴾ أيْ تَعَمَّدَ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ [أيْ] الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ ﴿كَذِبًا﴾ بِالإخْبارِ بِخِلافِ الواقِعِ [وهُوَ عاقِلٌ يَصِحُّ مِنهُ القَصْدُ]. ولَمّا كانَ يَلْزَمُ مِنَ التَّعَمُّدِ العَقْلُ، قالُوا: ﴿أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ جُنُونٌ، فَهو يَقُولُ الكَذِبَ، وهو ما لا حَقِيقَةَ لَهُ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ، [لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ القَصْدِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الِافْتِراءِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، وذِكْرُ الجُنُونِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى ذِكْرِ ضِدِّهِ أوَّلًا].

ولَمّا كانَ الجَوابُ: لَيْسَ بِهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُخْبِرًا عَنْ بَعْضِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما يُوجِبُ رَدْعَ البَعْضِ الآخَرِ قَوْلَهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ [لا] يُجَدِّدُونَ الإيمانَ لِأنَّهم طُبِعُوا عَلى الكُفْرِ ﴿بِالآخِرَةِ﴾ أيِ الفِطْرَةِ الآخِرَةِ الَّتِي أدَلُّ شَيْءٍ عَلَيْها الفِطْرَةُ الأُولى. ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ مُسَبَّبًا عَنْ ضَلالِهِمْ، وكانَ ضَلالُهم سَبَبًا لِعَذابِهِمْ، قَدَّمَ العَذابَ لِأنَّهُ المَحَطُّ ولِيَرْتَدِعَ مَن أرادَ اللَّهُ إيمانَهُ فَقالَ: ﴿فِي العَذابِ﴾ أيْ في الدُّنْيا بِمُحاوَلَةِ إبْطالِ ما أرادَ اللَّهُ إتْمامَهُ، وفي الآخِرَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَعْصِيَةِ، وأتْبَعَهُ سَبَبَهُ فَقالَ: ﴿والضَّلالِ﴾ أيْ عَمّا يَلْزَمُ مِن وُجُوبِ وحْدانِيَّتِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ بِسَبَبِ أنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ.

ولَمّا كانَ قَوْلَهم بَعِيدًا مِنَ الحَقِّ لِوَصْفِهِمْ أهْدى النّاسِ بِالضَّلالِ، (p-٤٥٣)وكانَ الضَّلالُ يَبْعُدُ بِبُعْدِ صاحِبِهِ عَنِ الجادَّةِ وتَوَغُّلِهِ في المَهامِهِ الوَعِرَةِ الشّاسِعَةِ، قالَ واصِفًا لَهُ بِوَصْفِ الضّالِّ: ﴿البَعِيدِ﴾ فَبَيَّنَ الوَصْفُ أنَّهُ لا يُمْكِنُ الِانْفِكاكُ عَنْهُ، وعُلِمَ أنَّ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا قِسْمًا لَمْ يُطْبَعُوا عَلى الكُفْرِ، فَضَّلُوا ضَلالًا قَرِيبًا يُمْكِنُ انْفِكاكُهم عَنْهُ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم بَعْدُ، وهو مِن بَدِيعِ القَوْلِ حَيْثُ عَبَّرَ بِها الظّاهِرُ الَّذِي أفْهَمَ هَذا التَّقْسِيمَ مَوْضِعَ الإضْمارِ الَّذِي كانَ حَقُّهُ: بَلْ هم في كَذا.

34:9Page 429

أَفَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِن نَّشَأۡ نَخۡسِفۡ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ نُسۡقِطۡ عَلَيۡهِمۡ كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٩

Then, do they not look at what is before them and what is behind them of the heaven and earth? If We should will, We could cause the earth to swallow them or [could] let fall upon them fragments from the sky. Indeed in that is a sign for every servant turning back [to Allāh].

ولَمّا كانُوا قَدْ أنْكَرُوا السّاعَةَ لِقَطْعِهِمْ بِأنَّ مَن مُزِّقَ كُلَّ مُمَزَّقٍ لا يُمْكِنُ إعادَتُهُ، فَقَطَعُوا جَهْلًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقُولُ ذَلِكَ، فَنَسَبُوا الصّادِقَ ﷺ في الإخْبارِ بِذَلِكَ إلى أحَدِ أمْرَيْنِ: تَعَمُّدِ الكَذِبِ أوِ الجُنُونِ. شَرَعَ سُبْحانَهُ يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ في جَمِيعِ ما أخْبَرَ بِهِ، فَبَدَأ بِإثْباتِ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ مُسْتَنِدًا إلى ضَلالِهِمْ بِسَبَبِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ الآياتِ، فَكانَ المَعْنى: ضَلُّوا فَلَمْ يَرَوْا، فَدَلَّ عَلَيْهِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُهَدِّدًا لَهم مُقَرِّرًا لِذَوِي العُقُولِ مِنَ السّامِعِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَرَوْا﴾ ونَبَّهَ عَلى أنَّهم في مَحَلِّ بُعْدٍ عَنِ الإبْصارِ النّافِعِ بِحَرْفِ النِّهايَةِ فَقالَ: ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ أمامَهم ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ وذَلِكَ إشارَةً إلى جَمِيعِ الجَوانِبِ مِن كُلٍّ مِنَ الخافِقَيْنِ (p-٤٥٤)وأنَّهُما قَدْ أحاطا بِهِمْ كَغَيْرِهِمْ. ولَمّا لَمْ تَدْعُ حاجَةٌ إلى الجَمْعِ أفْرَدَ فَقالَ: ﴿مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيِ الَّذِينَ جَعَلْنا مَطْلَعَ السُّورَةِ أنَّ لَنا كُلَّ ما فِيهِما.

ولَمّا كانَ الإنْكارُ لائِقًا بِمَقامِ العَظَمَةِ، فَكانَ المَعْنى: إنّا نَفْعَلُ بِهِما وفِيهِما ما نَشاءُ، عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ نَشَأْ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ - عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿نَخْسِفْ﴾ أيْ تُغُورُ ﴿بِهِمُ﴾ [وأدْغَمَ الكِسائِيُّ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ في أسْرَعِ مِنَ اللَّمْحِ بِحَيْثُ يُدْرَكُ لِأكْثَرِ النّاسِ وقَدْ يَفْعَلُهُ عَلى وجْهِ الوُضُوحِ وهو أكْثَرُ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ الإظْهارِ لِلْجُمْهُورِ. ولَمّا كانَ الخَسْفُ قَدْ يَكُونُ لِسَطْحٍ أوْ سَفِينَةٍ ونَحْوِهِما، خَصَّ الأمْرَ بِقَوْلِهِ]: ﴿الأرْضَ﴾ أيْ كَما فَعَلْنا بِقارُونَ وذَوِيهِ لِأنَّهُ لَيْسَ نُفُوذُ بَعْضِ أفْعالِنا فِيها بِأوْلى مِن غَيْرِهِ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى قِراءَةِ حَفْصٍ وبِإسْكانِهِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِ أيْ قاطِعًا ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ كَذَلِكَ [لِيَكُونَ شَدِيدَ الوَقْعِ لِبُعْدِ المَوْقِعِ المَدى عَنِ السَّحابِ ونَحْوِهِ] لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنّا نَحْنُ خَلَقْناهُما، ومَن أوْجَدَ شَيْئًا قَدَرَ عَلى هَذِهِ وهَذا ما أرادَ مِنهُ، ومَن جَعَلَ السِّياقَ (p-٤٥٥)لِلْغَيْبِ - وهو حَمْزَةُ والكِسائِيُّ - رَدَّ الضَّمِيرُ عَلى الِاسْمِ الأعْظَمِ الَّذِي جَعَلَهُ مَطْلَعُ السُّورَةِ.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا ظاهِرًا، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِن إنْكارِ البَعْثِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ [فِي] قُدْرَتِنا عَلى ما نَشاءُ مِن كُلٍّ مِنهُما والتَّأمُّلِ في فُنُونِ تَصارِيفِهِما ﴿لآيَةً﴾ أيْ عَلامَةً بَيِّنَةً عَلى أنّا نُعامِلُ مَن شِئْنا فِيهِما بِالعَدْلِ بِأيِّ عَذابٍ أرَدْنا، ومَن شِئْنا بِالفَضْلِ بِأيِّ ثَوابٍ أرَدْنا، وذَلِكَ دالٌّ عَلى أنّا قادِرُونَ عَلى كُلِّ ما نَشاءُ مِنَ الإماتَةِ والإحْياءِ وغَيْرِهِما، فَقَدْ خَسَفْنا بِقارُونَ وآلِهِ وبِقَوْمِ لُوطٍ وأشْياعِهِمْ، وأسْقَطْنا مِنَ السَّماءِ عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ يَوْمَ الظُّلَّةِ قِطَعًا مِنَ النّارِ، وعَلى قَوْمِ لُوطٍ حِجارَةً، فَأهْلَكْناهم بِذَلِكَ أجْمَعِينَ. ولَمّا كانَتِ الآياتُ لا تَنْفَعُ مَن طُبِعَ عَلى العِنادِ قالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ﴾ أيْ مُتَحَقِّقٍ أنَّهُ مَرْبُوبٌ ضَعِيفٌ مُسَخَّرٌ لِما يُرادُ مِنهُ ﴿مُنِيبٍ﴾ أيْ فِيهِ قابِلِيَّةُ الرُّجُوعِ عَمّا أبانَ لَهُ الدَّلِيلُ عَنْ أنَّهُ زَلَّ فِيهِ.

34:10Page 429

۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ ١٠

And We certainly gave David from Us bounty. [We said], "O mountains, repeat [Our] praises with him, and the birds [as well]." And We made pliable for him iron,

ولَمّا أشارَ سُبْحانَهُ بِهَذا الكَلامِ الَّذِي دَلَّ فِيهِ عَلى نُفُوذِ الأمْرِ إلى أنَّهُ تارَةً يَعْدِلُ وتارَةً يَفْضُلُ، وكانَ الفَضْلُ أكْثَرَ اسْتِجْلابًا لِذَوِي الهِمَمِ العَلِيَّةِ والأنْفُسِ الأبِيَّةِ، بَدَأ بِهِ في عَبْدٍ مِن رَؤُوسِ المُنِيبِينَ عَلى وجْهٍ دالٍّ (p-٤٥٦)عَلى البَعْثِ بِكَمالِ التَّصَرُّفِ في الخافِقَيْنِ وما فِيهِما بِأُمُورٍ شُوهِدَتْ لِبَعْضِ عَبِيدِهِ تارَةً بِالعِيانِ وتارَةً بِالآذانِ، أمّا عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ فَواضِحٌ، وأمّا عِنْدَ العَرَبِ فَبِتَمْكِينِهِمْ مِن سُؤالِهِمْ فَقَدْ كانُوا يَسْألُونَهم عَنْهُ ﷺ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ بَعْضَ ذَلِكَ طَفَحَتْ بِهِ أخْبارُهم ونَطَقَتْ بِهِ أشْعارُهُمْ، فَقالَ تَعالى مُقْسِمًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ إنْكارَهم لِلْبَعْثِ إنْكارٌ لِما يُخْبِرُ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَقَدْ آتَيْنا هَذا الرَّجُلَ الَّذِي نَسَبْتُمُوهُ إلى الكَذِبِ أوِ الجُنُونِ مِنّا فَضْلًا بِهَذِهِ الأخْبارِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِمُعْجِزِ القُرْآنِ فَيا بُعْدَ [ما بَيْنَهُ وبَيْنَ] ما نَسَبْتُمُوهُ إلَيْهِ: ﴿ولَقَدْ﴾ [أيْ] وعِزَّتِنا وما ثَبَتَ لَنا مِنَ الإحاطَةِ بِصِفاتِ الكَمالِ بِالِاتِّصافِ بِالحَمْدِ لَقَدْ ﴿آتَيْنا﴾ أيْ أعْطَيْنا إعْطاءً عَظِيمًا دالًّا عَلى نِهايَةِ المُكْنَةِ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿داوُدَ﴾

ولَمّا كانَ المُؤْتى قَدْ تَكُونُ واسِطَةً لِمَن مِنهُ الإيتاءُ، بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ إلّا مِنهُ فَقالَ: ﴿مِنّا فَضْلا﴾ ودَلَّ عَلى أنَّ التَّنْوِينَ لِلتَّعْظِيمِ وأنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ تَكْوِينُ شَيْءٍ عَلى غَيْرِ إرادَتِهِ بِقَوْلِهِ، مُنْزِلًا الجِبالَ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ الَّذِينَ يُبادِرُونَ [إلى] امْتِثالِ أوامِرِهِ، تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ تَصَرُّفِهِ في الأشْياءِ كُلِّها جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما ذَلِكَ الفَضْلُ؟ مُبْدِلًا (p-٤٥٧)مِن ”آتَيْنا“: ﴿يا﴾ أيْ قُلْنا لِأشَدِّ الأرْضِ: يا ﴿جِبالُ أوِّبِي﴾ أيْ رَجِّعِي التَّسْبِيحَ وقِراءَةَ الزَّبُورِ وغَيْرَهُما مِن ذِكْرِ اللَّهِ ﴿مَعَهُ﴾ أيْ كُلَّما سَبَّحَ، فَهَذِهِ آيَةٌ أرْضِيَّةٌ مِمّا هو أشَدُّ الأرْضِ بِما هو وظِيفَةُ العُقَلاءِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ فِيهِ بِالأمْرِ دَلالَةً عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ.

ولَمّا كانَتِ الجِبالُ أغْلَظَ الأرْضِ وأثْقَلَها، وكانَ المَعْنى: دَعَوْنا الجِبالَ لِلتَّأْوِيبِ مَعَهُ، فَبادَرَتِ الإجابَةَ لِدُعائِنا، لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّها مِن جُمْلَةِ مَن أبى أنْ يَحْمِلَ الأمانَةَ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ أخَفَّ الحَيَوانِ وألْطَفَهُ، لِيَكُونَ آيَةً سَماوِيَّةً، عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ في السَّماءِ ما يَشاءُ، فَإنَّهُ لَوْ أماتَ الطّائِرَ في جَوِّ السَّماءِ لَسَقَطَ، ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ عالٍ وعالٍ، فَقالَ: ﴿والطَّيْرَ﴾ أيْ دَعَوْناها أيْضًا، فَكانَتْ تُرَجِّعُ مَعَهُ الذِّكْرَ فَدَلَّ قِرانَها بِالطَّيْرِ عَلى ذِكْرِها حَقِيقَةً كَذِكْرِ الطَّيْرِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مَن يَظُنُّهُ رَجْعَ الصَّدا، وقِراءَةُ يَعْقُوبَ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلى لَفْظِ ”جِبالُ“ وقِراءَةُ غَيْرِهِ عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِهِ، أوْ تَكُونُ الواوُ بِمَعْنى مَعَ أوْ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مِن مَعْنى ما مَضى كَسَخَّرْنا، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ يَقُولُ لِلْجِبالِ: سَبِّحِي، ولِلطَّيْرِ: أجِيبِي، ثُمَّ يَأْخُذُ وهو في تِلاوَةِ الزَّبُورِ بَيَّنَ ذَلِكَ بِصَوْتِهِ الحَسَنِ، فَلا يَرى النّاسُ مَنظَرًا أحْسَنَ مِن ذَلِكَ، ولا يَسْمَعُونَ شَيْئًا [أطْيَبَ] مِنهُ، وذَلِكَ كَما كانَ الحَصى يُسَبِّحُ في كَفِّ النَّبِيِّ ﷺ وكَفِّ أبِي بَكْرٍ (p-٤٥٨)وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وكَما كانَ الطَّعامُ يُسَبِّحُ في حَضْرَتِهِ الشَّرِيفَةِ وهو يُؤْكَلُ، وكَما كانَ الحَجَرُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وأُسْكُفَّةُ البابِ وحَوائِطُ البَيْتِ تُؤَمِّنُ عَلى دُعائِهِ، وحَنِينُ الجِذْعِ مَشْهُورٌ، وكَما كانَ الضَّبُّ يَشْهَدُ لَهُ والجَمَلُ يَشْكُو إلَيْهِ ويَسْجُدُ بَيْنَ يَدَيْهِ ونَحْوُ ذَلِكَ وكَما جاءَ الطّائِرُ الَّذِي يُسَمّى الحُمْرَةُ تَشْكُو الَّذِي أخَذَ بَيْضَها، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِرَدِّهِ رَحْمَةً لَها.

ولَمّا ذَكَرَ طاعَةَ أكْثَفِ الأرْضِ وألْطَفِ الحَيَوانِ الَّذِي أنْشَأهُ اللَّهُ مِنها. ذَكَرَ ما أنْشَأهُ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ الأكْثَفِ، وهو أصْلَبُ الأشْياءِ فَقالَ: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ أيِ الَّذِي ولَّدْناهُ مِنَ الجِبالِ جَعَلْناهُ في يَدِهِ كالشَّمْعِ يَعْمَلُ مِنهُ ما يُرِيدُ بِلا نارٍ ولا مِطْرَقَةٍ،

34:11Page 429

أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١

[Commanding him], "Make full coats of mail and calculate [precisely] the links, and work [all of you] righteousness. Indeed I, of what you do, am Seeing."

ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ الإلانَةِ بِصِيغَةِ الأمْرِ إشارَةً إلى أنَّ عَمَلَهُ كانَ لِلَّهِ فَقالَ: ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ أيْ دُرُوعًا طِوالًا واسِعَةً.

ولَمّا كانَ السَّرْدُ الخَرْزَ في الأدِيمِ وإدْخالَ الخَيْطِ في مَوْضِعِ الخَرَزِ شَبَّهَ إدْخالَ الحَلْقَةِ في الأُخْرى بِلُحْمَةٍ لا طَرَفَ لَها بِمَواضِعِ الخَرَزِ فَقالَ: ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ أيِ النَّسْجِ بِأنْ يَكُونَ كُلُّ حَلْقَةٍ مُساوِيَةً لِأُخْتِها مَعَ كَوْنِها ضَيِّقَةً لِئَلّا يَنْفُذَ مِنها سَهْمٌ ولْتَكُنْ في تَحْتِها بِحَيْثُ (p-٤٥٩)لا يَقْلَعُها سَيْفٌ ولا تَثْقُلُ عَلى الدّارِعِ فَتَمْنَعُهُ خِفَّةَ التَّصَرُّفِ وسُرْعَةَ الِانْتِقالِ في الكَرِّ والفَرِّ والطَّعْنِ والضَّرْبِ في البَرْدِ والحَرِّ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في حِلَقِها مَسامِيرُ لِعَدَمِ الحاجَةِ بِإلانَةِ الحَدِيدِ إلَيْها، وإلّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ فَرْقٌ، ولا كانَ لِلْإلانَةِ فائِدَةٌ، وقَدْ أخْبَرَ بَعْضُ مَن رَأى ما نُسِبَ إلَيْهِ بِغَيْرِ مَسامِيرَ، قالَ الزَّجّاجُ: السَّرْدُ في اللُّغَةِ: تَقْدِيرُ الشَّيْءِ إلى الشَّيْءِ لِيَتَأتّى مُتَّسِقًا بَعْضُهُ في أثَرِ بَعْضٍ مُتَتابِعًا، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: سَرَدَ فُلانٌ الحَدِيثَ. وهَذا كَما ألانَ اللَّهُ تَعالى لِلنَّبِيِّ ﷺ في الخَنْدَقِ تِلْكَ الكُدْيَةَ وفي رِوايَةٍ: الكُذانَةَ وذَلِكَ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنِ المَعاوِلُ تَعْمَلُ فِيها وبَلَغَتْ غايَةَ الجَهْدِ مِنهم فَضَرَبَها ﷺ ضَرْبَةً واحِدَةً، وفي رِوايَةٍ رَشَّ عَلَيْها ماءً فَعادَتْ كَثِيبًا أُهِيلَ لا تَرُدُّ فَأْسًا وتِلْكَ الصَّخْرَةُ الَّتِي أخْبَرَهُ سَلْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها كَسَرَتْ فُؤُوسَهم ومَعاوِلَهم وعَجَزُوا عَنْها فَضَرَبَها النَّبِيُّ ﷺ ثَلاثَ ضَرَباتٍ كَسَرَ في ضَرْبِهِ ثَلاثًا مِنها وبَرَقَتْ مَعَ كُلِّ ضَرْبَةٍ بَرْقَةٌ كَبَّرَ مَعَها تَكْبِيرَةً، وأضاءَتْ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ما بَيْنَ (p-٤٦٠)لابَتَيِ المَدِينَةِ بِحَيْثُ كانَتْ في النَّهارِ كَأنَّها مِصْباحٌ في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَأخْبَرَهم ﷺ أنَّ إحْدى الضَّرَباتِ أضاءَتْ لَهُ صَنْعاءَ مِن أرْضِ اليَمَنِ حَتّى رَأى أبْوابَها مِن مَكانِهِ ذَلِكَ، وأخْبَرَهُ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها سَتُفْتَحُ عَلى أُمَّتِهِ، وأضاءَتْ لَهُ الأُخْرى قُصُورَ الحَيْرَةِ البِيضَ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَ أنَّها مَفْتُوحَةٌ لَهُمْ، وأضاءَتْ لَهُ الأُخْرى قُصُورَ الشّامِ الحُمْرَ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَ بِفَتْحِها عَلَيْهِمْ، فَصَدَقَهُ اللَّهُ تَعالى في جَمِيعِ ما قالَ، وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ تَصْلِيبُ الخَشَبِ لَهُ حَتّى يَصِيرَ سَيْفًا قَوِيَّ المَتْنِ جَيِّدَ الحَدِيدَةِ، وذَلِكَ «أنَّ سَيْفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ انْقَطَعَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأعْطاهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عُرْجُونًا فَعادَ في يَدِهِ سَيْفًا قائِمَةً مِنهُ فَقاتَلَ بِهِ، فَكانَ يُسَمّى العَوْنَ، ولَمْ يَزَلْ بَعْدُ يُتَوارَثُ حَتّى بِيعَ مِن بَغا التُّرْكِيِّ بِمِائَتَيْ دِينارٍ» ذَكَرَهُ الكُلاعِيُّ في السِّيرَةِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ أبِي بَكْرٍ والبَيْهَقِيِّ، «وقاتَلَ [عَكّاشَةُ] بْنُ مِحْصَنٍ يَوْمَ بَدْرٍ فانْقَطَعَ سَيْفُهُ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأعْطاهُ جَذْلًا مِن حَطَبٍ، فَلَمّا أخَذَهُ هَزَّهُ فَعادَ في يَدِهِ سَيْفًا طَوِيلَ القامَةِ شَدِيدَ المَتْنِ أبْيَضَ الحَدِيدِ فَقاتَلَ بِهِ حَتّى فَتَحَ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ، وكانَ ذَلِكَ السَّيْفُ يُسَمّى العَوْنَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يَشْهَدُ بِهِ المَشاهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَعْدَهُ حَتّى قُتِلَ في الرِّدَّةِ (p-٤٦١)وهُوَ عِنْدَهُ،» وعَنِ الواقِدِيِّ «أنَّهُ انْكَسَرَ سَيْفُ سَلَمَةَ بْنِ أسْلَمَ بْنِ الحُرَيْشِ يَوْمَ بَدْرٍ فَأعْطاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَضِيبًا كانَ في يَدِهِ مِن عَراجِينِ ابْنِ طابٍ فَقالَ: اضْرِبْ بِهِ فَإذا هو سَيْفٌ جَيِّدٌ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتّى قُتِلَ يَوْمَ جِسْرِ أبِي عُبَيْدٍ،» وإلْحامُهُ لِلْحَدِيدِ لَيْسَ بِأعْجَبَ مِن إلْحامِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَدِ مُعَوَّذِ بْنِ عَفْراءَ لَمّا قَطَعَها أبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَأتى بِها يَحْمِلُها في يَدِهِ الأُخْرى فَبَصَقَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وألْصَقَها فَلَصِقَتْ وصَحَّتْ مِثْلَ أُخْتِها كَما نَقَلَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ.

ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ ما يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الكَراماتِ، عَطَفَ عَلَيْها ما جَمَعَ فِيهِ الضَّمِيرَ لِأنَّهُ يَعُمُّ غَيْرَهُ فَقالَ: ﴿واعْمَلُوا﴾ أيْ أنْتَ ومَن أطاعَكَ ﴿صالِحًا﴾ أيْ بِما تَفَضَّلْنا بِهِ عَلَيْكم مِنَ العِلْمِ والتَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ، ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الأمْرَ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا إشارَةً إلى أنَّ إنْكارَهم لِلْقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ إنْكارٌ لِغَيْرِها مِنَ الصِّفاتِ وإلى [أنَّ] المُتَهاوِنَ في العَمَلِ في عِدادِ مَن يُنْكِرُ أنَّهُ بِعَيْنِ اللَّهِ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ كُلِّهِ ﴿بَصِيرٌ﴾ أيْ مُبْصِرٌ وعالِمٌ بِكُلِّ ظاهِرٍ لَهُ وباطِنٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском