Al-Biqa'iYa-Sin · 36:69–78

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:69–78

36:69Page 444

وَمَا عَلَّمۡنَٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا يَنۢبَغِي لَهُۥٓۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ وَقُرۡءَانٞ مُّبِينٞ ٦٩

And We did not give him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] knowledge of poetry, nor is it befitting for him. It is not but a message and a clear Qur’ān

ولَمّا أتَمَّ - سُبْحانَهُ - الدَّلِيلَ عَلى آيَةِ ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ [يس: ٧] (p-١٦٢)بِأنَّ التَّكْذِيبَ بِالأصْلَيْنِ؛ التَّوْحِيدِ؛ والحَشْرِ؛ وبَيَّنَهُما غايَةَ البَيانِ؛ رَجَعَ إلى تَثْبِيتِ الأصْلِ الثّالِثِ؛ وهو أمْرُ الرَّسُولِ؛ والتَّنْزِيلِ؛ ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) أجْرى العادَةَ في النَّوْعِ الآدَمِيِّ أنَّ مَنِ اسْتَوْفى سِنَّ الصِّبا؛ والشَّبابِ؛ اثْنَيْنِ وأرْبَعِينَ سَنَةً؛ حُسِمَتْ غَرائِزُهُ؛ فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ غَرِيزَةٌ؛ ووَقَفَتْ قُواهُ كُلُّها؛ فَلَمْ يَزِدْ فِيها شَيْءٌ؛ أمّا المَعانِي الحِسِّيَّةُ فَمُطْلَقًا؛ وأمّا المَعْنَوِيَّةُ فَلا تَزِيدُ إلّا بِالتَّجْرِبَةِ والكَسْبِ؛ ولِذَلِكَ قالُوا:

؎إذا المَرْءُ أعْيَتْهُ المُرُوءَةُ ناشِئًا ∗∗∗ فَمَطْلَبُها كَهْلًا عَلَيْهِ شَدِيدُ

وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ غَرائِزُ العُلُومِ؛ والحِكَمِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُجْرِيهِ اللَّهُ عَلى أيْدِيهِمْ؛ ولا يَنْقُصُ شَيْءٌ مِن قُواهُمْ؛ بَلْ تُزادُ؛ كَما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَمْشِي غَيْرَ مُكْتَرِثٍ؛ وأنَّ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لَيُجْهِدُونِ أنْفُسَهُمْ؛ فَيَكُونُ جُهْدُهم أنْ يُدْرِكُوا مِشْيَةَ الهُوَيْنا؛ وأنَّهُ صارَعَ رُكانَةَ الَّذِي كانَ يُضْرَبُ بِقُوَّتِهِ المَثَلُ؛ وكانَ واثِقًا مِن نَفْسِهِ بِأنَّهُ يَصْرَعُ مَن صارَعَهُ؛ فَلَمْ يَمْلِكْهُ النَّبِيُّ ﷺ نَفْسَهُ؛ وعادَ إلى ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ كُلُّ ذَلِكَ لا يَسْتَمْسِكُ في يَدِهِ؛ حَتّى شَرَعَ يَقُولُ: إنَّ هَذا لَعَجَبٌ يا مُحَمَّدُ؛ أتَصْرَعُنِي؟ وحَتّى إنَّهُ دارَ عَلى نِسائِهِ - وهُنَّ تِسْعٌ - كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ؛ تِسْعَ مَرّاتٍ في طَلْقٍ (p-١٦٣)واحِدٍ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُحْكى مِن قُواهُ الَّتِي فاقَ بِها النّاسَ؛ ولَمْ يُحْكَ عَنْ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ؛ مِمَّنْ عاشَ مِنهم ألْفًا؛ ومَن عاشَ دُونَ ذَلِكَ؛ أنَّهُ نَقَصَ شَيْءٌ مِن قُواهُ؛ بَلْ قَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ مَلَكَ المَوْتِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُرْسِلَ إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِيَقْبِضَ رُوحَهُ؛ فَلَمّا جاءَهُ صَكَّهُ؛ فَفَقَأ عَيْنَهُ؛ فَقالَ لِرَبِّهِ: ”أرْسَلْتَنِي إلى عَبْدٍ لا يُرِيدُ المَوْتَ“؛ قالَ: (ارْجِعْ إلَيْهِ فَقُلْ لَهُ يَضَعْ يَدَهُ عَلى مَتْنِ ثَوْرٍ؛ فَلَهُ بِما غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ)؛ قالَ: ”أيْ رَبِّ؛ ثُمَّ ماذا؟“ قالَ: (المَوْتُ)؛ قالَ: ”فالآنَ“؛» وفي آخِرِ التَّوْراةِ: (وقَضى عَبْدُ اللَّهِ مُوسى بِأرْضِ مُوآبَ بِأمْرِ الرَّبِّ؛ فَدُفِنَ حِذاءَ بَيْتِ فاغُورا؛ ولَمْ يَعْرِفْ أحَدٌ أيْنَ قَضى إلى يَوْمِنا هَذا؛ وكانَ مُوسى يَوْمَ قَضى ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ لَمْ يَضْعُفْ بَصَرُهُ؛ ولَمْ يَشِخْ جِدًّا).

لَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ وكانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - قَدْ جَعَلَ إرْسالَهم في سِنِيِّ الوُقُوفِ في الغَرائِزِ؛ والضَّعْفِ في القُوى؛ خَرْقًا لِلْعادَةِ؛ إكْرامًا لَهُمْ؛ وتَنْبِيهًا لِلنّاسِ عَلى صِدْقِهِمْ؛ عُلِمَ مِنَ العَطْفِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ ظاهِرٍ؛ ومِنَ الإتْيانِ بِضَمِيرِهِ ﷺ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ذِكْرٍ لَهُ؛ أنَّ التَّقْدِيرَ: ”لَكِنَّ نَبِيَّنا ﷺ عَمَّرْناهُ؛ وما (p-١٦٤)نَكَّسْناهُ؛ بَلْ مَنَحْناهُ غَرائِزَ مِنَ الفَضائِلِ؛ عَجَزَ عَنْها الأوَّلُونَ؛ والآخِرُونَ؛ فَأتى بِقُرْآنٍ أعْجَزَ الإنْسَ؛ والجِنَّ؛ وعُلُومٍ؛ وبَرَكاتٍ فاتَتِ القُوى“؛ ومَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّ الَّذِي أتى بِهِ لَيْسَ بِشِعْرٍ؛ خِلافًا لِما رَمَوْهُ بِهِ بَغْيًا؛ وعُدْوانًا؛ وكَذِبًا عَلى جَنابِهِ؛ وافْتِراءً وتَجاوُزًا في البُهْتِ؛ وطُغْيانًا؛ لِأنَّهُ قَدْ مَضى عَلَيْهِ سِنُّ الصِّبا والشَّبابِ جَمِيعًا؛ ولَمْ يَقُلْ بَيْتَ شِعْرٍ؛ مَعَ ما يَرى لَكم ولِأمْثالِكم فِيهِ مِنَ المُفاخَرَةِ؛ وبِهِ مِنَ المُكاثَرَةِ؛ وقَدْ وصَلَ إلى سَنِّ الوُقُوفِ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّهُ لا يَحْدُثُ لِلْإنْسانِ فِيهِ غَرِيزَةٌ لَمْ تَكُنْ أيّامَ شَبابِهِ؛ لا شِعْرِيَّةٌ ولا غَيْرُها: ﴿وما عَلَّمْناهُ﴾؛ أيْ: نَحْنُ؛ ﴿الشِّعْرَ﴾؛ فِيما عَلَّمْناهُ؛ وهو أنْ يَتَكَلَّفَ التَّقَيُّدَ بِوَزْنٍ مَعْلُومٍ؛ ورَوِيٍّ مَقْصُودٍ؛ وقافِيَةٍ يَلْتَزِمُها؛ ويُدِيرَ المَعانِيَ عَلَيْها؛ ويَجْتَلِبَ الألْفاظَ تَكَلُّفًا إلَيْها؛ كَما كانَ زُهَيْرٌ في قَصائِدِهِ الحَوْلِيّاتِ؛ وغَيْرُهُ مِن أصْحابِ التَّكَلُّفاتِ: ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] لِأنَّ ذَلِكَ - وإنْ كُنْتُمْ أنْتُمْ تَعُدُّونَهُ فَخْرًا - لا يَلِيقُ بِجَنابِنا؛ لِأنَّهُ لا يَفْرَحُ بِهِ إلّا مَن يُرِيدُ تَرْوِيجَ كَلامِهِ؛ وتَحْلِيَتَهُ؛ بِصَوْغِهِ عَلى وزْنٍ مَعْرُوفٍ؛ مَقْصُودٍ؛ وقافِيَةٍ مُلْتَزَمَةٍ؛ لِكَوْنِهِ لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِأحْسَنَ مِنهُ؛ بِما لا يُقايَسُ مِن غَيْرِ التِزامِ وزْنٍ ولا قافِيَةٍ؛ عَلى أنَّ فِيهِ نَقِيصَةً أُخْرى؛ وهي أعْظَمُ ما يُوجِبُ النَّفْرَةَ مِنهُ؛ وهي أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُوهِيَ التِزامُهُ بَعْضَ المَعانِي؛ ولَمّا لَمْ نُعَلِّمْهُ (p-١٦٥)هَذِهِ الدَّناءَةَ؛ طَبَّعْناهُ عَلى جَمِيعِ فُنُونِ البَلاغَةِ؛ ومَكَّناهُ مِن سائِرِ وُجُوهِ الفَصاحَةِ؛ ثُمَّ أسْكَنّا قَلْبَهُ يَنابِيعَ الحِكْمَةِ؛ ودَرَّبْناهُ عَلى إلْقاءِ المَعانِي الجَلِيلَةِ؛ وإنْ دَقَّتْ في الألْفاظِ الجَزْلَةِ؛ العَذْبَةِ؛ السَّهْلَةِ؛ مَوْزُونَةً كانَتْ؛ أوْ لا؛ وذَلِكَ بِما ألْهَمْناهُ إيّاهُ؛ ثُمَّ بِما ألْقاهُ إلَيْهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ مِمّا أمَرْنا لَهُ بِهِ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ؛ والكَلامِ؛ فَلا تَكَلُّفَ عِنْدَهُ أصْلًا؛ ما خُيِّرَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ إلّا اخْتارَ أيْسَرَهُما؛ ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا؛ أوْ قَطِيعَةَ رَحِمٍ؛ وهَذا البَيْتُ الَّذِي أوْرَدْتُهُ عَزاهُ في الحَماسَةِ؛ في أوائِلِ بابِ الأدَبِ؛ إلى رَجُلٍ مِن بَنِي قُرَيْعٍ لَمْ يُسَمِّهِ؛ وقَبْلَهُ:

؎مَتى ما يَرى النّاسُ الغَنِيَّ وجارُهُ ∗∗∗ فَقِيرٌ يَقُولُوا عاجِزٌ وجَلِيدُ

؎ولَيْسَ الغِنى والفَقْرُ مِن حِيلَةِ الفَتى ∗∗∗ ولَكِنْ أحاظٌ قُسِّمَتْ وجُدُودُ

؎إذا المَرْءُ أعْيَتْهُ المُرُوءَةُ ناشِئًا ∗∗∗ فَمَطْلَبُها كَهْلًا عَلَيْهِ شَدِيدُ

؎وكائِنْ رَأيْنا مِن غَنِيٍّ مُذَمَّمٍ ∗∗∗ وصُعْلُوكِ قَوْمٍ ماتَ وهْوَ حَمِيدُ

والمَعْنى أنَّ كَثْرَةَ المالِ وقِلَّتَهُ لَيْسَتْ مِن غَرِيزَةٍ مِنَ الغَرائِزِ؛ وإنَّما هي أمْرٌ رَبّانِيٌّ؛ لا مُدْخَلَ لِلْغَرائِزِ - مِن جَلادَةٍ؛ ولا غَيْرِها - فِيهِ؛ بِدَلِيلِ أنّا كَثِيرًا ما رَأيْنا مَن فاتَهُ الغِنى شابًّا جَلْدًا؛ ونالَهُ شَيْخًا ضَعِيفًا؛ وما رَأيْنا (p-١٦٦)مَن أخْطَأتْهُ المُرُوءَةُ شابًّا نالَها شَيْخًا؛ وبِدَلِيلِ أنَّهُ كَمْ مِن غَنِيٍّ كانَتْ غَرائِزُهُ ذَمِيمَةً؛ وكَمْ مِن فَقِيرٍ كانَتْ خَلائِقُهُ مَحْمُودَةً؛ والمُرُوءَةُ هي الإنْسانِيَّةُ؛ وهي كُلُّ أمْرٍ هَنِيءٍ حَمِيدٍ المَغَبَّةِ؛ جَمِيلُ العاقِبَةِ؛ وهَذا هو السِّيادَةُ؛ يَعْنِي أنَّ مَن كانَتِ المُرُوءَةُ في غَرِيزَتِهِ حَمَلَهُ طَبْعُهُ عَلى تَعاطِيها في شَبابِهِ؛ غَنِيًّا كانَ أوْ فَقِيرًا؛ ومَن لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى تَكَلُّفِها في سِنِّ الِاكْتِهالِ؛ فَلِلَّهِ دَرُّهُمْ! ما كانَ أحْكَمَهم وأدْراهم بِالدَّقائِقِ؛ وأعْلَمَهُمْ! ولِذَلِكَ جُعِلَ هَذا النَّبِيُّ الأُمِّيُّ مِنهُمْ؛ فَمَلَأتْ مَعارِفُهُ الأكْوانَ؛ وسَمَتْ في رُتَبِ المَعانِي صاعِدَةً؛ فَأيْنَ مِنها كِيوانُ؟!

ولَمّا كانَ الشِّعْرُ - مَعَ ما بُنِيَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكَلُّفِ؛ الَّذِي هو بَعِيدٌ جِدًّا عَنْ سَجايا الأنْبِياءِ؛ فَكَيْفَ بِأشْرَفِهِمْ؟! - مِمّا يُكْتَسَبُ بِهِ؛ مَدْحًا؛ وهَجْوًا؛ فَيَكُونُ أكْثَرُهُ كَذِبًا - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مَعايِبِهِ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿وما يَنْبَغِي لَهُ﴾؛ أيْ: وما يَصِحُّ؛ ولا يُتَطَلَّبُ؛ ولا يَتَأتّى أصْلًا؛ لِأنَّ مَنصِبَهُ أجَلُّ؛ وهِمَّتَهُ أعْلى مِن أنْ يَكُونَ مَدّاحًا؛ أوْ عَيّابًا؛ أوْ أنْ يَتَقَيَّدَ بِما قَدْ يَجُرُّ إلى نَقِيصَةٍ في المَعْنى؛ وجِبِلَّتُهُ مُنافِيَةٌ لِذَلِكَ غايَةَ المُنافاةِ. (p-١٦٧)ولَمّا تَمَّتِ الدَّلالَةُ عَلى أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ؛ وتَضَمَّنَتْ أنَّ الشِّعْرَ - وهو تَعَمُّدُ صَوْغِ الكَلامِ عَلى وزْنٍ مَعْلُومٍ؛ وقافِيَةٍ مُلْتَزَمَةٍ - نَقِيصَةً؛ لِما ذُكِرَ؛ ولِما يَلْزَمُهُ التَّقَيُّدُ بِالوَزْنِ؛ والرَّوِيِّ؛ والقافِيَةِ؛ مِنَ التَّقْدِيمِ؛ والتَّأْخِيرِ؛ والتَّحْوِيمِ عَلى المَعانِي؛ مِن غَيْرِ إفْصاحٍ ولا تَبْيِينٍ؛ فَيَصِيرُ عَسِرَ الفَهْمِ؛ مُسْتَعْصِيَ البَيانِ؛ ونَفى عَنْهُ ﷺ تِلْكَ النَّقِيصَةِ؛ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ تَنْزِيهَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ عَنْها - كَما أشارَتْ إلَيْهِ نُونُ العَظَمَةِ في ”عَلَّمْنا“ - أثْبَتَ لَهُ ما يَنْبَغِي لَهُ؛ فَقالَ - كالتَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ -: ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿هُوَ﴾؛ أيْ: هَذا الَّذِي أتاكم بِهِ؛ ﴿إلا ذِكْرٌ﴾؛ أيْ: شَرَفٌ؛ ومَوْعِظَةٌ؛ ﴿وقُرْآنٌ﴾؛ أيْ: جامِعٌ لِلْحِكَمِ كُلِّها؛ دُنْيا؛ وأُخْرى؛ يُتْلى في المَحارِيبِ؛ ويُكَرَّرُ في المُتَعَبَّداتِ؛ ويُنالُ بِتِلاوَتِهِ والعَمَلِ بِهِ فَوْزُ الدّارَيْنِ؛ مَعَ الفَصْلِ بَيْنَ المُلْبِساتِ؛ ﴿مُبِينٌ﴾؛ أيْ: ظاهِرٌ في ذَلِكَ؛ مُظْهِرٌ لِكُلِّ ما فِيهِ لِمَن يَرُومُهُ حَقَّ رَوْمِهِ؛ ويَسُومُهُ بِأغْلى سَوْمِهِ؛ بَعْدَ أنْ يَشْتَرِكَ في مُطْلَقِ فَهْمِهِ؛ ومُجَرَّدِ اللَّذَّةِ بِهِ؛ الذَّكِيُّ؛ والغَبِيُّ؛ والحَدِيدُ؛ والبَلِيدُ؛ ولَيْسَ هو بِشِعْرٍ مُتَكَلَّفٍ؛ يَتَقَدَّمُ فِيهِ - بِحُكْمِ التِزامِ الوَزْنِ؛ والرَّوِيِّ؛ والقافِيَةِ - الشَّيْءُ عَنْ حاقِّ مَوْضِعِهِ تارَةً؛ ويَتَأخَّرُ أُخْرى؛ ويُبَدَّلُ بِما لا يُساوِيهِ؛ فَتَنْقُصُ مَعانِيهِ؛ وتَتَعَقَّدُ؛ فَتُشْكِلُ؛ فَلا يَفْهَمُهُ إلّا ذاكَ؛ وذاكَ؛ (p-١٦٨)مَعَ أنَّهُ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ فَيا بُعْدَ ما بَيْنَهُما! ويَبِينُ هَذا المَعْنى غايَةَ البَيانِ آخِرَ ”ص“: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [ص: ٨٧]؛ أيْ: كُلِّهِمْ؛ ذَكِيِّهِمْ؛ وغَبِيِّهِمْ؛ بِخِلافِ الشِّعْرِ؛ فَإنَّهُ مَعَ نُزُولِهِ عَنْ بَلاغَتِهِ جِدًّا إنَّما هو ذِكْرٌ لِلْأذْكِياءِ جِدًّا.

36:70Page 444

لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّٗا وَيَحِقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٠

To warn whoever is alive1 and justify the word [i.e., decree] against the disbelievers.

ولَمّا ذَكَرَ أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ فِيما آتاهُ مِن غَرائِزِ الشَّرَفِ في سَنِّ النَّكْسِ لِغَيْرِهِ؛ ذَكَرَ عِلَّةَ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿لِيُنْذِرَ﴾؛ أيْ: الرَّسُولُ ﷺ؛ بِدَلِيلِ ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ مِنَ التَّقْدِيرِ؛ ويُؤَيِّدُهُ لَفْتُ الكَلامِ في قِراءَةِنافِعٍ؛ وابْنِ عامِرٍ؛ ويَعْقُوبَ؛ بِالخِطابِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَفْهَمُهُ حَقَّ فَهْمِهِ غَيْرُهُ ﷺ.

ولَمّا كانَ هَذا القُرْآنُ مُبِينًا؛ وكانَ الرَّسُولُ ﷺ مُتَخَلِّقًا بِهِ؛ فَهو مَظْهَرُهُ؛ وصُورَةُ سُورَتِهِ؛ فَكانَ حالُهُ مُقْتَضِيًا لِئَلّا يَتَخَلَّفَ عَنِ الإيمانِ حَيٌّ؛ قالَ - مُظْهِرًا لِما كانَ حَقُّهُ في بادِي الرَّأْيِ الإضْمارَ؛ إفادَةً لِلتَّعْمِيمِ؛ مُبَيِّنًا لِأنَّ حُكْمَهُ - سُبْحانَهُ - مَنَعَ مِن ذَلِكَ؛ فانْقَسَمَ المُنْذَرُونَ إلى قِسْمَيْنِ -: ﴿مَن كانَ﴾؛ كَوْنًا مُتَمَكِّنًا؛ ﴿حَيًّا﴾؛ أيْ: حَياةً (p-١٦٩)كامِلَةً مَعْنَوِيَّةً؛ تَكُونُ سَبَبًا لِلْحَياةِ الدّائِمَةِ؛ فَإنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ حِينَئِذٍ عَنِ الإيمانِ بِهِ؛ خَوْفًا مِمّا يُخَوِّفُ بِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يَتَوَجَّهُ إلَيْها رَيْبٌ بِوَجْهٍ؛ فَيُرْجى لَهُ الخَيْرُ؛ فَهو مُؤْمِنٌ في الحَقِيقَةِ؛ وإنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ في أوَّلِ أمْرِهِ خِلافُ ذَلِكَ؛ وأفْرَدَ الضَّمِيرَ هُنا عَلى اللَّفْظِ؛ إشارَةً إلى قِلَّةِ السُّعَداءِ؛ وجَمَعَ في الثّانِي عَلى المَعْنى؛ إعْلامًا بِكَثْرَةِ الأشْقِياءِ؛ ﴿ويَحِقَّ﴾؛ أيْ: يَجِبَ؛ ويَثْبُتَ؛ ﴿القَوْلُ﴾؛ أيْ: بِالعَذابِ؛ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في الكُفْرِ؛ فَإنَّهم أمْواتٌ في الحَقِيقَةِ؛ وإنْ رَأيْتَهم أحْياءً؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ الإيمانَ أوَّلًا؛ لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن ضِدِّهِ ثانِيًا؛ وحَذَفَ المَوْتَ ثانِيًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن ضِدِّهِ أوَّلًا؛ فَتَحَقَّقَ بِهَذا أنَّ أعْظَمَ مُنافاةِ القُرْآنِ لِلشِّعْرِ؛ وكَذا السَّجْعِ؛ مِن أجْلِ أنَّهُ جَدٌّ كُلُّهُ؛ فَمَحَطُّ أسالِيبِهِ بِالقَصْدِ الأوَّلِ المَعانِي؛ والألْفاظُ تابِعَةٌ؛ والشّاعِرُ؛ والسّاجِعُ مَحَطُّ نَظَرِهِما بِالقَصْدِ الأوَّلِ الرَّوِيُّ؛ والقافِيَةُ؛ والفاصِلَةُ؛ حَتّى إنَّ ذَلِكَ لَيُؤَدِّي إلى رِكَّةِ المَعْنى والكَلامِ بِغَيْرِ الواقِعِ؛ ولا بُدَّ؛ كَما قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وحالُهُ مَعْرُوفٌ في البَلاغَةِ؛ والتَّفَنُّنِ في أسالِيبِ الكَلامِ؛ وصِدْقِ اللَّهْجَةِ؛ وحُسْنِ الإسْلامِ؛ في غَزْوَةِ الغابَةِ؛ وكانَ أمِيرُها سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ الأشْهَلِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:

؎أسِرَّ أوْلادَ اللَّقِيطَةِ أنَّنا ∗∗∗ سِلْمٌ غَداةَ فَوارِسِ المِقْدادِ

(p-١٧٠)فَغَضِبَ سَعْدٌ عَلى حَسّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ وحَلَفَ لا يُكَلِّمُهُ أبَدًا؛ وقالَ: انْطَلَقَ إلى خَيْلِي وفَوارِسِي فَجَعَلَها لِلْمِقْدادِ؛ فاعْتَذَرَ إلَيْهِ حَسّانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ ومَدَحَهُ بِأبْياتٍ؛ وقالَ: واللَّهِ ما أرَدْتُ ذَلِكَ؛ ولَكِنَّ الرَّوِيَّ وافَقَ اسْمَ المِقْدادِ؛ لِأنَّ القَصِيدَةَ دالِيَةٌ؛ فالنَّبِيُّ ﷺ لا يَدُورُ في فِكْرِهِ أبَدًا قَصْدُ اللَّفْظِ؛ فَإنَّهُ مِن بابِ التَّرْوِيقِ؛ وهو ﷺ جَدٌّ كُلُّهُ؛ فَهو لا يَعْدِلُ عَنْهُ لِأنَّهُ مَوْزُونٌ؛ بَلْ لِأنَّهُ لا يُؤَدِّي المَعْنى؛ كَما أنَّ العَرَبَ تَعْدِلُ عَنِ اللَّحْنِ؛ ولا تُحْسِنُ النُّطْقَ بِهِ؛ ولا تُطَوِّعُ ألْسِنَتَها لَهُ؛ لِكَوْنِهِ لَحْنًا؛ لا لِكَوْنِهِ حَرَكَةً؛ فَإنْ وافَقَ شَيْءٌ مِنَ المَوْزُونِ ما أُرِيدَ مِنَ المَعْنى لِأجْلِ أداءِ المَعْنى قالَهُ؛ كَما يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنَ المُصَنِّفِينَ الكَلامُ المَوْزُونُ؛ وما قَصَدَهُ؛ وكَما وقَعَ كَثِيرٌ مِنَ الكَلامِ المَوْزُونِ مِن جَمِيعِ أبْحُرِ الشِّعْرِ في القُرْآنِ؛ وإنْ لَمْ يُوافِقِ المَعْنى لَمْ يَقُلْهُ؛ وعَلى هَذا يَتَخَرَّجُ قَوْلُهُ ﷺ: «

؎”أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ“؛

» لَوْ تَظاهَرَ الإنْسُ؛ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِما أدّاهُ مِنَ المَعْنى في ألْفاظِهِ؛ أوْ مِثْلِها عَلى غَيْرِ هَذا النَّظْمِ؛ لَمْ يَقْدِرُوا؛ وإذا تَأمَّلْتَ كُلَّ بَيْتٍ تَمَثَّلَ بِهِ فَكَسَرَهُ؛ لا تَجِدْهُ كَسَرَهُ إلّا لِمَعْنًى جَلِيلٍ؛ لا يَتَأتّى مَعَ الوَزْنِ؛ أوْ يَكُونُ لا فارِقَ بَيْنَ أدائِهِ مَوْزُونًا؛ ومَكْسُورًا؛ وهَكَذا السَّجْعُ سَواءٌ؛ ومِن هَنا عُلِمَ أنَّهُ لَيْسَ المَعْنى أنَّهُ لا يَحْسُنُ الوَزْنُ؛ بَلِ المَعْنى أنَّ تَعَمُّدَ الوَزْنِ (p-١٧١)والسَّجْعِ نَقِيصَةٌ لا تَلِيقُ بِمَنصِبِهِ العالِي؛ لِأنَّ الشّاعِرَ مُقَيَّدٌ بِوَزْنٍ؛ ورَوِيٍّ؛ وقافِيَةٍ؛ فَإنْ أطاعَهُ المَعْنى مَعَ ما هو مُقَيَّدٌ بِهِ كانَ؛ وإلّا احْتالَ في إتْمامِ ما هو مُقَيَّدٌ بِهِ؛ وإنْ نَقَصَ المَعْنى؛ والسّاجِعُ قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ؛ فَهَذا هو الَّذِي لَمْ يُعَلِّمْهُ اللَّهُ لَهُ؛ لِأنَّهُ ﷺ تابِعٌ لِلْمَعانِي والحَقائِقِ والحِكَمِ الَّتِي تُفِيدُ الحَياةَ الدّائِمَةَ؛ لِأنَّهُ مُهَيَّأٌ بِالطَّبْعِ المُسْتَقِيمِ لِذَلِكَ؛ غَيْرُ مُهَيَّإٍ لِغَيْرِهِ مِنَ التَّكَلُّفِ؛ وإذا أنْعَمْتَ النَّظَرَ في آخِرِ الآيَةِ؛ الَّذِي هو تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ؛ تَحَقَّقْتَ أنَّ هَذا هو المُرادُ؛ فَوَضَحَ أيَّ وُضُوحٍ بِهَذا أنَّ كُلًّا مِنهُما نَقِيصَةٌ؛ فَلا يَتَحَرَّكُ شَيْءٌ مِن أخْلاقِهِ الشَّرِيفَةِ نَحْوَها؛ ولا يَكُونُ لَهُ بِذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الِاعْتِناءِ؛ وقَدْ أشْبَعْتُ الكَلامَ في هَذا؛ وأتْقَنْتُهُ؛ في كِتابِي ”مَصاعِدُ النَّظَرِ لِلْإشْرافِ عَلى مَقاصِدِ السُّورِ“؛ وهو كالمُدْخَلِ إلى هَذا الكِتابِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

36:71Page 445

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَيۡدِينَآ أَنۡعَٰمٗا فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ ٧١

Do they not see that We have created for them from what Our hands1 have made, grazing livestock, and [then] they are their owners?

ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِإعْماءِ أفْكارِهِمْ؛ وهَدَّدَ بِطَمْسِ أبْصارِهِمْ؛ ومَسْخِهِمْ عَلى مَقاعِدِهِمْ وقَرارِهِمْ؛ وأعْلَمَ بِأنَّ كِتابَهُ خاتَمٌ بِإنْذارِهِمْ؛ ذَكَّرَهم بِقُدْرَتِهِ؛ وقَرَّرَهم تَثْبِيتًا لِذَلِكَ بِبَدائِعِ صَنْعَتِهِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”ألَمْ يَرَوْا ما قَدَّمْناهُ وأفْهَمَتْهُ آيَةُ“ومَن نُعَمِّرْهُ”؛ وما بَعْدَها مِن بَدائِعِ صُنْعِنا؛ تَلْوِيحًا؛ وتَصْرِيحًا؛ الدّالَّ عَلى عِلْمِنا الشّامِلِ؛ وقُدْرَتِنا التّامَّةِ؟! فَمَهْما (p-١٧٢)صَوَّبْنا كَلامَنا إلَيْهِ حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِ؛ ولَمْ يَمْنَعْهُ مانِعٌ؛ ولا يُتَصَوَّرُ لَهُ دافِعٌ“ -: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾؛ أيْ: يَعْلَمُوا عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ؛ ما هو أظْهَرُ عِنْدَهم دَلالَةً مِن ذَلِكَ في أجَلِّ أمْوالِهِمْ؛ ولا يَبْعُدُ عِنْدِي - وإنْ طالَ المَدى - أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ [يس: ٣١] فَذاكَ اسْتِعْطافٌ إلى تَوْحِيدِهِ؛ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ النِّقَمِ؛ وهَذا بِالتَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ؛ ونَبَّهَهم عَلى ما في ذَلِكَ مِنَ العَظَمَةِ بِسَوْقِ الكَلامِ في مَظْهَرِها؛ كَما فَعَلَ في آيَةِ إهْلاكِ القُرُونِ؛ فَقالَ: ﴿أنّا خَلَقْنا لَهُمْ﴾؛ وخَصَّها بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ؛ مَحْوًا لِلْأسْبابِ؛ وإظْهارًا لِتَشْرِيفِهِمْ بِتَشْرِيفِها؛ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَمِلَتْ﴾؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ مُقَيَّدًا بِالوَهْمِ؛ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ؛ ولِذَلِكَ يَرى الأرْواحَ في المَنامِ في صُوَرِ أجْسادِنا؛ وكانَتْ يَدُهُ مَحَلَّ قُدْرَتِهِ؛ ومَوْضِعَ اخْتِصاصِهِ؛ عَبَّرَ لَهُ بِما يَفْهَمُهُ؛ فَقالَ: ﴿أيْدِينا﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ واسِطَةٍ؛ عَلى عِلْمٍ مِنّا؛ بِقُواها؛ ومَقادِيرِها؛ ومَنافِعِها؛ وطَبائِعِها؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِها؛ ﴿أنْعامًا﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَها لَهُمْ؛ بِما سُبِّبَ عَنْ خَلْقِها مِن قَوْلِهِ: ﴿فَهم لَها مالِكُونَ﴾؛ أيْ: ضابِطُونَ؛ قاهِرُونَ؛ مِن غَيْرِ قُدْرَةٍ لَهم عَلى ذَلِكَ؛ لَوْلا قُدْرَتُنا بِنَوْعِ التَّسَبُّبِ.

36:72Page 445

وَذَلَّلۡنَٰهَا لَهُمۡ فَمِنۡهَا رَكُوبُهُمۡ وَمِنۡهَا يَأۡكُلُونَ ٧٢

And We have tamed them for them, so some of them they ride, and some of them they eat.

(p-١٧٣)ولَمّا كانَ المِلْكُ لا يَسْتَلْزِمُ الطَّواعِيَةَ؛ قالَ (تَعالى): ﴿وذَلَّلْناها لَهُمْ﴾؛ أيْ: يَسَّرْنا قِيادَها؛ ولَوْ شِئْنا لَجَعَلْناها وحْشِيَّةً؛ كَما جَعَلْنا أصْغَرَ مِنها وأضْعَفَ؛ فَمَن قَدَرَ عَلى تَذْلِيلِ الأشْياءِ الصَّعْبَةِ جِدًّا لِغَيْرِهِ؛ فَهو قادِرٌ عَلى تَطْوِيعِ الأشْياءِ لِنَفْسِهِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَمِنها رَكُوبُهُمْ﴾؛ أيْ: ما يَرْكَبُونَ؛ وهي الإبِلُ؛ لِأنَّها أعْظَمُ مَرْكُوباتِهِمْ؛ لِعُمُومِ مَنافِعِها في ذَلِكَ؛ وكَثْرَتِها؛ ولِمِثْلِ ذَلِكَ في التَّذْكِيرِ بِعَظِيمِ النِّعْمَةِ؛ والنَّفْعِ؛ واسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ النِّعْمَتَيْنِ بِنَفْسِهِ؛ أعادَ الجارَّ؛ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِلتَّجَدُّدِ بِتَجَدُّدِ الذَّبْحِ؛ بِخِلافِ المَرْكُوبِ؛ فَإنَّ صَلاحَهُ لِذَلِكَ ثابِتٌ دائِمٌ؛ فَقالَ: ﴿ومِنها يَأْكُلُونَ﴾

36:73Page 445

وَلَهُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَمَشَارِبُۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٧٣

And for them therein are [other] benefits and drinks, so will they not be grateful?

ولَمّا أشارَ إلى عَظَمَةِ نَفْعِ الرَّكُوبِ؛ والأكْلِ؛ بِتَقْدِيمِ الجارِّ؛ وكانَتْ مَنافِعُها مِن غَيْرِ ذَلِكَ كَثِيرَةً؛ قالَ: ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ﴾؛ أيْ: بِالأصْوافِ؛ والأوْبارِ؛ والأشْعارِ؛ والجُلُودِ؛ والبَيْعِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وخَصَّ المَشْرَبَ مِن عُمُومِ المَنافِعِ؛ لِعُمُومِ نَفْعِهِ؛ فَقالَ - جامِعًا لَهُ؛ لِاخْتِلافِ طُعُومِ ألْبانِ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ؛ وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِمُنْتَهى الجُمُوعِ لِاخْتِلافِ طُعُومِ أفْرادِ النَّوْعِ الواحِدِ لِمَن تَأمَّلَ -: ﴿ومَشارِبُ﴾؛ أيْ: مِنَ الألْبانِ؛ أخْرَجْناها مُمَيَّزَةً عَنِ الفَرْثِ؛ والدَّمِ؛ خالِصَةً؛ لَذِيذَةً؛ وكُلُّ ذَلِكَ لا سَبَبَ لَهُ إلّا أنَّ كَلِمَتَنا حَقَّتْ بِهِ؛ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن كَوْنِهِ عَلى وفْقِ ما أرَدْنا؛ فَلْيَحْذَرْ مَن هو أضْعَفُ حالًا مِنها مِن حُقُوقِ أمْرِنا؛ ومُضِيِّ حُكْمِنا بِما يَسُوؤُهُ. (p-١٧٤)ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ مِنَ العَظَمَةِ بِمَكانٍ؛ لَوْ فَقَدَهُ الإنْسانُ لَتَكَدَّرَتْ مَعِيشَتُهُ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ اسْتِئْنافَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في تَخَلُّفِهِمْ عَنْ طاعَتِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾؛ أيْ: يُوقِعُونَ الشُّكْرَ؛ وهو تَعْظِيمُ المُنْعِمِ لِما أنْعَمَ؛ وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الأمْرِ.

36:74Page 445

وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يُنصَرُونَ ٧٤

But they have taken besides Allāh [false] deities that perhaps they would be helped.

ولَمّا ذَكَّرَهم نِعَمَهُ؛ وحَذَّرَهم نِقَمَهُ؛ عَجَّبَ مِنهم في سُفُولِ نَظَرِهِمْ؛ وقُبْحِ أثَرِهِمْ؛ فَقالَ - مُوَبِّخًا؛ ومُقَرِّعًا؛ ومُبَكِّتًا؛ ومُعَجِّبًا مِن زِيادَةِ ضَلالِهِمْ؛ عادِلًا عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى أعْظَمَ مِنهُ -: ﴿واتَّخَذُوا﴾؛ أيْ: فَعَلْنا لَهم ذَلِكَ؛ والحالُ أنَّهم كَلَّفُوا أنْفُسَهم عَلى غَيْرِ ما تَهْدِي إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى أنْ أخَذُوا؛ أوْ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى ”كانُوا“؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا كانُوا يُجَدِّدُونَ الِاسْتِهْزاءَ؛ واتَّخَذُوا قَبْلَ إرْسالِهِ إلَيْهِمْ؛ مَعَ ما رَأوْا مِن قُدْرَتِنا؛ وتَقْبَلُوا فِيهِ مِن نِعْمَتِنا؛ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ فَكُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ؛ وما كانَ دُونَهُ كانَ مَقْهُورًا؛ مَرْبُوبًا؛ ﴿آلِهَةً﴾؛ أيْ: لا شَيْءَ لَها مِنَ القُدْرَةِ؛ ولا مِن صَلاحِيَةِ الإلَهِيَّةِ؛ ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّها غَيْرُ صالِحَةٍ لِما أهَّلُوها لَهُ؛ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى السُّؤالِ عَنْ (p-١٧٥)سَبَبِ ذَلِكَ؛ فَقالَ - جَوابًا لَهُ؛ تَعْجِيبًا مِن حالِهِمْ -: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾؛ أيْ: العابِدِينَ؛ ولَمّا كانَ مَقْصُودُهم حُصُولُ النَّصْرِ مِن أيِّ ناصِرٍ كانَ؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿يُنْصَرُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم بِزَعْمِهِمْ في اجْتِماعِهِمْ عَلَيْها؛ والتِئامِهِمْ بِها؛ حالَ مَن يُنْصَرُ عَلى مَن يُعادِيهِ؛ ويُعانِدُهُ؛ ويُناوِئُهُ.

36:75Page 445

لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَهُمۡ وَهُمۡ لَهُمۡ جُندٞ مُّحۡضَرُونَ ٧٥

They are not able to help them, and they [themselves] are for them soldiers in attendance.1

ولَمّا كانَ لِلنَّصْرِ سَبَبانِ؛ ظاهِرِيٌّ؛ وهو الِاجْتِماعُ؛ وأصْلِيٌّ باطِنِيٌّ؛ وهو الإلَهُ المُجْتَمَعُ عَلَيْهِ؛ بَيَّنَ غَلَطَهم بِتَضْيِيعِ الأمَلِ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: فَهَلْ بَلَغُوا ما أرادُوا؟ -: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾؛ أيْ: الآلِهَةُ المُتَّخَذَةُ؛ ﴿نَصْرَهُمْ﴾؛ أيْ: العابِدِينَ؛ ﴿وهُمْ﴾؛ أيْ: العابِدُونَ؛ ﴿لَهُمْ﴾؛ أيْ: الآلِهَةِ؛ ﴿جُنْدٌ﴾؛ ولَمّا كانَ الجُنْدُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ العَسْكَرِ؛ والأعْوانِ؛ والمَدِينَةِ؛ عَيَّنَ المُرادَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ؛ ولِأنَّهُ أدَلُّ عَلى عَجْزِهِمْ؛ وحَقارَتِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿مُحْضَرُونَ﴾؛ أيْ: يَفْعَلُونَ في الِاجْتِماعِ إلَيْها؛ والمُحاماةِ عَنْها؛ فِعْلَ مَن يَجْمَعُهُ كَرْهًا إيالَةُ المُلْكِ؛ وسِياسَةُ العَظَمَةِ؛ فَصارَتِ العِبْرَةُ بِهِمْ خاصَّةً في حِيازَةِ السَّبَبِ الظّاهِرِيِّ؛ مَعَ تَعَبُّدِهِمْ لِلْعاجِزِ؛ وذُلِّهِمْ لِلضَّعِيفِ الدُّونِ؛ مَعَ ما يَدَّعُونَ مِنَ الشَّهامَةِ؛ والأنَفَةِ؛ والضَّخامَةِ؛ فَلَوْ جَمَعُوا أنْفُسَهم عَلى اللَّهِ لَكانَ لَهم ذَلِكَ؛ وحازُوا مَعَهُ السَّبَبَ الأعْظَمَ.

36:76Page 445

فَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّا نَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٦

So let not their speech grieve you. Indeed, We know what they conceal and what they declare.

(p-١٧٦)ولَمّا بَيَّنَ ما بَيَّنَ مِن قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ؛ وعَظَمَتِهِ الظّاهِرَةِ؛ ووَهّى أمْرَهم في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ ما لَوَّحَ إلى أنَّهم نَسَبُوهُ ﷺ إلى الشِّعْرِ؛ وصَرَّحَ بِاسْتِهْزائِهِمْ بِالوَعْدِ؛ مَعَ ما قَبْلَ ذَلِكَ مِن تَكْذِيبِهِمْ؛ وإجابَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ مِن تَسْفِيهِهِمْ؛ وتَضْلِيلِهِمْ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَما نَفى عَنْهُمُ النُّصْرَةَ قَوْلَهُ - تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ﴾؛ قِراءَةُ الجَماعَةِ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الزّايِ؛ ومَعْناهُ: ”يَجْعَلْ فِيكَ“؛ وقِراءَةُ نافِعٍ بِضَمِّ الياءِ؛ وكَسْرِ الزّايِ؛ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ إنَّما هو كَثْرَةُ الحُزْنِ؛ والِاسْتِغْراقُ فِيهِ؛ لا ما يَعْرِضُ مِن طَبْعِ البَشَرِ مِن أصْلِهِ؛ فَإنَّ مَعْنى ”أحْزَنَ فُلانًا كَذا“؛ أيْ: جَعَلَهُ حَزِينًا؛ ﴿قَوْلُهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي قَدَّمْناهُ؛ تَلْوِيحًا؛ وتَصْرِيحًا؛ وغَيْرَ ذَلِكَ؛ فِيكَ؛ وفِينا؛ ولَمّا كانَ عِلْمُ القادِرِ بِما يَعْمَلُ عَدُوُّهُ سَبَبًا لِأخْذِهِ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُهَدِّدًا بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ -: ﴿إنّا نَعْلَمُ ما﴾؛ أيْ: كُلَّ ما؛ ﴿يُسِرُّونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ إسْرارَهُ؛ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾؛ أيْ: فَنَحْنُ نَجْعَلُ ما يُسَبِّبُونَهُ لِأذاكَ سَبَبًا لِأذاهُمْ؛ ونَفْعِكَ؛ إلى أنْ يَصِيرُوا في قَبْضَتِكَ؛ وتَحْتَ قَهْرِكَ؛ وقُدْرَتِكَ.

36:77Page 445

أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٧٧

Does man not consider that We created him from a [mere] sperm-drop - then at once1 he is a clear adversary?

ولَمّا أثْبَتَ - سُبْحانَهُ - بِهَذا الدَّلِيلِ قُدْرَتَهُ عَلى ما هَدَّدَ بِهِ أوَّلًا؛ مِنَ التَّحْوِيلِ مِن حالٍ إلى أُخْرى؛ فَثَبَتَتْ بِذَلِكَ قُدْرَتُهُ عَلى البَعْثِ؛ (p-١٧٧)وخَتَمَ بِإحاطَةِ العِلْمِ المَلْزُومِ لِتَمامِ القُدْرَةِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ دَلِيلًا أبْيَنَ مِنَ الأوَّلِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ”ألَمْ يَرَوْا“ -: ﴿أوَلَمْ يَرَ﴾؛ أيْ: يَعْلَمْ؛ عِلْمًا هو في ظُهُورِهِ كالمَحْسُوسِ بِالبَصَرِ.

ولَمّا كانَ هَذا المَثَلُ الَّذِي قالَهُ هَذا الكافِرُ لا يَرْضاهُ حِمارٌ؛ لَوْ نَطَقَ؛ أشارَ إلى غَباوَتِهِ بِالتَّعْبِيرِ بِـ ”الإنْسانُ“؛ الَّذِي هو - وإنْ كانَ أفْطَنَ المَخْلُوقاتِ لِما رَكَّبَ فِيهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ العَقْلِ - تَغَلَّبَ عَلَيْهِ الأُنْسُ بِنَفْسِهِ؛ حَتّى يَصِيرَ مَثَلًا؛ فَقالَ: ﴿الإنْسانُ﴾؛ أيْ: جِنْسُهُ؛ مِنهُمْ؛ ومِن غَيْرِهِمْ؛ وإنْ كانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ واحِدًا؛ ﴿أنّا خَلَقْناهُ﴾؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾؛ أيْ: شَيْءٍ يَسِيرٍ؛ حَقِيرٍ؛ مِن ماءٍ لا انْتِفاعَ بِهِ؛ بَعْدَ إبْداعِنا أباهُ مِن تُرابٍ؛ وأُمَّهُ مِن لَحْمٍ؛ وعِظامٍ؛ ﴿فَإذا هُوَ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ خَلْقِنا لَهُ مِن ذَلِكَ المُفاجَأةُ لِحالَةٍ هي أبْعَدُ شَيْءٍ مِن حالَةِ النُّطْفَةِ؛ وهي أنَّهُ ﴿خَصِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ الخُصُومَةِ؛ ﴿مُبِينٌ﴾؛ أيْ: في غايَةِ البَيانِ عَمّا يُرِيدُهُ؛ حَتّى إنَّهُ لَيُجادِلُ مَن أعْطاهُ العَقْلَ والقُدْرَةَ في قُدْرَتِهِ؛ أنْشَدَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ في ذَلِكَ:

؎أُعَلِّمُهُ الرِّمايَةَ كُلَّ يَوْمٍ ∗∗∗ فَلَمّا اشْتَدَّ ساعِدُهُ رَمانِي

36:78Page 445

وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ ٧٨

And he presents for Us an example1 and forgets his [own] creation. He says, "Who will give life to bones while they are disintegrated?"

(p-١٧٨)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَعَبَدَ - مَعَ أنّا تَفَرَّدْنا بِالإنْعامِ عَلَيْهِ - غَيْرَنا؛ وخاصَمَ - بِما خَلَقْناهُ لَهُ مِنَ اللِّسانِ؛ وآتَيْناهُ مِنَ البَيانِ - رُسُلَنا؛ وجَمِيعَ أهْلِ وُدِّنا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُقَبِّحًا إنْكارَهُمُ البَعْثَ؛ تَقْبِيحًا لا يُرى أعْجَبُ مِنهُ؛ ولا أبْلَغُ؛ ولا أدَلُّ عَلى التَّمادِي في الضَّلالِ؛ والإفْراطِ في الجُحُودِ؛ وعُقُوقِ الأيادِي -: ﴿وضَرَبَ﴾؛ أيْ: هَذا الإنْسانُ؛ وسَبَبُ النُّزُولِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ؛ الَّذِي قَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِـ ”أُحُدٍ“؛ مُبارَزَةً؛ فَهو المُرادُ بِهَذا التَّبْكِيتِ بِالذّاتِ؛ وبِالقَصْدِ الأوَّلِ؛ ﴿لَنا﴾؛ أيْ: عَلى ما يَعْلَمُ مِن عَظَمَتِنا؛ ﴿مَثَلا﴾؛ أيْ: آلِهَتَهُ؛ الَّتِي عَبَدَها؛ لِكَوْنِها لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ؛ مُكابِرًا لِعَقْلِهِ في أنَّهُ لا شَيْءَ يُشْبِهُنا؛ ﴿ونَسِيَ﴾؛ أيْ: هَذا الَّذِي تَصَدّى عَلى نِهايَةِ أصْلِهِ لِمُخاصَمَةِ الجَبّارِ؛ وأبْرَزَ صَفْحَتَهُ لِمُجادَلَتِهِ؛ والنِّسْيانُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الذُّهُولِ؛ وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَّرْكِ؛ ﴿خَلْقَهُ﴾؛ أيْ: خَلْقَنا لِهَذا المُخاصِمِ؛ الدّالَّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِنا؛ وأنَّ آلِهَتَهُ الَّتِي أشْرَكَ بِها لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ؛ فافْتَرَقَ الحالُ الَّذِي جَمَعَهُ بِالمَثَلِ أيَّ افْتِراقٍ؛ وصارا مَقُولًا لَهُ: يا قَلِيلَ الفِطْنَةِ! أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ؟ أفَلا تَذَكَّرُونَ؟ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ هَذا المَثَلِ بِالإخْبارِ عَنِ اسْتِحالَتِهِ (p-١٧٩)لِأنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى إحْياءِ المَيِّتِ؛ كَما أنَّ مَعْبُوداتِهِ لا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿قالَ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ؛ ﴿مَن يُحْيِي﴾

ولَمّا كانَتِ العِظامُ أصْلَبَ شَيْءٍ؛ وأبْعَدَهُ عَنْ قَبُولِ الحَياةِ؛ لا سِيَّما إذا بَلِيَتْ؛ وأرْفَتَتْ؛ قالَ: ﴿العِظامَ وهِيَ﴾؛ ولَمّا أخْبَرَ عَنِ المُؤَنَّثِ بِاسْمٍ لِما بَلِيَ مِنَ العِظامِ؛ غَيْرِ صِفَةٍ؛ لَمْ يُثْبِتْ تاءَ التَّأْنِيثِ؛ فَقالَ: ﴿رَمِيمٌ﴾؛ أيْ: صارَتْ تُرابًا يَمُرُّ مَعَ الرِّياحِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском