Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:165–182
ولَمّا سَلَبَ عَنِ الكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ القُدْرَةِ؛ إلّا ما وهَبَهُمْ؛ وكانَ الكُفّارُ يَدَّعُونَ أنَّهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ (تَعالى)؛ ويُنَزِّهُونَهُ؛ وأنَّ الإشْراكَ لا يَقْدَحُ في ذَلِكَ؛ بَيَّنَ أنَّ المُخْلَصِينَ خُصُّوا دُونَهم بِمَواقِفِ الصَّفاءِ؛ ومَقاماتِ الصِّدْقِ والوَفاءِ؛ لِأنَّ طاعَتَهم أبْطَلَها إشْراكُهُمْ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ ومُخَصِّصًا -: ﴿وإنّا﴾؛ أيْ: يا مَعْشَرَ المُخْلَصِينَ؛ ﴿لَنَحْنُ﴾؛ أيْ: دُونَكُمْ؛ ﴿الصّافُّونَ﴾؛ أيْ: أنْفُسَنا في الصَّلاةِ؛ والجِهادِ؛ وأجْنِحَتَنا في الهَواءِ فِيما أُرْسِلْنا بِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِاجْتِماعِ قُلُوبِنا عَلى الطّاعَةِ؛
﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾؛ أيْ: المُنَزِّهُونَ لَهُ - سُبْحانَهُ - عَنْ كُلِّ نَقْصٍ مِمّا ادَّعَيْتُمُوهُ مِنَ البَناتِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَنا هَذا الفِعْلُ؛ وهو الصَّفُّ؛ والتَّسْبِيحُ؛ ولا يُنْوى لَهُ مَفْعُولٌ البَتَّةَ.
37:167Page 452
وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ ١٦٧
And indeed, they [i.e., the disbelievers] used to say,1
ولَمّا بَيَّنَ ضَلالَهُمْ؛ وهُداهُ ﷺ؛ وهُدى مَنِ اتَّبَعَهُ - بِما أشارَ إلَيْهِ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ الَّتِي أضافَها إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ”ألِرَبِّكَ“ -؛ أعْلَمَ بِأنَّهم زادُوا عَلى عَيْبِ الضَّلالِ في نَفْسِهِ؛ عَيْبَ الإخْلافِ لِلْوَعْدِ؛ والنَّقْضِ لِما (p-٣١٣)أكَّدُوهُ مِنَ العَهْدِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَكادُ يُصَدَّقُ أنَّ عاقِلًا يُؤَكِّدُ عَلى نَفْسِهِ في أمْرٍ؛ ثُمَّ يُخْلِفُهُ؛ جَوابًا لِمَن يَقُولُ: هَلْ نَزَّهُوهُ كَما نَزَّهَهُ المُخْلَصُونَ؟ -: ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: فَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الضَّلالِ بِالشُّبَهِ الَّتِي افْتُضِحَتْ؛ بِما كَشَفْناهُ مِن سُتُورِها؛ ولَمْ يُنَزِّهُوا كَما نَزَّهَ المُخْلَصُونَ؛ والحالُ أنَّهُمْ؛ ﴿كانُوا﴾؛ قَبْلَ هَذا؛ ﴿لَيَقُولُونَ﴾؛ أيْ: قَوْلًا لا يَزالُونَ يُجَدِّدُونَهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ؛
37:168Page 452
لَوۡ أَنَّ عِندَنَا ذِكۡرٗا مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٦٨
"If we had a message from [those of] the former peoples,
﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا﴾؛ أيْ: عَلى أيِّ حالٍ كانَ مِن أحْوالِهِ؛ مِن كِتابٍ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿مِنَ الأوَّلِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ الرُّسُلِ الماضِينَ؛
37:169Page 452
لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٦٩
We would have been the chosen servants of Allāh."
﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِحَيْثُ أنّا نَصِيرُ أهْلًا لِلْإضافَةِ إلى المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿المُخْلَصِينَ﴾؛ أيْ: في العِبادَةِ لَهُ؛ بِلا شائِبَةٍ مِن شِرْكٍ أصْلًا.
37:170Page 452
فَكَفَرُواْ بِهِۦۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ١٧٠
But they disbelieved in it,1 so they are going to know.
ولَمّا كانَ هَذا الذِّكْرُ - الَّذِي أتاهُمْ؛ مَعَ كَوْنِهِ أعْظَمَ ذِكْرٍ؛ أتى مُصَدِّقًا لِكُتُبِ الأوَّلِينَ؛ وكانَ الرَّسُولُ الآتِي بِهِ أعْظَمَ الرُّسُلِ؛ فَكانَ لِذَلِكَ هو عَيْنَ ما عَقَدُوا عَلَيْهِ؛ مَعَ زِيادَةِ الشَّرَفِ - سَبَبًا لِكُفْرِهِمْ؛ قالَ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَمّا عاهَدُوا عَلَيْهِ أنَّهم كَفَرُوا بِذَلِكَ الذِّكْرِ؛ مَعَ زِيادَتِهِ في الشَّرَفِ عَلى ما طَلَبُوا بِالإعْجازِ؛ وغَيْرِهِ؛ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَهْدِيدُهم مِمَّنْ أخْلَفُوا وعْدَهُ؛ ونَقَضُوا مَعَ التَّأْكِيدِ عَهْدَهُ؛ فَقالَ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: بِوَعِيدٍ لَيْسَ هو مِن جِنْسِ كَلامِهِمْ؛ بَلْ هو مِمّا لا خُلْفَ فِيهِ بِوَجْهٍ.
37:171Page 452
وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧١
And Our word [i.e., decree] has already preceded for Our servants, the messengers,
(p-٣١٤)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ؛ كَما أرْشَدَ إلَيْهِ سِياقُ التَّهْدِيدِ: ”فَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا عَلى مَن خالَفَ رُسُلَنا بِالخِذْلانِ المُهِينِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ﴾؛ أيْ: في الأزَلِ؛ ﴿كَلِمَتُنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿لِعِبادِنا﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أخْلَصُوا لَنا العِبادَةَ في كُلِّ حَرَكَةٍ وسُكُونٍ؛ ﴿المُرْسَلِينَ﴾؛ الَّذِينَ زِدْناهم عَلى شَرَفِ الإخْلاصِ في العُبُودِيَّةِ شَرَفَ الرِّسالَةِ.
ولَمّا آذَنَتِ اللّامُ بِعُلُوِّهِمْ؛ أوْضَحَ ذَلِكَ بِبَيانِ ما سَمّاهُ ”كَلِمَةً“؛ لِانْتِظامِهِ في مَعْنًى واحِدٍ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾؛ وزادَ في تَأْكِيدِهِ؛ في نَظِيرِ ما عِنْدَ الكَفَرَةِ؛ عَلى ما تَدُلُّ أعْمالُهم أنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ؛ فَقالَ: ﴿لَهُمُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿المَنصُورُونَ﴾؛ أيْ: الثّابِتُ نَصْرُهم في الجِدالِ؛ والجِلادِ؛ وإنْ وقَعَ لِلْكُفّارِ عَلَيْهِمْ في الثّانِي ظُهُورٌ ما؛ ولَمّا خَصَّ بِذَلِكَ المُرْسَلِينَ؛ عَمَّ؛ فَقالَ:
37:173Page 452
وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ١٧٣
And [that] indeed, Our soldiers [i.e., the believers] will be those who overcome.1
﴿وإنَّ جُنْدَنا﴾؛ أيْ: مِنَ المُرْسَلِينَ؛ وأتْباعِهِمْ؛ ولَمّا كانَ مَدْلُولُ الجُنْدِ في اللُّغَةِ العَسْكَرَ والأعْوانَ؛ والمَدِينَةَ؛ وصِنْفًا مِنَ الخَلْقِ عَلى حِدَةٍ؛ قالَ - جامِعًا عَلى المَعْنى؛ دُونَ اللَّفْظِ؛ نَصًّا عَلى المُرادِ -: ﴿لَهُمُ﴾؛ أيْ: لا غَيْرُهُمْ؛ ﴿الغالِبُونَ﴾؛ أيْ: وإنْ رُئِيَ أنَّهم مَغْلُوبُونَ؛ لِأنَّ العاقِبَةَ لَهم إنْ لَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الدّارِ؛ فَهو في دارِ القَرارِ؛ وقَدْ جَمَعَ لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ فِيهِما؛ وسَمّى هَذا كُلَّهُ ”كَلِمَةً“؛ لِانْتِظامِهِ مَعْنًى واحِدًا؛ ولا يَضُرُّ انْهِزامٌ في بَعْضِ المَواطِنِ مِن بَعْضِهِمْ؛ ولا وهْنٌ قَدْ يَقَعُ؛ وكَفى دَلِيلًا عَلى هَذا (p-٣١٥)سِيرَةُ النَّبِيِّ ﷺ والخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ بَعْدَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
ولَمّا ثَبَتَ لا مَحالَةَ بِهَذا أنَّهُ ﷺ هو المَنصُورُ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ؛ ومِن جُنْدِ اللَّهِ؛ بَلْ هو أعْلاهُمْ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَتَوَلَّ﴾؛ أيْ: فَكَلِّفْ نَفْسَكَ الإعْراضَ؛ ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: عَنْ رَدِّهِمْ عَنِ الضَّلالِ قَسْرًا؛ ﴿حَتّى حِينٍ﴾؛ أيْ: مُبْهَمٍ؛ وهو الوَقْتُ الَّذِي عَيَّنّاهُ لِنَصْرِكَ في الأزَلِ؛
37:175Page 452
وَأَبۡصِرۡهُمۡ فَسَوۡفَ يُبۡصِرُونَ ١٧٥
And see [what will befall] them, for they are going to see.
﴿وأبْصِرْهُمْ﴾؛ أيْ: بِبَصَرِكَ؛ وبَصِيرَتِكَ عِنْدَ الحِينِ الَّذِي ضَرَبْناهُ لَكَ؛ وقَبْلَهُ: كَيْفَ تُؤَدِّيهِمْ أحْوالُهم وتَقَلُّباتُهم كُلَّما تَقَلَّبُوا إلى سُفُولٍ.
ولَمّا كانُوا قَبْلَ الإسْلامِ عُمْيًا؛ صُمًّا؛ لِأنَّهم لا يُصَدِّقُونَ وعْدًا؛ ولا وعِيدًا؛ ولا يُفَكِّرُونَ في عاقِبَةٍ؛ حَذَفَ المَفْعُولَ مِن فِعْلِهِمْ؛ فَقالَ - مُتَوَعِّدًا؛ مُحَقِّقًا بِالتَّسْوِيفِ؛ لا مُبْعِدًا -: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾؛ أيْ: يَحْصُلُ لَهُمُ الإبْصارُ الَّذِي لا غَلَطَ فِيهِ بِالعَيْنِ؛ والقَلْبِ؛ بَعْدَ ما هم فِيهِ مِنَ العَمى؛ وهَذا الحِينُ واضِحٌ في يَوْمِ ”بَدْرٍ“؛ وما كانَ مِن أمْثالِهِ قَبْلَ الفَتْحِ؛ فَإنَّهم كانَ لَهم في تِلْكَ الأوْقاتِ نَوْعٌ مِنَ القُوَّةِ؛ فَلِذَلِكَ أثْبَتَهم نَوْعَ إثْباتٍ في أبْصَرِهِمْ.
ولَمّا كانَتْ عادَتُهم الِاسْتِعْجالَ بِما يُهَدِّدُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً؛ كُلَّما ورَدَ عَلَيْهِمْ تَهْدِيدٌ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ؛ عَلى وجْهِ تَهْدِيدٍ آخَرَ لَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿أفَبِعَذابِنا﴾؛ أيْ: عَلى ما عُلِمَ لَهُ مِنَ العَظَمَةِ؛ بِإضافَتِهِ إلَيْنا؛ (p-٣١٦)﴿يَسْتَعْجِلُونَ﴾؛ أيْ: يَطْلُبُونَ أنْ يُعَجَّلَ لَهم فَيَأْتِيَهم قَبْلَ أوانِهِ الَّذِي ضَرَبْناهُ لَهُ؛
37:177Page 452
فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمۡ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلۡمُنذَرِينَ ١٧٧
But when it descends in their territory, then evil is the morning of those who were warned.
ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا أنَّهُ لا بُشْرى لَهم يَوْمَ حُلُولِهِ؛ ولا قَرارَ عِنْدَ نُزُولِهِ؛ صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا﴾؛ أيْ: هَدَّدْناهُمْ؛ وأنْكَرْنا عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ أنَّهُ إذا ﴿نَـزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾؛ أيْ: غَلَبَ عَلَيْها؛ لِأنَّ ذَلِكَ شَأْنُ النّازِلِ بِالشَّيْءِ؛ مِن غَيْرِ إذْنِ صاحِبِهِ؛ ولا يَغْلِبُ عَلَيْها إلّا وقَدْ غَلَبَ عَلى أهْلِها؛ فَبَرَكَ عَلَيْهِمْ بُرُوكًا؛ لا يَقْدِرُونَ مَعَهُ عَلى البُرُوزِ إلى تِلْكَ السّاحَةِ وهي الفِناءُ الخالِي عَنِ الأبْنِيَةِ؛ كَأنَّهُ مُتَحَدَّثُ القَوْمِ؛ ومَوْضِعُ راحَتِهِمْ في أيِّ وقْتٍ كانَ بُرُوكُهُ؛ مِن لَيْلٍ أوْ نَهارٍ؛ ولَكِنْ لَمّا كانَتْ عادَتُهُمُ الإغارَةَ صَباحًا؛ قالَ - عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ؛ مُشِيرًا بِالفاءِ إلى أنَّهُ السَّبَبُ؛ لا غَيْرُهُ؛ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم أهْلٌ لِلتَّخْوِيفِ؛ مِن هَؤُلاءِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ وهَذا التَّهْدِيدُ لا يَصْلُحُ لِأنْ يَنْطَبِقَ إلّا عَلى يَوْمِ الفَتْحِ؛ ولَقَدْ صارَ مَن لَمْ يَتَأهَّلْ لِغَيْرِ الإنْذارِ فِيهِ في غايَةِ السُّوءِ؛ وهُمُ الَّذِينَ قَتَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ ومِنهم مَن تَعَلَّقَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ؛ فَلَمْ يُفِدْهُ ذَلِكَ؛ ولَكِنَّهم كانُوا قَلِيلًا؛ والباقُونَ إنْ كانَ ذَلِكَ الصَّباحُ عَلى ما ساءَهم مَنظَرُهُ فَلَقَدْ سَرَّهم لَعَمْرُ اللَّهِ مَخْبَرُهُ.
(p-٣١٧)ولَمّا كانَ النَّبِيُّ ﷺ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ؛ لا يَسْتَأْصِلُ قَوْمَهُ بِعَذابٍ؛ قالَ - دالًّا عَلى ذَلِكَ بِتَكْرِيرِ الأمْرِ؛ تَأْكِيدًا لِلتَّسْلِيَةِ؛ ووَعْدَ النُّصْرَةِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ المَعْنى عَلى الأوَّلِ؛ عاطِفًا عَلى ”تَوَلَّ“؛ الأُولى -: ﴿وتَوَلَّ﴾؛ أيْ: كَلِّفْ نَفْسَكَ الصَّبْرَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمُ العَذابُ الثّانِي؛ والإعْراضَ ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾؛ وكَذا فَعَلَ ﷺ فَإنَّهُ حَلَّ بِساحَتِهِمْ يَوْمَ الفَتْحِ صَباحًا؛ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُدافَعَةٍ.
ولَمّا كابَرَ بَعْضُهُمْ؛ ودافَعَ؛ لَمْ يَكُنْ بِأسْرَعَ مِن أنْ ولَّوْا وطَلَبُوا السَّلامَةَ بِالدُّخُولِ فِيما جَعَلَهُ ﷺ عَلَمًا عَلى التَّأْمِينِ؛ وقالَ حَماسُ بْنُ قَيْسٍ أخُو بَنِي بَكْرٍ؛ لَمّا دَخَلَ بَيْتَهُ؛ لِامْرَأتِهِ: أغْلِقِي عَلَيَّ البابَ؛ فَعَيَّرَتْهُ بِالهَزِيمَةِ بَعْدَ أنْ كانَتْ تَنْهاهُ عَنْ مُنابَذَةِ المُسْلِمِينَ؛ فَلا يَنْتَهِي ويَقُولُ لَها: لا بُدَّ أنْ أُخْدِمَكِ بَعْضَهُمْ:
؎إنَّكَ لَوْ شَهِدْتَ يَوْمَ الحَنْدَمَةْ ∗∗∗ إذْ فَرَّ صَفْوانُ وفَرَّ عِكْرِمَةْ ∗∗∗ (p-٣١٨)واسْتَقْبَلَتْنا بِالسُّيُوفِ المُسْلِمَةْ
؎ ∗∗∗ يَقْطَعْنَ كُلَّ ساعِدٍ وجُمْجُمَةْ
؎ضَرْبًا فَلا يُسْمَعُ إلّا غَمْغَمَةْ ∗∗∗ ∗∗∗ لَهم نَهَيْتُ خَلْقَنا وهَمْهَمَةْ
لَمْ تَنْطِقِي في اللَّوْمِ أدْنى كَلِمَةْ
ولَمّا كانَ هَذا مُنْطَبِقًا عَلى يَوْمِ الفَتْحِ؛ وكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ قَدْ أحَلَّ الكُفّارَ مَحَلًّا صارُوا بِهِ بِحَيْثُ لا اعْتِبارَ لَهُمْ؛ قالَ: ﴿وأبْصِرْ﴾؛ مُسْقِطًا ضَمِيرَهُمْ؛ أيْ أبْصِرْ ما تُرِيدُ مِن شُؤُونِكَ الَّتِي يُهِمُّكَ النَّظَرُ فِيها؛ وأمّا هم فَصارُوا بِحَيْثُ لا يُبالى بِهِمْ؛ ولا يُفَكَّرُ في أمْرِهِمْ؛ ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ؛ فَإنّا أبْدَلَنا مِن عِزَّتِهِمْ ذُلًّا؛ ومِن كَثْرَتِهِمْ قِلًّا؛ وجَرَّدَنا تِلْكَ الأراضِيَ مِن قاذُوراتِ الشِّرْكِ؛ وأحْلَلْنا بِها طَهارَةَ التَّنْزِيهِ وأقْداسَ التَّحْمِيدِ؛ وكَذا كانَ؛ فَإنَّهُ ﷺ قالَ لَهُمْ؛ وهو عَلى دَرَجِ الكَعْبَةِ؛ وهم تَحْتَهُ كالغَنَمِ المَجْمُوعَةِ في اليَوْمِ المَطِيرِ؛ بَعْدَ أنْ قالَ: «”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ؛ لا شَرِيكَ لَهُ؛ صَدَقَ وعْدَهُ؛ ونَصَرَ عَبْدَهُ وأعَزَّ جُنْدَهُ؛ وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ“: ”ما تَظُنُّونَ أنِّي فاعِلٌ بِكم يا مَعاشِرَ قُرَيْشٍ؟“؛ قالُوا: (p-٣١٩)خَيْرًا؛ أخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ؛ قالَ: ”اذْهَبُوا فَأنْتُمُ الطُّلَقاءُ“؛» وقالَ لَهُ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ: اجْعَلْنِي بِالخِيارِ شَهْرَيْنِ؛ قالَ: ”أنْتَ بِالخِيارِ أرْبَعَةَ أشْهُرِ“؛ ولَمْ يُكَلِّفْ أحَدًا مِنهُمُ الإسْلامَ؛ حَتّى أسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ طَوْعًا مِن عِنْدِ آخِرِهِمْ؛ ولَمّا حاصَرَ الطّائِفَ فَعَسُرَتْ عَلَيْهِ انْصَرَفَ عَنْها؛ فَما لَبِثُوا أنْ أرْسَلُوا إلَيْهِ رُسُلَهُمْ؛ وأسْلَمُوا؛ فَحَسُنَ إسْلامُهُمْ؛ ولَمْ يَرْتَدَّ أحَدٌ مِنهم في الرِّدَّةِ؛ وهَذا مِن مَعْنى ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾
37:180Page 452
سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٨٠
Exalted is your Lord, the Lord of might, above what they describe.
ولَمّا تَقَرَّرَ لَهُ - سُبْحانَهُ - مِنَ العَظَمَةِ ما ذَكَرَ؛ فَكانَ الأمْرُ أمْرَهُ؛ والخَلْقُ خَلْقَهُ؛ ثَبَتَ تَنَزُّهُهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ؛ واتِّصافُهُ بِكُلِّ كَمالٍ؛ فَلِذَلِكَ كانَتْ نَتِيجَةُ ذَلِكَ الخَتْمَ بِمَجامِعِ التَّنْزِيهِ والتَّحْمِيدِ؛ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ؛ وإقامَةِ الدَّلِيلِ الظّاهِرِ المُحَرَّرِ عَلى صِدْقِكَ بِكُلِّ ما يَكُونُ مِن أحْوالِ أعْدائِكَ؛ مِن كَلامٍ؛ أوْ سُكُوتٍ؛ وتَأْيِيدِكَ بِكُلِّ قُوَّةٍ؛ وإلْباسِكَ كُلَّ هَيْبَةٍ؛ ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾؛ أيْ: الَّتِي هو مُخْتَصٌّ بِها؛ بِما أفْهَمَتْهُ الإضافَةُ؛ وأفادَ شاهِدُ الوُجُودِ؛ وحاكِمُ العَقْلِ؛ وقَدْ عُلِمَ بِما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّها تَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ؛ ولا يَغْلِبُها شَيْءٌ؛ وفي إضافَةِ الرَّبِّ إلَيْهِ؛ وإلى العِزَّةِ؛ إشارَةٌ إلى اخْتِصاصِهِ ﷺ وكُلِّ مَن وافَقَهُ في أمْرِهِ عَنْ جَمِيعِ الخَلْقِ؛ بِالعِزَّةِ؛ وإنْ رُئِيَ في ظاهِرِ الأمْرِ غَيْرُ ذَلِكَ؛ ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾؛ مِمّا يَقْتَضِي النَّقائِصَ؛ لِما ثَبَتَ (p-٣٢٠)مِن ضَلالِهِمْ؛ وبُعْدِهِمْ عَنِ الحَقِّ.
ولَمّا قَدَّمَ السَّلامَ عَلى مَن شاءَ تَخْصِيصُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن رُسُلِهِ؛ عَمَّهُمْ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ”سُبْحانَ“ -: ﴿وسَلامٌ﴾؛ أيْ: تَنَزُّهٌ لَهُ؛ وسَلامَةٌ؛ وشَرَفٌ؛ وفَخْرٌ؛ وعُلًا؛ ﴿عَلى المُرْسَلِينَ﴾؛ أيْ: الواصِفِينَ لَهُ بِما هو لَهُ أهْلٌ؛ الَّذِينَ اصْطَفاهُمُ؛ الصّافِّينَ صَفًّا؛ الزّاجِرِينَ زَجْرًا؛ التّالِينَ ذِكْرًا؛ مِنَ البَشَرِ؛ والمَلائِكَةِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ لِأجْلِ ما حَكَمَ لَهم بِهِ - سُبْحانَهُ - في الأزَلِ مِنَ العِزِّ؛ والنَّصْرِ؛
﴿والحَمْدُ﴾؛ أيْ: الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الجامِعِ لِجَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى؛ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها مَجْمُوعُ خَلْقِهِ؛ وإلى ذَلِكَ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾؛ فَهو حِينَئِذٍ الواحِدُ المُعَتالِ؛ الَّذِي تَنَزَّهَ عَنِ الأكْفاءِ؛ والأمْثالِ؛ والنُّظَراءِ؛ والأشْكالِ؛ في كُلِّ شَيْءٍ؛ مِنَ الأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ والشُّؤُونِ والأحْوالِ؛ ولَقَدْ تَرافَقَ آخِرُها - كَما تَرى - وأوَّلَها؛ وتَعانَقَ مَفْصِلُها ومَوْصِلُها؛ واللَّهُ الهادِي إلى الصَّوابِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences