Al-Biqa'iAs‑Saffat · 37:70–92

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:70–92

37:70Page 448

فَهُمۡ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ يُهۡرَعُونَ ٧٠

So they hastened [to follow] in their footsteps.

﴿فَهُمْ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ؛ البُغَضاءُ؛ ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي لا تَكادُ تَبِينُ لِأحَدٍ؛ لِخَفاءِ مَذاهِبِها؛ لِوَهْيِها؛ وشِدَّةِ ضَعْفِها؛ وانْطِماسِ مَعالِمِها؛ لا عَلى غَيْرِها؛ ﴿يُهْرَعُونَ﴾؛ أيْ: كَأنَّهم يُلْجِئُهم مُلْجِئٌ إلى الإسْراعِ؛ فَهم في غايَةِ المُبادَرَةِ إلى ذَلِكَ؛ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى دَلِيلٍ؛ ولا اسْتِضاءَةٍ بِحُجَّةٍ؛ (p-٢٤٣)بِحَيْثُ يَلْحَقُ صاحِبَ هَذا الإسْراعِ؛ مِن شِدَّةِ تَكالُبِهِ عَلَيْهِ؛ شَيْءٌ هو كالرِّعْدَةِ؛ وذَلِكَ ضِدَّ تَوَقُّفِهِمْ؛ وجُمُودِهِمْ فِيما أتاهم بِهِ رَسُولُنا ﷺ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ؛ وغَيْرِها؛ مِمّا هو في غايَةِ الوُضُوحِ؛ والجَلاءِ؛ فَأمْعَنُوا في التَّكْذِيبِ بِهِ؛ والِاسْتِهْزاءِ؛ وأصَرُّوا بَعْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ؛ فَكانُوا كالجِبالِ ثَباتًا عَلى ضَلالِهِمْ؛ والحِجارَةِ الصِّلابِ الثِّقالِ؛ رُسُوخًا في لازِبِ أوْحالِهِمْ.

37:71Page 448

وَلَقَدۡ ضَلَّ قَبۡلَهُمۡ أَكۡثَرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٧١

And there had already strayed before them most of the former peoples,

ولَمّا كانَ النَّبِيُّ ﷺ شَدِيدَ المَحَبَّةِ لِهُداهُمْ؛ والحُزْنِ عَلى ضَلالِهِمْ؛ والأسَفِ عَلى غَيِّهِمْ ومِحالِهِمْ؛ وكانَ الضَّلالُ مَعَ العَقْلِ أوَّلًا؛ ثُمَّ مَعَ وُجُودِ الرُّسُلِ - الَّذِينَ هم مِنَ الصِّدْقِ؛ والمُعْجِزاتِ؛ والأُمُورِ المُلْجِئَةِ إلى الهُدى - ثانِيًا كالمُحالِ؛ سَلاهُ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ - عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ؛ لِزِيادَةِ التَّحْقِيقِ -: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾؛ أيْ: قَبْلَ مَن يَدْعُوهُمْ؛ في جَمِيعِ الزَّمانِ الَّذِي تَقَدَّمَهُمْ؛ ﴿أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾؛ بِحَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَمْضِ قَرْنٌ بَعْدَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا وكُلُّهُ؛ أوْ جُلُّهُ؛ ضَلالٌ.

37:72Page 448

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ ٧٢

And We had already sent among them warners.

ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّهُ لِعَدَمِ الرُّسُلِ؛ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِنَحْوِ ذَلِكَ -: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تُوجِبُ الإتْيانَ بِما لا رَيْبَ فِيهِ مِنَ البَيانِ؛ ﴿فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾؛ أيْ: فَأنْذَرُوهم بِأْسَ اللَّهِ؛ وبَيَّنُوا لَهم أحْسَنَ البَيانِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَغَلَبَ عَلَيْهِمُ الضَّلالُ؛ وعِنادُ أهْلِ الحَقِّ بِالمِحالِ؛ حَتّى أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِما لَهُ مِن شَدِيدِ المَجالِ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ:

37:73Page 448

فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٧٣

Then look how was the end of those who were warned -

(p-٢٤٤)﴿فانْظُرْ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنِ الإرْسالِ أنا فَعَلْنا في إهْلاكِهِمْ مِنَ العَجائِبِ ما يَسْتَحِقُّ التَّعْجِيبَ بِهِ؛ والتَّحْذِيرَ مِن مِثْلِهِ؛ بِأنْ يُقالَ لِمَن تَخَلَّفَ عَنْهُمْ: انْظُرْ ﴿كَيْفَ﴾؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ عادَةً مُسْتَمِرَّةً؛ لَمْ تَخْتَلِفْ أصْلًا؛ قالَ: ﴿كانَ عاقِبَةُ﴾؛ أيْ: آخِرُ أمْرِ؛ ﴿المُنْذَرِينَ﴾؛ أيْ: في أنّا أهْلَكْناهم لِتَكْذِيبِهِمْ؛ فاصْبِرْ عَلى الشَّدائِدِ كَما صَبَرُوا؛ واسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ بِالبِشارَةِ؛ والنِّذارَةِ؛ حَتّى يَأْتِيَكَ أمْرُ اللَّهِ.

37:74Page 448

إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٧٤

But not the chosen servants of Allāh.

ولَمّا أفْهَمَ الحُكْمُ عَلى الأكْثَرِ بِالضَّلالِ أنَّ الأقَلَّ عَلى غَيْرِ حالِهِمْ؛ نَبَّهَ عَلى حالِ الطّائِعِينَ بِقَوْلِهِ - مُسْتَثْنِيًا مِن ضَمِيرِ ”المُنْذَرِينَ“ -: ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ اسْتَخْلَصَهم - سُبْحانَهُ - بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ فاسْتَحَقُّوا الإضافَةَ إلى اسْمِهِ الأعْظَمِ؛ ﴿المُخْلَصِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أخْلَصَهم لَهُ؛ فَأخْلَصُوا هم أعْمالَهُمْ؛ فَلَمْ يَجْعَلُوا فِيها شَوْبًا لِغَيْرِهِ.

37:75Page 448

وَلَقَدۡ نَادَىٰنَا نُوحٞ فَلَنِعۡمَ ٱلۡمُجِيبُونَ ٧٥

And Noah had certainly called Us, and [We are] the best of responders.

ولَمّا كانَ مَقْصُودَ السُّورَةِ التَّنْزِيهَ؛ الَّذِي هو الإبْعادُ عَنِ النَّقائِصِ؛ ولِذَلِكَ كانَ أنْسَبُ الأشْياءِ الإقْسامَ أوَّلَها بِالمَلائِكَةِ؛ الَّذِينَ هم أنْزَهُ الخَلْقِ؛ وكانَ أعْلى الخَلْقِ مَن جَرَّدَ نَفْسَهُ عَنِ الحُظُوظِ؛ بِما يُؤْتِيهِ اللَّهُ مِنَ المُجاهَداتِ؛ والمُنازَلاتِ؛ والمُعالَجاتِ؛ حَتّى يَلْحَقَ بِهِمْ؛ فَيَجُوزُ مَعَ فَضْلِهِمْ مَعالِيَ الجِهادِ؛ فَكانَ أحَقُّ الأنْبِياءِ بِالذِّكْرِ مَن كانَ أكْثَرَ تَجْرِيدًا لِنَفْسِهِ مِنَ الشَّواغِلِ؛ سَيْرًا إلى مَوْلاهُ؛ وتَعْرِيجًا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ؛ وكانَ الأبُ (p-٢٤٥)الثّانِي مِن أحَقِّهِمْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَجَرَّدَ في الجِهادِ بِالدُّعاءِ إلى اللَّهِ ألْفَ عامٍ؛ ثُمَّ تَجَرَّدَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ عَلى ظَهْرِ الماءِ بَيْنَ الأرْضِ؛ والسَّماءِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ دَعا إلى التَّأْكِيدِ مِن أنَّ مُكْثَهُ في قَوْمِهِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ مُبْعِدٌ لِأنْ يَكُونُوا وافَقُوهُ ومالُوا مَعَهُ وتابَعُوهُ؛ ولِأنَّ فِعْلَ العَرَبِ في التَّكْذِيبِ؛ مَعَ تَرادُفِ المُعْجِزاتِ؛ وتَواتُرِ العِظاتِ؛ عَمَلُ مَن هو مُكَذِّبٌ بِوُقُوعِ النُّصْرَةِ لِلْمُرْسَلِينَ؛ والعَذابِ لِلْمُكَذِّبِينَ؛ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَقاسى الرُّسُلُ مِنَ الشَّدائِدِ ما لا تَسَعُهُ الأوْراقُ؛ وجاهَدُوهم بِأنْفُسِهِمْ؛ والتَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ (تَعالى) في أمْرِهِمْ“ -: ﴿ولَقَدْ نادانا﴾؛ لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿نُوحٌ﴾؛ بِقَوْلِهِ: ”رَبِّ إنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ“؛ ونَحْوِهِ؛ مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ بَعْدَ أُمُورٍ عَظِيمَةٍ لَقِيَها مِنهم مِنَ الكُرُوبِ؛ والشَّدائِدِ والخُطُوبِ؛ لِنَكْشِفَ عَنْهُ ما أعْياهُ مِن أمْرِهِمْ.

ولَمّا أغْنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنْ شَرْحِ القِصَّةِ وتَطْوِيلِها؛ وكانَ قَدْ تَسَبَّبَ عَنْ دُعائِهِ إجابَتُهُ؛ قالَ - بِالتَّأْكِيدِ بِالِاسْمِيَّةِ؛ والإشارَةِ إلى القَسَمِ؛ والأداةِ الجامِعَةِ لِكُلِّ مَدْحٍ؛ وصِيغَةِ العَظَمَةِ؛ إلى أنَّ هَوْلَ عَذابِهِمْ؛ وعِظَمَ مُصابِهِمْ بَلَغَ إلى أنَّهُ مَعَ شُهْرَتِهِ لا يَكادُ يُصَدَّقُ؛ فَهو يَحْتاجُ إلى اجْتِهادٍ كَبِيرٍ؛ وشِدَّةِ اعْتِناءٍ؛ فَكانَتِ الإجابَةُ إجابَةَ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ وإنْ (p-٢٤٦)كانَتِ الأفْعالُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ لا تَحْتاجُ إلى غَيْرِ مُطْلَقِ الإرادَةِ -: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾؛ أيْ: كُنّا؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ لَهُ؛ ولِغَيْرِهِ مِمَّنْ كانَ نِعْمَ المُجِيبُ لَنا؛ هَذِهِ صِفَتُنا؛ لا تَغَيُّرَ لَها.

37:76Page 448

وَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٦

And We saved him and his family from the great affliction.

ولَمّا كانَ مَعْنى هَذا: فَأجَبْناهُ إجابَةً هي النِّهايَةُ في اسْتِحْقاقٍ عَلى المَمادِحِ؛ مِن إيصالِهِ إلى مُرادِهِ؛ مِن حَمْلِهِ؛ وحَمْلِ مَن آمَنَ بِهِ؛ والِانْتِقامِ مِمَّنْ كَذَّبَهُ؛ كَما هي عادَتُنا دائِمًا؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ونَجَّيْناهُ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿وأهْلَهُ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ وافَقُوهُ في الدِّينِ؛ ﴿مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾؛ وهو الأذى مِنَ الغَرَقِ؛

37:77Page 449

وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ ٧٧

And We made his descendants those remaining [on the earth]

﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الباقِينَ﴾؛ لِأنَّ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ غَرِقُوا؛ فَلَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ أصْلًا؛ وأهْلُ السَّفِينَةِ لَمْ يُعَقِّبْ مِنهم أحَدٌ غَيْرُ أوْلادِهِ؛ فَأثَبْناهُ عَلى نَزاهَتِهِ أنْ كانَ هو الأبَ الثّانِيَ؛ فالعَرَبُ والعَجَمُ أوْلادُ سامٍ؛ والسُّودانُ أوْلادُ حامٍ؛ والتُّرْكُ والصَّقالِبَةُ ويَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ أوْلادُ يافِثَ؛ فَكُلُّ مَن تَبِعَ سُنَّتَهُ في الخَيْرِ كانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِهِ.

37:78Page 449

وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٧٨

And left for him [favorable mention] among later generations:

ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ بارَكَ في نَسْلِهِ؛ أعْلَمَ أنَّهُ أدامَ ذِكْرَهُ بِالخَيْرِ في أهْلِهِ؛ فَقالَ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: ثَناءً حَسَنًا؛ لَكِنَّهُ حَذَفَ المَفْعُولَ (p-٢٤٧)وجَعَلَهُ لازِمًا؛ فَصارَ المَعْنى: أوْقَعْنا عَلَيْهِ التَّرْكَ بِشَيْءٍ هو مِن عَظَمَتِهِ؛ وحُسْنِ ذِكْرِهِ؛ بِحَيْثُ يَعِزُّ وصْفُهُ؛ ﴿فِي الآخِرِينَ﴾؛ أيْ: كُلِّ مَن تَأخَّرَ عَنْ زَمانِهِ؛ إلى يَوْمِ الدِّينِ.

37:79Page 449

سَلَٰمٌ عَلَىٰ نُوحٖ فِي ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٩

"Peace upon Noah among the worlds."

ولَمّا كانَ قَدْ كَتَبَ اللَّهُ في القِدَمِ سَلامَتَهُ مِن كُلِّ سُوءٍ؛ عَلى كَثْرَةِ الأعْداءِ؛ وطُولِ الإقامَةِ فِيهِمْ؛ وشِدَّةِ الخِلافِ؛ قالَ (تَعالى) - مُسْتَأْنِفًا؛ مادِحًا -: ﴿سَلامٌ﴾؛ أيْ: عَظِيمٌ؛ ﴿عَلى نُوحٍ﴾؛ مِن كُلِّ حَيٍّ؛ مِنَ الجِنِّ؛ والإنْسِ؛ والمَلائِكَةِ؛ لِسَلامِ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ ولَمّا كانَ لِسانُ جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ في زَمانِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - واحِدًا؛ فَكانُوا كُلُّهم قَوْمَهُ؛ ولَمْ يَكُنْ في زَمانِهِ نَبِيٌّ؛ فَكانَتْ نُبُوَّتُهُ قُطْبَ دائِرَةِ ذَلِكَ الوَقْتِ؛ فَكانَتْ رِسالَتُهُ عامَّةً لِأهْلِهِ؛ وكانَ غَيْرُ النّاسِ مِنَ الخَلْقِ لَهم تَبَعًا؛ خَصَّهُ في السَّلامِ؛ بِأنْ قالَ: ﴿فِي العالَمِينَ﴾؛ أيْ: مَذْكُورٌ فِيهِمْ كُلِّهِمْ؛ لَفْظًا ومَعْنًى؛ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ دائِمًا إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ؛ وخُصُوصِيَّةُ نَبِيِّنا ﷺ بِأنَّهُ أُرْسِلَ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ؛ مَعَ اخْتِلافِ الألْسِنَةِ؛ ومَعَ اسْتِمْرارِ الرِّسالَةِ؛ أبَدَ الآبادِ؛ وكَوْنِ شَرِيعَتِهِ ناسِخَةً غَيْرَ مَنسُوخَةٍ؛ وكَوْنِ جَمِيعِ الخَلْقِ في القِيامَةِ تَحْتَ لِوائِهِ؛ فَهُناكَ يَظْهَرُ تَمامُ ما أُوتِيَهُ مِن عُمُومِ البِعْثَةِ؛ إلى ما ظَهَرَ مِنهُ في الدُّنْيا.

37:80Page 449

إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٠

Indeed, We thus reward the doers of good.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَعَلْنا بِهِ ذَلِكَ لِإحْسانِهِ؛ وكانَ الضّالُّونَ يُنْكِرُونَ أنْ تَنْجُوَ الدُّعاةُ إلى اللَّهِ وأتْباعُهُمْ؛ مِنهُمْ“؛ أخْبَرَ في سِياقِ التَّأْكِيدِ أنَّهُ يَفْعَلُ بِكُلِّ مُحْسِنٍ ما فَعَلَ بِهِ؛ فَقالَ ﴿إنّا﴾؛ أيْ: عَلى عَظَمَتِنا؛ ﴿كَذَلِكَ﴾ (p-٢٤٨)أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ؛ بِالذِّكْرِ الحَسَنِ؛ والنَّجاةِ مِن كُلِّ سُوءٍ؛ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَتَجَرَّدُونَ مِنَ الظُّلُماتِ النَّفْسانِيَّةِ؛ إلى الأنْوارِ المَلَكِيَّةِ؛ بِحَيْثُ لا يَغْفُلُونَ عَنِ المَعْبُودِ؛ ولا يَنْفَكُّونَ لَحْظَةً عَنِ الشُّهُودِ.

37:81Page 449

إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨١

Indeed, he was of Our believing servants.

ولَمّا أفْهَمَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ - ولا بُدَّ - إحْسانَهُ إلى المُحْسِنِ؛ عَلَّلَ ما أفْهَمَتْهُ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا؛ إظْهارًا لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ؛ بِأنْ ذَكَّرَهُ ما يَرْغَبُ فِيهِ؛ وتَكْذِيبًا لِمَن كَذَّبَهُ -: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم أهْلٌ لِأنْ نُضِيفَهم إلى مَقامِ عَظَمَتِنا؛ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الرّاسِخِينَ في هَذا الوَصْفِ؛ المُتَمَكِّنِينَ فِيهِ؛ فَعُلِمَ أنَّ الإيمانَ هو المُرادُ الأقْصى مِنَ الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ عَلَّلَ الإنْجاءَ بِالإحْسانِ؛ والإحْسانَ بِالبَيانِ؛

37:82Page 449

ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ٨٢

Then We drowned the others [i.e., disbelievers].

ولَمّا أفْهَمَ تَخْصِيصُ ذُرِّيَّتِهِ بِالبَقاءِ إهْلاكَ غَيْرِهِمْ؛ وقَدَّمَ ما هو أهْلٌ لَهُ؛ مِن مَدْحِهِ؛ اهْتِمامًا بِهِ؛ وتَرْغِيبًا في مِثْلِهِ؛ أخْبَرَ عَنْ أعْدائِهِ بِأنَّهُ أوْقَعَ بِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَحَلَّوْا بِما كانَ سَبَبَ سَعادَتِهِ؛ مِنَ الإيمانِ؛ بِقَوْلِهِ - مُشِيرًا إلى العَظَمَةِ الَّتِي أوْجَدَها - سُبْحانَهُ - في إغْراقِهِمْ؛ بِأداةِ التَّراخِي -: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ الَّتِي لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ؛ ﴿الآخَرِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ غايَرُوهُ في الأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ فاسْتَحَقُّوا أضْدادَ أفْعالِنا مَعَهُ؛ وهم أهْلُ الأرْضِ كُلُّهُمْ؛ غَيْرُ أهْلِ السَّفِينَةِ؛ وكُلُّهم (p-٢٤٩)قَوْمُهُ؛ كَما هو ظاهِرُ الآياتِ؛ إذا تُؤُمِّلَ تَعْبِيرُها عَنِ الدَّعْوَةِ؛ والإغْراقِ؛ ودُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِمْ؛ وظاهِرُ ما رَواهُ الشَّيْخانِ؛ وغَيْرُهُما؛ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ؛ أنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: ائْتُوا نُوحًا؛ أوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ الأرْضِ؛ وإنَّما كانُوا قَوْمًا لا أكْثَرَ؛ لِأنَّهم كانُوا عَلى لِسانٍ واحِدٍ؛ قَبْلَ بَلْبَلَةِ الألْسُنِ؛ بِاتِّفاقِ أهْلِ التَّأْرِيخِ؛ وذَلِكَ كَما أنَّ العَرَبَ يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ كُلُّهُمْ؛ عَلى انْتِشارِهِمْ؛ واتِّساعِ بِلادِهِمْ؛ أنَّهم قَوْمٌ؛ لِاجْتِماعِهِمْ في اللِّسانِ؛ مَعَ أنَّهم قَبائِلُ لا يُحْصِيهِمُ العَدُّ؛ ولا يَجْمَعُهم نَسَبٌ واحِدٌ؛ إلّا في إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقِيلَ: فِيما فَوْقَهُ؛ فَإنَّ النَّسّابِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ عَدْنانَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ قالُوا: هو مِن ولَدِ عَدْنانَ؛ واخْتَلَفُوا في قَحْطانَ؛ أبِي اليَمَنِ؛ وكَذا ثَقِيفٍ؛ فَقِيلَ: هُما مِن ولَدِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقِيلَ: لا؛ ثُمَّ مَن قالَ: إنَّ ثَقِيفًا مِن ولَدِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ قالُوا: هو مِن ولَدِ عَدْنانَ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: لا؛ ثُمَّ إنَّ مِن ولَدِ عَدْنانَ رَبِيعَةَ؛ ومُضَرَ؛ ومِن دُونِ مُضَرَ كِنانَةُ؛ وهُذَيْلٌ؛ والقارَّةُ؛ وخُزاعَةُ؛ وأسَدٌ؛ وتَمِيمٌ؛ ومُزَيْنَةُ؛ والرَّبابُ؛ وضَبَّةُ؛ وقَيْسٌ؛ ودُونَ ذَلِكَ باهِلَةُ؛ وأشْجَعُ؛ وفَزارَةُ؛ وكِنانَةُ؛ وقُرَيْشٌ؛ وخَلائِقُ؛ ومِن دُونِ رَبِيعَةَ بَكْرُ بْنُ وائِلٍ؛ وغَيْرُهُمْ؛ ومِن دُونِ ذَلِكَ شَيْبانُ؛ وعَبْدُ القَيْسِ؛ والنَّمِرُ؛ وخَلائِقُ؛ ودُونَ قَحْطانَ؛ أبِي اليَمَنِ؛ لَخْمٌ؛ وجُذامٌ؛ وعائِلَةُ؛ وغَسّانُ؛ وكِنْدَةُ؛ وهَمَدانُ؛ والأزْدُ؛ ومِنهُمُ الأنْصارُ؛ وخَلائِقُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ (p-٢٥٠)فَهَؤُلاءِ كُلُّهم - عَلى هَذا التَّشَعُّبِ؛ والِانْتِشارِ؛ والِاخْتِلافِ في الأدْيانِ؛ بَلْ وفي بَعْضِ اللُّغَةِ - يُسَمَّوْنَ ”أُمَّةً واحِدَةً“؛ و”قَوْمًا“؛ لِجَمْعِ اللِّسانِ لَهم في أصْلِ العَرَبِيَّةِ؛ وبَنُو إسْحاقَ لَيْسُوا مِنهُمْ؛ بِلا خِلافٍ؛ مَعَ أنَّهم أوْلادُ عَمِّهِمْ؛ لِمُخالَفَتِهِمْ لَهم في اللِّسانِ؛ عَلى أنَّهم أقْرَبُ مِن قَحْطانَ؛ وثَقِيفٍ؛ في النَّسَبِ؛ عِنْدَ مَن قالَ: إنَّهم لَيْسُوا مِن ولَدِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وكَذا بَنُو إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - افْتَرَقُوا بِافْتِراقِ اللِّسانِ؛ فَبَنُو إسْماعِيلَ قَوْمٌ؛ وبَنُو العِيصِ - وهُمُ الرُّومُ - قَوْمٌ؛ وكَذا سائِرُ الأُمَمِ؛ إنَّما يُفَرِّقُ بَيْنَهُمُ اللِّسانُ؛ وعُمُومُ دَعْوَتِهِ لِبَنِي آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لا يَقْدَحُ في خُصُوصِيَّةِ نَبِيِّنا ﷺ بِعُمُومِ الدَّعْوَةِ والإرْسالِ؛ إلى غَيْرِ قَوْمِهِ؛ أمّا العُمُومُ فَإنَّهُ أُرْسِلَ إلى كُلِّ مَن يَنُوسُ مِنَ الإنْسِ؛ والمَلائِكَةِ؛ والجِنِّ؛ وأمّا دُعاءُ الأقْوامِ؛ فالمُرادُ أنَّهُ أُرْسِلَ إلى المُوافِقِ في اللِّسانِ؛ والمُخالِفِ فِيهِ؛ وأمّا غَيْرُهُ فَما أُرْسِلَ إلى مَن خالَفَهُ في اللِّسانِ؛ ولا إلى غَيْرِ جِنْسِهِ؛ وإنْ كانَ يُنْدَبُ لَهُ أنَّهُ يَأْمُرُ بِالمُخالِفِينَ في اللِّسانِ؛ ويَنْهاهُمْ؛ مِن بابِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ مِن غَيْرِ وُجُوبٍ؛ ولَوْ سَلَّمْنا في نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ إلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ؛ انْتُقِضَ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ؛ كَما رَوى ذَلِكَ الإمامُ أحْمَدُ؛ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ أبِي عُمَرَ؛ وأبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ؛ والحارِثُ (p-٢٥١)ابْنُ أبِي أُسامَةَ؛ وأبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ؛ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ؛ في مَسانِيدِهِمْ؛ والطَّبَرانِيُّ في مُعْجَمِهِ الأوْسَطِ؛ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ؛ وأبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وفي بَعْضِ طُرُقِ أبِي ذَرٍّ التَّصْرِيحُ بِالإرْسالِ؛ ولا يَشُكُّ أحَدٌ أنَّهُ كانَ رَسُولًا إلى جَمِيعِ مَن أدْرَكَهُ مِن أوْلادِهِ؛ وهم جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ؛ وكَذَلِكَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لا يَشُكُّ أحَدٌ أنَّهُ كانَ بَعْدَ الغَرَقِ رَسُولًا إلى جَمِيعِ أهْلِ السَّفِينَةِ؛ كَما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ وهم جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ؛ فَما قَدَّمْتُ مِن أنَّ الخُصُوصِيَّةَ بِالإرْسالِ إلى ذَوِي الألْسُنِ المُخْتَلِفَةِ مِن جَمِيعِ بَنِي آدَمَ؛ وإلى المُخالِفِ في الجِنْسِ مِن كُلِّ مَن يَنُوسُ؛ هو المُزِيلُ لِلْإشْكالِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.

37:83Page 449

۞ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبۡرَٰهِيمَ ٨٣

And indeed, among his kind was Abraham,

ولَمّا كانَ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ التَّجَرُّدِ عَنِ النُّعُوتِ البَشَرِيَّةِ؛ والعَلائِقِ النَّفْسانِيَّةِ إلى الأحْوالِ المَلَكِيَّةِ؛ ما لَمْ يَكُنْ لِمَن بَيْنُهُما مِنَ النَّبِيِّينَ؛ مِنَ المُصارَحَةِ بِالمُعارَضَةِ لِقَوْمِهِ؛ والإبْلاغِ فِيها بِكَسْرِ الأوْثانِ؛ وتَوْهِيَةِ مَذْهَبِ الكُفْرانِ؛ والِانْفِرادِ عَمّا سِوى اللَّهِ في غَمَراتِ النِّيرانِ؛ حَتّى عَنِ الدُّعاءِ بِقَلْبٍ؛ أوْ لِسانِ فَناءٍ عَنْ جَمِيعِ الأكْوانِ؛ ثُمَّ الهِجْرَةِ عَنِ الأوْطانِ؛ ثُمَّ بِالخُرُوجِ عَنِ الأحْبابِ؛ والإخْوانِ؛ بِوَضْعِ ابْنِهِ بِكْرِهِ؛ وسُرِّيَّتِهِ؛ في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي لَيْسَ بِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ؛ ثُمَّ بِمُعالَجَةِ ذَبْحِهِ؛ بِأتَمِّ قُوَّةٍ؛ وأقْوى جَنانٍ؛ ثُمَّ بِبِناءِ البَيْتِ ذَوِي الأرْكانِ؛ قِبْلَةً لِلْمُتَجَرِّدِينَ مِن أهْلِ الإيمانِ في كُلِّ أوانٍ؛ عَمّا سِوى المَلِكِ الدَّيّانِ؛ يُصَفُّونَ عِنْدَ كُلِّ (p-٢٥٢)صَلاةٍ مِثْلَ صُفُوفِ المَلائِكَةِ الكِرامِ؛ وكانَ مُوافِقًا لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ مَعَ ما تَقَدَّمَ في البَرَكَةِ في نَسْلِهِ؛ بِحَيْثُ إنَّهم قَرِيبُ نِصْفِ أهْلِ الأرْضِ الآنَ؛ وكانَ أشْهَرُ أمْرِهِ في النّارِ؛ الَّتِي هي ضِدُّ أشْهَرِ أمْرِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الماءِ؛ تَلاهُ بِهِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ إظْهارًا أيْضًا لِما لَهُ مِنَ الكَرامَةِ؛ والمَنزِلَةِ العالِيَةِ في الإمامَةِ؛ المُقْتَضِيَةِ لِلنَّشاطِ في الثَّناءِ عَلَيْهِ؛ المُنَبِّهَةِ عَلى ما يَنْبَغِي مِن إتْمامِ العَزْمِ في مُتابَعَتِهِ؛ وتَكْذِيبًا لِمَنِ ادَّعى أنَّهُ ابْتَدَعَ؛ وخالَفَ مَن كانَ قَبْلَهُ -: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ خالَطَ سِرُّهُ سِرَّهُمْ؛ ووافَقَ أمْرُهُ أمْرَهُمْ؛ في التَّصَلُّبِ في الدِّينِ؛ والمُصابَرَةِ لِلْمُفْسِدِينَ؛ ﴿لإبْراهِيمَ﴾؛

37:84Page 449

إِذۡ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبٖ سَلِيمٍ ٨٤

When he came to his Lord with a sound heart

ثُمَّ عَلَّقَ بِمَعْنى المُشايَعَةِ؛ بَيانًا لِما كانَتْ بِهِ المُتابَعَةُ؛ قَوْلَهُ - عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ مَن قالَ: مَتى شايَعَهُ؟ - ﴿إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ ﴿جاءَ رَبَّهُ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ في تَرْبِيَتِهِ؛ ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾؛ أيْ: بالِغِ السَّلامَةِ عَنْ حُبِّ غَيْرِهِ؛ والمَجِيءُ مَجازٌ عَنِ الإخْلاصِ؛ الَّذِي لا شائِبَةَ فِيهِ؛ كَما أنَّ الآتِيَ إلَيْكَ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِن بَدَنِهِ عِنْدَ غَيْرِكَ؛

37:85Page 449

إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَاذَا تَعۡبُدُونَ ٨٥

[And] when he said to his father and his people, "What do you worship?

ثُمَّ أبْدَلَ مِن ذَلِكَ ما هو دَلِيلٌ عَلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو أعْظَمُ النّاسِ عِنْدَهُ؛ وأجَلُّهم في عَيْنِهِ؛ وأعَزُّهم لَدَيْهِ؛ ﴿وقَوْمِهِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لَهم مِنَ القُوَّةِ والجُدُودِ ما تَهابُهم بِهِ الأُسُودُ؛ ﴿ماذا﴾؛ أيْ: ما الَّذِي ﴿تَعْبُدُونَ﴾؛ تَحْقِيرًا لِأمْرِهِمْ؛ وأمْرِ مَعْبُوداتِهِمْ؛ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ لا عِلَّةَ لَهم في الحَقِيقَةِ تَحْمِلُ عَلى عِبادَتِها؛ غَيْرَ (p-٢٥٣)مُكْتَرِثٍ بِكَثْرَتِهِمْ؛ ولا هائِبٍ لِقُوتِهِمْ؛ ولا مُراعٍ لِمَيْلِ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ إلى مَوَدَّتِهِمْ.

37:86Page 449

أَئِفۡكًا ءَالِهَةٗ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦

Is it falsehood [as] gods other than Allāh you desire?

ولَمّا لَوَّحَ لَهم بِالإنْكارِ؛ صَرَّحَ؛ فَقالَ - مُقَدِّمًا لِلْمَفْعُولِ؛ تَخْصِيصًا -: ﴿أإفْكًا﴾؛ أيْ: صَرْفًا لِلْحَقِّ عَنْ وجْهِهِ إلى قَفاهُ؛ ولَمّا جَعَلَ مَعْبُوداتِهِمْ نَفْسَ الإفْكِ؛ أبْدَلَ مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿آلِهَةً﴾؛ ثُمَّ حَقَّرَ شَأْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿دُونَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿تُرِيدُونَ﴾؛

37:87Page 449

فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٧

Then what is your thought about the Lord of the worlds?"

ولَمّا كانَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ عِنْدَ تَحْقِيرِهِ لَهُمْ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَهْدِيدًا عَلى فِعْلِهِمْ عَظِيمًا؛ فَقالَ - مُشِيرًا إلى أنَّهُ يَكْفِي العاقِلَ في النَّهْيِ ظَنُّ العَطَبِ -: ﴿فَما ظَنُّكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ كُفْرانُ الإحْسانِ شَدِيدًا؛ ذَكَّرَهم بِإحْسانِهِ؛ حافِظًا لِسِياقِ التَّهْدِيدِ؛ بِالإشارَةِ إلى أنَّهُ يَكْفِي في ذَلِكَ الخَوْفُ مِن قَطْعِ الإحْسانِ؛ فَقالَ: ﴿بِرَبِّ العالَمِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِي تَوَحَّدَ بِخَلْقِ جَمِيعِ الجَواهِرِ؛ والأعْراضِ؛ وتَرْبِيَتِهِمْ؛ فَهو مُسْتَحِقٌّ لِتَوْحِيدِهِمْ إيّاهُ في عِبادَتِهِمْ؛ أتَظُنُّونَ أنَّهُ لا يُعَذِّبُكم وقَدْ صَرَفْتُمْ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ؟ إشارَةً إلى إنْكارِ تَجْوِيزِ مِثْلِ هَذا؛ وأنَّ المَقْطُوعَ بِهِ أنَّ مُحْسِنًا لا يَرْضى بِدَوامِ إدْرارِ إحْسانِهِ إلى مَن يَنْسِبُهُ إلى غَيْرِهِ.

37:88Page 449

فَنَظَرَ نَظۡرَةٗ فِي ٱلنُّجُومِ ٨٨

And he cast a look at the stars

ولَمّا أفْهَمَ السِّياقُ شِدَّةَ عَداوَتِهِ ﷺ؛ وكانَ اللَّهُ (تَعالى) قَدْ أجْرى عادَتَهُ بِأنْ جَعَلَ في النُّجُومِ أدِلَّةً عَلى بَعْضِ المَسائِلِ الظَّنِّيَّةِ؛ لا سِيَّما البَحْراناتِ في أنْواعِ الأسْقامِ؛ وكانَ أهْلُ تِلْكَ البِلادِ؛ (p-٢٥٤)وهُمُ الكَسْدانِيُّونَ؛ كَما تَقَدَّمَ في ”الأنْعامِ“؛ وكَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وكَما دَلَّتْ عَلَيْهِ كُتُبُ الفُتُوحاتِ - مِن أشَدِّ النّاسِ نَظَرًا في النُّجُومِ؛ والِاسْتِدْلالِ بِها عَلى أحْوالِ هَذا العالَمِ؛ في بَعْضِ ما كانَ؛ وبَعْضِ ما يَكُونُ؛ وكانَ ﷺ يُرِيدُ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنِ الذَّهابِ مَعَهم إلى المَحَلِّ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ لِلْعِيدِ؛ لِيُكَسِّرَ الأصْنامَ؛ ويُرِيدُ إخْفاءَ وقْتِ الكَسْرِ عَلَيْهِمْ؛ لِيَتَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ؛ قالَ (تَعالى) - حاكِيًا عَنْهُ؛ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ بِالتَّسَبُّبِ عَمّا مَضى -: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً﴾؛ أيْ: واحِدَةً؛ ﴿فِي النُّجُومِ﴾؛ حِينَ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَخْرُجَ مَعَهم إلى عِيدِهِمْ؛ لِئَلّا يُنْكِرُوا تَخَلُّفَهُ عَنْهُمْ؛ مُوهِمًا لَهم أنَّهُ اسْتَدَلَّ بِتِلْكَ النَّظْرَةِ عَلى مَرَضٍ باطِنِيٍّ يَحْصُلُ لَهُ؛ لِأنَّهم رُبَّما أنْكَرُوا كَوْنَهُ مَرِيضًا إذا أخْبَرَهم بِغَيْرِ النَّظَرِ في النُّجُومِ؛ لِأنَّ الصِّحَّةَ ظاهِرَةٌ عَلَيْهِ؛

37:89Page 449

فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٞ ٨٩

And said, "Indeed, I am [about to be] ill."

﴿فَقالَ﴾؛ أيْ: عَقِبَ هَذِهِ النَّظْرَةِ؛ مُوهِمًا أنَّها سَبَبُهُ؛ ولَمّا كانَ بَدَنُهُ صَحِيحًا؛ فَكانَ بِصَدَدِ أنْ يُتَوَقَّفَ في خَبَرِهِ؛ أكَّدَ؛ فَقالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾؛ فَأوْهَمَ أنَّ مُرادَهُ أنَّهُ مَرِيضُ الجَسَدِ؛ وأرادَ أنَّهُ مَرِيضُ القَلْبِ بِسَبَبِ آلِهَتِهِمْ؛ مُقَسِّمَ الفِكْرِ في أمْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ يُرِيدُ أمْرًا عَظِيمًا؛ وهو كَسْرُها؛ ومادَّةُ ”سَقَمَ“؛ بِتَقالِيبِها الخَمْسَةِ: ”سَقَمَ“؛ ”سَمَقَ“؛ ”قَسَمَ“؛ ”قَمَسَ“؛ ”مَقَسَ“؛ تَدُورُ عَلى القَسْمِ؛ فَـ ”السَّقامُ“؛ كَـ ”سَحابٌ“؛ و”جَبَلٌ“؛ و”قُفْلٌ“: المَرَضُ؛ أيْ: (p-٢٥٥)لِأنَّهُ يُقَسِّمُ القُوَّةَ؛ والفِكْرَ؛ وقالَ ابْنُ القَطّاعِ: ”سَقِمَ“: طاوَلَهُ المَرَضُ؛ وقَسَّمَهُ: جَزَّأهُ؛ و”الدَّهْرُ القَوْمَ“: فَرَّقَهُمْ؛ و”القِسْمُ“؛ بِالكَسْرِ: النَّصِيبُ؛ و”القَسْمُ“؛ أيْ بِالفَتْحِ: العَطاءُ؛ ولا يُجْمَعُ؛ والرَّأْيُ؛ والشَّكُّ؛ والعَيْبُ؛ والماءُ؛ والقَدْرُ؛ والخُلُقُ؛ والعادَةُ؛ ويُكْسَرُ فِيهِما؛ والتَّفْرِيقُ ظاهِرٌ في ذَلِكَ كُلِّهِ؛ أمّا العَطاءُ فَيُفَرِّقُ المالَ ويُقَسِّمُهُ؛ والرَّأْيُ يُقَسِّمُ الفِكْرَ؛ والشَّكُّ كَذَلِكَ؛ والعَيْبُ يُقَسِّمُ العِرْضَ؛ والماءُ في غايَةِ ما يَكُونُ مِن سُهُولَةِ القَسْمِ؛ والقَدْرُ يَفْصِلُ صاحِبَهُ مِن غَيْرِهِ؛ وكَذا الخُلُقُ والعادَةُ؛ و”المُقَسَّمُ“؛ كَـ ”مُعَظَّمٌ“: المَهْمُومُ؛ لِتَوَزُّعِ فِكْرِهِ؛ والجَمِيلُ؛ لِأنَّهُ يُقَسِّمُ القَوْلَ في وصْفِهِ؛ و”القَسَمُ“؛ مُحَرَّكَةً: اليَمِينُ بِاللَّهِ؛ و”قَدْ أقْسَمَ“؛ أيْ: أزالَ تَقْسِيمَ الفِكْرِ؛ و”القَسامَةُ“: الحُسْنُ؛ لِأنَّهُ يُوَزِّعُ فِكْرَ النّاظِرِ؛ وجَوْنَةُ العَطّارِ كَذَلِكَ؛ لِطِيبِ رِيحِها؛ و”القَسامُ“؛ كَـ ”سَحابٌ“: شِدَّةُ الحَرِّ؛ لِأنَّها تُزْعِجُ الفِكْرَ فَتُقَسِّمُهُ؛ أوْ هو أوَّلُ وقْتِ الهاجِرَةِ؛ أوْ وقْتُ ذُرُورِ الشَّمْسِ؛ وهي حِينَئِذٍ أحْسَنُ ما تَكُونُ مِرْآةً؛ فَيَنْقَسِمُ الفِكْرُ فِيها لِحُسْنِها إذْ ذاكَ؛ وما يَطْرَأُ عَلَيْها بَعْدَهُ؛ و”القَمْسُ“: الغَوْصُ؛ لِأنَّ الغائِصَ قَسَّمَ الماءَ بِغَوْصِهِ؛ و”القَمْسُ“؛ أيْضًا: اضْطِرابُ الوَلَدِ في البَطْنِ؛ لِأنَّهُ يُقَسِّمُ الفِكْرَ؛ ويَكادُ أنْ يُقَسِّمَ البَطْنَ بِاضْطِرابِهِ؛ و”القامُوسُ“: مُعْظَمُ البَحْرِ؛ لِأنَّ البَحْرَ قَسَّمَ الأرْضَ؛ ومُعْظَمُهُ (p-٢٥٦)أحَقُّ بِهَذا الِاسْمِ؛ و”القَوامِسُ“: الدَّواهِي؛ لِتَقْسِيمِها الفِكْرَ؛ و”انْقَمَسَ النَّجْمُ“: غَرَبَ؛ أيْ: أخَذَ قِسْمَهُ مِنَ الغُرُوبِ؛ كَما أخَذَهُ مِنَ الشُّرُوقِ؛ أوْ أزالَ التَّقْسِيمَ بِالسَّيْرِ؛ و”مَقَسَهُ في الماءِ“: غَطَّهُ؛ فانْقَسَمَ الماءُ بِغَمْسِهِ فِيهِ؛ و”القِرْبَةَ“: مَلَأها؛ فَصَيَّرَ فِيها مِنَ الماءِ ما يَسْهُلُ قَسْمُهُ؛ وأخْذُهُ الماءَ الَّذِي وضَعَهُ فِيها تَقْسِيمٌ لِلْماءِ المَأْخُوذِ مِنهُ؛ و”مَقَسَ الشَّيْءَ“: كَسَرَهُ؛ و”الماءُ“: جَرى؛ فانْقَسَمَ؛ وقَسَمَ الأرْضَ؛ و”هُوَ يَمْقُسُ الشِّعْرَ كَيْفَ شاءَ“؛ أيْ: يَقُولُهُ؛ فَيَقْسِمُهُ مِن باقِي الكَلامِ؛ و”التَّقْمِيسُ في الماءِ“: الإكْثارُ مِن صَبِّهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ تَقْسِيمٌ لَهُ؛ و”سَمَقَ سُمُوقًا“: عَلا؛ وطالَ؛ فَصارَ بِطُولِهِ يَقْبَلُ مِنَ القِسْمَةِ ما لا يَقْبَلُهُ ما هو دُونَهُ.

37:90Page 449

فَتَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ مُدۡبِرِينَ ٩٠

So they turned away from him, departing.

ولَمّا فَهِمُوا عَنْهُ ظاهِرَ قَوْلِهِ؛ وظَنُّوا فِيهِ ما يَظْهَرُ مِن حالِهِ؛ ولَكِنَّهم لَمْ يَسَعْهم لِعَظَمَتِهِ فِيهِمْ إلّا التَّسْلِيمُ؛ تَرَكُوهُ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُسَبِّبًا عَنْ قَوْلِهِ؛ مُشِيرًا إلى اسْتِبْعادِهِمْ مَرَضَهُ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ -: ﴿فَتَوَلَّوْا﴾؛ أيْ: عالَجُوا أنْفُسَهُمْ؛ وكَلَّفُوها أنِ انْصَرَفُوا؛ ﴿عَنْهُ﴾؛ إلى مَحَلِّ اجْتِماعِهِمْ؛ وإقامَةِ عِيدِهِمْ؛ وأكَّدَ المَعْنى؛ ونَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مُدْبِرِينَ﴾؛ أيْ: إلى مَعْبَدِهِمْ؛ فَخَلا لَهُ الوَقْتُ مِن رَقِيبٍ؛

37:91Page 449

فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمۡ فَقَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٩١

Then he turned to their gods and said, "Do you not eat?1

﴿فَراغَ﴾؛ أيْ: ذَهَبَ في خُفْيَةٍ بِرَشاقَةٍ؛ وخِفَّةٍ؛ ونَشاطٍ؛ وهِمَّةٍ؛ قالَ البَيْضاوِيُّ: وأصْلُهُ المَيْلُ بِحِيلَةٍ؛ ﴿إلى آلِهَتِهِمْ﴾؛ أيْ: أصْنامِهِمُ الَّتِي زَعَمُوها آلِهَةً؛ وقَدْ وضَعُوا عِنْدَها طَعامًا؛ فَخاطَبَها مُخاطَبَةَ مَن يَعْقِلُ؛ لِجَعْلِهِمْ إيّاها بِذَلِكَ في عِدادِ مَن يَعْقِلُ؛ ﴿فَقالَ﴾؛ مُنْكِرًا عَلَيْها؛ (p-٢٥٧)مُتَهَكِّمًا بِها ظاهِرًا؛ ومُوَبِّخًا لِقَوْمِهِ حَقِيقَةً؛ ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾؛

37:92Page 449

مَا لَكُمۡ لَا تَنطِقُونَ ٩٢

What is [wrong] with you that you do not speak?"

ثُمَّ زادَ في إظْهارِ الحَقِّ؛ والِاسْتِهْزاءِ بِانْحِطاطِها عَنْ رُتْبَةِ عابِدِيها؛ فَقالَ: ﴿ما﴾؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ ﴿لَكُمْ﴾؛ في أنَّكُمْ؛ ﴿لا تَنْطِقُونَ﴾

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском