Al-Biqa'iAn‑Nisa · 4:142–153

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:142–153

4:142Page 101

إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٤٢

Indeed, the hypocrites [think to] deceive Allāh, but He is deceiving them. And when they stand for prayer, they stand lazily, showing [themselves to] the people and not remembering Allāh except a little,

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ صُورَتَهم في ضَرْبِهِمُ الشُّقَّةَ بِالوَجْهَيْنِ صُورَةُ المُخادِعِ؛ وما أضَلَّهم حَيْثُ خادَعُوا مَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الخِداعُ؛ لِعِلْمِهِ بِالخَفايا؛ فَقالَ - مُعَلِّلًا لِمَنعِهِمُ السَّبِيلَ -: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ﴾؛ لِإظْهارِهِمْ لِكُلِّ مَن غَلَبَ أنَّهم مِنهُ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾؛ أيْ: يَفْعَلُونَ بِإظْهارِ ما يَسُرُّ؛ وإبْطانِ ما يَضُرُّ؛ فِعْلَ المُخادِعِ مَعَ مَن لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - يَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ؛ وهم يَخْدَعُونَ المُؤْمِنِينَ بِإظْهارِ الإيمانِ؛ وإبْطانِ الكُفْرِ؛ ﴿وهُوَ﴾؛ الَّذِي أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَهُمْ؛ فَكَأنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَهُ؛ وهو ﴿خادِعُهُمْ﴾؛ بِاسْتِدْراجِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ؛ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى أخْذِهِمْ مِن مَأْمَنِهِمْ؛ وهم لَيْسُوا قادِرِينَ عَلى خَدْعِهِ بِوَجْهٍ؛ ﴿وإذا﴾؛ أيْ: يُخادِعُونَهُ والحالُ أنَّهم قَدْ فَضَحُوا أنْفُسَهم بِما أظْهَرَ مَكْرَهم لِلْمُسْتَبْصِرِينَ؛ وهو أنَّهم إذا ﴿قامُوا إلى الصَّلاةِ﴾؛ أيْ: المَكْتُوبَةِ؛ ﴿قامُوا كُسالى﴾ (p-٤٤٢)مُتَقاعِسِينَ؛ مُتَثاقِلِينَ عادَةً؛ لا يَنْفَكُّونَ عَنْها؛ بِحَيْثُ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنهم كُلُّ مَن تَأمَّلَهُمْ؛ لِأنَّهم يَرَوْنَ أنَّها تَعَبٌ مِن غَيْرِ أرَبٍ؛ فالدّاعِي إلى تَرْكِها - وهو الرّاحَةُ - أقْوى مِنَ الدّاعِي إلى فِعْلِها؛ وهو خَوْفُ النّاسِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما لَهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ فَقالَ: ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾؛ أيْ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَراهُمُ النّاسُ؛ لَيْسَ إلّا؛ لِيَظُنُّوهم مُؤْمِنِينَ؛ ويُرِيَهُمُ النّاسُ لِأجْلِ ذَلِكَ ما يَسُرُّهم مِن عَدِّهِمْ في عِدادِ المُؤْمِنِينَ؛ لِما يُرُونَ هُمُ المُؤْمِنِينَ حِينَ يُصَلُّونَ؛ ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ في الصَّلاةِ وغَيْرِها؛ ﴿إلا قَلِيلا﴾؛ أيْ: حَيْثُ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ طَرِيقًا لِمُخادَعَتِهِمْ؛ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ حالَ كَوْنِهِمْ

4:143Page 101

مُّذَبۡذَبِينَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ١٤٣

Wavering between them, [belonging] neither to these [i.e., the believers] nor to those [i.e., the disbelievers]. And whoever Allāh sends astray - never will you find for him a way.

﴿مُذَبْذَبِينَ﴾؛ أيْ: مُضْطَرِبِينَ؛ كَما يَضْطَرِبُ الشَّيْءُ الخَفِيفُ المُعَلَّقُ في الهَواءِ؛ وحَقِيقَةً: الَّذِي يَذُبُّ عَنْ كِلا الجانِبَيْنِ ذَبًّا عَظِيمًا.

ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلى إيمانِهِمْ تارَةً؛ وكُفْرِهِمْ أُخْرى؛ قالَ: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الإيمانِ؛ والكُفْرِ؛ ولَمّا كانَ الإيمانُ يَدُلُّ عَلى أهْلِهِ؛ والكُفْرُ كَذَلِكَ؛ قالَ: ﴿لا إلى﴾؛ أيْ: لا يَجِدُونَ سَبِيلًا مَفَرًّا إلى ﴿هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: المُؤْمِنِينَ؛ ﴿ولا إلى هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: الكافِرِينَ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لِأنَّ اللَّهَ أضَلَّهُمْ“؛ بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ: (p-٤٤٣)الشّامِلُ القُدْرَةِ؛ الكامِلُ العِلْمِ؛ ﴿فَلَنْ تَجِدَ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ ﴿لَهُ سَبِيلا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا إلى شَيْءٍ يُرِيدُهُ.

4:144Page 101

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينًا ١٤٤

O you who have believed, do not take the disbelievers as allies instead of the believers. Do you wish to give Allāh against yourselves a clear case?

ولَمّا انْقَضى ما أرادَ مِنَ الإنْكارِ عَلى مَنِ ادَّعى الإيمانَ في اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ؛ المُسْتَلْزِمِ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ الِاتِّخاذِ؛ صَرَّحَ بِهِ مُخاطِبًا لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ بِألْسِنَتِهِمْ؛ صِدْقًا أوْ كَذِبًا؛ ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾؛ أيْ: تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم غَيْرَ ما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى السَّلِيمَةُ؛ فَتَأْخُذُوا ﴿الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: المُجاهِرِينَ بِالكُفْرِ؛ الغَرِيقِينَ فِيهِ؛ ﴿أوْلِياءَ﴾؛ أيْ: أقْرِباءَ؛ تَفْعَلُونَ مَعَهم مِنَ الوُدِّ والنُّصْرَةِ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ مَعَ قَرِيبِهِ.

ولَمّا كانَ الغَرِيقُ في الإيمانِ أعْلى النّاسِ؛ وكانَ تَحْتَ رُتْبَتِهِ رُتَبٌ مُتَكاثِرَةٌ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ؛ وعَلى دَناءَةِ مَقْصِدِهِمْ؛ بِالجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الغَرِيقِينَ في الإيمانِ؛ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَصِحُّ لِمَن يُوالِيهِمْ دَعْوى الإيمانِ؛ ولِذَلِكَ قالَ مُنْكِرًا: ﴿أتُرِيدُونَ﴾؛ أيْ: بِمُوالاتِهِمْ؛ ﴿أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا تُطاقُ سَطْوَتُهُ؛ لِأنَّ لَهُ الكَمالَ كُلَّهُ؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: في النِّسْبَةِ إلى النِّفاقِ؛ ﴿سُلْطانًا﴾؛ أيْ: دَلِيلًا واضِحًا عَلى كُفْرِكُمْ؛ بِاتِّباعِكم غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ؛ ﴿مُبِينًا﴾؛ واضِحًا؛ مُسَوِّغًا لِعِقابِكُمْ؛ وخِزْيِكُمْ؛ (p-٤٤٤)وجَعْلِكم في زُمْرَةِ المُنافِقِينَ.

4:145Page 101

إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا ١٤٥

Indeed, the hypocrites will be in the lowest depths of the Fire - and never will you find for them a helper -

ولَمّا نَهاهم عَنْ فِعْلِ المُنافِقِينَ اسْتَأْنَفَ بَيانَ جَزائِهِمْ عِنْدَهُ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ﴾؛ أيْ: البَطْنِ؛ والمَنزِلِ؛ ﴿الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾؛ لِأنَّ ذَلِكَ أخْفى ما في النّارِ؛ وأسْتَرُهُ؛ وأدْناهُ؛ وأوْضَعُهُ؛ كَما أنَّ كُفْرَهم أخْفى الكُفْرِ وأدْناهُ؛ وهو أيْضًا أخْبَثُ طَبَقاتِ النّارِ؛ كَما أنَّ كُفْرَهم أخْبَثُ أنْواعِ الكُفْرِ؛ وفِيهِ أنَّ مِنَ السُّلْطانِ وضْعُ فاعِلِ ذَلِكَ في دارِ المُنافِقِينَ؛ لِفِعْلِهِ مِثْلَ فِعْلِهِمْ؛ ومَن تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهو مِنهُمْ؛ وسُمِّيَتْ طَبَقاتُ النّارِ أدْراكًا لِأنَّها مُتَدارِكَةٌ؛ مُتَتابِعَةٌ إلى أسْفَلَ؛ كَما أنَّ الدَّرَجَ مُتَراقِيَةٌ إلى فَوْقَ.

ولَمّا أخْبَرَ أنَّهم مِن هَذا المَحَلِّ الضَّنْكِ؛ أخْبَرَ بِدَوامِهِ لَهُمْ؛ عَلى وجْهٍ مُؤْلِمٍ جِدًّا؛ فَقالَ: ﴿ولَنْ تَجِدَ﴾؛ أيْ: أبَدًا؛ ﴿لَهم نَصِيرًا﴾؛ وأشارَ بِالنَّهْيِ عَنْ مُوالاتِهِمْ؛ وعَدَمِ نَصْرِهِمْ؛ إلى خِتامِ أوَّلِ الآياتِ المُحَذِّرَةِ مِنَ الكافِرِينَ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]

4:146Page 101

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١٤٦

Except for those who repent, correct themselves, hold fast to Allāh, and are sincere in their religion for Allāh, for those will be with the believers. And Allāh is going to give the believers a great reward.

ولَمّا كانَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الغُفْرانَ لِلْكافِرِ - أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُنافِقًا أوْ لا - مُتَعَذِّرٌ؛ وأتْبَعَهُ ما لاءَمَهُ؛ إلى أنْ خَتَمَ بِما دَلَّ عَلى أنَّ النِّفاقَ أغْلَظُ أنْواعِ الكُفْرِ؛ اسْتَثْنى مِنهُ؛ دَلالَةً عَلى أنَّ غَيْرَهُ مِنَ الكَفَرَةِ في هَذا الِاسْتِثْناءِ أوْلى؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ النَّفْيَ المُبالَغَ فِيهِ إنَّما هو لِمَن (p-٤٤٥)ماتَ عَلى ذَلِكَ؛ ولَكِنَّهُ سِيقَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ تَهْوِيلًا لِما ذَكَرَهُ في حَيِّزِهِ؛ وتَنْفِيرًا مِنهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾؛ أيْ: رَجَعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ؛ بِالنَّدَمِ والإقْلاعِ؛ ﴿وأصْلَحُوا﴾؛ أيْ: أعْمالَهُمُ الظّاهِرَةَ؛ مِنَ الصَّلاةِ الَّتِي كانُوا يُراؤُونَ فِيها؛ وغَيْرِها؛ بِالإقْلاعِ عَنِ النِّفاقِ؛ ﴿واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: اجْتَهَدُوا في أنْ تَكُونَ عِصْمَتُهم - أيْ: ارْتِباطُهم - بِالمَلِكِ الأعْظَمِ؛ في عَدَمِ العَوْدِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ.

ولَمّا كانَ الإقْلاعُ عَنِ النِّفاقِ - الَّذِي مِن أنْواعِهِ الرِّياءُ - أصْلًا؛ ورَأْسًا - في غايَةِ العُسْرِ؛ قالَ - حَثًّا عَلى مُجاهَدَةِ النَّفْسِ فِيهِ -: ﴿وأخْلَصُوا دِينَهُمْ﴾؛ أيْ: كُلَّهُ؛ ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ فَلَمْ يُرِيدُوا بِشَيْءٍ مِن عِبادَتِهِمْ غَيْرَ وجْهِهِ؛ لا رِياءً ولا غَيْرَهُ؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ ﴿مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ صارَ الإيمانُ لَهم وصْفًا راسِخًا في الجَنَّةِ؛ وإنْ عُذِّبُوا عَلى مَعاصِيهِمْ؛ فَفي الطَّبَقَةِ العُلْيا مِنَ النّارِ؛ ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ وإنْ أصابَهم قَبْلَ ذَلِكَ ما أصابَهُمْ؛ وإنْ طالَ عَذابُهُمْ؛ تَهْذِيبًا لَهم مِنَ المَعاصِي؛ بِما أشارَ إلَيْهِ لَفْظُ ”سَوْفَ“؛ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾؛ أيْ: بِالخُلُودِ في الجَنَّةِ؛ الَّتِي لا يَنْقَضِي نَعِيمُها؛ ولا يَتَكَدَّرُ يَوْمًا نَزِيلُها؛ فَيُشارِكُهم مَن كانَ مَعَهُمْ؛ لِأنَّهُمُ القَوْمُ لا يَشْقى بِهِمْ جَلِيسُهم.

4:147Page 101

مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا ١٤٧

What would Allāh do with [i.e., gain from] your punishment if you are grateful and believe? And ever is Allāh Appreciative1 and Knowing.

(p-٤٤٦)ولَمّا كانَ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ أنَّهُ لا يُعَذِّبُهُمْ؛ وأنَّهم يَجِدُونَ الشَّفِيعَ بِإذْنِهِ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِنْتاجِ؛ مُنْكِرًا عَلى مَن ظَنَّ أنَّهُ لا يَقْبَلُهم بَعْدَ الإغْراقِ في المَهالِكِ -: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وهو المُتَّصِفُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ الَّتِي مِنها الغِنى المُطْلَقُ؛ ﴿بِعَذابِكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها النّاسُ؛ فَإنَّهُ لا يَجْلِبُ لَهُ نَفْعًا؛ ولا يَدْفَعُ عَنْهُ ضُرًّا؛ ولَمّا كانَ الخِطابُ مَعَ الَّذِينَ آمَنُوا؛ قالَ: ﴿إنْ شَكَرْتُمْ﴾؛ أيْ: نِعَمَهُ؛ الَّتِي مِن أعْظَمِها إنْزالُ الكِتابِ الهادِي إلى الرَّشادِ؛ المُنْقِذِ مِن كُلِّ ضَلالٍ؛ المُبَيِّنِ لِجَمِيعِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ؛ فَأدّاكُمُ التَّفَكُّرُ في حالِها إلى مَعْرِفَةِ مُسْدِيها؛ فَأذْعَنْتُمْ لَهُ؛ وهُرِعْتُمْ إلى طاعَتِهِ؛ بِالإخْلاصِ في عِبادَتِهِ؛ وأُبْعِدْتُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.

ولَمّا كانَ الشُّكْرُ هو الحامِلَ عَلى الإيمانِ؛ قَدَّمَهُ عَلَيْهِ؛ ولَمّا كانَ لا يُقْبَلُ إلّا بِهِ؛ قالَ: ﴿وآمَنتُمْ﴾؛ أيْ: بِهِ إيمانًا خالِصًا؛ مُوافِقًا فِيهِ القَلْبُ ما أظْهَرَهُ اللِّسانُ؛ ولَمّا كانَ مَعْنى الإنْكارِ أنَّهُ لا يُعَذِّبُكُمْ؛ بَلْ يَشْكُرُ ذَلِكَ؛ قالَ - عاطِفًا عَلَيْهِ -: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ؛ أزَلًا وأبَدًا؛ ﴿شاكِرًا﴾؛ لِمَن شَكَرَهُ؛ بِإثابَتِهِ عَلى طاعَتِهِ فَوْقَ ما يَسْتَحِقُّهُ؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ بِمَن عَمِلَ لَهُ شَيْئًا؛ وإنْ دَقَّ؛ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ سَهْوٌ ولا غَلَطٌ؛ ولا اشْتِباهٌ.

4:148Page 102

۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ١٤٨

Allāh does not like the public mention of evil except by one who has been wronged. And ever is Allāh Hearing and Knowing.

ولَمّا أتَمَّ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ما أرادَ؛ مِن تَقْبِيحِ حالِ المُجالِسِينَ الخائِضِينَ في آياتِهِ؛ بِما هي مُنَزَّهَةٌ عَنْهُ؛ ومِمّا يَتْبَعُهُ مِن وصْفِهِمْ؛ وبَيانِ قَصْدِهِمْ (p-٤٤٧)بِتِلْكَ المُجالَسَةِ؛ مِنَ النَّهْيِ عَنْ مِثْلِ حالِهِمْ؛ ومِن جَزاءِ مَن فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ - إلى أنْ خَتَمَ بِأشَدِّ عَذابِ المُنافِقِينَ؛ وحَثَّ عَلى التَّوْبَةِ بِما خَتَمَهُ بِصِفَتَيِ الشُّكْرِ؛ والعِلْمِ؛ أخْبَرَ أنَّهُ يُبْغِضُ خَوْضَ الكافِرِينَ؛ الَّذِينَ قَبَّحَ مُجالَسَتَهم حالَ التَّلَبُّسِ بِهِ؛ وكَذا كُلَّ جَهْرٍ بِسُوءٍ؛ إلّا ما اسْتَثْناهُ؛ فَمَن أقْدَمَ عَلى ما لا يُحِبُّهُ؛ لَمْ يَقُمْ بِحَقِّ عُبُودِيَّتِهِ؛ فَقالَ - مُعَلِّلًا ما مَضى؛ قَبْلَ افْتِتاحِ أمْرِ المُنافِقِينَ؛ مِنَ الأمْرِ بِإحْسانِ التَّحِيَّةِ -: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُخْتَصُّ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿الجَهْرَ﴾؛ أيْ: ما يَظْهَرُ؛ فَيَصِيرُ في عِدادِ الجَهْرِ؛ ﴿بِالسُّوءِ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَسُوءُ؛ ويُؤْذِي؛ ﴿مِنَ القَوْلِ﴾؛ أيْ: لِأحَدٍ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن شُكْرِ اللَّهِ (تَعالى) في الإحْسانِ إلى عِبادِهِ؛ وعِيالِهِ؛ ولا مِن شُكْرِ النّاسِ في شَيْءٍ؛ ولا يَشْكُرُ اللَّهَ مَن لا يَشْكُرُ النّاسَ؛ ﴿إلا مَن﴾؛ أيْ: جَهَرَ مَن؛ ﴿ظُلِمَ﴾؛ أيْ: كانَ مِن أحَدٍ مِنَ النّاسِ ظُلْمٌ إلَيْهِ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الجَهْرُ بِشَكْواهُ؛ والتَّظَلُّمُ مِنهُ؛ والدُّعاءُ عَلَيْهِ؛ وإنْ ساءَهُ ذَلِكَ؛ بِحَيْثُ لا يَعْتَدِي.

ولَمّا كانَ القَوْلُ مِمّا يُسْمَعُ؛ وكانَ مِنَ الظُّلْمِ ما قَدْ يَخْفى؛ قالَ -مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا -: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿سَمِيعًا﴾؛ أيْ: لِكُلِّ ما يُمْكِنُ سَماعُهُ؛ مِن جَهْرٍ وغَيْرِهِ؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: بِكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ؛ (p-٤٤٨)فاحْذَرُوهُ؛ لِئَلّا يَفْعَلُ بِكم فِعْلَ السّاخِطِ؛ وجَهْرُ مَن ظُلِمَ - وإنْ كانَ داخِلًا فِيما يُحِبُّهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا - لَكِنَّ جَعْلَهُ مِن جُمْلَةِ السُّوءِ؛ وإنْ كانَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ؛ فَإنَّ فِيهِ لَطِيفَةٌ؛ وهي نَهْيُ الفَطِنِ عَنْ تَعاطِيهِ؛ وحَثُّهُ عَلى العَفْوِ؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّ فِعْلَهُ بِحَيْثُ يَنْطَلِقُ اسْمُ السُّوءِ - عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ إطْلاقُهُ - كَفَّ عَنْهُ؛ إنْ كانَ مُوَفَّقًا.

4:149Page 102

إِن تُبۡدُواْ خَيۡرًا أَوۡ تُخۡفُوهُ أَوۡ تَعۡفُواْ عَن سُوٓءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّٗا قَدِيرًا ١٤٩

If [instead] you show [some] good or conceal it or pardon an offense - indeed, Allāh is ever Pardoning and Competent.1

ولَمّا كانَتْ مَعاقِدُ الخَيْراتِ عَلى كَثْرَتِها؛ مُنْحَصِرَةً في قِسْمَيْنِ: إيصالِ النَّفْعِ؛ إبْداءً وإخْفاءً؛ ودَفْعِ الضَّرَرِ؛ فَكانَ قَدْ أشارَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - إلى العَفْوِ؛ وخَتَمَ بِصِفَتَيِ السَّمْعِ؛ والعِلْمِ؛ قالَ - مُصَرِّحًا بِالنَّدْبِ إلى العَفْوِ؛ والإحْسانِ؛ فَكانَ نادِبًا إلَيْهِ مَرَّتَيْنِ: الأُولى بِطَرِيقِ الإشارَةِ لِأُولِي البِصارَةِ؛ والثّانِيَةُ بِطَرِيقِ العِبارَةِ؛ لِلرّاغِبِينَ في التِّجارَةِ؛ حَثًّا عَلى الأحَبِّ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - والأفْضَلِ عِنْدَهُ؛ والأدْخَلِ في بابِ الكَرَمِ -: ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾؛ أيْ: مِن قَوْلٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾؛ أيْ: تَفْعَلُوهُ خُفْيَةً ابْتِداءً؛ أوْ في مُقابَلَةِ سُوءِ فِعْلٍ إلَيْكُمْ؛ ولَمّا ذَكَرَ فِعْلَ الخَيْرِ؛ أتْبَعَهُ نَوْعًا مِنهُ؛ هو أفْضَلُهُ؛ فَقالَ: ﴿أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾؛ أيْ: فِعْلٍ بِكُمْ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”يَعْلَمْهُ؛ بِما لَهُ مِن صِفَتَيِ السَّمْعِ؛ والعِلْمِ؛ فَيُجازِيَ عَلَيْهِ بِخَيْرٍ أفْضَلَ مِنهُ؛ وعَفْوٍ أعْظَمَ مِن عَفْوِكُمْ“؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ﴾ (p-٤٤٩)؛ أيْ: فَأنْتُمْ جَدِيرُونَ بِالعَفْوِ؛ بِسَبَبِ عِلْمِكم بِأنَّ ﴿اللَّهَ كانَ﴾؛ أيْ: دائِمًا؛ أزَلًا وأبَدًا؛ ﴿عَفُوًّا﴾؛ ولَمّا كانَ تَرْكُ العِقابِ لا يُسَمّى عَفْوًا؛ إلّا إذا كانَ مِن قادِرٍ؛ وكانَ الكَفُّ - عِنْدَ القُدْرَةِ عَنْ الِانْتِقامِ؛ مِمَّنْ أثَّرَ في القُلُوبِ الآثارَ العِظامَ - بَعِيدًا؛ شاقًّا عَلى النَّفْسِ؛ شَدِيدًا؛ قالَ (تَعالى) - مُذَكِّرًا لِلْعِبادِ بِذُنُوبِهِمْ إلَيْهِ؛ وقُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ -: ﴿قَدِيرًا﴾؛ أيْ: بالِغَ العَفْوِ عَنْ كُلِّ ما يُرِيدُ العَفْوَ عَنْهُ مِن أفْعالِ الجانِينَ؛ والقُدْرَةِ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ؛ ومَن يُرِيدُ؛ فالَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنْ ذَنْبٍ؛ وعَجْزٍ؛ أوْلى بِالعَفْوِ؛ طَمَعًا في عَفْوِ القادِرِ عَنْهُ؛ وخَوْفًا مِنَ انْتِقامِهِ مِنهُ؛ وتَخَلُّقًا بِخُلُقِهِ العَظِيمِ؛ واقْتِداءً بِسُنَّتِهِ.

4:150Page 102

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠

Indeed, those who disbelieve in Allāh and His messengers and wish to discriminate between Allāh and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -

ولَمّا انْقَضى ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ؛ وأحْسَنِ سِياقٍ ونَحْوٍ؛ وخَتَمَ بِصِفَتَيِ العَفْوِ؛ والقُدْرَةِ؛ شَرَعَ في بَيانِ أحْوالِ مَن لا يُعْفى عَنْهُ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ وبَيانِ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ أضَلُّوا المُنافِقِينَ؛ بِما يُلْقُونَ إلَيْهِمْ مِنَ الشُّبَهِ الَّتِي وسَّعَ عُقُولَهم لَها ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِنَ العِلْمِ؛ فَأبْدَوُا الشَّرَّ؛ وكَتَمُوا الخَيْرَ؛ فَوَضَعُوا نِعْمَتَهُ حَيْثُ يَكْرَهُ؛ ثُمَّ كَشَفَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بَعْضَ شُبَهِهِمْ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لِما افْتَتَحَ بِهِ قَصَصَهُمْ؛ مِن أنَّهُمُ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى؛ ويُرِيدُونَ ضَلالَ غَيْرِهِمْ؛ بَعْدَ أنْ كانَ خَتَمَ هُناكَ (p-٤٥٠)ما قَبْلَ قَصَصِهِمْ بِقَوْلِهِ: ”عَفُوًّا قَدِيرًا“ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: يَسْتُرُونَ ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الِاخْتِصاصُ بِالجَلالِ؛ والجَمالِ؛ ﴿ورُسُلِهِ﴾؛ ولَمّا ذَكَرَ آخِرَ أمْرِهِمْ؛ ذَكَرَ السَّبَبَ المُوقِعَ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ: فَيُصَدِّقُونَ بِاللَّهِ؛ ويُكَذِّبُونَ بِبَعْضِ الرُّسُلِ؛ فَيَنْفُونَ رِسالاتِهِمُ؛ المُسْتَلْزِمَ لِنِسْبَتِهِمْ إلى الكَذِبِ عَلى اللَّهِ؛ المُقْتَضِيَ لِكَوْنِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بَرِيئًا مِنهم.

ولَمّا ذَكَرَ الإرادَةَ؛ ذَكَرَ ما نَشَأ عَنْها؛ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾؛ أيْ: مِنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ؛ كاليَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وغَيْرِهِ؛ إلّا عِيسى؛ ومُحَمَّدًا ﷺ؛ فَكَفَرُوا بِهِما؛ ﴿ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾؛ أيْ: مِن ذَلِكَ؛ وهُمُ الرُّسُلُ؛ كَمُحَمَّدٍ ﷺ؛ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا﴾؛ أيْ: يَتَكَلَّفُوا أنْ يَأْخُذُوا؛ ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الإيمانِ؛ والكُفْرِ؛ ﴿سَبِيلا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا يَكْفُرُونَ بِهِ؛ وعَطْفُ الجُمَلِ بِالواوِ - وإنْ كانَ بَعْضُها سَبَبًا لِبَعْضٍ - إشارَةٌ إلى أنَّهم جَدِيرُونَ بِالوَصْفِ بِكُلٍّ مِنها عَلى انْفِرادِهِ؛ وأنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ كافِيَةٌ في نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ؛ وقَدَّمَ نَتِيجَتَها؛ (p-٤٥١)وخَتَمَ بِالحُكْمِ بِها؛ عَلى وجْهٍ أضْخَمَ؛ تَفْظِيعًا لِحالِهِمْ؛ وأصْلُ الكَلامِ: ”أرادُوا سَبِيلًا بَيْنَ سَبِيلَيْنِ؛ فَقالُوا: نَكْفُرُ بِبَعْضٍ؛ فَأرادُوا التَّفْرِقَةَ؛ فَكَفَرُوا كُفْرًا هو في غايَةِ الشَّناعَةِ عَلى عِلْمٍ مِنهُمْ“؛ فَأنْتَجَ ذَلِكَ:

4:151Page 102

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١

Those are the disbelievers, truly. And We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment.

﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ البُغَضاءُ؛ ﴿هُمُ الكافِرُونَ﴾؛ أيْ: الغَرِيقُونَ في الكُفْرِ؛ ﴿حَقًّا﴾؛ ولَزِمَهُمُ الكُفْرُ بِالجَمِيعِ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ عَلى نُبُوَّةِ البَعْضِ لَزِمَ مِنهُ القَطْعُ بِنُبُوَّةِ كُلِّ مَن حَصَلَ مِنهُ مِثْلُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ؛ وحَيْثُ جُوِّزَ حُصُولُ الدَّلِيلِ بِدُونِ المَدْلُولِ؛ تَعَذَّرَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى شَيْءٍ؛ كالمُعْجِزَةِ؛ فَلَزِمَ حِينَئِذٍ الكُفْرُ بِالجَمِيعِ؛ فَثَبَتَ أنَّ مَن كَذَّبَ بِنُبُوَّةِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَزِمَهُ الكُفْرُ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ؛ ومَن لَزِمَهُ الكُفْرُ بِهِمْ؛ لَزِمَهُ الكُفْرُ بِاللَّهِ؛ وكُلِّ ما جاءَ بِهِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: "فَلا جَرَمَ أنّا أعْتَدْنا - أيْ: هَيَّأْنا - لَهم عَذابًا مُهِينًا؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - تَعْمِيمًا -: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾؛ أيْ: جَمِيعًا؛ ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾؛ أيْ: كَما اسْتَهانُوا بِبَعْضِ الرُّسُلِ؛ وهُمُ الجَدِيرُونَ بِالحُبِّ؛ والكَرامَةِ؛ والآيَةُ شامِلَةٌ لَهم ولِغَيْرِهِمْ؛ مِمَّنْ كانَ حالُهُ كَحالِهِمْ؛ وإيلاءُ ذَلِكَ بَيانَ أحْوالِ المُنافِقِينَ أنْسَبُ شَيْءٍ؛ وأحْسَنُهُ؛ لِلتَّعْرِيفِ بِأنَّهم مُنافِقُونَ؛ مِن حَيْثُ إنَّهم يُظْهِرُونَ شَيْئًا مِن أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ويُبْطِنُونَ غَيْرَهُ؛ وإنْ كانَ ما يُظْهِرُونَهُ عَلى الضِّدِّ مِمّا يُظْهِرُهُ المُنافِقُونَ؛ وبِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ أضَلُّوا (p-٤٥٢)المُنافِقِينَ؛ ولِلتَّحْذِيرِ مِن أقْوالِهِمْ؛ وتَزْيِيفِ ما حَرَّفُوا مِن مَحالِّهِمْ؛ وفي ذَلِكَ التِفاتٌ إلى أوَّلِ هَذِهِ القِصَّةِ؛ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]

4:152Page 102

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٥٢

But they who believe in Allāh and His messengers and do not discriminate between any of them - to those He is going to give their rewards. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ما أعَدَّ لَهُمْ؛ بَيِّنَ ما أعَدَّ لِأضْدادِهِمْ مِن أهْلِ طاعَتِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ والجَمالُ؛ ﴿ورُسُلِهِ﴾؛ ولَمّا جَمَعُوهم في الإيمانِ ضِدَّ ما فَعَلَ أهْلُ الكُفْرانِ؛ صَرَّحَ بِما أفْهَمَهُ؛ فَقالَ: ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا﴾؛ أيْ: في اعْتِقادِهِمْ؛ ﴿بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: لَمْ يَجْعَلُوا أحَدًا مِنهم عَلى صِفَةِ الفُرْقَةِ البَلِيغَةِ مِن صاحِبِهِ؛ بِأنْ كَفَرُوا بِبَعْضٍ؛ وآمَنُوا بِبَعْضٍ - كَما فَعَلَ الأشْقِياءُ -؛ والتَّفْرِقَةُ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ فَصاعِدًا؛ و”أحَدٍ“؛ عامٌّ في الواحِدِ؛ المُذَكَّرِ؛ والمُؤَنَّثِ؛ وتَثْنِيَتِهِما؛ وجَمْعِهِما؛ فَلِذَلِكَ صَحَّ التَّعْبِيرُ بِهِ؛ بِمَعْنى: بَيْنَ اثْنَيْنِ؛ أوْ جَماعَةٍ؛ وكَأنَّهُ اخْتِيرَ لِلْمُبالَغَةِ بِأنْ لَوْ أنَّ الواحِدَ يُمْكِنُ فِيهِ التَّفْرِقَةُ؛ فَكانَ الإيمانُ بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ كُفْرًا؛ ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ في رُتَبِ السَّعادَةِ.

ولَمّا كانَ المُرادُ تَأْكِيدَ وعْدِهِمْ؛ وكانَ المُشاهَدُ فِيهِ غالِبًا التَّأخُّرَ؛ قالَ: ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ وإنْ تَأخَّرَ؛ فالمُرادُ تَحْقِيقُهُ؛ لا تَحْقِيقُ تَأخُّرِهِ؛ ولَكِنَّهُ أتى بِالأداةِ الَّتِي هي أكْثَرُ حُرُوفًا؛ وأشَدُّ تَنْفِيسًا؛ لِأنَّ هَذا السِّياقَ لِأهْلِ الإيمانِ المُجَرَّدِ؛ الشّامِلِ؛ (p-٤٥٣)لِمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَلٌ؛ ولِذا أضافَ الأُجُورَ إلَيْهِمْ؛ وخَتَمَ بِالمَغْفِرَةِ؛ لِئَلّا يَحْصُلُ لَهم يَأْسٌ؛ وإنْ طالَ المَدى؛ ﴿أُجُورَهُمْ﴾؛ أيْ: كامِلَةً بِحَسَبِ نِيّاتِهِمْ؛ وأعْمالِهِمْ.

ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ النُّقْصانِ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يَبْلُغُ الواصِفُونَ كُنْهَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿غَفُورًا﴾؛ لِما يُرِيدُ مِنَ الزَّلّاتِ؛ ﴿رَحِيمًا﴾؛ أيْ: بِمَن يُرِيدُ إسْعادَهُ بِالجَنّاتِ.

4:153Page 102

يَسۡـَٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ فَقَدۡ سَأَلُواْ مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ١٥٣

The People of the Scripture ask you to bring down to them a book from the heaven. But they had asked of Moses [even] greater than that and said, "Show us Allāh outright," so the thunderbolt struck them for their wrongdoing. Then they took the calf [for worship] after clear evidences had come to them, and We pardoned that. And We gave Moses a clear authority.

ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) بِما عَلى المُفَرِّقِينَ بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ؛ وما لِأضْدادِهِمْ؛ أتْبَعَهُ بَعْضَ ما أرادُوا بِهِ الفُرْقَةَ؛ وذَلِكَ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ؛ وفِنْحاصَ بْنَ عازُورا؛ مِنَ اليَهُودِ؛ قالا كَذِبًا: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَأْتِنا بِكِتابٍ جُمْلَةً مِنَ السَّماءِ؛ نُعايِنُهُ حِينَ يَنْزِلُ؛ كَما أتى مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِكِتابِهِ كَذَلِكَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) - مُوَبِّخًا لَهم عَلى هَذا الكَذِبِ؛ مُشِيرًا إلى كَذِبِهِمْ فِيهِ؛ مُوهِيًا لِسُؤالِهِمْ؛ مُحَذِّرًا مِن غَوائِلِهِ؛ مُبَيِّنًا لِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ -: ﴿يَسْألُكَ﴾؛ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ مِن أعْظَمِ شُبَهِهِمُ الَّتِي أضَلُّوا بِها مَن أرادَ اللَّهَ؛ وذَلِكَ أنَّهم رَأوْا أنَّ هَذا الكِتابَ المُبِينَ أعْظَمُ المُعْجِزاتِ؛ وأنَّ العَرَبَ لَمْ يُمْكِنْهُمُ الطَّعْنُ فِيهِ؛ عَلى وجْهٍ يُمْكِنُ قَبُولُهُ؛ فَوَجَّهُوا مَكايِدَهم نَحْوَهُ (p-٤٥٤)بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ؛ ونَحْوِها؛ زَيَّفَها - سُبْحانَهُ وتَعالى - أتَمَّ تَزْيِيفِ؛ وفَضَحَهم بِسَبَبِها غايَةَ الفَضِيحَةِ؛ وزادَ - سُبْحانَهُ - في تَبْكِيتِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أهْلُ الكِتابِ﴾؛ إشارَةً إلى أنَّ العالِمَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَكُونَ أبْعَدَ النّاسِ مِنَ التَّمْوِيهِ؛ فَضْلًا عَنِ الكَذِبِ الصَّرِيحِ؛ ﴿أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: خاصًّا بِهِمْ؛ بِإثْباتِ أسْمائِهِمْ؛ ﴿كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ وما أوْهَمُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ هَذا؛ مِن أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أتى بِالتَّوْراةِ جُمْلَةً كِذْبَةٌ تَلَقَّفَها مِنهم مَن أرادَ اللَّهُ (تَعالى) مِن أهْلِ الإسْلامِ؛ ظَنًّا مِنهم أنَّ اللَّهَ - تَبارَكَ وتَعالى - أقَرَّهم عَلَيْها؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ - كَما يُفْهِمُهُ السِّياقُ كُلُّهُ؛ ويَأْتِي ما هو كالصَّرِيحِ فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣]؛ الآيَةَ؛ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ؛ واليَهُودُ الآنَ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّها لَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً؛ وقالَ الكَلْبِيُّ في قِصَّةِ البَقَرَةِ الَّتِي ذَبَحُوها لِأجْلِ القَتِيلِ الَّذِي تَدارَوْا فِيهِ: وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ القَسامَةِ في التَّوْراةِ.

ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يَسْتَعْظِمُهُ النَّبِيُّ ﷺ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ؛ مُبَيِّنًا - تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ أنَّ عادَتَهُمُ التَّعَنُّتُ؛ ودَيْدَنَهُمُ الكُفْرُ؛ وأنَّهم أغْرَقُ النّاسِ في غِلَظِ الأكْبادِ؛ وجَلافَةِ الطَّبائِعِ؛ وأنَّ أوائِلَهم تَعَنَّتُوا عَلى مَن يَدَّعُونَ الإيمانَ بِهِ الآنَ؛ وأنَّهم عَلى شَرِيعَتِهِ؛ وأحَبُّ شَيْءٍ فِيهِ ما أراهم مِن تِلْكَ الآياتِ العِظامِ؛ الَّتِي مِنها اسْتِنْقاذُهم مِنَ العُبُودِيَّةِ؛ بَلْ مِنَ الذَّبْحِ؛ وأنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنهُمْ؛ مَعَ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ القَوارِعِ؛ والعَفْوِ؛ (p-٤٥٥)فَقالَ: ﴿فَقَدْ﴾؛ أيْ: إنْ تَسْتَعْظِمْ ذَلِكَ؛ فَقَدْ ﴿سَألُوا﴾؛ أيْ: آباؤُهُمْ؛ أيْ: وهم عَلى نَهْجِهِمْ في التَّعَنُّتِ؛ فَهم شُرَكاؤُهُمْ؛ ﴿مُوسى﴾؛ لِغَيْرِ داعٍ؛ سِوى التَّعَنُّتِ؛ ﴿أكْبَرَ﴾؛ أيْ: أعْظَمَ؛ ﴿مِن ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرَ العَظِيمَ الَّذِي واجَهُوكَ بِهِ؛ بَعْدَ ما أظْهَرْتُ مِنَ المُعْجِزاتِ ما أوْجَبْنا عَلى كُلِّ مَن عَلِمَها الإيمانَ بِكَ؛ والتَّأْدِيبَ مَعَكَ؛ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْلى؛ الَّذِي لا شَبِيهَ لَهُ؛ وتَقْصُرُ العُقُولُ عَنِ الإحاطَةِ بِعَظَمَتِهِ؛ ﴿جَهْرَةً﴾؛ أيْ: عَيانًا؛ مِن غَيْرِ سِتْرٍ؛ ولا حِجابٍ؛ ولا نَوْعٍ مِن خَفاءٍ؛ بَلْ تُحِيطُ بِهِ أبْصارُنا؛ كَما يُحِيطُ السَّمْعُ بِالقَوْلِ الجَهْرِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنْ كُلًّا مِنَ السُّؤالَيْنِ مَمْنُوعٌ؛ لِكَوْنِهِ ظُلْمًا؛ لِأدائِهِ إلى الِاسْتِخْفافِ بِما نُقَدِّمُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ وعَدِّهِ غَيْرَ كافٍ؛ مَعَ أنَّ إنْزالَ الكِتابِ جُمْلَةً غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْها هَذِهِ الدّارُ مِن رَبْطِ المُسَبِّباتِ بِالأسْبابِ؛ وبِنائِها عَلَيْها؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ تَفْرِيقَ الأوامِرِ سَبَبٌ لِخِفَّةِ حَمْلِها؛ وذَلِكَ أدْعى لِامْتِثالِها؛ وأيْسَرُ لِحِفْظِها؛ وأعْوَنُ عَلى فَهْمِها؛ وأعْظَمُ تَثْبِيتًا لِلْمُنْزَلِ عَلَيْهِ؛ وأشْرَحُ لِصَدْرِهِ؛ وأقْوى لِقَلْبِهِ؛ وأبْعَثُ لِشَوْقِهِ؛ والرُّؤْيَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي طَلَبُوهُ - وهو الإحاطَةُ - مُحالٌ؛ فَسُؤالُهم لِذَلِكَ اسْتِخْفافٌ؛ مَعَ أنَّهُ تَعَنُّتٌ؛ ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ سُؤالِهِمْ قَوْلَهُ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ﴾؛ أيْ: عَقِبِ هَذا السُّؤالِ؛ وبِسَبَبِهِ؛ مِن غَيْرِ إمْهالٍ؛ أخْذَ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ؛ ﴿الصّاعِقَةُ﴾؛ أيْ: نارٌ نَزَلَتْ مِنَ (p-٤٥٦)السَّماءِ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ؛ هو جَدِيرٌ بِألّا يُسَمّى غَيْرُهُ - إذا نُسِبَ إلَيْهِ - ”صاعِقَةً“؛ فَأهْلَكَتْهُمْ؛ ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ بِهَذا السُّؤالِ؛ وغَيْرِهِ؛ لِكَوْنِهِ تَعَنُّتًا مِن غَيْرِ مُقْتَضٍ لَهُ أصْلًا؛ وبِطَلَبِ الرُّؤْيَةِ عَلى وجْهٍ مُحالٍ؛ وهو طَلَبُ الإحاطَةِ؛ ﴿ثُمَّ﴾؛ بَعْدَ العَفْوِ عَنْهُمْ؛ وإحْيائِهِمْ مِن إماتَةِ هَذِهِ الصّاعِقَةِ؛ ﴿اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾؛ أيْ: تَكَلَّفُوا أخْذَهُ؛ وعَتَوْا أنْفُسَهم بِاصْطِناعِهِ.

ولَمّا كانَ الضّالُّ بَعْدَ فَرْطِ البَيانِ أجْدَرَ بِالتَّبْكِيتِ؛ قالَ: ﴿مِن بَعْدِ﴾؛ وأدْخَلَ الجارَّ إعْلامًا بِأنَّ اتِّخاذَهم لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ البُعْدِ؛ بَلْ تابُوا عَنْهُ؛ ﴿ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾؛ أيْ: بِهَذا الإحْياءِ؛ وغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ ﴿فَعَفَوْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿عَنْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الذَّنْبِ العَظِيمِ؛ بِتَوْبَتِنا عَلَيْهِمْ؛ مِن غَيْرِ اسْتِئْصالٍ لَهُمْ؛ ﴿وآتَيْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا تُدانِيها عَظَمَةٌ؛ ﴿مُوسى سُلْطانًا﴾؛ أيْ: تَسَلُّطًا؛ واسْتِيلاءً قاهِرًا؛ ﴿مُبِينًا﴾؛ أيْ: ظاهِرًا؛ فَإنَّهُ أمَرَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ؛ فَبادَرُوا الِامْتِثالَ بَعْدَ ما ارْتَكَبُوا مِن عَظِيمِ هَذا الضَّلالِ؛ وفِيهِ رَمْزٌ ظاهِرٌ إلى أنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - يُسَلِّطُ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى كُلِّ مَن يُعانِدُهُ أعْظَمَ مِن هَذا التَّسْلِيطِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском