Al-Biqa'iAn‑Nisa · 4:158–163

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:158–163, continued

ثُمَّ ذَكَرَ جَمِيعُ نَقَلَةِ أناجِيلِهِمْ أنَّهم صَلَبُوهُ بَيْنَ لِصَّيْنِ؛ وأنَّهم كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ؛ حَتّى اللِّصّانِ المَصْلُوبانِ؛ قالَ مُرْقُسُ: فَلَمّا كانَتِ السّاعَةُ السّادِسَةُ تَفَشَّتِ الأرْضُ كُلُّها ظُلْمَةً إلى السّاعَةِ التّاسِعَةِ؛ وأنَّهُ صاحَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ مِنهُ: إلَهِي؛ إلَهِي؛ لِمَ تَرَكْتَنِي؟ فانْشَقَّ سِتْرُ حِجابِ الهَيْكَلِ بِاثْنَيْنِ مِن فَوْقُ إلى أسْفَلَ؛ والأرْضُ تَزَلْزَلَتْ؛ وتَشَقَّقَتِ الصُّخُورُ؛ وتَفَتَّحَتِ القُبُورُ؛ وكَثِيرٌ مِن أجْسادِ القُدُسِيِّينِ النِّيامِ قامُوا مِن قُبُورِهِمْ؛ ودَخَلُوا المَدِينَةَ فَظَهَرُوا لِكَثِيرٍ؛ وكانَ هُناكَ نِسْوَةٌ كَثِيرٌ يَنْظُرْنَ مِن بَعِيدٍ؛ ومِنَ اللّاتِي تَبِعْنَ عِيسى مِنَ الجَلِيلِ؛ مِنهُنَّ مَرْيَمُ المَجْدِلانِيَّةُ؛ ومَرْيَمُ أمُّ يَعْقُوبَ الصَّغِيرِ؛ وأُمُّ يُوسا؛ وأُمُّ ابْنِ يَزْبَدِيٍّ؛ وقالَ يُوحَنّا: وكانَ واقِفًا عِنْدَ صَلْبِهِ أُمُّهُ وأُخْتُ أُمِّهِ؛ مَرْيَمُ ابْنَةُ إكْلاوَبا؛ ومَرْيَمُ المَجْدَلِيَّةُ؛ ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهُ دُفِنَ؛ وذَكَرَ مُرْقُسُ أنَّهُ كانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ؛ وقالَ يُوحَنّا: وأمّا اليَهُودُ - فَلِأنَّهُ يَوْمُ الجُمُعَةِ - قالُوا: هَذِهِ الأجْسادُ لا تَثْبُتُ عَلى صُلُبِها؛ لِأنَّ السَّبْتَ كانَ عَظِيمًا؛ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم أنْزَلُوهُمْ؛ وأنَّ عِيسى دُفِنَ؛ وقالَ مَتّى: إنَّ المَلِكَ جاءَ (p-٤٩٤)بَعْدَ ثَلاثٍ وأقامَهُ؛ وقالَ لِلنِّسْوَةِ: إنَّهُ قَدْ قامَ؛ فَأسْرِعْنَ فَقُلْنَ لِتَلامِيذِهِ: هُوذا سَبَقَكم إلى الجَلِيلِ؛ وإنَّ رُؤَساءَ اليَهُودِ رَشَوُا الجُنْدَ الَّذِينَ كانُوا يَحْرُسُونَ قَبْرَهُ لِيَقُولُوا: إنْ تَلامِيذَهُ سَرَقُوهُ مِنَ القَبْرِ؛ فَقالُوا؛ وشاعَ ذَلِكَ عِنْدَ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ؛ فَأمّا الأحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذًا فَمَضَوْا إلى الجَلِيلِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ؛ فَلَمّا رَأوْهُ سَجَدُوا لَهُ؛ وبَعْضُهم شَكَّ؛ وقالَ لُوقا: وفِيما هم يَتَكَلَّمُونَ وقَفَ عِيسى إلى وسَطِهِمْ؛ وقالَ لَهُمْ: السَّلامُ عَلَيْكم يا هَؤُلاءِ؛ لا تَخافُوا؛ فاضْطَرَبُوا؛ وخافُوا؛ وظَنُّوا أنَّهم يَنْظُرُونَ رُوحًا؛ فَقالَ لَهُمْ: ما بالُكم تَضْطَرِبُونَ؟ ولِمَ يَأْتِي الإنْكارُ في قُلُوبِكُمْ؟ انْظُرُوا يَدَيَّ ورِجْلَيَّ؛ فَإنِّي أنا هُوَ؛ جِسُّونِي؛ وانْظُرُوا إلَيَّ؛ الرُّوحُ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ ولا عَظْمٌ؛ كَما تَرَوْنَ أنَّهُ لِي؛ ولَمّا قالَ هَذا أراهم يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ؛ وإذا هم غَيْرُ مُصَدِّقِينَ مِنَ الفَرَحِ؛ والتَّعَجُّبِ؛ وقالَ لَهُمْ: أعْنَدَكم هَهُنا ما يُؤْكَلُ؟ فَأعْطَوْهُ جُزْءًا مِن حُوتٍ مَشْوِيٍّ؛ ومِن شَهْدِ عَسَلٍ؛ فَأخَذَ قُدّامَهم وأكَلَ؛ وأخَذَ الباقِي وأعْطاهُمْ؛ ثُمَّ قالَ: ثُمَّ أخْرَجَهم خارِجًا إلى بَيْتِ عَنْيا؛ فَرَفَعَ يَدَيْهِ؛ وبارَكَهُمْ؛ وكانَ فِيما هو يُبارِكُهُمُ انْفَرَدَ عَنْهُمْ؛ وصَعِدَ إلى السَّماءِ؛ وقالَ يُوحَنّا: إنَّهُ قالَ لِمَرْيَمَ: امْضِي إلى إخْوَتِي؛ وقُولِي لَهُمْ: إنِّي صاعِدٌ إلى أبِي؛ وأبِيكُمْ؛ وإلَهِي وإلَهِكُمْ؛ وقالَ مَتّى: فَجاءَ (p-٤٩٥)يَسُوعُ؛ فَكَلَّمَهُمْ؛ فَقالَ: أُعْطِيتُ كُلَّ سُلْطانٍ في السَّماءِ؛ وعَلى الأرْضِ؛ فاذْهَبُوا الآنَ وتَلْمِذُوا كُلَّ الأُمَمِ.

انْتَهى ما أرَدْتُهُ هُنا مِنَ الأناجِيلِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ؛ فَقَدْ بانَ لَكَ أنَّ أناجِيلَهم كُلَّها اتَّفَقَتْ عَلى أنْ عِلْمَهم في أمْرِهِ انْتَهى إلى واحِدٍ؛ وهو الإسْخَرْيُطِيُّ؛ وأمّا غَيْرُهُ مِنَ الأعْداءِ فَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ؛ وأنَّهُ إنَّما وضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ؛ ولَمْ يَقُلْ بِلِسانِهِ: إنَّهُ هُوَ؛ وأنَّ الوَقْتَ كانَ لَيْلًا؛ وأنَّ عِيسى نَفْسَهُ قالَ لِأصْحابِهِ: كُلُّكم تَشُكُّونَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ؛ وأنَّ تَلامِيذَهُ كُلَّهم هَرَبُوا؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عِلْمٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِما اتَّفَقَ في أمْرِهِ؛ وأنَّ بُطْرُسَ إنَّما تَبِعَهُ مِن بَعِيدٍ؛ وأنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ خَنَقَ نَفْسَهُ؛ وأنَّ النّاقِلَ لِأنَّ المَلِكَ قالَ: إنَّهُ قامَ مِنَ الأمْواتِ؛ إنَّما هو نِسْوَةٌ كُنَّ عِنْدَ القَبْرِ في مَدًى بَعِيدٍ؛ وما يَدْرِي النِّسْوَةَ المَلِكَ مِن غَيْرِهِ - ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تُفِيدُ غَيْرَ الظَّنِّ بِالجُهْدِ؛ وأمّا الآياتُ الَّتِي وقَعَتْ فَعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِها لا يَضُرُّنا التَّصْدِيقُ بِها؛ وتَكُونُ لِجُرْأتِهِمْ عَلى اللَّهِ بِصَلْبِ مَن يَظُنُّونَهُ المَسِيحَ؛ ومِن أحْسَنِ ما في ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَ اجْتِماعِهِمْ بِهِ بَعْدَ رَفْعِهِ:“أُعْطِيتُ كُلَّ سُلْطانٍ”؛ فَأثْبَتَ أنَّ المُعْطِيَ غَيْرُهُ؛ وهَذا كُلُّهُ يُصادِقُ القُرْآنَ في أنَّهم في شَكٍّ مِنهُ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ المَصْلُوبَ - إنْ صَحَّ أنَّهم صَلَبُوهُ مَن ظَنُّوهُ إيّاهُ - هو الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ؛ كَما (p-٤٩٦)قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّهُ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَيْهِ؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إنَّهُ خَنَقَ نَفْسَهُ؛ فالظّاهِرُ أنَّهم لَمّا لَمْ يَرَوْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَنُّوا أنَّهُ خَنَقَ نَفْسَهُ؛ فَجَزَمُوا بِهِ - واللَّهُ أعْلَمُ؛ وقَوْلُهُ:“إنَّكَ يا رَبّاهُ فِيَّ؛ وأنا فِيكَ؛ لِيَكُونُوا - أيْ: التَّلامِيذُ – فِينا”؛ ونَحْوُهُ؛ مِمّا يُوهِمُ حُلُولًا؛ المُرادُ بِهِ الِاتِّحادُ في المُرادِ؛ بِحَيْثُ إنَّ واحِدًا مِنهم لا يُرِيدُ إلّا ما يُرِيدُ الآخَرُ؛ ولا يَرْضى إلّا ما يَرْضاهُ؛ فَهو مِن وادِي ما في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «“كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ...”؛» إلى آخِرِهِ؛ وكَذا إطْلاقُ الِابْنِ؛ والأبِ؛ مَعْناهُ أنَّهُ يُعامِلُهم في لُطْفِهِ مُعامَلَةَ الأبِ ابْنَهُ؛ فالمُرادُ الغايَةُ؛ كَما يُؤَوَّلُ ذَلِكَ في إطْلاقِ الغَضَبِ والمَحَبَّةِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ في حَقِّ اللَّهِ (تَعالى)؛ في شَرْعِنا؛ وقَدْ مَضى كَثِيرٌ مِن رَدِّ المُتَشابِهِ في مِثْلِ ذَلِكَ إلى المُحْكَمِ؛ في“آلِ عِمْرانَ"؛ ومَضى في ذَلِكَ المَوْضِعِ؛ وغَيْرِهِ؛ أنَّ كُلَّ ما أوْهَمَ نَقْصًا لا يَجُوزُ في شَرْعِنا إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.

4:159Page 103

وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ١٥٩

And there is none from the People of the Scripture but that he will surely believe in him [i.e., Jesus] before his death.1 And on the Day of Resurrection he will be against them a witness.

ولَمّا أنْجَزَ الكَلامَ إلى أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى هَذا المِنهاجِ البَدِيعِ؛ بِما ذَكَرَ في نَصائِحِ اليَهُودِ؛ وقَبائِحِ أفْعالِهِمْ؛ وأنَّهم قَصَدُوا قَتْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ فَخابَ قَصْدُهُمْ؛ وأُصْلِدَ زَنْدُهُمْ؛ (p-٤٩٧)وقالَ رَأْيُهُمْ؛ ورُدَّ عَلَيْهِمْ بَغْيُهُمْ؛ وحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ أعْلى المَناصِبِ؛ وأوْلى المَراتِبِ؛ قالَ - مُحَقِّقًا لِما أثْبَتَهُ في الآيَةِ قَبْلَها مِنَ القَطْعِ بِكَذِبِهِمْ؛ مُثْبِتًا أنَّهم في مُبالَغَتِهِمْ في عَداوَتِهِ سَيَكُونُونَ مِن أتْباعِهِ المُصَدِّقِينَ بِجَمِيعِ أمْرِهِ؛ الَّذِي مِنهُ التَّصْدِيقُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ؛ ومُؤَكِّدًا لَهُ أشَدَّ تَأْكِيدٍ؛ لِما عِنْدَهم مِنَ الإنْكارِ لَهُ -: ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما؛ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾؛ أيْ: أحَدٌ يُدْرِكُ نُزُولَهُ في آخِرِ الزَّمانِ؛ ﴿إلا﴾؛ وعِزَّتِي؛ ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾؛ أيْ: بِعِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ أيْ: مَوْتِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ أيْ: إنَّهُ لا يَمُوتُ حَتّى يَنْزِلَ في آخِرِ الزَّمانِ؛ يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِ دِينَ الإسْلامِ؛ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ جَمِيعُ أهْلِ المِلَلِ؛ إشارَةً إلى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إنْ كانَ قَدْ أيَّدَهُ اللَّهُ (تَعالى) بِأنْبِياءَ كانُوا يُجَدِّدُونَ دِينَهُ زَمانًا طَوِيلًا؛ فالنَّبِيُّ الَّذِي نَسَخَ شَرِيعَةَ مُوسى - وهو عِيسى - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - هو الَّذِي يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِ هَذا النَّبِيَّ العَرَبِيَّ؛ في تَجْدِيدِ شَرِيعَتِهِ؛ وتَمْهِيدِ أمْرِهِ؛ والذَّبِّ عَنْ دِينِهِ؛ ويَكُونُ مِن أُمَّتِهِ بَعْدَ أنْ كانَ صاحِبَ شَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ؛ وأتْباعٍ مُسْتَكْثِرَةٍ؛ أمْرٌ قَضاهُ اللَّهُ في الأزَلِ؛ فَأمْضاهُ؛ فَأطِيلُوا أيُّها اليَهُودُ أوْ أقْصِرُوا؛ فَمَعْنى الآيَةِ إذَنْ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ ما مِن أحَدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ المُخْتَلِفِينَ في عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى شَكٍّ؛ إلّا وهو يُوقِنُ بِعِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَبْلَ مَوْتِهِ؛ بَعْدَ نُزُولِهِ (p-٤٩٨)مِنَ السَّماءِ؛ أنَّهُ ما قُتِلَ وما صُلِبَ؛ ويُؤْمِنُ بِهِ عِنْدَ زَوالِ الشُّبْهَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ -؛ رَوى الشَّيْخانِ؛ وأحْمَدُ؛ وأبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ؛ وغَيْرُهُمْ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لِيُوشِكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا؛ وإمامًا عادِلًا؛ فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ؛ ولَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ؛ ولَيَضَعَنَّ الجِزْيَةَ؛ حَتّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الواحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيا وما فِيها“؛ وفي رِوايَةٍ: ”وتَكُونُ السَّجْدَةُ واحِدَةً لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ“؛ وفي رِوايَةٍ: ”حَتّى يُهْلِكَ اللَّهُ المِلَلَ كُلَّها؛ غَيْرَ الإسْلامِ؛ فَيُهْلِكُ اللَّهُ في زَمانِهِ المِلَلَ كُلَّها إلّا الإسْلامَ“؛ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ الآيَةَ: مَوْتِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ثُمَّ يُعِيدُها أبُو هُرَيْرَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ - ولَتَذْهَبَنَّ الشَّحْناءُ والتَّباغُضُ والتَّحاسُدُ؛ ولَيُدْعَوَنَّ إلى المالِ فَلا يَقْبَلُهُ أحَدٌ؛ وفي رِوايَةٍ: ويَفِيضُ المالُ حَتّى لا يَقْبَلَهُ أحَدٌ؛ ولِمُسْلِمٍ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”كَيْفَ بِكم إذا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ؛ وإمامُكم مِنكُمْ؟“؛ وفي رِوايَةٍ: ”فَأمَّكم مِنكُمْ“؛ قالَ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ - أحَدُ رُواةِ الحَدِيثِ: قالَ ابْنُ أبِي ذِئْبٍ: تَدْرِي ما أمَّكم مِنكُمْ؟ قُلْتُ: تُخْبِرُنِي؛ قالَ: فَأمَّكم بِكِتابِ رَبِّكم - تَبارَكَ وتَعالى - وسُنَّةِ نَبِيِّكم ﷺ؛» (p-٤٩٩)ولِمُسْلِمٍ أيْضًا عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «”لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي يُقاتِلُونَ عَلى الحَقِّ؛ ظاهِرِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ فَيَنْزِلُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَيَقُولُ أمِيرُهُمْ: تَعالَ صَلِّ لَنا؛ فَيَقُولُ: لا؛ إنَّ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ أُمَراءُ؛ تَكْرِمَةُ اللَّهِ هَذِهِ الأُمَّةِ؛» ورَوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ؛ المَشْهُورِ بِابْنِ الحَنَفِيَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أنَّ المَعْنى: إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِعِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَبْلَ مَوْتِ ذَلِكَ الكِتابِيِّ؛ عِنْدَ الغَرْغَرَةِ؛ حِينَ لا يَنْفَعُهُ الإيمانُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيادَةً في حَسْرَتِهِ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: وتَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ أُبَيٍّ:“لَيُؤْمِنُنَّ قَبْلَ مَوْتِهِمْ"؛ بِضَمِّ النُّونِ.

ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) عَنْ حالِهِمْ مَعَهُ في هَذِهِ الدّارِ؛ أتْبَعَهُ فِعْلَهُ بِهِمْ في تِلْكَ؛ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَقْطَعُ ذِكْرُهُ القُلُوبَ؛ ويَحْمِلُ التَّفَكُّرُ فِيهِ عَلى كُلِّ خَيْرٍ؛ ويَقْطَعُ عَنْ كُلِّ شَرٍّ؛ ﴿يَكُونُ﴾؛ وآذَنَ بِشَقائِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾؛ أيْ: بِما عَمِلُوا؛

4:160Page 103

فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا ١٦٠

For wrongdoing on the part of the Jews, We made unlawful for them [certain] good foods which had been lawful to them, and for their averting from the way of Allāh many [people],

ولَمّا آذَنَ حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ في الشَّهادَةِ بِأنَّهُ لا خَيْرَ لَهم في واحِدَةٍ مِنَ الدّارَيْنِ؛ وبِأنَّ التَّقْدِيرَ: ”فَبِظُلْمِهِمْ“؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ - دَلالَةً عَلى أنَّ التَّوْراةَ نَزَلَتْ مُنَجَّمَةً -: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾؛ أيْ: عَظِيمٍ جِدًّا؛ راسِخٍ؛ ثابِتٍ؛ وهو جامِعٌ لِتَفْصِيلِ نَقْضِ المِيثاقِ؛ وما عُطِفَ (p-٥٠٠)عَلَيْهِ مِمّا اسْتَحَلُّوهُ بَعْدَ أنْ حَرَّمَتْهُ التَّوْراةُ؛ وقالَ - مُشِيرًا إلى زِيادَةِ تَبْكِيتِهِمْ -: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾؛ أيْ: تَلَبَّسُوا بِاليَهُودِيَّةِ في الماضِي؛ ادِّعاءً أنَّهم مِن أهْلِ التَّوْراةِ؛ والرُّجُوعِ إلى الحَقِّ؛ ولَمْ يُضْمِرْ؛ تَعْيِينًا لَهُمْ؛ زِيادَةً في تَقْرِيعِهِمْ؛ ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ﴾؛ أيْ: كانَ وقَعَ إحْلالُها في التَّوْراةِ؛ ﴿لَهُمْ﴾؛ كالشُّحُومِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ (تَعالى) في الأنْعامِ.

ولَمّا ذَكَرَ ظُلْمَهم ذَكَرَ مَجامِعَ مِن جُزْئِيّاتِهِ؛ وبَدَأها بِإعْراضِهِمْ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ؛ فَقالَ - مُعِيدًا لِلْعامِلِ؛ تَأْكِيدًا لَهُ -: ﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أوْضَحَ مِنهُ؛ ولا أسْهَلَ؛ ولا أعْظَمَ؛ لِكَوْنِ الَّذِي نَهَجَهُ لَهُ مِنَ العَظْمَةِ؛ والحِكْمَةِ؛ ما لا يُدْرَكُ؛ و”صَدَّ“؛ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قاصِرًا؛ فَيَكُونَ ﴿كَثِيرًا﴾؛ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ وأنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا؛ فَيَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ؛ أيْ: وصَدِّهِمْ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ؛ بِالإضْلالِ عَنِ الطَّرِيقِ؛ فَمُنِعُوا مُسْتَلَذّاتِ تِلْكَ المَآكِلِ؛ بِما مَنَعُوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم مِن لَذاذَةِ الإيمانِ.

4:161Page 103

وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦١

And [for] their taking of usury while they had been forbidden from it, and their consuming of the people's wealth unjustly. And We have prepared for the disbelievers among them a painful punishment.

ولَمّا ذَكَرَ امْتِناعَهُمْ؛ ومَنعَهم مِنَ المَحاسِنِ الَّتِي لا أطْيَبَ مِنها؛ ولا أشْرَفَ؛ أتْبَعَهُ إقْدامَهم عَلى قَبائِحَ دَنِيَّةٍ؛ فِيها ظُلْمُهم لِلْخَلْقِ؛ فَقالَ: ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا﴾؛ أيْ: وهو قَبِيحٌ في نَفْسِهِ؛ مُزْرٍ بِصاحِبِهِ؛ ﴿وقَدْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهم قَدْ؛ ﴿نُهُوا عَنْهُ﴾؛ فَضَمُّوا إلى مُخالَفَةِ الطَّبْعِ السَّلِيمِ؛ الِاجْتِراءَ عَلى انْتِهاكِ حُرْمَةِ اللَّهِ العَظِيمِ. (p-٥٠١)ولَمّا ذَكَرَ الرِّبا؛ أتْبَعَهُ ما هو أعَمُّ مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾؛ أيْ: سَواءٌ كانَتْ رِبًا؛ أوْ رَشْوَةً؛ أوْ غَيْرَهُما؛ ولَمّا ذَكَرَ بَعْضَ ما عَذَّبَهم بِهِ في الدُّنْيا؛ أتْبَعَهُ جَزاءَهم في الآخِرَةِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ”حَرَّمْنا“ -: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ صارَ الكُفْرُ لَهم صِفَةً راسِخَةً؛ فَماتُوا عَلَيْهِ؛ ولَمّا عَلِمَ أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ؛ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ؛ قالَ: ﴿مِنهُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ؛ قالَ: ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما آلَمُوا النّاسَ؛ بِأكْلِ أمْوالِهِمْ؛ وتَغْطِيَتِهِمْ عَلى حُقُوقِهِمْ مِنَ الفَضائِلِ؛ والفَواضِلِ.

ذُكِرَ تَحْرِيمُ المالِ بِالرِّبا؛ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الباطِلِ؛ بِنَصِّ التَّوْراةِ؛ قالَ في السِّفْرِ الثّانِي - بَعْدَ ما قَدَّمْتُهُ في ”البَقَرَةِ“؛ مِنَ الأمْرِ بِالإحْسانِ إلى النّاسِ؛ والنَّهْيِ عَنْ أذاهم -: (وإنْ أسْلَفْتَ ورَقَكَ لِلْمِسْكِينِ الَّذِي مَعَكَ مِن شَعْبِي؛ فَلا تَكُونَنَّ لَهُ كالغَرِيمِ؛ ولا تَأْخُذَنَّ مِنهُ رِبًا)؛ وقالَ في الثّالِثِ: (وإنِ افْتَقَرَ أخُوكَ واسْتَعانَ بِكَ فَلا تَتْرُكْهُ بِمَنزِلَةِ الغَرِيبِ السّاكِنِ مَعَكَ؛ بَلْ وسِّعْ عَلَيْهِ؛ وإيّاكَ أنْ تَأْخُذَ مِنهُ رِبًا أوْ عَيِّنَةً؛ لا تُقْرِضْهُ بِالعَيِّنَةِ)؛ وقالَ في الخامِسِ: (ولا تُطْعِمُوا بَيْتَ اللَّهِ رَبِّكم أجْرَ زانِيَةٍ؛ ولا ثَمَنَ كَلْبٍ؛ ولا تَأْخُذُوا مِن إخْوَتِكم رِبًا؛ في فِضَّةٍ؛ ولا في طَعامٍ؛ ولا في شَيْءٍ مِمّا تُعانُونَهُ؛ (p-٥٠٢)وأمّا الغَرِيبُ فَخُذُوا مِنهُ إنْ أحْبَبْتُمْ).

فَقَدْ ثَبَتَ مِن تَوْراتِهِمُ النَّهْيُ عَنِ الرِّبا؛ وأمّا تَخْصِيصُهُ بِالغَرِيبِ فَتَبْدِيلٌ مِنهم بِلا رَيْبٍ؛ بِدَلِيلِ ما قَدَّمْتُهُ عَنْها في ”البَقَرَةِ“؛ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [البقرة: ٦٢]؛ مِنَ النَّهْيِ عَنْ غَدْرِ العَدُوِّ؛ وعِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣]؛ مِنَ الإحْسانِ إلى عامَّةِ النّاسِ؛ لا سِيَّما الغَرِيبَ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.

4:162Page 103

لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَۚ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا ١٦٢

But those firm in knowledge among them and the believers believe in what has been revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you. And the establishers of prayer [especially] and the givers of zakāh and the believers in Allāh and the Last Day - those We will give a great reward.

ولَمّا بَيَّنَ (تَعالى) ما لِلْمَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمُ؛ الغَرِيقِينَ في الكُفْرِ مِنَ العِقابِ؛ بَيَّنَ ما لِنَيِّرِي البَصائِرِ بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ؛ والإيمانِ مِنَ الثَّوابِ فَقالَ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هُيِّئَتْ قُلُوبُهم في أصْلِ الخِلْقَةِ لِقَبُولِ العِلْمِ؛ فَأُبْعِدَ عَنْها الطَّبْعُ؛ وجِلَتْ بِالحِكْمَةِ؛ ورَسَخَتْ بِالرَّحْمَةِ؛ فامْتَلَأتْ مِن نُورِ العِلْمِ؛ وتَمَكَّنَتْ بِأُنْسِ الإيمانِ.

ولَمّا ذَكَرَ نَعْتَ العِلْمِ المُفِيدِ لِجَمِيعِ الفَضائِلِ؛ أتْبَعَهُ ما نَشَأ عَنْهُ؛ فَقالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هُيِّئُوا لِلْإيمانِ؛ ودَخَلُوا فِيهِ؛ فَصارَ لَهم خُلُقًا لازِمًا؛ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ؛ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ الإيمانَ في كُلِّ لَحْظَةٍ؛ ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾؛ لِأنَّهم أعْرَفُ النّاسِ بِأنَّهُ حَقٌّ؛ ﴿وما أُنْزِلَ مِن (p-٥٠٣)قَبْلِكَ﴾؛ أيْ: عَلى مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وبِسَبَبِ إيمانِهِمُ الخالِصِ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ثُمَّ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ.

ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ أعْظَمَ دَعائِمِ الدِّينِ؛ ولِذَلِكَ كانَتْ ناهِيَةً عَنِ الفَحْشاءِ؛ والمُنْكَرِ؛ نُصِبَتْ عَلى المَدْحِ مِن بَيْنِ هَذِهِ المَرْفُوعاتِ؛ إظْهارًا لِفَضْلِها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: بِفِعْلِها بِجَمِيعِ حُدُودِها؛ ويَجُوزُ - عَلى بُعْدٍ - أنْ يَكُونَ المُقْتَضِي لِنَصْبِها جَعْلَ ”لَكِنْ“؛ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها بِمَعْنى ”إلّا“؛ وتَضْمِينَها لَفْظَها؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّآخِي؛ فَيَكُونَ المَعْنى أنَّهم مُسْتَثْنَوْنَ مِمَّنْ أُعِدَّ لَهُمُ العَذابُ الألِيمُ؛ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - وهو الفاعِلُ المُخْتارُ - سَبَقَ عِلْمُهُ بِأنَّ مُقِيمَ الصَّلاةِ بِجَمِيعِ حُدُودِها لا يَمُوتُ كَما يَمُوتُ كافِرٌ؛ بَلْ تَنالُهُ بَرَكَتُها؛ فَيَسْلَمُ؛ وهَذا أعْظَمُ مَدْحٍ لَها؛ والحاصِلُ أنَّ ”لَكِنْ“؛ اْسْتُعِيرَتْ لِمَعْنى ”إلّا“؛ بِجامِعِ أنَّ ما بَعْدَ كُلٍّ مِنهُما مُخالِفٌ في الحُكْمِ لِما قَبْلَهُ؛ كَما اسْتُعِيرَتْ ”إلّا“؛ لِمَعْنى ”لَكِنْ“؛ في الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.

ولَمّا كانَ الرُّجُوعُ بِما بَعْدَها إلى الأُسْلُوبِ الماضِي أبْيَنَ في مَدْحِها؛ قالَ: ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾؛ ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم جَمَعُوا إلى صِلَةِ الخالِقِ (p-٥٠٤)الإحْسانَ إلى الخَلائِقِ؛ ذَكَرَ الإيمانَ؛ بانِيًا عَلى عَظَمَتِهِ؛ مُفَصِّلًا لَهُ بَعْضَ التَّفْصِيلِ؛ ومُشِيرًا إلى أنَّ نَفْعَهُ؛ كَما يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ فاتِحًا؛ يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ خاتِمًا؛ فَقالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: مُسْتَحْضِرِينَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ وضَمَّ إلَيْهِ الحامِلَ عَلى كُلِّ خَيْرٍ؛ والمُقْعِدَ عَنْ كُلِّ شَرٍّ؛ تَرْغِيبًا؛ وتَرْهِيبًا؛ فَقالَ: ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ فَصارَ الإيمانُ مَذْكُورًا خَمْسَ مَرّاتٍ؛ فَإنَّ هَذِهِ الأوْصافَ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ؛ عُطِفَتْ بِالواوِ؛ تَفْخِيمًا لَها؛ وإشارَةً إلى أنَّ وصْفَ الرُّسُوخِ في العِلْمِ مُقْتَضٍ لِأنَّهم في الذِّرْوَةِ مِن كُلِّ وصْفٍ مِنها؛ والِاتِّصافُ بِكُلٍّ مِنها يَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِيَوْمِ الدِّينِ؛ فَإنَّهُ لا يُمْدَحُ أحَدٌ اتَّصَفَ بِشَيْءٍ مِنها عَرِيًّا عَنِ الإيمانِ بِهِ؛ لا جَرَمَ نَبَّهَ عَلى فَخامَةِ أمْرِهِمْ؛ وعُلُوِّ شَأْنِهِمْ؛ بِأداةِ البُعْدِ؛ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ والهِمَمِ؛ ولِكَوْنِ السِّياقِ في الرّاسِخِينَ؛ العامِلِينَ؛ أنْهى في التَّأْكِيدِ بِالسِّينِ؛ لِأنَّ المَكْرَ هُنا أقَلُّ مِنهُ في الأُولى؛ ولَمْ يُعَرِّفِ الأجْرَ؛ ووَصَفَهُ بِالعِظَمِ؛ فَقالَ: ﴿سَنُؤْتِيهِمْ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا الباهِرَةِ؛ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾

4:163Page 104

۞ إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ١٦٣

Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], as We revealed to Noah and the prophets after him. And We revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, the Descendants,1 Jesus, Job, Jonah, Aaron, and Solomon; and to David We gave the book [of Psalms].

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأوْصافُ مُنْطَبِقَةً عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وكانَ مِن أحْوالِهِمُ الوَحْيُ؛ قالَ (تَعالى) - إبْطالًا لِشُبْهَتِهِمُ القائِلَةِ: (p-٥٠٥)”لَوْ كانَ نَبِيًّا أتى بِكِتابِهِ جُمْلَةً مِنَ السَّماءِ؛ كَما أتى مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالتَّوْراةِ كَذَلِكَ“؛ بِإقْرارِهِمْ بِنُبُوَّةِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَعَ كَوْنِهِمْ لَيْسَ لَهم تِلْكَ الصِّفَةُ؛ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قادِحًا في نُبُوَّةِ أحَدٍ مِنهُمْ؛ ولا رِسالَتِهِ -: ﴿إنّا﴾؛ ويَصِحُّ أنَّ يَكُونَ هَذا تَعْلِيلًا لِـ ”يُؤْمِنُونَ“؛ أيْ: إنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ لِأنّا ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما﴾؛ أيْ: مِثْلَما ﴿أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾؛ وقَدْ آمَنُوا بِما بِهِ لِما أتى بِهِ مِنَ المُعْجِزِ المُوجِبِ لِلْإيمانِ؛ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى مُعْجِزٍ آخَرَ؛ ولا غَيْرِهِ؛ لِأنَّ إثْباتَ المَدْلُولِ إنَّما يَتَوَقَّفُ عَلى ثُبُوتِ الدَّلِيلِ؛ فَإذا تَمَّ الدَّلِيلُ كانَتِ المُطالَبَةُ بِدَلِيلٍ آخَرَ طَلَبًا لِلزِّيادَةِ وإظْهارًا لِلتَّعَنُّتِ واللَّجاجِ - واللَّهِ - سُبْحانَهُ - يَفْعَلُ ما يَشاءُ؛ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ.

ولَمّا كانَ مَقامُ الإيحاءِ - وهو الأنْبِياءُ - مِن قِبَلِ اللَّهِ (تَعالى)؛ قالَ: ﴿والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾؛ أيْ: فَهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ؛ بِما لَهم مِنَ الرُّسُوخِ في العِلْمِ؛ وطَهارَةِ الأوْصافِ؛ ولا يَشُكُّونَ في أنَّ الكُلَّ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ؛ مَعَ أنَّ هَذا الكِتابَ أبْلَغُ؛ والتَّعْبِيرُ فِيهِ عَنِ المَقاصِدِ أجْلى؛ وأجْمَعُ؛ فَهم إلَيْهِ أمْيَلُ؛ ولَهُ أقْبَلُ؛ وأمّا المَطْبُوعُ عَلى قُلُوبِهِمُ؛ المَمْنُوعُونَ مِن رُسُوخِ العِلْمِ فِيها بِكَثافَةِ الحِجابِ؛ حَتّى إنَّها لا تَنْظُرُ إلى أسْرارِهِ إلّا مِن وراءِ غِشاءٍ؛ فَهم غَيْرُ قابِلِينَ لِنُورِ العِلْمِ؛ المُتَهَيِّئِ لِلْإيمانِ؛ فَأسْرَعُوا إلى الكُفْرِ؛ وبادَرُوا بِالذُّلِّ والصَّغارِ؛ وفي الآخِرَةِ بِالسُّخْطِ؛ والنّارِ. (p-٥٠٦)ولَمّا أجْمَلَ (تَعالى) ذِكْرَ النَّبِيِّينَ فَصَّلَ؛ فَقالَ - مُنَبِّهًا عَلى شَرَفِ مَن ذَكَرَهُمْ؛ وشُهْرَتِهِمْ -: ﴿وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: أبِيكُمْ؛ وأبِيهِمْ كَذَلِكَ؛ ﴿وإسْماعِيلَ﴾؛ أيْ: ابْنِهِ الأكْبَرِ؛ الَّذِي هو أبُوكم دُونَهُمْ؛ ﴿وإسْحاقَ﴾؛ وهو ابْنُهُ الثّانِي؛ وأبُوهُمْ؛ ﴿ويَعْقُوبَ﴾؛ أيْ: ابْنِ إسْحاقَ؛ ﴿والأسْباطِ﴾؛ أيْ: أوْلادِ يَعْقُوبَ.

ولَمّا أجْمَلَ بِذِكْرِ الأسْباطِ بَعْدَ تَفْصِيلِ مَن قَبْلَهُمْ؛ فَصَّلَ مَن بَعْدَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿وعِيسى﴾؛ أيْ: الَّذِي هو آخِرُهُمْ؛ مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ؛ ﴿وأيُّوبَ﴾؛ وهو مِن ذُرِّيَّةِ عِيصُو بْنِ إسْحاقَ؛ عَلى ما ذَكَرُوا؛ ﴿ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ﴾؛ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّعْظِيمِ بِالوَحْيِ؛ وكانَ داوُدُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن أهْلِ الكِتابِ قالَ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾؛ أيْ: وهم يَدَّعُونَ الإيمانَ بِهِ؛ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ جُمْلَةً؛ ولا مَكْتُوبًا مِنَ السَّماءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском