Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:14–23
4:14Page 79
وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٤
And whoever disobeys Allāh and His Messenger and transgresses His limits - He will put him into the Fire to abide eternally therein, and he will have a humiliating punishment.
ولَمّا أُشْرِبَتِ القُلُوبُ الصّافِيَةُ؛ ذَواتُ الهِمَمِ العالِيَةِ؛ حُبَّ نَيْلِ هَذا الفَوْزِ أتْبَعَهُ التَّرْهِيبَ؛ فَطْمًا لَها عَنْ تِلْكَ الفَوائِدِ بِالكُلِّيَّةِ؛ فَقالَ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ ﴿ورَسُولَهُ﴾؛ أيْ: في ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾؛ أيْ: الَّتِي حَدَّها في هَذِهِ الأحْكامِ؛ وغَيْرِها؛ وأفْرَدَ العاصِي في النِّيرانِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾؛ لِأنَّ الِانْفِرادَ المُقْتَضِيَ لِلْوَحْشَةِ مِنَ العَذابِ والهَوانِ؛ ولَمّا كانَ مَنعُهم لِلنِّساءِ؛ والأطْفالِ؛ مِنَ الإرْثِ اسْتِهانَةً بِهِمْ؛ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾
4:15Page 80
وَٱلَّٰتِي يَأۡتِينَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمۡ فَٱسۡتَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِنَّ أَرۡبَعَةٗ مِّنكُمۡۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِي ٱلۡبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ أَوۡ يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلٗا ١٥
Those who commit immorality [i.e., unlawful sexual intercourse] of your women - bring against them four [witnesses] from among you. And if they testify,1 confine them [i.e., the guilty women] to houses until death takes them or Allāh ordains for them [another] way.2
ولَمّا تَقَدَّمَ - سُبْحانَهُ - في الإيصاءِ بِالنِّساءِ؛ وكانَ الإحْسانُ في الدُّنْيا تارَةً يَكُونُ بِالثَّوابِ؛ وتارَةً يَكُونُ بِالزَّجْرِ والعِتابِ؛ لِأنَّ مَدارَ الشَّرائِعِ عَلى العَدْلِ والإنْصافِ؛ والِاحْتِرازِ في كُلِّ بابٍ عَنْ طَرَفَيِ الإفْراطِ (p-٢١٦)والتَّفْرِيطِ؛ وخَتَمَ - سُبْحانَهُ - بِإهانَةِ العاصِي؛ إحْسانًا إلَيْهِ؛ بِكَفِّهِ عَنِ الفَسادِ؛ لِئَلّا يُلْقِيَهُ ذَلِكَ إلى الهَلاكِ أبَدَ الآبادِ؛ وكانَ مِن أفْحَشِ العِصْيانِ الزِّنا؛ وكانَ الفَسادُ في النِّساءِ أكْثَرَ؛ والفِتْنَةُ بِهِنَّ أكْبَرَ؛ والضَّرَرُ مِنهُنَّ أخْطَرَ؛ وقَدْ يُدْخِلْنَ عَلى الرِّجالِ مَن يَرِثُ مِنهم مِن غَيْرِ أوْلادِهِمْ؛ قَدَّمَهُنَّ فِيهِ؛ اهْتِمامًا بِزَجْرِهِنَّ؛ فَقالَ: ﴿واللاتِي﴾؛ وهو جَمْعُ ”الَّتِي“؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ فِيهِنَّ بِالجَمْعِ إشارَةً إلى كَثْرَتِهِنَّ - كَما أشارَ إلى ذَلِكَ: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ [النساء: ٣]؛ وإلى كَثْرَةِ الفَسادِ مِنهُنَّ؛ ﴿يَأْتِينَ﴾؛ أيْ: يَفْعَلْنَ - مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ؛ والتَّعْبِيرُ بِهِ أبْلَغُ - ﴿الفاحِشَةَ﴾؛ أيْ: الفِعْلَةَ الشَّدِيدَةَ الشَّناعَةِ؛ وفي الآيَةِ - لِأنَّ مِن أعْظَمِ المُراداتِ بِنَظْمِها؛ عَقِبَ آياتِ الإرْثِ؛ وما تَقَدَّمَها؛ الِاحْتِياطَ لِلنَّسَبِ - إشارَةٌ - بِذِكْرِ عُقُوبَةِ الزّانِيَةِ؛ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإرْثِ الوَلَدِ الآتِي مِنها - إلى أنَّ الوَلَدَ لِلْفِراشِ؛ وأنَّهُ لا يُنْفى بِالمَظِنَّةِ؛ بَلْ بَعْدَ التَّحَقُّقِ؛ عَلى ما في سُورَةِ ”النُّورِ“؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن وُجُودِ الزِّنا نَفْيُهُ؛ وكَوْنُهُ مِنَ الزِّنا؛ قالَ أبُو حَيّانَ؛ في ”النَّهْرُ“: ”والفاحِشَةُ هُنا الزِّنا؛ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ؛ إلّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ مُجاهِدٌ؛ وتَبِعَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ؛ مِن أنَّها المُساحَقَةُ؛ ومِنَ الرِّجالِ اللِّواطُ“؛ ثُمَّ بَيَّنَ المَوْصُولَ؛ بِقَوْلِهِ: (p-٢١٧)﴿مِن نِسائِكُمْ﴾؛ أيْ: الحَرائِرِ؛ ﴿فاسْتَشْهِدُوا﴾؛ أيْ: فاطْلُبُوا أنْ تُشْهِدُوا؛ ﴿عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً﴾؛ مِنَ الرِّجالِ.
ولَمّا كانَ (تَعالى) قَدْ جَعَلَ هَذِهِ الأُمَّةَ وسَطًا؛ يُقْبِلُونَ عَلى غَيْرِهِمْ؛ ولا يُقْبِلُ غَيْرُهم عَلَيْهِمْ؛ قالَ: ﴿مِنكُمْ﴾؛ أيْ: مِن عُدُولِ المُسْلِمِينَ؛ بِأنَّهُنَّ فَعَلْنَها؛ ﴿فَإنْ شَهِدُوا﴾؛ أيْ: بِذَلِكَ؛ ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ﴾؛ أيْ: فاحْبِسُوهُنَّ؛ ﴿فِي البُيُوتِ﴾؛ أيْ: وامْنَعُوهُنَّ مِنَ الخُرُوجِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ أصْوَنُ لَهُنَّ؛ ولْيَسْتَمِرَّ هَذا المَنعُ؛ ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ﴾؛ أيْ: يَأْتِيَهُنَّ وهُنَّ وافِياتِ الأعْراضِ؛ ﴿أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾؛ المُحِيطُ عِلْمُهُ وحِكْمَتُهُ؛ ﴿لَهُنَّ سَبِيلا﴾؛ أيْ: لِلْخُرُوجِ قَبْلَ المَوْتِ؛ بِتَبَيُّنِ الحَدِّ؛ أوْ بِالنِّكاحِ؛ وإنْ لَمْ يَشْهَدِ الأرْبَعَةُ لَمْ يُفْعَلْ بِهِنَّ ذَلِكَ؛ وإنْ تَحَقَّقَ الفِعْلُ.
4:16Page 80
وَٱلَّذَانِ يَأۡتِيَٰنِهَا مِنكُمۡ فَـَٔاذُوهُمَاۖ فَإِن تَابَا وَأَصۡلَحَا فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابٗا رَّحِيمًا ١٦
And the two1 who commit it [i.e., unlawful sexual intercourse] among you - punish [i.e., dishonor] them both. But if they repent and correct themselves, leave them alone. Indeed, Allāh is ever Accepting of Repentance and Merciful.
ولَمّا ذَكَرَ أمْرَ النِّساءِ؛ أتْبَعَهُ حُكْمَ الرِّجالِ؛ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ النِّساءَ أيْضًا؛ فَقالَ: ﴿واللَّذانِ﴾؛ وهو تَثْنِيَةُ ”الَّذِي“؛ وشَدَّدَ نُونَهُ ابْنُ كَثِيرٍ؛ تَقْوِيَةً لَهُ؛ لِيَقْرُبَ مِنَ الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ؛ ﴿يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾؛ أيْ: مِن بِكْرٍ؛ أوْ ثَيِّبٍ؛ أوْ رَجُلٍ؛ أوِ امْرَأةٍ؛ ويَثْبُتُ ذَلِكَ بِشَهادَةِ الأرْبَعَةِ - كَما تَقَدَّمَ؛ ﴿فَآذُوهُما﴾؛ وقَدْ بَيَّنَ مُجْمَلَ الأذى الصّادِقِ بِاللِّسانِ؛ وغَيْرِهِ؛ آيَةُ الجَلْدِ؛ وسُنَّةُ الرَّجْمِ؛ ﴿فَإنْ تابا﴾؛ أيْ: بِالنَّدَمِ؛ والإقْلاعِ؛ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ؛ ﴿وأصْلَحا﴾ (p-٢١٨)؛ أيْ: بِالِاسْتِمْرارِ عَلى ما عَزَما عَلَيْهِ؛ ومَضَتْ مُدَّةٌ عُلِمَ فِيها الصِّدْقُ في ذَلِكَ؛ ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾؛ أيْ: عَنْ أذاهُما؛ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ الأذى بِاللِّسانِ يَسْتَمِرُّ حَتّى يَحْصُلَ الِاسْتِبْراءُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿كانَ تَوّابًا﴾؛ أيْ: رَجّاعًا بِمَن رَجَعَ عَنْ عِصْيانِهِ إلى ما كانَ فِيهِ مِنَ المَنزِلَةِ؛ ﴿رَحِيمًا﴾؛ أيْ: يَخُصُّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِالتَّوْفِيقِ لِما يَرْضاهُ لَهُ؛ فَتَخَلَّقُوا بِفِعْلِهِ - سُبْحانَهُ - وارْحَمُوا المُذْنِبِينَ إذا تابُوا؛ ولا يَكُنْ أذاكم لَهم إلّا لِلَّهِ؛ لِيَرْجِعُوا؛ ولْيَكُنْ أكْثَرُ كَلامِكم لَهُمُ الوَعْظَ بِما يُقْبِلُ بِقُلُوبِهِمْ إلى ما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ؛ ويُؤَيِّدُ أنَّ المُرادَ بِهَذا البِكْرُ والثَّيِّبُ؛ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ؛ تَفْسِيرُ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ؛ فِيما رَواهُ مُسْلِمٌ؛ والأرْبَعَةُ؛ والدّارِمِيُّ؛ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «”قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ؛ وتَغْرِيبُ عامٍ؛ والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ؛ والرَّجْمُ“؛» فالحَدِيثُ مُبَيِّنٌ لِما أُجْمِلَ في الآيَةِ؛ مِن ذِكْرِ السَّبِيلِ.
4:17Page 80
إِنَّمَا ٱلتَّوۡبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٖ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١٧
The repentance accepted by Allāh is only for those who do wrong in ignorance [or carelessness] and then repent soon [after].1 It is those to whom Allāh will turn in forgiveness, and Allāh is ever Knowing and Wise.
ولَمّا خَتَمَ ذَلِكَ بِذِكْرِ تَوْبَةِ الزُّناةِ؛ وكانَ الحامِلُ عَلى الزِّنا - عَلى ما يَقْتَضِيهِ الطَّبْعُ البَشَرِيُّ - شِدَّةَ الشَّبَقِ؛ وقِلَّةَ النَّظَرِ في العَواقِبِ؛ وكانَ (p-٢١٩)ذَلِكَ إنَّما هو في الشَّبابِ؛ وصَلَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ (تَعالى) - مُعَرِّفًا بِوَقْتِ التَّوْبَةِ؛ وشَرْطِها؛ مُرَغِّبًا في تَعْجِيلِها؛ مُرَهِّبًا مِن تَأْخِيرِها -: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ﴾؛ وهي رُجُوعُ العَبْدِ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ اعْتِذارًا إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ والمُرادُ هُنا قَبُولُها؛ سَمّاهُ بِاسْمِها لِأنَّها بِدُونِ القَبُولِ لا نَفْعَ لَها؛ فَكَأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَها.
ولَمّا شَبَّهَ قَبُولَهُ لَها بِالواجِبِ مِن حَيْثُ إنَّهُ بِها؛ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ؛ عَبَّرَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ المُؤْذِنِ بِالوُجُوبِ؛ حَثًّا عَلَيْها؛ وتَرْغِيبًا فِيها؛ فَقالَ: ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الجامِعِ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ﴾؛ أيَّ سُوءٍ كانَ؛ مِن فِسْقٍ أوْ كُفْرٍ؛ وقالَ: ﴿بِجَهالَةٍ﴾؛ إشارَةً إلى شِدَّةِ قُبْحِ العِصْيانِ؛ لا سِيَّما الزِّنا؛ مِنَ المَشايِخِ؛ لِإشْعارِ السِّياقِ تَرْهِيبًا بِأنَّ الأمْرَ فِيهِمْ لَيْسَ كَذَلِكَ - كَما صَرَّحَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِيما رَواهُ البَزّارُ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ؛ عَنْ سَلْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «”ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: الشَّيْخُ الزّانِي؛ والإمامُ الكَذّابُ؛ والعائِلُ المَزْهُوُّ“؛» وهو في مُسْلِمٍ؛ وغَيْرِهِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «”ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ؛ ولا يُزَكِّيهِمْ؛ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ: شَيْخٌ زانٍ؛ ومَلِكٌ كَذّابٌ؛ وعائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ“؛» وهو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ؛ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ حُضُورَ المَوْتِ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ؛ مِنَ الفِعْلِ؛ (p-٢٢٠)وإضْعافِ القُوى المُوهِنَةِ لِداعِيَةِ الشَّهْوَةِ؛ قَرِيبٌ مِن حُضُورِهِ بِالفِعْلِ؛ وذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُذْهِبًا لِداعِيَةِ الجَهْلِ؛ ماحِقًا لِعِرامَةِ الشَّبابِ؛ سَواءٌ قُلْنا: إنَّ المُرادَ بِالجَهالَةِ ضِدُّ الحِلْمِ؛ أوْ ضِدُّ العِلْمِ؛ قالَ الإمامُ عَبْدُ الحَقِّ؛ في كِتابِهِ ”الواعِي“: قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي القَزّازَ -: والجاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ: اسْمٌ وقَعَ عَلى أهْلِ الشِّرْكِ؛ يَكُونُ مَأْخُوذًا مِنَ الجَهْلِ؛ الَّذِي هو ضِدُّ العِلْمِ؛ والَّذِي هو ضِدُّ الحِلْمِ؛ قالَ: وأصْلُ الجَهْلِ مِن قَوْلِهِمْ: ”اسْتَجْهَلَتِ الرِّيحُ الغُصْنَ“؛ إذا حَرَّكَتْهُ؛ فَكَأنَّ الجَهْلَ إنَّما هو حَرَكَةٌ تَخْرُجُ عَنِ الحَقِّ؛ والعِلْمِ؛ انْتَهى؛ فالمَعْنى حِينَئِذٍ: يَعْمَلُونَ السُّوءَ مُلْتَبِسِينَ بِسَفَهٍ؛ أوْ بِحَرَكَةٍ؛ وخِفَّةٍ أخْرَجَتْهم عَنِ الحَقِّ والعِلْمِ؛ فَكانُوا كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ بِعَمَلِهِمْ عَمَلَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ؛ وزادَ في التَّنْفِيرِ مِن مُواقَعَةِ السُّوءِ؛ والتَّحْذِيرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ التَّوْبَةَ.
ولَمّا كانَ المُرادُ التَّرْغِيبَ فِيها؛ ولَوْ قَصُرَ زَمَنُها بِمُعاوَدَةِ الذَّنْبِ؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن﴾؛ أيْ: مِن بَعْضِ زَمانٍ؛ ﴿قَرِيبٍ﴾؛ أيْ: مِن زَمَنِ المَعْصِيَةِ؛ وهم في فُسْحَةٍ مِنَ الأجَلِ؛ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ (p-٢٢١)عَدَمِ الإصْرارِ إلى المَوْتِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِـ ”ثُمَّ“؛ إشارَةً إلى بُعْدِ التَّوْبَةِ؛ ولا سِيَّما مَعَ القُرْبِ مِمَّنْ واقَعَ المَعْصِيَةَ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ الإنْسانَ إذا ارْتَبَكَ في حَبائِلِها لا يَخْلُصُ إلّا بَعْدَ عُسْرٍ؛ ولِذَلِكَ أشارَ إلى تَعْظِيمِهِمْ بِأداةِ البُعْدِ في قَوْلِهِ - مُسَبِّبًا عَنْ تَوْبَتِهِمْ؛ واعِدًا أنَّهُ فاعِلٌ ما أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ لا مَحالَةَ؛ مِن غَيْرِ خُلْفٍ؛ وإنْ كانَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ -: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العَظِيمُو الرُّتْبَةِ؛ الصّادِقُو الإيمانِ؛ ﴿يَتُوبُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: يَرُدُّهم إلى ما كانُوا فِيهِ عِنْدَهُ مِن مَكانَةِ القُرْبِ قَبْلَ مُواقَعَةِ الذَّنْبِ؛ ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: بِالصّادِقِينَ في التَّوْبَةِ؛ والكاذِبِينَ؛ وبِنِيّاتِهِمْ؛ فَهو يُعامِلُهم بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ حالُهُمْ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ فَهو يَضَعُ الأشْياءَ في أحْكَمِ مَحَلٍّ لَها؛ فَمَهْما فَعَلَهُ لَمْ يُمْكِنْ نَقْضُهُ.
4:18Page 80
وَلَيۡسَتِ ٱلتَّوۡبَةُ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ إِنِّي تُبۡتُ ٱلۡـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمۡ كُفَّارٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٨
But repentance is not [accepted] of those who [continue to] do evil deeds up until, when death comes to one of them, he says, "Indeed, I have repented now," or of those who die while they are disbelievers. For them We have prepared a painful punishment.
ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - المَقْبُولَ؛ أتْبَعَهُ المَطْرُودُ؛ فَقالَ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾؛ أيْ: قَبُولُها؛ ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾؛ أيْ: واحِدَةً بَعْدَ أُخْرى؛ مُصِرِّينَ عَلَيْها؛ فَسَقَةً كانُوا أوْ كَفَرَةً؛ غَيْرَ راجِعِينَ مِن قَرِيبٍ؛ بَلْ يُمْهِلُونَ؛ ﴿حَتّى إذا حَضَرَ﴾؛ ولَمّا كانَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ - عَلى وجْهٍ يُجَوِّزُ كُلَّ سامِعٍ وُقُوعَهُ عَلَيْهِ - أهْوَلَ؛ لِكَوْنِهِ يَصِيرُ مُرْتَقَبًا حالُ فاعِلِهِ؛ خائِفًا مِن عاقِبَتِهِ؛ قالَ: ﴿أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾؛ أيْ: بِأنْ وصَلَ إلى حَدِّ الغَرْغَرَةِ؛ وهي (p-٢٢٢)حالَةُ المُعايَنَةِ؛ ﴿قالَ﴾؛ أيْ: بِلِسانِهِ – كَفِرْعَوْنَ - أوْ قَلْبِهِ؛ ﴿إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾؛ فَبَيَّنَ أنَّ ما قَبْلَ الِاحْتِضارِ قَرِيبٌ مَعَ التَّرْغِيبِ في المُسارَعَةِ جِدًّا؛ بِالتَّعْبِيرِ بِـ ”قَرِيبٍ“؛ ﴿ولا الَّذِينَ﴾؛ أيْ: ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينِ؛ ﴿يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾؛ حَقِيقَةً؛ أوْ مَجازًا؛ مِن غَيْرِ أنْ يَتُوبُوا؛ ولا عِنْدَ الغَرْغَرَةِ؛ فَسَوّى بَيْنَ الفِسْقِ؛ والكُفْرِ؛ تَنْفِيرًا مِنَ الفِسْقِ؛ لِصُعُوبَةِ النَّزْعِ عَنْهُ بَعْدَ مُواقَعَتِهِ؛ ولِذَلِكَ جَمَعَهُما في العَذابِ بِقَوْلِهِ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: فَما جَزاءُ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ؟ -: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ الَّذِينَ لَمْ يَتُوبُوا إلّا حالَ الغَرْغَرَةِ؛ والَّذِينَ ماتُوا مُصِرِّينَ؛ ﴿أعْتَدْنا﴾؛ أيْ: هَيَّأْنا؛ وأحْضَرْنا؛ ﴿لَهم عَذابًا﴾؛ ولَمّا كانَ تَأْخِيرُ التَّوْبَةِ لَذَّةً نَفْسانِيَّةً؛ خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألِيمًا﴾؛ أيْ: نُعَذِّبُ بِهِ الكافِرِينَ؛ ومَن شِئْنا مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ تَوْبَتَهم في تِلْكَ الحالَةِ عَدَمٌ؛ والمَيِّتُ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ في المَشِيئَةِ.
4:19Page 80
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا ١٩
O you who have believed, it is not lawful for you to inherit women by compulsion.1 And do not make difficulties for them in order to take [back] part of what you gave them2 unless they commit a clear immorality [i.e., adultery]. And live with them in kindness. For if you dislike them - perhaps you dislike a thing and Allāh makes therein much good.
ولَمّا انْقَضى ما تَخَلَّلَ ذِكْرَ النِّساءِ الوالِداتِ لِلْوُرّاثِ؛ وخَتَمَهُ بِهَذا التَّهْدِيدِ الهائِلِ لِمَن فَعَلَ ما لا يَحِلُّ لَهُ؛ وصَلَ الكَلامَ فِيهِنَّ بِأمْرٍ مَن فَعَلَهُ فَهو زانٍ؛ مُصِرٌّ عَلى الزِّنا إلى المَوْتِ؛ إنِ اعْتَقَدَ حُرْمَتَهُ؛ أوْ كافِرٌ (p-٢٢٣)إنِ اعْتَقَدَ حِلَّهُ؛ فَقالَ - مُشِيرًا بِتَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ عَقِبَ -: ﴿ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨]؛ إلى أنَّهُ لا يَرِثُ كافِرٌ مِن مُسْلِمٍ؛ وإلّا لَقالَ: ”يا أيُّها النّاسُ“ - مَثَلًا -؛ مُنَفِّرًا مِن ذَلِكَ بِالتَّقْيِيدِ بِما هو لِأدْنى الإيمانِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: فَوَقَفَ بِهِمُ الإيمانُ عِنْدَ زَواجِرِنا؛ ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ﴾؛ أيْ: مالَهُنَّ؛ ﴿كَرْهًا﴾؛ أيْ: كارِهِينَ لَهُنَّ؛ لا حامِلَ لَكم عَلى نِكاحِهِنَّ إلّا رَجاءُ الإرْثِ؛ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَنْكِحُونَ اليَتامى لِمالِهِنَّ؛ ولَيْسَ لَهم فِيهِنَّ رَغْبَةً؛ إلّا تَرَبُّصُ المَوْتِ؛ لِأخْذِ مالِهِنَّ مِيراثًا - كَما سَيَأْتِي في تَفْسِيرِ ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧] -؛ أوْ يَكُونُ الفِعْلُ واقِعًا عَلى نَفْسِ النِّساءِ؛ ويَكُونُ ”كَرْهًا“؛ عَلى هَذا؛ حالًا مُؤَكِّدَةً؛ أيْ: كارِهاتٍ؛ أوْ ذَواتِ كُرْهٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا ماتَ ولَهُ امْرَأةٌ جاءَ ابْنُهُ؛ مِن غَيْرِها؛ أوْ قَرِيبُهُ مِن عَصَبَتِهِ؛ فَيُلْقِي ثَوْبَهُ عَلَيْها؛ فَيَصِيرُ أحَقَّ بِها مِن نَفْسِها؛ ومِن غَيْرِها؛ فَإنْ شاءَ تَزَوُّجَها بِغَيْرِ صَداقٍ إلّا الصَّداقَ الأوَّلَ؛ الَّذِي أصْدَقَها المَيِّتُ؛ وإنْ شاءَ زَوَّجَها غَيْرَهُ؛ وأخَذَ صَداقَها؛ وإنْ شاءَ عَضَلَها؛ ومَنَعَها مِنَ الأزْواجِ؛ يُضارُّها؛ لِتَفْتَدِيَ مِنهُ بِما ورِثَتْ مِنَ المَيِّتِ؛ أوْ تَمُوتَ هي فَيَرِثَها؛ وكانَ أهْلُ المَدِينَةِ عَلى هَذا؛ حَتّى تُوُفِّيَ (p-٢٢٤)أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ؛ فَفَعَلَ ابْنُهُ حِصْنٌ هَذا مَعَ زَوْجَةٍ لَهُ؛ فَشَكَتْ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ؛ ”كانُوا إذا ماتَ الرَّجُلُ كانَ أوْلِياؤُهُ أحَقَّ بِامْرَأتِهِ؛ إنْ شاءَ بَعْضُهم تَزَوُّجَها؛ وإنْ شاؤُوا زَوَّجُوها؛ وإنْ شاؤُوا لَمْ يُزَوِّجُوها؛ وهم أحَقَّ بِها مِن أهْلِها؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ؛ ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾“؛ ولِهَذا أتْبَعَهُ - سُبْحانَهُ - قَوْلَهُ: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾؛ أيْ: تَمْنَعُوهُنَّ مِنَ التَّزَوُّجِ بَعْدَ طَلاقِكم لَهُنَّ؛ أوْ بَعْدَ مَوْتِ أزْواجِهِنَّ؛ أوْ تُشَدِّدُوا عَلَيْهِنَّ بِالمُضارَّةِ؛ وهُنَّ في حَبائِلِكُمْ؛ قالَ البَيْضاوِيُّ: وأصْلُ العَضْلِ: التَّضْيِيقُ؛ يُقالُ: ”عَضَلَتِ الدَّجاجَةُ بَيْضَها“؛ انْتَهى؛ والظّاهِرُ أنَّ مَدارَ مادَّتِهِ إنَّما هو عَلى الِاشْتِدادِ؛ مِن عَضَلَةِ السّاقِ؛ وهي اللُّحْمَةُ الَّتِي في باطِنِهِ؛ ونَقَلَ عَبْدُ الحَقِّ أنَّها كُلُّ لَحْمٍ اجْتَمَعَ؛ قالَ: وقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ لَحْمَةٍ اشْتَمَلَتْ عَلى عَصَبَةٍ؛ انْتَهى؛ وتارَةً يَكُونُ الِاشْتِدادُ ناظِرًا إلى المَنعِ؛ وتارَةً إلى الغَلَبَةِ والضِّيقِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾؛ أيْ: أنْتُمْ؛ إنْ كُنَّ أزْواجًا لَكُمْ؛ أوْ مُوَرِّثُوكم إنْ كُنَّ أزْواجًا لَهُمْ؛ وعَضَلْتُمُوهُنَّ بَعْدَهُمْ؛ لِيَذْهَبَ ذَلِكَ؛ بِسَبَبِ إنْفاقِهِنَّ لَهُ عَلى أنْفُسِهِنَّ في زَمَنِ العَضْلِ؛ (p-٢٢٥)أوْ بِسَبَبِ افْتِدائِهِنَّ لِأنْفُسِهِنَّ بِهِ مِنكُمْ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى مِن تَحْرِيمِ العَضْلِ في جَمِيعِ الحالاتِ؛ فَقالَ: ﴿إلا أنْ﴾؛ أيْ: لا تَفْعَلُوا ذَلِكَ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ؛ إلّا لِعِلَّةِ أنْ ﴿يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ﴾؛ أيْ: فِعْلَةٍ زائِدَةِ القُبْحِ؛ ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾؛ أيْ: بِالشُّهُودِ الأرْبَعَةِ؛ إنْ كانَتْ زِنًا فاعْضُلُوهُنَّ بِالإمْساكِ في البُيُوتِ - كَما مَضى -؛ لِأنَّ مَن تَعَجَّلَ شَيْئًا قَبْلَ أوانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمانِهِ؛ أوْ بِمَن يُقْبَلُ مِنَ الشُّهُودِ؛ إنْ كانَتْ نُشُوزًا؛ وسُوءَ عِشْرَةٍ؛ فَلَكُمُ العَضْلُ حِينَئِذٍ إلى الصَّلاحِ؛ أوْ الِافْتِداءِ؛ بِما تَطِيبُ بِهِ النَّفْسُ؛ والأنْسَبُ لِسِياقِ الأمْرِ فِي: ﴿وعاشِرُوهُنَّ﴾؛ أنْ يَكُونَ ”تَعْضُلُوهُنَّ“؛ مُنْهِيًا؛ لا مَعْطُوفًا عَلى ”أنْ تَرِثُوا“؛ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: مِنَ القَوْلِ؛ والفِعْلِ؛ بِالمَبِيتِ؛ والنَّفَقَةِ والمُوادَّةِ قَبْلَ الإتْيانِ بِالفاحِشَةِ؛ ﴿فَإنْ﴾؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ لا تَكْرَهُونَهُنَّ؛ فالأمْرُ واضِحٌ؛ وإنْ ﴿كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾؛ فَلا تُبادِرُوا إلى المُضاجَرَةِ؛ أوِ المُفارَقَةِ؛ واصْبِرُوا عَلَيْهِنَّ؛ نَظَرًا لِما هو الأصْلَحُ؛ لا لِمُجَرَّدِ المَيْلِ النَّفْسِيِّ؛ فَإنَّ الهَوى شَأْنُهُ ألّا يَدْعُوَ إلى خَيْرٍ؛ ثُمَّ دَلَّ عَلى هَذِهِ العِلَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَسى﴾؛ ولِوُضُوحِ دَلالَتِها عَلى ذَلِكَ صَحَّ جَعْلُها جَوابًا لِلشَّرْطِ؛ ﴿أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾؛ أيْ: مِنَ الأزْواجِ؛ أوْ غَيْرِها؛ لَمْ يُقَيِّدْهُ - سُبْحانَهُ - تَعْمِيمًا؛ تَتْمِيمًا لِلْفائِدَةِ؛ ﴿ويَجْعَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً؛ وغَيَّبَ بِحِكْمَتِهِ عِلْمَكُمُ العَواقِبَ؛ (p-٢٢٦)لِئَلّا تَسْكُنُوا إلى مَأْلُوفٍ؛ أوْ تَنْفِرُوا مِن مَكْرُوهٍ؛ ﴿فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
4:20Page 81
وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٢٠
But if you want to replace one wife with another and you have given one of them a great amount [in gifts], do not take [back] from it anything. Would you take it in injustice and manifest sin?
ولَمّا نَهى عَنِ العَضْلِ تَسَبُّبًا إلى إذْهابِ بَعْضِ ما أُعْطِيَتْهُ المَرْأةُ؛ أتْبَعَهُ التَّصْرِيحَ بِالنَّهْيِ عَنْ أخْذِ شَيْءٍ مِنهُ في غَيْرِ الحالَةِ الَّتِي أذِنَ فِيها في المُضارَةِ؛ فَقالَ: ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: إنْ لَمْ تَعَضُلُوا المَرْأةَ؛ بَلْ ﴿أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ﴾؛ أيْ: تَنْكِحُونَها؛ ﴿مَكانَ زَوْجٍ﴾؛ أيْ: فارَقْتُمُوها؛ أوْ لا؛ ولَمْ يَكُنْ مِن قِبَلِنا ما يُبِيحُ الضِّرارَ.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِـ ”زَوْجٍ“؛ الجِنْسَ؛ جَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ﴾؛ أيْ: إحْدى النِّساءِ اللّاتِي وقَعَ الإذْنُ لَكم في جَمْعِهِنَّ في النِّكاحِ؛ سَواءٌ كانَتْ بَدَلًا؛ أوْ مُسْتَبْدَلًا بِها؛ ﴿قِنْطارًا﴾؛ أيْ: مالًا جَمًّا؛ ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾؛ أيْ: بِالمُضارَّةِ؛ عَنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنها؛ ولا سَبَبٍ مُباحٍ؛ ثُمَّ عَظَّمَ أخْذَهُ بِاسْتِفْهامِ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ؛ فَقالَ: ﴿أتَأْخُذُونَهُ﴾؛ أيْ: عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ؛ ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّ مِن صُوَرِ الغَصْبِ عَلى الِافْتِداءِ حالَ الإتْيانِ بِالفاحِشَةِ شُبَهُ الأخْذِ في هَذِهِ الحالَةِ؛ الَّتِي لا سَبَبَ لَها بِالأخْذِ في تِلْكَ الحالَةِ؛ فَجُعِلَ الأخْذُ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ قائِمًا (p-٢٢٧)مَقامَ القَذْفِ؛ بِما لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾؛ أيْ: كَذَوِي بُهْتانٍ في أخْذِهِ؛ وإثْمٍ مُبِينٍ - لِكَوْنِهِ لا سَبَبَ لَهُ - يُورِثُ شُبْهَةً فِيهِ؛
4:21Page 81
وَكَيۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٢١
And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?
ثُمَّ غَلَّظَ ذَلِكَ بِاسْتِفْهامٍ آخَرَ كَذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿أفْضى﴾؛ أيْ: بِالمُلامَسَةِ؛ ﴿بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾؛ أيْ: فَكِدْتُمْ أنْ تَصِيرُوا جَسَدًا واحِدًا؛ ﴿وأخَذْنَ﴾؛ أيْ: النِّساءُ؛ ﴿مِنكُمْ﴾؛ أيْ: بِالإفْضاءِ؛ والِاتِّحادِ؛ ﴿مِيثاقًا غَلِيظًا﴾؛ قَوِيًّا عَظِيمًا؛ أيْ: بِتَقْوى اللَّهِ في المُعاشَرَةِ بِالإحْسانِ؛ وعَدَمِ الإساءَةِ؛ لِأنَّ مَبْنى النِّكاحِ عَلى ذَلِكَ؛ وإنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ فِيهِ.
4:22Page 81
وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَمَقۡتٗا وَسَآءَ سَبِيلًا ٢٢
And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred.1 Indeed, it was an immorality and hateful [to Allāh] and was evil as a way.
ولَمّا كَرَّرَ ذِكْرَ الإذْنِ في نِكاحِهِنَّ؛ وما تَضَمَّنَهُ مَنطُوقًا مَفْهُومًا؛ وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ الإذْنُ في نِكاحِ ما طابَ مِنَ النِّساءِ؛ وكانَ الطَّيِّبُ شَرْعًا قَدْ يَحْمِلُ عَلى الحِلِّ؛ مَسَّتِ الحاجَةُ إلى ما يَحِلُّ مِنهُنَّ لِذَلِكَ؛ وما يَحْرُمُ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَنْكِحُوا﴾؛ أيْ: تَتَزَوَّجُوا؛ وتُجامِعُوا؛ ﴿ما نَكَحَ﴾؛ أيْ: بِمُجَرَّدِ العَقْدِ في الحُرَّةِ؛ وبِالوَطْءِ في مِلْكِ اليَمِينِ؛ ﴿آباؤُكُمْ﴾ وبَيَّنَ ”ما“؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾؛ أيْ: سَواءٌ كانَتْ إماءً؛ أوْ لا؛ بِنِكاحٍ؛ أوْ مِلْكِ يَمِينٍ؛ وعَبَّرَ بِما دُونَ ”مَن“؛ لِما في النِّساءِ غالِبًا مِنَ السَّفَهِ المُدَنِّي لِما لا يَعْقِلُ.
ولَمّا نَهى عَنْ ذَلِكَ؛ فَنَزَعَتِ النُّفُوسُ عَمّا كانَ قَدْ أُلِفَ بَهاؤُهُ؛ (p-٢٢٨)فَلاحَ أنَّهُ في غايَةِ القَباحَةِ؛ وأنَّ المَيْلَ إلَيْهِ إنَّما هو شَهْوَةٌ بَهِيمِيَّةٌ؛ لا شَيْءَ فِيها مِن عَقْلٍ؛ ولا مُرُوَّةٍ؛ وكانَتْ عادَتُهم في مِثْلِ ذَلِكَ - مَعَ التَّأسُّفِ عَلى ارْتِكابِهِ - السُّؤالَ عَمّا مَضى مِنهُ - كَما وقَعَ في اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ وشُرْبِ الخَمْرِ -؛ أتْبَعَهُ الِاسْتِثْناءَ مِن لازِمِ الحُكْمِ؛ وهُوَ: ”فَإنَّهُ مُوجِبٌ لِمَقْتِ مَنِ ارْتَكَبَهُ؛ وعِقابِهِ“؛ فَقالَ: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾؛ أيْ: لَكم مِن فِعْلِ ذَلِكَ في أيّامِ الجاهِلِيَّةِ؛ كَما قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ”الأُمُّ“: ”قالَ السُّهَيْلِيُّ في رَوْضِهِ: وكانَ ذَلِكَ مُباحًا في الجاهِلِيَّةِ لِشَرْعٍ مُتَقَدِّمٍ؛ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الحُرُماتِ الَّتِي انْتَهَكُوها“؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾؛ أيْ: هَذا النِّكاحَ؛ ﴿كانَ﴾؛ أيْ: الآنَ؛ وما بَعْدَهُ؛ كَوْنًا راسِخًا؛ ﴿فاحِشَةً﴾؛ أيْ: والفاحِشَةُ لا يُقْدِمُ عَلَيْها تامُّ العَقْلِ؛ ﴿ومَقْتًا﴾؛ أيْ: أشَرَّ ما يَكُونُ بَيْنَكُمْ؛ وبَيْنَ ذَوِي الهِمَمِ؛ لِما انْتَهَكْتُمْ مِن حُرْمَةِ آبائِكُمْ؛ ﴿وساءَ سَبِيلا﴾؛ أيْ: قَبُحَ طَرِيقًا طَرِيقُهُ.
4:23Page 81
حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمۡ أُمَّهَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُمۡ وَعَمَّٰتُكُمۡ وَخَٰلَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُ ٱلۡأَخِ وَبَنَاتُ ٱلۡأُخۡتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِيٓ أَرۡضَعۡنَكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمۡ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمۡ تَكُونُواْ دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ وَحَلَٰٓئِلُ أَبۡنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنۡ أَصۡلَٰبِكُمۡ وَأَن تَجۡمَعُواْ بَيۡنَ ٱلۡأُخۡتَيۡنِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٣
Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred.1 Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.
ولَمّا ابْتَدَأ بِتَعْظِيمِ الآباءِ؛ واحْتِرامِهِمْ في أنْ يَنْكِحَ الأبْناءُ أزْواجَهم عَلى العُمُومِ؛ ثَنّى بِخُصُوصِ الأُمِّ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ أعْظَمُ مَقْصُودٍ مِنَ النِّساءِ النِّكاحَ؛ فَكانَ إضافَةُ التَّحْرِيمِ إلى أعْيانِهِنَّ - إفادَةَ التَّأْكِيدِ - غَيْرَ قادِحٍ في فَهْمِهِ؛ وكانَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ (p-٢٢٩)عَلى أنَّ المُرادَ النِّكاحُ؛ أسْنَدَ التَّحْرِيمَ إلى الذّاتِ؛ تَأْكِيدًا لِلتَّحْرِيمِ؛ فَقالَ: ﴿أُمَّهاتُكُمْ﴾؛ أيْ: التَّمَتُّعُ بِهِنَّ؛ بِنِكاحٍ؛ أوْ مِلْكِ يَمِينٍ؛ فَكانَ تَحْرِيمُها مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ؛ تَأْكِيدًا لَهُ؛ وتَغْلِيظًا لِأمْرِهِ في نَفْسِهِ؛ واحْتِرامًا لِلْأبِ؛ وتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ؛ ﴿وبَناتُكُمْ﴾؛ أيْ: وإنْ سَفَلْنَ؛ لِما في ذَلِكَ مِن ضِرارِ أُمَّهاتِهِنَّ؛ وهَذانِ الصِّنْفانِ لَمْ يُحَلَّلْنَ في دِينٍ مِنَ الأدْيانِ؛ ﴿وأخَواتُكُمْ﴾؛ أيْ: أشِقّاءَ؛ أوْ لا؛ ﴿وعَمّاتُكُمْ﴾؛ كَذَلِكَ؛ ﴿وخالاتُكُمْ﴾؛ أيْضًا؛ والضّابِطُ لَهُما أنَّ كُلَّ ذَكَرٍ رَجَعَ نَسَبُكَ إلَيْهِ فَأُخْتُهُ عَمَّتُكَ؛ وقَدْ تَكُونُ مِن جِهَةِ الأُمِّ؛ وهي أُخْتُ أبِي أُمِّكَ؛ وكُلُّ أُنْثى رَجَعَ نَسَبُكَ إلَيْها بِالوِلادَةِ؛ فَأُخْتُها خالَتُكَ؛ وقَدْ تَكُونُ الخالَةُ مِن جِهَةِ الأبِ؛ وهي أُخْتُ أمِّ أبِيكَ؛﴿وبَناتُ الأخِ﴾؛ شَقِيقًا كانَ؛ أوْ لا؛ ﴿وبَناتُ الأُخْتِ﴾؛ أيْ: كَذَلِكَ؛ وفُرُوعُهُنَّ؛ وإنْ سَفَلْنَ.
ولَمّا انْقَضى أمْرُ النَّسَبِ؛ وهو سَبْعَةُ أصْنافٍ؛ أتْبَعَهُ أمْرَ السَّبَبِ؛ وهو ثَمانِيَةٌ؛ أوَّلُهُ أزْواجُ الآباءِ؛ أفْرَدَها؛ وقَدَّمَها تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِها؛ لَمّا كانُوا اسْتَهانُوا مِن ذَلِكَ؛ وآخِرُهُ المُحْصَناتُ؛ وبَدَأ مِن هَذا القِسْمِ بِالأُمِّ مِنَ الرَّضاعِ؛ كَما بَدَأ النَّسَبَ بِالأُمِّ؛ فَقالَ: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ﴾؛ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ النَّسَبِ؛ ولِذَلِكَ سَمّاها أُمًّا؛ فَكُلُّ أُنْثى انْتَسَبْتَ بِاللَّبَنِ (p-٢٣٠)إلَيْها فَهي أُمُّكَ؛ وهي مَن أرْضَعَتْكَ؛ أوْ أرْضَعَتِ امْرَأةً أرْضَعَتْكَ؛ أوْ رَجُلًا أرْضَعَكَ بِلَبانِهِ مِن زَوْجَتِهِ؛ أوْ أُمِّ ولَدِهِ؛ وكُلُّ امْرَأةٍ ولَدَتِ امْرَأةً أرْضَعَتْكَ؛ أوْ رَجُلًا أرْضَعَكَ؛ فَهي أُمُّكَ مِنَ الرَّضاعَةِ؛ والمُراضَعَةُ أُخْتُكَ؛ وزَوْجُ المُرْضِعَةِ الَّذِي أرْضَعَتْ هي بِلَبانِهِ أبُوكَ؛ وأبَواهُ جَدّاكَ؛ وأُخْتُهُ عَمَّتُكَ؛ وكُلُّ ولَدٍ وُلِدَ لَهُ مِن غَيْرِ المُرْضِعَةِ قَبْلَ الرَّضاعِ وبَعْدَهُ إخْوَةُ الأبِ؛ وأُمُّ المُرْضِعَةِ جَدَّتُكَ؛ وأُخْتُها خالَتُكَ؛ وكُلُّ مَن وُلِدَ لَها مِن هَذا الزَّوْجِ إخْوَةٌ لِأبٍ وأُمٍّ؛ ومَن وُلِدَ لَها مِن غَيْرِهِ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأُمٍّ؛ فَعَلى ذَلِكَ يَنْزِلُ قَوْلُهُ: ﴿وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ كَما في النَّسَبِ؛ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ خَمْسَ رَضْعاتٍ؛ وفي الحَوْلَيْنِ؛ وبِتَسْمِيَةِ المُرْضِعَةِ أُمًّا؛ والمُشارِكَةِ في الرِّضاعِ أُخْتًا عُلِمَ أنَّ الرَّضاعَ كالنَّسَبِ؛ كَما بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «”يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ“؛» فالصُّورَتانِ مُنَبِّهَتانِ عَلى بَقِيَّةِ السَّبْعِ؛ الأُمُّ مُنَبِّهَةٌ عَلى البِنْتِ؛ بِجامِعِ الوِلادَةِ؛ والأخَواتُ عَلى العَمّاتِ؛ والخالاتِ؛ وبَناتِ الأخِ؛ وبَناتِ الأُخْتِ؛ بِجامِعِ الأُخُوَّةِ.
ولَمّا انْقَضى ما هو كَلُحْمَةِ النَّسَبِ أتْبَعَهُ أمْرَ ما بِالمُصاهَرَةِ؛ فَقالَ: (p-٢٣١)﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾؛ أيْ: دَخَلْتُمْ بِهِنَّ؛ أوْ لا؛ - لِما في ذَلِكَ مِن إفْسادِ ذاتِ البَيْنِ غالِبًا؛ ﴿ورَبائِبُكُمُ﴾؛ وذَكَرَ سَبَبَ الحُرْمَةِ فَقالَ: ﴿اللاتِي في حُجُورِكُمْ﴾؛ أيْ: بِالفِعْلِ؛ أوْ بِالقُوَّةِ - لِما فِيهِنَّ مِن شُبَهِ الأوْلادِ - ﴿مِن نِسائِكُمُ﴾؛ ولَمّا كانَتِ الإضافَةُ تُسَوِّغُ في اللُّغَةِ بِأدْنى مُلابَسَةٍ؛ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الجِماعِ؛ الَّذِي كَنّى عَنْهُ بِالدُّخُولِ؛ لِأنَّهُ مُمَكِّنٌ لِحُكْمِ الأزْواجِ؛ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ أوْلادُها كَأوْلادِهِ؛ فَقالَ: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾؛ قَيَّدَ بِالدُّخُولِ؛ لِأنَّ غَيْرَةَ الأُمِّ مِنَ ابْنَتِها دُونَ غَيْرَةِ البِنْتِ مِن أُمِّها.
ولَمّا أشْعَرَ هَذا القَيْدُ بِحِلِّ بِنْتِ مَن عُقِدِ عَلَيْها؛ ولَمْ يُدْخَلْ بِها؛ أفْصَحَ بِهِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ حُرْمَةِ الإرْضاعِ؛ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾؛ أيْ: الأُمَّهاتِ؛ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: في نِكاحِهِنَّ؛ ولَمّا افْتَتَحَ المُحَرَّماتِ عَلى التَّأْبِيدِ بِزَوْجَةِ الأبِ؛ خَتَمَها بِزَوْجَةِ الوَلَدِ؛ فَقالَ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾؛ أيْ: زَوْجَةً كانَتْ أوْ مَوْطُوءَةً بِمِلْكِ يَمِينٍ؛ ولَمّا لَمْ يَكُنِ المُتَبَنّى مُرادًا؛ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾؛ أيْ: وإنْ سَفَلُوا؛ ودَخَلَ ما بِالرَّضاعِ؛ لِأنَّهُ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ؛ فَلَمْ يُخْرِجْهُ القَيْدُ.
ولَمّا انْقَضى التَّحْرِيمُ المُؤَبَّدُ؛ أتْبَعَهُ المُوَقَّتَ؛ فَقالَ: ﴿وأنْ﴾؛ أيْ: وحَرَّمَ عَلَيْكم أنْ ﴿تَجْمَعُوا﴾؛ بِعَقْدِ نِكاحٍ؛ لِأنَّ مَقْصُودَهُ الوَطْءُ؛ (p-٢٣٢)أوْ بِوَطْءٍ في مِلْكِ يَمِينٍ؛ ﴿بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾؛ فَإنْ كانَتْ إحْداهُما مَنكُوحَةً؛ والأُخْرى مَمْلُوكَةً؛ حَلَّتِ المَنكُوحَةُ وحُرِّمَتِ المَمْلُوكَةُ؛ ما دامَ الحِلُّ؛ لِأنَّ النِّكاحَ أقْوى؛ فَإذا زالَ الحِلُّ حَلَّتِ الأُخْرى؛ ولَوْ في عِدَّةِ الَّتِي كانَتْ حَلالًا.
ولَمّا كانَ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ شَرْعًا قَدِيمًا قالَ: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾؛ أيْ: فَإنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْكم فِيهِ؛ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ لَكُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ رَفْعَ حَرَجِهِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿كانَ غَفُورًا﴾؛ أيْ: ساتِرًا لِما يُرِيدُ مِن أعْيانِ الزَّلَلِ؛ وآثارِهِ؛ ﴿رَحِيمًا﴾؛ أيْ: مُعامِلًا بِغايَةِ الإكْرامِ الَّذِي تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences