Al-Biqa'iAn‑Nisa · 4:37–46

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:37–46

4:37Page 84

ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِ وَيَكۡتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ٣٧

Who are stingy and enjoin upon [other] people stinginess and conceal what Allāh has given them of His bounty - and We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment -

ولَمّا كانَ الِاخْتِيالُ والفَخْرُ عَلى الفَرَحِ بِالأعْراضِ الفانِيَةِ والرُّكُونِ إلَيْها؛ والِاعْتِمادِ عَلَيْها؛ فَكانا حامِلَيْنِ عَلى البُخْلِ؛ خَوْفًا مِن زَوالِها؛ قالَ - واصِفًا لَهم بِجُمْلَةٍ مِنَ الأخْلاقِ الرَّدِيئَةِ الجَلِيَّةِ؛ ذَلِكَ مَنشَؤُها -: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾؛ أيْ: يُوقِعُونَ البُخْلَ بِما حَمَلَهم مِنَ المَتاعِ الفانِي عَلى الفَخارِ؛ وقَصْرِهِ؛ لِيَعُمَّ كَتْمَ العِلْمِ؛ ونَحْوَهُ؛ ثُمَّ تَلا ذَلِكَ بِأسْوَأ مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾؛ مَقْتًا لِلسَّخاءِ؛ وفي التَّعْبِيرِ بِما هو مِنَ النَّوْسِ إشارَةٌ إلى أنَّهم لا يُعَلِّقُونَ أطْماعَهم بِذَلِكَ؛ إلّا بِذَوِي الهِمَمِ السّافِلَةِ والرُّتَبِ القاصِرَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كِنايَةً عَنْ حَمْلِهِمْ غَيْرَهم عَلى البُخْلِ؛ بِما يُرى مِنَ اخْتِيالِهِمْ؛ وافْتِخارِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ أخْبَثَ مِنهُ؛ وهو الشُّحُّ بِالكَلامِ؛ الَّذِي لا يُخْشى نَقْصُهُ؛ وجَحْدُ النِّعْمَةِ؛ وإظْهارُ الِافْتِقارِ؛ فَقالَ: ﴿ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ (p-٢٧٩)والإكْرامُ؛ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: مِنَ العِلْمِ؛ جاحِدِينَ أنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ يَجُودُونَ بِهِ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: ”ثُمَّ إنَّ هَذا الكِتْمانَ قَدْ يَقَعُ عَلى وجْهٍ يُوجِبُ الكُفْرَ؛ مِثْلَ أنْ يُظْهِرَ الشِّكايَةَ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ ولا يَرْضى بِالقَضاءِ“؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ﴾ [النساء: ٣٦] - مُلْتَفِتًا إلى مَقامِ التَّكَلُّمِ؛ دَلالَةً عَلى تَناهِي الغَضَبِ؛ وتَعْيِينًا لِلْمُتَوَعَّدِ؛ مُصَرِّحًا بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ هُناكَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ - قَوْلَهُ: ﴿وأعْتَدْنا﴾؛ أيْ: أحْضَرْنا؛ وهَيَّأْنا؛ وكانَ الأصْلُ: ”لَهُمْ“؛ ولَكِنَّهُ قالَ - تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ وإعْلامًا بِأنَّ ذَلِكَ حامِلٌ عَلى الكُفْرِ -: ﴿لِلْكافِرِينَ﴾؛ أيْ: بِفِعْلِ هَذِهِ الخِصالِ؛ كُفْرًا حَقِيقِيًّا؛ بِما أوْصَلَهم إلَيْهِ لُزُومُ الأخْلاقِ الدَّنِيَّةِ؛ أوْ مَجازِيًّا؛ بِكِتْمانِ النِّعْمَةِ؛ ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾؛ أيْ: بِما اغْتَرُّوا بِالمالِ؛ الحامِلِ عَلى الفَخْرِ؛ والكِبْرِ؛ والِاخْتِيالِ: «”لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن كِبْرٍ“».

4:38Page 85

وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَهُۥ قَرِينٗا فَسَآءَ قَرِينٗا ٣٨

And [also] those who spend of their wealth to be seen by the people and believe not in Allāh nor in the Last Day. And he to whom Satan is a companion - then evil is he as a companion.

ولَمّا ذَمَّ المُقْتِرِينَ؛ أتْبَعَهُ ذَمَّ المُسْرِفِينَ؛ المُبَذِّرِينَ؛ فَقالَ - عَطْفًا عَلى: ”الكافِرِينَ“ - أوْ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [النساء: ٣٧]؛ مُعَرِّفًا أنَّ الَّذِينَ لا يُحْسِنُونَ عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ؛ فِيمَن تَقَدَّمَ الأمْرُ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ؛ فِرْقَتانِ: فِرْقَةٌ يَمْنَعُونَ النَّفَقَةَ أصْلًا؛ وفِرْقَةٌ يَمْنَعُونَ وصْفَها؛ ويَفْعَلُونَها رِياءً؛ فَيُعْدِمُونَ بِذَلِكَ رُوحَها -: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾؛ وأشارَ إلى عَظِيمِ رَغْبَتِهِمْ في نَفَقَتِهِمْ؛ (p-٢٨٠)بِقَوْلِهِ: ﴿أمْوالَهُمْ﴾؛ ودَلَّ عَلى خِسَّةِ مَقاصِدِهِمْ؛ وسُفُولِ هِمَمِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿رِئاءَ النّاسِ﴾؛ أيْ: لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ؛ وتَقَيُّدِهِ بِالمَحْسُوساتِ؛ كالبَهائِمِ الَّتِي لا تُدْرِكُ إلّا الجُزْئِيّاتِ المُشاهَداتِ.

ولَمّا ذَكَرَ إخْراجَ المالِ عَلى وجْهٍ لا يَرْضاهُ ذُو عَقْلٍ؛ ذَكَرَ الحامِلَ عَلَيْهِ؛ مُشِيرًا إلى أنَّهم حَقَّرُوا أنْفُسَهم بِما عَظَّمُوها بِهِ؛ وذَلِكَ أنَّهم تَعَبَّدُوا لِلْعَبِيدِ؛ وتَكَبَّرُوا عَلى خالِقِهِمُ العَزِيزِ المَجِيدِ؛ فَقالَ: ﴿ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾؛ وهو المَلِكُ الأعْظَمُ؛ ولَمّا كانَ المَأْمُورُ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ هُنا - مِنَ الوالِدَيْنِ؛ ومَن ذُكِرَ مَعَهم - أخَصَّ مِمَّنْ أُشِيرَ إلَيْهِمْ في ”البَقَرَةِ“؛ أكَّدَ بِزِيادَةِ النّافِي؛ فَقالَ: ﴿ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ الحامِلِ عَلى كُلِّ خَيْرٍ؛ والنّازِعِ عَنْ كُلِّ شَرٍّ.

4:39Page 85

وَمَاذَا عَلَيۡهِمۡ لَوۡ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمۡ عَلِيمًا ٣٩

And what [harm would come] upon them if they believed in Allāh and the Last Day and spent out of what Allāh provided for them? And Allāh is ever, about them, Knowing.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَكانَ الشَّيْطانُ قَرِينَهُمْ؛ لِكُفْرِهِ؛ بِإعْجابِهِ؛ وكِبْرِهِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ﴾ [النساء: ٣٨]؛ أيْ: وهو عَدُوُّهُ؛ البَعِيدُ مِن كُلِّ خَيْرٍ؛ المُحْتَرِقُ بِكُلِّ ضَيْرٍ؛ ﴿لَهُ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨]؛ فَإنَّهُ يَحْمِلُهُ عَلى كُلِّ شَرٍّ؛ ويُبْعِدُهُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ؛ وإلى ذَلِكَ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَساءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨]

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَماذا لَهم في الكُفْرِ؛ والإنْفاقِ رِياءً؛ لِمَن لا ضُرَّ (p-٢٨١)ولا نَفْعَ بِيَدِهِ؟“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - تَعْنِيفًا لَهُمْ؛ وإنْكارًا عَلَيْهِمْ -: ﴿وماذا عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: مِن حَقِيرِ الأشْياءِ؛ وجَلِيلِها؛ ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ كَمالٍ؛ وبِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ؛ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ الحامِلِ عَلى كُلِّ صَلاحٍ؛ ﴿وأنْفَقُوا﴾؛ ولَمّا وصَفَهم بِإنْفاقِ جَمِيعِ أمْوالِهِمْ لِلْعَدُوِّ الحَقِيرِ؛ أشارَ إلى شُحِّهِمْ فِيما هو لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ؛ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ يَحْصُلُ لَهم بِهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ؛ فَقالَ: ﴿مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾؛ الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ؛ والجُودُ الباهِرُ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَقَدْ كانَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ - لَمّا بَذَّرُوا أمْوالَهم - قَدِيرًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿بِهِمْ﴾؛ أيْ: في كِلْتا الحالَتَيْنِ؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: بَلِيغَ العِلْمِ؛ ولِلْإعْلامِ بِعَظَمَةِ العِلْمِ بِهِمْ قَدَّمَ الجارَّ المُفِيدِ لِلِاخْتِصاصِ؛ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

4:40Page 85

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةٗ يُضَٰعِفۡهَا وَيُؤۡتِ مِن لَّدُنۡهُ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٤٠

Indeed, Allāh does not do injustice, [even] as much as an atom's weight; while if there is a good deed, He multiplies it and gives from Himself a great reward.

ولَمّا فَرَغَ مِن تَوْبِيخِهِمْ؛ قالَ - مُعَلِّلًا -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ كَمالٍ؛ فَهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ؛ ﴿لا يَظْلِمُ﴾؛ أيْ: لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَقَعَ مِنهُ ظُلْمٌ ما؛ ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾؛ أيْ: فَما دُونَها؛ وإنَّما ذَكَرَها لِأنَّها كِنايَةٌ عَنِ العَدَمِ؛ لِأنَّها مَثَلٌ في الصِّغَرِ؛ أيْ: فَلا يُنْقِصُ أحَدًا شَيْئًا مِمّا عَمِلَهُ؛ ولا يُثِيبُ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَعْمَلْهُ؛ فَماذا عَلى مَن آمَنَ بِهِ؛ وهو (p-٢٨٢)بِهَذِهِ الصِّفَةِ العُظْمى؟

ولَمّا ذَكَرَ التَّخَلِّيَ مِنَ الظُّلْمِ؛ أتْبَعَهُ التَّحَلِّيَ بِالفَضْلِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَإنْ تَكُ الذَّرَّةُ سَيِّئَةً لَمْ يَزِدْ عَلَيْها؛ ولا يَجْزِي بِها إلّا مِثْلَها“ -: ﴿وإنْ﴾؛ ولَمّا كانَ تَشَوُّفُ السّامِعِ إلى ذَلِكَ عَظِيمًا؛ حَذَفَ مِنهُ النُّونَ؛ بَعْدَ حَذْفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ تَقْرِيبًا لِمَرامِهِ؛ فَقالَ: ﴿تَكُ﴾؛ أيْ: مِثْقالُ الذَّرَّةِ؛ وأنَّثَهُ لِإضافَتِهِ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وتَحْقِيرًا لَهُ؛ لِيُفْهَمَ تَضْعِيفُ ما فَوْقَهُ؛ مِن بابِ الأوْلى؛ وهَذا يَطَّرِدُ في قِراءَةِ الحَرَمِيَّيْنِ؛ بِرَفْعِ حَسَنَةً؛ أيْ: وإنْ صَغُرَتْ؛ ﴿يُضاعِفْها﴾؛ أيْ: مِن جِنْسِها؛ بِعَشَرَةِ أمْثالِها؛ إلى سَبْعِينَ؛ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ؛ إلى أزْيَدَ مِن ذَلِكَ بِحَسَبِ ما يُعْلَمُ مِن حُسْنِ العَمَلِ؛ بِحُسْنِ النِّيَّةِ؛ ﴿ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ﴾؛ أيْ: مِن غَرِيبِ ما عِنْدَهُ؛ فَضْلًا مِن غَيْرِ عَمَلٍ؛ لِمَن يُرِيدُ؛ قالَ الإمامُ: ”وبِالجُمْلَةِ فَذَلِكَ التَّضْعِيفُ إشارَةٌ إلى السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ؛ وهَذا الأجْرُ إلى السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ“؛ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾؛ وسَمّاهُ أجْرًا - وهو مِن غَيْرِ جِنْسِ تِلْكَ الحَسَنَةِ - لِابْتِنائِهِ عَلى الإيمانِ؛ أيْ: فَمَن كانَ هَذا شَأْنُهُ؛ لا يَسُوغُ لِعاقِلٍ تَوْجِيهُ الهِمَّةِ إلّا إلَيْهِ؛ ولا الِاعْتِمادُ أصْلًا؛ بِإنْفاقٍ وغَيْرِهِ؛ إلّا عَلَيْهِ.

4:41Page 85

فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا ٤١

So how [will it be] when We bring from every nation a witness and We bring you, [O Muḥammad], against these [people] as a witness?

ولَمّا تَمَّ تَحْذِيرُهُ مِنَ اليَوْمِ الآخِرِ؛ وما ذَكَرَهُ مِن إظْهارِ العَدْلِ؛ (p-٢٨٣)واسْتِقْصائِهِ فِيهِ؛ كانَ سَبَبًا لِلسُّؤالِ عَنْ حالِ المُبَكَّتِينَ في هَذِهِ الآياتِ إذْ ذاكَ؛ فَقالَ: ﴿فَكَيْفَ﴾؛ أيْ: يَكُونُ حالُهُمْ؛ وقَدْ حَمَلُوا أمْثالَ الجِبالِ؛ مِن مُساوِي الأعْمالِ؛ ﴿إذا جِئْنا﴾؛ عَلى عَظَمَتِنا؛ ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾؛ أيْ: يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ؛ ﴿وجِئْنا بِكَ﴾؛ وأنْتَ أشْرَفُ خَلْقِنا؛ ﴿عَلى هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أرْسَلْناكَ إلَيْهِمْ؛ وجَعَلْناكَ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ؛ ﴿شَهِيدًا﴾؛ وفي التَّفْسِيرِ مِنَ البُخارِيِّ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - قالَ: «قالَ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ”اقْرَأْ عَلَيَّ“؛ قُلْتُ: أقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قالَ: ”إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي“؛ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ ”النِّساءِ“؛ حَتّى بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾؛ قالَ: ”أمْسِكْ“؛ فَإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ».

4:42Page 85

يَوۡمَئِذٖ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوۡ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضُ وَلَا يَكۡتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثٗا ٤٢

That Day, those who disbelieved and disobeyed the Messenger will wish they could be covered by the earth. And they will not conceal from Allāh a [single] statement.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الجَوابَ عَنْ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أيْ: تَقُومُ الأشْهادُ؛ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا ما تَهْدِي إلَيْهِ العُقُولُ مِن آياتِهِ؛ وبَيَّنَ أنَّهم مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿وعَصَوُا الرَّسُولَ﴾؛ بَعْدَ سَتْرِ ما أظْهَرَ مِن بَيِّناتِهِ؛ ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾؛ أيْ: تَكُونُ مُسْتَوِيَةً مُعْتَدِلَةً بِهِمْ؛ ولا تَكُونُ كَذَلِكَ إلّا وقَدْ غَيَّبَتْهم واسْتَوَتْ بِهِمْ؛ (p-٢٨٤)ولَمْ يَبْقَ فِيها شَيْءٌ مِن عِوَجٍ؛ ولا نُتُوٍّ؛ بِسَبَبِ أحَدٍ مِنهُمْ؛ ولا شَيْءٍ مِن أجْسامِهِمْ؛ وإنَّما ودُّوا ذَلِكَ خَوْفًا مِمّا يَسْتَقْبِلُهم مِنَ الفَضِيحَةِ بِعِتابِهِمْ؛ ثُمَّ الإهانَةِ بِعِقابِهِمْ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَلا تُسَوّى بِهِمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿حَدِيثًا﴾؛ أيْ: شَيْئًا أحْدَثُوهُ؛ بَلْ يُفْتَضَحُونَ بِسَيِّئِ أخْبارِهِمْ؛ ويَحْمِلُونَ جَمِيعَ أوْزارِهِمْ؛ جَزاءً لِما كانُوا يَكْتُمُونَ مِن آياتِهِ؛ وما نُصِبَ لِلنّاسِ مِن بَيِّناتِهِ.

4:43Page 85

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ٤٣

O you who have believed, do not approach prayer while you are intoxicated until you know what you are saying1 or in a state of janābah,2 except those passing through [a place of prayer], until you have washed [your whole body]. And if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women [i.e., had sexual intercourse] and find no water, then seek clean earth and wipe over your faces and your hands [with it]. Indeed, Allāh is ever Pardoning3 and Forgiving.

ولَمّا وصَفَ الوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْهِ في يَوْمِ العَرْضِ؛ والأهْوالِ؛ الَّذِي أدَّتْ فِيهِ سَطْوَةُ الكِبْرِياءِ والجَلالِ؛ إلى تَمَنِّي العَدَمِ؛ ومَنَعَتْ قُوَّةُ يَدِ القَهْرِ والجَبْرِ أنْ يَكْتُمَ حَدِيثًا؛ وتَضَمَّنَ وصْفُهُ أنَّهُ لا يَنْجُو فِيهِ إلّا مَن كانَ طاهِرَ القَلْبِ؛ والجَوارِحِ؛ بِالإيمانِ بِهِ؛ والطّاعَةِ لِرَسُولِهِ ﷺ؛ وصْفَ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ في الدُّنْيا في مَقامِ الأُنْسِ وحَضْرَةِ القُدْسِ المُنَجِّي مِن هَوْلِ الوُقُوفِ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ والَّذِي خَطَرَتْ مَعانِي اللُّطْفِ والجِمالِ فِيهِ الِالتِفاتَ إلى غَيْرِهِ؛ وأمَرَ بِالطَّهارَةِ في حالِ التَّزَيُّنِ بِهِ عَنِ الخَبائِثِ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالتَّصْدِيقِ بِالرُّسُلِ؛ وما أتَوْا بِهِ عَنِ اللَّهِ؛ وأوَّلُهُ؛ وأوْلاهُ: (p-٢٨٥)ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ؛ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: بِألّا تَكُونُوا في مَوْضِعِها؛ فَضْلًا عَنْ أنْ تَفْعَلُوها؛ ﴿وأنْتُمْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّكم ﴿سُكارى﴾؛ أيْ: غائِبُو العَقْلِ؛ مِنَ الخَمْرِ؛ أوْ نَحْوِها؛ فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَسْبِقَ اللِّسانُ - بِتَمَكُّنِ الشَّيْطانِ بِزَوالِ العَقْلِ - إلى شَيْءٍ مِنَ الإشْراكِ؛ فَيَكُونَ شِرْكًا لِسانِيًّا؛ وإنْ كانَ القَلْبُ مُطِمَئِنًّا بِالإيمانِ؛ فَيُوشِكَ أنْ يُعْرَضَ ذَلِكَ عَلَيْهِ يَوْمَ الوُقُوفِ الأكْبَرِ؛ فَإنَّ مَن أنْتُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ لا يُكْتَمُ حَدِيثًا؛ فَيَوَدَّ مَن نَطَقَ لِسانُهُ بِذَلِكَ - لِما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الألَمِ - لَوْ كانَ مِن أهْلِ العَدَمِ؛ وأصْلُ ”السُّكْرُ“؛ في اللُّغَةِ: سَدُّ الطَّرِيقِ؛ وسَبَبُ نُزُولِها ما رَواهُ مُسَدَّدٌ؛ بِإسْنادٍ - قالَ شَيْخُنا البُوصِيرِيُّ: رِجالُهُ ثِقاتٌ - عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ دَعاهُ؛ وعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - فَسَقاهُما؛ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ؛ فَأمَّهم عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - في المَغْرِبِ؛ وقَرَأ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]؛ فَنَزَلَتْ؛ هَكَذا رَواهُ؛ وقَدْ رَواهُ أصْحابُ السُّنَنِ - الثَّلاثَةِ - وأحْمَدُ؛ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ؛ والبَزّارُ؛ والحاكِمُ؛ والطَّبَرِيُّ؛ فَبَيَّنُوا المُرادَ؛ وهو أنَّ الَّذِي صَلّى بِهِمْ قَرَأ: ”أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ“؛ وفي رِوايَةِ التِّرْمِذِيَّ ”ونَحْنُ نَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ“. (p-٢٨٦)ولَمّا أفْهَمَ النَّهْيُ عَنْ قُرْبانِها في هَذا الحالِ زَوالَهُ بِانْقِضائِهِ؛ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى﴾؛ أيْ: ولا يَزالُ هَذا النَّهْيُ قائِمًا حَتّى ﴿تَعْلَمُوا﴾؛ بِزَوالِ السُّكَّرِ؛ ﴿ما تَقُولُونَ﴾؛ فَلا يَقَعَ مِنكم حِينَئِذٍ تَبْدِيلٌ؛ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ نَفْسُها؛ ومَوْضِعُها؛ وهو المَسْجِدُ؛ وذَلِكَ مِن أدِلَّتِهِ عَلى اسْتِعْمالِ الشَّيْءِ في حَقِيقَتِهِ؛ ومَجازِهِ؛ نَهى السَّكْرانَ أنْ يُصَلِّيَ إلى أنْ يَفْهَمَ؛ أيْ: يَصْحُوَ؛ ونَهى كُلَّ واحِدٍ أنْ يَكُونَ في المَسْجِدِ وهو جُنُبٌ؛ بِقَوْلِهِ - عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ”وأنْتُمْ سُكارى“ -: ﴿ولا﴾؛ أيْ: ولا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ بِالكَوْنِ في مَحالِّها؛ فَضْلًا عَنْها؛ ﴿جُنُبًا﴾؛ أيْ: مُمْنِينَ؛ بِالفِعْلِ؛ أوِ القُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ؛ بِالتِقاءِ الخِتانَيْنِ؛ لِأنَّ الجَنابَةَ المَنِيُّ؛ سَواءٌ كانَ عَنْ جِماعٍ؛ أوْ لا؛ في حالٍ مِن أحْوالِ الجَنابَةِ؛ ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾؛ أيْ: مارِّينَ مُرُورًا مِن غَيْرِ مُكْثٍ؛ ولا صَلاةٍ؛ ولَمّا غَيّا مَنعَ الجَنابَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾؛ أيْ: تَغْسِلُوا البَدَنَ عَمْدًا؛ ولَمّا كانَ لِلْإنْسانِ حالاتٌ يَتَعَسَّرُ؛ أوْ يَتَعَذَّرُ فِيها عَلَيْهِ اسْتِعْمالُ الماءِ؛ ذَكَرَها؛ فَقالَ - مُرَتِّبًا لَها عَلى الأحْوَجِ إلى الرُّخْصَةِ؛ فالأحْوَجِ -: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾؛ أيْ: بِجِراحَةٍ؛ أوْ غَيْرِها؛ مَرَضًا يَمْنَعُ مِن طَلَبِ الماءِ؛ أوِ اسْتِعْمالِهِ؛ ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾؛ كَذَلِكَ؛ سَواءٌ كانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أوْ قَصِيرًا ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: (p-٢٨٧)أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ولَوْ كانَ حاضِرًا؛ صَحِيحًا؛ ﴿مِنَ الغائِطِ﴾؛ أيْ: المَكانِ المُطْمَئِنِّ مِنَ الأرْضِ؛ الواسِعِ الَّذِي يُقْصَدُ لِلتَّخَلِّي؛ أيْ: أوْ جاءَ مِنَ التَّخَلِّي؛ فَقَضى حاجَتَهُ الَّتِي لا بُدَّ لَهُ مِنها؛ فَهو بِها أحْوَجُ إلى التَّخْفِيفِ مِمّا بَعْدَهُ.

ولَمّا تَقَدَّمَ أمْرُ الجَنابَةِ الَّتِي هي المَنِيُّ؛ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ بِجِماعٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ذَكَرَ هُنا ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِن وجْهٍ؛ فَقالَ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾؛ أيْ: بِمُجَرَّدِ التِقاءِ البَشَرَتَيْنِ؛ أوْ بِالجِماعِ؛ سَواءٌ حَصَلَ إنْزالٌ؛ أوْ لا؛ وأخَّرَ هَذا لِأنَّهُ مِمّا مِنهُ بُدٌّ؛ ولا يَتَكَرَّرُ تَكَرُّرَ قَضاءِ الحاجَةِ؛ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾؛ أيْ: إمّا بِفَقْدِهِ؛ أوْ بِالعَجْزِ عَنِ اسْتِعْمالِهِ؛ ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾؛ أيْ: اقْصِدُوا قَصْدًا صادِقًا؛ بِأنْ تُلابِسُوا ناوِينَ؛ ﴿صَعِيدًا﴾؛ أيْ: تُرابًا؛ ﴿طَيِّبًا﴾؛ أيْ: طَهُورًا؛ خالِصًا فَهو بِحَيْثُ يُنْبِتُ؛ ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] ﴿فامْسَحُوا﴾؛ وهَذِهِ عِبادَةٌ خاصَّةٌ بِنا.

ولَمّا كانَ التُّرابُ لا يَتَمَكَّنُ مِن جَمِيعِ العُضْوِ؛ وإنِ اجْتَهَدَ الإنْسانُ في ذَلِكَ؛ أدْخَلَ الباءَ؛ قاصِرًا لِلْفِعْلِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾؛ أيْ: أوْقِعُوا المَسْحَ بِها؛ سَواءٌ عَمَّ التُّرابُ مَنبِتَ الشَّعْرِ؛ أمْ لا؛ ﴿وأيْدِيكُمْ﴾؛ أيْ: مِنهُ؛ (p-٢٨٨)كَما صَرَّحَ بِهِ في ”المائِدَةِ“؛ لا فِيهِ؛ ولا عَلَيْهِ؛ مَثَلًا؛ لِيُفْهَمَ التَّمَعُّكُ؛ أوْ أنَّ الحَجَرَ مَثَلًا يَكْفِي؛ والمُلامَسَةُ جَوَّزَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - أيْضًا أنْ يُرادَ بِها المَسُّ -؛ أيْ: مُلاقاةُ البَشَرَتَيْنِ - الَّذِي هو حَقِيقَةُ اللَّمْسِ -؛ والجِماعُ - الَّذِي هو مُسَبَّبٌ عَنِ المَسِّ؛ أوْ هو مُماسَّةٌ خاصَّةٌ؛ فَهو مِن تَسْمِيَةِ الكُلِّ بِاسْمِ البَعْضِ حِينَئِذٍ.

ولَمّا نَهى عَمّا يُدْنِي مِن وُقُوعِ صُورَةِ الذَّنْبِ؛ الَّذِي هو جَرْيُ اللِّسانِ بِما لا يَلِيقُ بِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وخَفَّفَ ما كانَ شَدِيدًا بِالتَّيَمُّمِ؛ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي اخْتُصَّ بِالكَمالِ؛ ﴿كانَ عَفُوًّا﴾؛ أيْ: بِتَرْكِ العِقابِ عَلى الذَّنْبِ؛ وكَأنَّ هَذا راجِعٌ إلى ما وقَعَ حالَةَ السُّكْرِ؛ ﴿غَفُورًا﴾؛ أيْ: بِتَرْكِ العِقابِ؛ وبِمَحْوِ الذَّنْبِ؛ حَتّى لا يُذْكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أصْلًا؛ وكَأنَّ هَذا راجِعٌ إلى التَّيَمُّمِ؛ فَإنَّ الصَّلاةَ مَعَهُ حَسَنَةٌ؛ ولَوْلاهُ كانَتْ سَيِّئَةً مَذْكُورَةً ومُعاقَبًا عَلَيْها؛ إمّا عَلى تَرْكِها لِمَشَقَّةِ اسْتِعْمالِ الماءِ عِنْدَ التَّساهُلِ؛ أوْ عَلى فِعْلِها بِغَيْرِ طَهارَةٍ في بَعْضِ وُجُوهِ التَّنَطُّعِ؛ وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في ”المائِدَةِ“: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]؛ ومَن كانَتْ عادَتُهُ العَفْوَ والمَغْفِرَةَ؛ كانَ مُيَسِّرًا؛ غَيْرَ مُعَسِّرٍ.

4:44Page 85

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يَشۡتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ٤٤

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?

ولَمّا أفْهَمَ خِتامُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ التَّشْدِيدَ في الأحْكامِ يَكُونُ سَبَبًا لِلْإجْرامِ؛ فَيَكُونُ سَبَبًا في الِانْتِقامِ؛ قَرَّرَ ذَلِكَ بِحالِ اليَهُودِ الَّذِينَ أوْجَبَتْ (p-٢٨٩)لَهُمُ الآصارُ عَذابَ النّارِ؛ فَقالَ - لِيَكُونَ ذَلِكَ مُرَغِّبًا في تَقَبُّلِ ما مَرَّ مِنَ التَّكالِيفِ؛ لِيُسْرِهِ؛ ولِرَجاءِ الثَّوابِ؛ مُرَهِّبًا مِن تَرْكِها؛ خَوْفًا مِنَ العِقابِ؛ ولِيَصِيرَ الكَلامُ حُلْوًا؛ رائِقًا؛ بَهِجًا؛ بِتَفْصِيلِ نَظْمِهِ تارَةً بِأحْكامٍ؛ وتارَةً بِأقاصِيصَ عِظامٍ؛ فَيَنْشَطَ الخاطِرُ؛ وتَقْوى القَرِيحَةُ -: ﴿ألَمْ تَرَ﴾؛ أوْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا حَذَّرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - فِيما مَضى مِن أهْلِ الكِتابِ؛ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]؛ ومَرَّ إلى أنْ أنْزَلَ هَذِهِ فِيمَن حَرَّفَ في الصَّلاةِ لِسانُهُ فَقَطْ - لا عَنْ عَمْدٍ - الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ؛ أتْبَعَها التَّصْرِيحَ بِالتَّعْجِيبِ مِن حالِ المُحَرِّفِينَ بِالقَلْبِ؛ واللِّسانِ؛ عَمْدًا وعُدْوانًا؛ اجْتِراءً عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ المُلَوَّحِ إلَيْهِمْ بِالآيَةِ السّابِقَةِ أنَّهم يُرِيدُونَ لَنا الضَّلالَ عَمّا هُدِينا إلَيْهِ مِن سُنَنِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾

ولَمّا كانُوا بِمَحَلِّ البُعْدِ - بِما لَهم مِنَ اللَّعْنِ - عَنْ حَضْرَتِهِ الشَّرِيفَةِ؛ عَبَّرَ بِأداةِ الِانْتِهاءِ؛ بَصَرِيَّةً كانَتِ الرُّؤْيَةُ أوْ قَلْبِيَّةً؛ فَقالَ: ﴿إلى الَّذِينَ أُوتُوا﴾؛ وحَقَّرَ أمْرَهم بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: كَشَأْسِ بْنِ قَيْسٍ؛ الَّذِي أرادَ الخُلْفَ بَيْنَ الأنْصارِ؛ وفي ذَلِكَ أنَّ أقَلَّ شَيْءٍ مِنَ الكِتابِ يَكْفِي في ذَمِّ الضَّلالِ؛ لِأنَّهُ كافٍ في الهِدايَةِ (p-٢٩٠)﴿يَشْتَرُونَ﴾؛ أيْ: يَتَكَلَّفُونَ؛ ويُلِحُّونَ - بِما هم فِيهِ مِن رِئاسَةِ الدُّنْيا مِنَ المالِ والجاهِ - أنْ يَأْخُذُوا ﴿الضَّلالَةَ﴾؛ مُعْرِضِينَ عَنِ الهُدى؛ غَيْرَ ذاكِرِيهِ بِوَجْهٍ؛ وسَبَبُ كَثِيرٍ مِن ذَلِكَ ما في دِينِهِمْ مِنَ الآصارِ؛ والأثْقالِ؛ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم: ٥٩]؛ أيْ: بِسَبَبِ ما شُدِّدَ عَلَيْهِمْ فِيها؛ بِأنَّها لا تُفْعَلُ إلّا في المَوْضِعِ المَبْنِيِّ لَها؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الشِّدَّةِ؛ وكَذا غَيْرُها المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ ومِن أعْظَمِهِ ما يُخْفُونَ مِن صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِيَتَقَرَّبُوا بِذَلِكَ إلى أهْلِ دِينِهِمْ؛ ويَأْخُذُوا مِنهُمُ الرُّشى عَلى ذَلِكَ؛ ويَجْعَلُوهم عَلَيْهِمْ رُؤَساءَ.

ولَمّا ذَكَرَ ضَلالَهُمُ المُتَضَمِّنَ لِإضْلالِهِمْ؛ أتْبَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى إعْراقِهِمْ فِيهِ؛ فَقالَ - مُخاطِبًا لِمَن يُمْكِنُ تَوْجِيهُ هِمَمِهِمْ بِإضْلالٍ إلَيْهِ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا﴾؛ أيْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا؛ ﴿السَّبِيلَ﴾؛ حَتّى تُساوُوهُمْ؛ فَلِذَلِكَ يُذَكِّرُونَكم بِالأحْقادِ؛ والأضْغانِ؛ والأنْكادِ - كَما فَعَلَ شَأْسٌ - لا مَحَبَّةً فِيكُمْ؛ ويُلْقُونَ إلَيْكُمُ الشُّبْهَةَ؛ فاللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أعْلَمُ بِهِمْ؛ حَيْثُ (p-٢٩١)حَذَّرَكم مِنهُ؛ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ [آل عمران: ١١٨]؛ وما بَعْدَهُ؛ إلى هُنا؛

4:45Page 86

وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِأَعۡدَآئِكُمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّٗا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرٗا ٤٥

And Allāh is most knowing of your enemies; and sufficient is Allāh as an ally, and sufficient is Allāh as a helper.

﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ؛ ﴿أعْلَمُ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ أحَدٍ؛ ﴿بِأعْدائِكُمْ﴾؛ أيْ: كُلِّهِمْ؛ هَؤُلاءِ وغَيْرِهِمْ؛ بِما يَعْلَمُ مِنَ البَواطِنِ؛ فَمَن حَذَّرَكم مِنهُ - كائِنًا مَن كانَ - فاحْذَرُوهُ.

ولَمّا كانَ كُلٌّ مِن قَبِيلَتَيِ الأنْصارِ قَدْ والَوْا ناسًا مِنَ اليَهُودِ؛ لِيَعْتَزُّوا بِهِمْ؛ ولِيَسْتَنْصِرُوهُمْ؛ قالَ (تَعالى) - فاطِمًا لَهم عَنْ مُوالاتِهِمْ -: ﴿وكَفى﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ كَفى بِهِ - هَكَذا كانَ الأصْلُ -؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ لِتُسْتَحْضَرَ عَظَمَتُهُ؛ فَيُسْتَهانَ أمْرُ الأعْداءِ؛ فَقالَ: ﴿بِاللَّهِ ولِيًّا﴾؛ أيْ: قَرِيبًا؛ بِعَمَلِ جَمِيعِ ما يَفْعَلُهُ القَرِيبُ الشَّفِيقُ.

ولَمّا كانَ الوَلِيُّ قَدْ تَكُونُ فِيهِ قُوَّةُ النُّصْرَةِ؛ والنَّصِيرُ قَدْ لا يَكُونُ لَهُ شَفَقَةُ الوَلِيِّ؛ وكانَتِ النُّصْرَةُ أعْظَمَ ما يُحْتاجُ إلى الوَلِيِّ فِيهِ؛ أفْرَدَها بِالذِّكْرِ؛ إعْلامًا بِاجْتِماعِ الوَصْفَيْنِ؛ مُكَرِّرًا الفِعْلَ؛ والِاسْمَ الأعْظَمَ؛ اهْتِمامًا بِأمْرِها؛ فَقالَ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ ﴿نَصِيرًا﴾؛ أيْ: لِمَن والاهُ؛ فَلا يَضُرُّهُ عَداوَةُ أحَدٍ؛ فَثِقُوا بِوِلايَتِهِ؛ ونُصْرَتِهِ دُونَهُمْ؛ ولا تُبالُوا بِأحَدٍ مِنهُمْ؛ ولا مِن غَيْرِهِمْ؛ فَهو يَكْفِيكُمُ الجَمِيعَ.

4:46Page 86

مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ٤٦

Among the Jews are those who distort words from their [proper] places [i.e., usages] and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Rāʿinā,"1 twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allāh has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.2

(p-٢٩٢)ولَمّا وفَّرَتْ هَذِهِ الآياتُ الدَّواعِيَ عَلى تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الإضْلالَ؛ قالَ بَعْدَ الِاعْتِراضِ بِما بَيْنَ المُبَيِّنِ؛ والمُبَيَّنِ مِنَ الجُمَلِ؛ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ ما يَضِلُّونَ بِهِ ويُضِلُّونَ؛ بِقَوْلِهِ - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا؛ بِمَعْنى: بَعْضُهُمْ؛ أوْ مِنهم مَن -: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾؛ أيْ: الَّذِي أتى بِهِ شَرْعُهُمْ؛ مِن صِفَةِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ ﷺ وصِفَةِ دِينِهِ وأُمَّتِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُرِيدُونَ تَحْرِيفَهُ لِغَرَضٍ؛ فَيَتَألَّفُونَ في إمالَتِهِ؛ وتَغْيِيرِهِ عَنْ حَدِّهِ وطَرَفِهِ؛ إلى حَدٍّ آخَرَ؛ مُجاوِزِينَ بِهِ؛ ﴿عَنْ﴾ ولَمّا كانَتِ الكَلِمَةُ إذا غُيِّرَتْ تَبِعَها الكَلامُ؛ وهو المَقْصُودُ بِالذّاتِ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ؛ فَقالَ: ﴿مَواضِعِهِ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي بِهِ ألْيَقُ؛ فَيَتِمُّ ضَلالُهُمْ؛ وإضْلالُهُمْ؛ وهو يَشْمَلُ ما إذا كانَ المَعْنى المُغَيَّرُ إلَيْهِ بَعِيدًا عَنِ المُغَيَّرِ؛ أوْ قَرِيبًا؛ فالَّذِي في ”المائِدَةِ“ أخَصُّ.

ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عالِمًا بِجَمِيعِ تَحْرِيفِهِمْ؛ أشارَ إلَيْهِ بِالعَطْفِ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَيَقُولُونَ كَذا؛ ويَقُولُونَ كَذا“؛ ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا﴾؛ أيْ: ما تَقُولُ؛ ﴿وعَصَيْنا﴾؛ مُوهِمِينَ أنَّهم يُرِيدُونَ أنَّ ذَلِكَ حِكايَةُ ما وقَعَ لِأسْلافِهِمْ قَدِيمًا؛ وإنَّما يُرِيدُونَ أنَّهم هم سَمِعُوا ما تَقُولُ؛ وخالَفُوهُ عَمْدًا؛ لِيَظُنَّ مَن سَمِعَ ذَلِكَ أنَّهم عَلى بَصِيرَةٍ في المُخالَفَةِ بِسَبَبِ ما عِنْدَهم (p-٢٩٣)مِنَ العِلْمِ الرَّبّانِيِّ؛ لِيُورِثَهُ ذَلِكَ شَكًّا في أمْرِهِ؛ وحَيْرَةً في شَأْنِهِ؛ ﴿واسْمَعْ﴾؛ حالَ كَوْنِكَ؛ ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾؛ مُوهِمِينَ عَدَمَ إسْماعِهِ ما يَكْرَهُ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”فُلانٌ أسْمَعَ فُلانًا الكَلامَ“؛ وإنَّما يُرِيدُونَ الدُّعاءَ؛ كَما يُقالُ: ”اسْمَعْ لا سَمِعْتَ“؛ ﴿وراعِنا﴾؛ مُوهِمِينَ إرادَةَ المُراعاةِ؛ والإقْبالِ عَلَيْهِمْ؛ وإنَّما يُرِيدُونَ الشَّتْمَ بِالرُّعُونَةِ؛ وقالَ الأصْفَهانِيُّ: ويُحْتَمَلُ شِبْهُ كَلِمَةٍ عِبْرانِيَّةٍ؛ كانُوا يَتَسابُّونَ بِها؛ وهِيَ: ”راعِينا“؛ فَكانُوا - سُخْرِيَةً بِالدِّينِ؛ وهَزْءًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُونَهُ بِكَلامٍ مُحْتَمَلٍ؛ يَنْوُونَ بِهِ الشَّتِيمَةَ؛ والإهانَةَ؛ ويُظْهِرُونَ التَّوْقِيرَ؛ والإكْرامَ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾؛ أيْ: صَرْفًا لَها عَنْ مَخارِجِ الحُرُوفِ الَّتِي تَحِقُّ لَها في العَرَبِيَّةِ؛ إلى ما يَفْعَلُهُ العِبْرانِيُّونَ مِن تَغْلِيظِ بَعْضِ الحُرُوفِ؛ وشَوْبِ بَعْضِها بِغَيْرِهِ؛ لِإرادَةِ مَعانٍ عِنْدَهم قَبِيحَةٍ؛ مَعَ احْتِمالِها لِإرادَةِ مَعانٍ غَيْرِ تِلْكَ؛ يَقْصِدُها العَرَبُ؛ مَلِيحَةٍ؛ ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾؛ أيْ: بِما يُفَسِّرُونَهُ بِهِ لِمَن يَطْمَعُونَ فِيهِ مِن تِلْكَ المَعانِي الخَبِيثَةِ.

ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الكَلِماتِ المُوَجَّهَةَ؛ بَيَّنَ ما كانَ عَلَيْهِمْ لَوْ وقَفُوا؛ (p-٢٩٤)فَقالَ - قاطِعًا جِدالَهم -: ﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا﴾؛ أيْ: في الجَوابِ لَهُ ﷺ ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾؛ أيْ: بَدَلَ الكَلِمَةِ الأُولى؛ ﴿واسْمَعْ وانْظُرْنا﴾؛ بَدَلَ ما بَعْدَها؛ ﴿لَكانَ﴾؛ أيْ: هَذا القَوْلُ؛ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ أيْ: مِن ذَلِكَ؛ لِعَدَمِ اسْتِيجابِهِمُ الإثْمَ؛ ﴿وأقْوَمَ﴾؛ أيْ: لِعَدَمِ احْتِمالِ الذَّمِّ؛ ﴿ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: طَرَدَهُمُ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ العَظَمَةِ؛ والكَمالِ؛ وأبْعَدَهم عَنِ الخَيْرِ؛ ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾؛ أيْ: بِدَناءَتِهِمْ بِما يُغَطُّونَ مِن أنْوارِ الحَقِّ؛ ودَلائِلِ الخَيْرِ؛ فَلَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ.

ولَمّا سُبِّبَ عَنْ طَرْدِهِمُ اسْتِمْرارُ كُفْرِهِمْ؛ قالَ: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَهم إيمانٌ؛ ﴿إلا قَلِيلا﴾؛ أيْ: مِنهُمُ؛ اسْتِثْناءً مِنَ الواوِ؛ فَإنَّهم يُؤْمِنُونَ؛ أوْ هو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن مَصْدَرِ ”يُؤْمِنُ“؛ أيْ: مِن إيمانِهِمْ بِبَعْضِ الآياتِ؛ الَّذِي لا يَنْفَعُها لِكُفْرِهِمْ بِغَيْرِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском