Al-Biqa'iAn‑Nisa · 4:84–91

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:84–91

4:84Page 91

فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا ٨٤

So fight, [O Muḥammad], in the cause of Allāh; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allāh will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allāh is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.1

ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - نِفاقَهُمُ المُقْتَضِي لِتَقاعُدِهِمْ عَنِ الجِهادِ بِأنْفُسِهِمْ؛ (p-٣٤٥)وتَنْشِيطِهِمْ لِغَيْرِهِمْ؛ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنَّ يَمْضِيَ ﷺ لِأمْرِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلَيْهِمْ؛ وافَقُوا أوْ نافَقُوا؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بَعْدَ الأمْرِ بِالنَّفْرِ ثُباتٍ؛ وجَمِيعًا؛ وبَيانِ أنَّ مِنهُمُ المُبْطِئَ؛ مُشِيرًا إلى أنَّ الأمْرَ باقٍ؛ وإنْ بَطَّأ الكُلُّ -: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ولَوْ كُنْتَ وحْدَكَ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما أفْعَلُ فِيمَن أُرْسِلْتُ إلَيْهِمْ إنْ لَمْ يَخْرُجُوا؟ قالَ - مُعْلِمًا بِأنَّهُ قَدْ جَعَلَهُ أشْجَعَ النّاسِ؛ وأعْلَمَهم بِالحُرُوبِ؛ وتَدْبِيرِها؛ وهو مَعَ تَأْيِيدِهِ بِذَلِكَ قَدْ تَكَفَّلَ بِنُصْرَتِهِ؛ ولَمْ يَكِلْهُ إلى أحَدٍ -: ﴿لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾؛ أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ إثْمُ أتْباعِكَ لَوْ تَخَلَّفُوا عَنْكَ؛ وقَدْ أعاذَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِن ذَلِكَ؛ ولا ضَرَرَ عَلَيْكَ في الدُّنْيا أيْضًا مِن تَخَلِّيهِمْ؛ فَإنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ناصِرُكَ وحْدَهُ؛ ولَيْسَ النَّصْرُ إلّا بِيَدِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وما كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لِيَأْمُرَهُ بِشَيْءٍ إلّا وهو كُفُؤٌ لَهُ؛ فَهو مَلِيءٌ بِمُقاتَلَةِ الكُفّارِ كُلِّهِمْ وحْدَهُ؛ وإنْ كانُوا أهْلَ الأرْضِ كُلَّهُمْ؛ ولَقَدْ عَزَمَ في غَزْوَةِ ”بَدْرٍ“؛ المَوْعِدِ - الَّتِي قِيلَ: إنَّها سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ - عَلى الخُرُوجِ إلى الكُفّارِ؛ ولَوْ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ أحَدٌ؛ وقَدِ اقْتَدى بِهِ صاحِبُهُ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - في قِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ؛ فَقالَ لِلصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهم -: ”واللَّهِ لَوْ لَمْ أجِدْ إلّا هاتَيْنِ - يَعْنِي ابْنَتَيْهِ: (p-٣٤٦)عائِشَةَ وأسْماءَ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما - لَقاتَلَتُهم بِهِما“.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يُفْتِرُ عَنِ الدُّعاءِ؛ قالَ: ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: مُرْهم بِالجِهادِ؛ وانْهَهم عَنْ تَرْكِهِ؛ وعَنْ مُواصَلَةِ كُلِّ مَن يُثَبِّطُهم عَنْهُ؛ وعِظْهُمْ؛ واجْتَهِدْ في أمْرِهِمْ؛ حَتّى يَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلنَّفْرِ مَتى نُدِبُوا؛ حَتّى كَأنَّهم - لِشِدَّةِ اسْتِعْدادِهِمْ - حاضِرُونَ في الصَّفِّ دائِمًا؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الذِّكْرَ؛ لِثَمَرَةِ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿عَسى اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي اسْتَجْمَعَ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿أنْ يَكُفَّ﴾؛ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: عَنْ أنْ يَمْنَعُوكَ مِن إظْهارِ الدِّينِ؛ بِقِتالِكَ؛ وقِتالِ مَن تُحَرِّضُهُ؛ ولَقَدْ فَعَلَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ذَلِكَ؛ فَصَدَقَ وعْدَهُ؛ ونَصَرَ عَبْدَهُ؛ وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ؛ حَتّى ظَهَرَ الدِّينُ؛ ولا يَزالُ ظاهِرًا حَتّى يَكُونَ آخِرُ ذَلِكَ عَلى يَدِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ولَمّا كانَ السّامِعُ رُبَّما فَهِمَ أنَّهُ لا يَتَأتّى كَفُّهم إلّا بِذَلِكَ؛ قالَ - تَرْغِيبًا؛ وتَرْهِيبًا؛ واحْتِراسًا -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ؛ ﴿أشَدُّ بَأْسًا﴾؛ أيْ: عَذابًا؛ وشِدَّةً مِنَ المُقاتِلِينَ؛ والمُقاتَلِينَ؛ ﴿وأشَدُّ تَنْكِيلا﴾؛ أيْ: تَعْذِيبًا؛ بِأعْظَمِ العَذابِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُهْلِكًا لِلْمُعَذَّبِ؛ ومانِعًا لِغَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ؛ قالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ: يُقالُ: ”نَكَّلْتُهُ تَنْكِيلًا“؛ إذا عَمِلْتُ بِهِ عَمَلًا يَكُونُ نَكالًا لِغَيْرِهِ؛ أيْ: عِبْرَةً؛ فَيَرْجِعُ عَنِ المُرادِ مِن (p-٣٤٧)أجْلِهِ؛ وهو أنَّ النّاظِرَ إلَيْهِ؛ والَّذِي يَبْلُغُهُ ذَلِكَ؛ يَخافُ أنْ يَحِلَّ بِهِ مِثْلُهُ؛ أيْ: فَيَكُونَ لَهُ ذَلِكَ قَيْدًا عَنِ الإقْدامِ؛ و”النِّكْلُ“؛ بِالكَسْرِ: القَيْدُ.

4:85Page 91

مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا ٨٥

Whoever intercedes for a good cause will have a share [i.e., reward] therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a portion [i.e., burden] therefrom. And ever is Allāh, over all things, a Keeper.1

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلرَّغْبَةِ في طاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لا سِيَّما في الجِهادِ؛ ولِلرَّغْبَةِ فِيمَن كانَ بِصِفَةِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الإقْبالِ عَلى الطّاعَةِ؛ والإعْراضِ عَنْ كُلِّ مَن كانَ بِصِفَةِ المُنافِقِينَ؛ والإدامَةِ لِطَرْدِهِمْ؛ وإبْعادِهِمْ؛ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ؛ والحَذَرِ مِن مُجالَسَتِهِمْ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ إخْلاصُهُمْ؛ وكانَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِن خُلَّصِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهم - وبَيْنَهم قَراباتٌ تُوجِبُ العَطْفَ المُقْتَضِيَ لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِمُ؛ الحامِلَةِ لِلشَّفاعَةِ فِيهِمْ؛ إمّا بِالإذْنِ في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ؛ لِما يُزَخْرِفُونَ القَوْلَ مِنَ الأعْذارِ الكاذِبَةِ؛ أوْ في العَفْوِ عَنْهم عِنْدَ العُثُورِ عَلى نَقائِصِهِمْ؛ أوْ في إعانَتِهِمْ؛ أوْ إعانَةِ غَيْرِهِمْ؛ بِالمالِ؛ والنَّفْسِ؛ في أمْرِ الجِهادِ؛ عِنْدَ ادِّعاءِ أنَّ المانِعَ لَهُ عَنْهُ العَجْزُ؛ وفي غَيْرِ ذَلِكَ؛ وكانَتِ التَّوْبَةُ مَعْرُوضَةً لَهُمْ؛ ولِغَيْرِهِمْ؛ وكانَ البِرُّ ما سَكَنَ إلَيْهِ القَلْبُ؛ والإثْمُ ما حاكَ في الصَّدْرِ؛ والإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةً؛ وكانَتِ البَواطِنُ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وكانَ الإنْسانُ رُبَّما أظْهَرَ شَرًّا في صُورَةِ خَيْرٍ؛ رَغَّبَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في البِرِّ؛ وحَذَّرَ مِنَ الإثْمِ؛ بِقَوْلِهِ - مُعَمِّمًا؛ مُسْتَأْنِفًا في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: (p-٣٤٨)أما تُقْبَلُ فِيهِمْ شَفاعَةٌ؟ -: ﴿مَن يَشْفَعْ﴾؛ أيْ: يُوجِدْ؛ ويُجَدِّدْ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ في أيِّ وقْتٍ كانَ؛ ﴿شَفاعَةً حَسَنَةً﴾؛ أيْ: يُقِيمُ بِها عُذْرَ المُسْلِمِ؛ في كُلِّ ما يَجُوزُ في الدِّينِ؛ لِيُوَصِّلَ إلَيْهِ خَيْرًا؛ أوْ يَدْفَعَ عَنْهُ ضَيْرًا؛ ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها﴾؛ بِأجْرِ تَسَبُّبِهِ في الخَيْرِ؛ ﴿ومَن يَشْفَعْ﴾؛ كائِنًا مَن كانَ؛ في أيِّ زَمانٍ كانَ؛ ﴿شَفاعَةً سَيِّئَةً﴾؛ أيْ: بِالذَّبِّ عَنْ مُجْرِمٍ في أمْرٍ لا يَجُوزُ؛ والتَّسَبُّبِ في إعْلائِهِ؛ وجَبْرِ دائِهِ؛ وعَظَّمَ الشَّفاعَةَ السَّيِّئَةَ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِما يُفْهِمُ النَّصِيبَ؛ ويُفْهِمُ أكْثَرَ مِنهُ؛ تَغْلِيظًا في الزَّجْرِ -: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾؛ وهَذا بَيانٌ لِأنَّ الشَّفاعَةَ فِيهِمْ سَيِّئَةٌ؛ إنْ تَحَقَّقَ إجْرامُهُمْ؛ حَسَنَةٌ؛ إنْ عُلِمَتْ تَوْبَتُهُمْ؛ وإسْلامُهم.

ولَمّا كانَ كُلٌّ مِن تَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ عَلى الجِهادِ؛ والشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ؛ مِن وادِي: «”مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً؛ كانَ لَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ“؛» حَسُنَ اقْتِرانُهُما جِدًّا؛ والنَّصِيبُ قَدْرٌ مُتَمَيِّزٌ مِنَ الشَّيْءِ؛ يَخُصُّ مَن هو لَهُ؛ وكَذا الكِفْلُ؛ إلّا أنَّ الِاسْتِعْمالَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ مِنَ النَّصِيبِ؛ ويُؤَيِّدُهُ ما قالُوا؛ مِن أنَّهُ قَدْ يُرادُ بِهِ الضِّعْفُ؛ فَكَأنَّهُ نَصِيبٌ مُتَكَفِّلٌ بِما هو لَهُ (p-٣٤٩)مِن إسْعادٍ؛ وإبْعادٍ؛ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”النَّصِيبُ“: الحَظُّ؛ و”الكِفْلُ“؛ بِالكَسْرِ: الضِّعْفُ؛ والنَّصِيبُ؛ والحَظُّ؛ ومادَّةُ ”نَصَبَ“؛ تَدُورُ عَلى العَلَمِ المَنصُوبِ؛ ويَلْزَمُهُ الرَّفْعُ؛ والوَضْعُ؛ والتَّمْيِيزُ؛ والأصْلُ؛ والمَرْجِعُ؛ والتَّعَبُ؛ فَيَلْزَمُهُ الوَجَعُ؛ ومِن لَوازِمِهِ أيْضًا الحَدُّ؛ والغايَةُ؛ والجِدُّ؛ والوُقُوفُ؛ ومادَّةُ ”كَفَلَ“؛ تَدُورُ عَلى ”الكِفَلُ“؛ بِالتَّحْرِيكِ؛ وهو العَجْزُ؛ أوْ رِدْفُهُ؛ ويَلْزَمُهُ الصَّحابَةُ؛ واللِّينُ؛ والرِّفْقُ؛ والتَّأخُّرُ؛ وقالَ الإمامُ: ”الكِفْلُ“؛ هو النَّصِيبُ الَّذِي عَلَيْهِ يَعْتَمِدُ الإنْسانُ في تَحْصِيلِ المَصالِحِ لِنَفْسِهِ؛ ودَفْعِ المَفاسِدِ عَنْ نَفْسِهِ؛ والمَقْصُودُ هُنا حُصُولُ ضِدِّ ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤]؛ والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ المُؤَدِّيَةَ إلى سُقُوطِ الحَقِّ؛ وقُوَّةِ الباطِلِ تَكُونُ عَظِيمَةَ العِقابِ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ انْتَهى.

وما غُلِّظَ هَذا الزَّجْرُ إلّا لِلْعِلْمِ بِأنَّ أكْثَرَ النُّفُوسِ مَيّالَةٌ بِأصْحابِها لِلشَّفاعَةِ بِالباطِلِ؛ ولَمّا كانَ الألْيَقُ بِالرَّغْبَةِ ألّا يُقْطَعَ في مُوجِبِها؛ وإنْ عَظُمَ بِالحَقِّيَةِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ زاجِرًا عَنْ مُقارَفَةِ شَيْءٍ مِنها؛ وإنْ صَغُرَ؛ عَبَّرَ في الحَسَنَةِ بِالنَّصِيبِ؛ وفي السَّيِّئَةِ بِالكِفْلِ؛ ويُؤَيِّدُ إرادَةَ هَذا أنَّهُ (p-٣٥٠)(تَعالى) لَمّا ذَكَرَ ما يُوجِبُ الجَنَّةَ مِنَ الإيمانِ؛ والتَّقْوى؛ وكانَ في سِياقِ الوَعْظِ لِأهْلِ الكِتابِ؛ الَّذِينَ هم عَلى شَرْعٍ أصْلُهُ حَقٌّ؛ بِتَشْرِيعِ رَسُولٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ فَتَرْكُهم لِذَلِكَ بَعِيدٌ؛ يَحْتاجُ إلى زِيادَةِ تَرْغِيبٍ؛ عَبَّرَ بِالكِفْلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]؛ إلى آخِرِها.

ولَمّا كانَ النَّصِيبُ مُبْهَمًا بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِنا؛ لِتَفاوُتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُصُورِ الشّافِعِينَ؛ وإقْدامِهِمْ عَلى الشَّفاعَةِ عَلى عِلْمٍ؛ أوْ جَهْلٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُمْكِنُ الإحاطَةُ بِهِ؛ إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ قالَ (تَعالى) - مُرَغِّبًا؛ ومُرَهِّبًا -: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ مِنَ الشّافِعِينَ؛ وغَيْرِهِمْ؛ وجَزاءِ الشَّفاعَةِ؛ ﴿مُقِيتًا﴾؛ أيْ: حَفِيظًا؛ وشَهِيدًا؛ وقَدِيرًا عَلى إعْطاءِ ما يَقُوتُ؛ مِن أخْلاقِ النُّفُوسِ؛ وأحْوالِ القُلُوبِ؛ وأرْزاقِ الأبْدانِ؛ وجَمِيعِ ما بِهِ القِوامُ؛ جَزاءً وابْتِداءً؛ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ؛ وعَلى تَقْدِيرِ ما يَسْتَحِقُّ كُلُّ أحَدٍ مِنَ الجَزاءِ عَلى الشَّفاعَةِ؛ وكُلِّ خَيْرٍ؛ وشَرٍّ.

4:86Page 91

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَسِيبًا ٨٦

And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed Allāh is ever, over all things, an Accountant.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلْإعْراضِ عَنْهم رَأْسًا؛ ومُنابَذَتِهِمْ؛ قَوْلًا؛ وفِعْلًا؛ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مِن وادِي الشَّفاعَةِ؛ وأنَّ الشَّفاعَةَ تابِعَةٌ لِلْعَمَلِ؛ والتَّحِيَّةَ تابِعَةٌ لِلظّاهِرِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عاطِفًا (p-٣٥١)عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَلا تَشْفَعُوا فِيهِمْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ سُوءَ مَقاصِدِهِمْ“؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحَقُّقِ؛ بِشارَةً لَهم بِأنَّهم يَصِيرُونَ - بَعْدَ ما هم فِيهِ الآنَ مِنَ النَّكَدِ - مُلُوكًا؛ وفي حُكْمِ المُلُوكِ؛ يَحْيَوْنَ؛ ويُشْفَعُ عِنْدَهُمْ؛ وحَثًّا عَلى التَّواضُعِ -: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾؛ أيْ: أيِّ تَحِيَّةٍ كانَتْ؛ إذا كانَتْ مَشْرُوعَةً؛ وأصْلُ التَّحِيَّةِ المُلْكُ؛ واشْتِقاقُها مِن ”الحَياةُ“؛ فَكَأنَّ حَياةَ المُلْكِ هي الحَياةُ؛ وما عَداها عَدَمٌ؛ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى كُلِّ دُعاءٍ يُبْدَأُ بِهِ عِنْدَ اللِّقاءِ؛ وقالَ الأصْبَهانِيُّ: لَفْظُ التَّحِيَّةِ صارَ كِنايَةً عَنِ الإكْرامِ؛ فَجَمِيعُ أنْواعِ الإكْرامِ تَدْخُلُ تَحْتَ لَفْظِ التَّحِيَّةِ؛ ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾؛ كَأنْ تَزِيدُوا عَلَيْها؛ ﴿أوْ رُدُّوها﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ زِيادَةٍ؛ ولا نَقْصٍ؛ وذَلِكَ دالٌّ عَلى وُجُوبِ رَدِّ السَّلامِ - مِنَ الأمْرِ؛ وعَلى الفَوْرِ - مِنَ الفاءِ؛ والإجْماعُ مُوافِقٌ لِذَلِكَ؛ وتَرْكُ الجَوابِ إهانَةٌ؛ والإهانَةُ ضَرَرٌ؛ والضَّرَرُ حَرامٌ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: والمُبْتَدِئُ يَقُولُ: ”السَّلامُ عَلَيْكُمْ“؛ والمُجِيبُ يَقُولُ: ”وعَلَيْكُمُ السَّلامُ“؛ لِيَكُونَ الِافْتِتاحُ والِاخْتِتامُ بِذِكْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى.

وما أحْسَنَ جَعْلَها تالِيَةً لِآيَةِ الجِهادِ؛ إشارَةً إلى أنَّ مَن بَذَلَ السَّلامَ وجَبَ الكَفُّ عَنْهُ؛ ولَوْ كانَ في الحَرْبِ؛ عَلى أنَّ مِن مُقْتَضَياتِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ مَبْنى هَذِهِ السُّورَةِ عَلى النَّدْبِ إلى الإحْسانِ؛ والتَّعاطُفِ؛ (p-٣٥٢)والتَّواصُلِ؛ وسَبَبُ ذَلِكَ إمّا المالُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ الأمْرُ بِهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨]؛ وإمّا غَيْرُهُ؛ ومِن أعْظَمِهِ القَوْلُ؛ لِأنَّهُ تُرْجُمانُ القَلْبِ؛ الَّذِي بِهِ العَطْفُ؛ ومِن أعْظَمِ ذَلِكَ الشَّفاعَةُ؛ والتَّحِيَّةُ؛ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ؛ والأرْبَعَةُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتّى تُؤْمِنُوا؛ ولا تُؤْمِنُوا حَتّى تَحابُّوا؛ أفَلا أدُلُّكم عَلى أمْرٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ؛ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ“؛» فَناسَبَ ذِكْرَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بَعْدَ ذِكْرِ آيَةِ الجِهادِ؛ المُخْتَتَمَةِ بِالبَأْسِ؛ والتَّنْكِيلِ.

ولَمّا كانَتِ الشَّفاعَةُ أعْظَمَها في الإحْسانِ؛ قُدِّمَتْ؛ ولا سِيَّما؛ ومُوجِبُها الإعْراضُ؛ ومَقْصِدُ السُّورَةِ التَّواصُلُ؛ فَشَأْنُها أهَمُّ؛ والنَّظَرُ إلَيْها آكَدُ؛ ثُمَّ رَغَّبَ في الإحْسانِ في الرَّدِّ؛ ورَهَّبَ مِن تَرْكِهُ؛ بِقَوْلِهِ – مُعَلِّلًا -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ؛ عِلْمًا وقُدْرَةً؛ ﴿كانَ﴾؛ أيْ: أزَلًا؛ وأبَدًا؛ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾؛ أيْ: مُحْصِيًا لِجَمِيعِ المُتَعَدِّداتِ؛ دَقِيقِها وجَلِيلِها؛ كافِيًا لَها في أقْواتِها؛ ومَثُوباتِها؛ مُحاسِبًا بِها؛ مُجازِيًا عَلَيْها؛ وذَلِكَ كُلُّهُ شَأْنُ المُقِيتِ؛

4:87Page 92

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا ٨٧

Allāh - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allāh in statement.

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - دالًّا عَلى تَلازُمِ التَّوْحِيدِ؛ والعَدْلِ -: ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ؛ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾؛ أيْ: وقَدْ أمَرَكم بِالعَدْلِ في الشَّفاعَةِ؛ والسَّلامِ؛ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوهُ - لِما لَكم مِنَ النَّقائِصِ (p-٣٥٣)الَّتِي مِنها عَدَمُ الوَحْدانِيَّةِ - فَهو فاعِلُهُ؛ ولا بُدَّ فاحْذَرُوهُ؛ لِأنَّهُ واحِدٌ؛ فَلا مُعارِضَ لَهُ في شَيْءٍ مِنَ الحِسابِ؛ ولا غَيْرِهِ؛ ولا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ فالحُكْمُ عَلى البَواطِنِ إنَّما هو لَهُ (تَعالى)؛ وأمّا أنْتُمْ فَلَمْ تُكَلَّفُوا إلّا بِالظّاهِرِ.

ولَمّا تَبَيَّنَ أنَّهُ لا مَعارِضَ لَهُ أنْتَجَ قَوْلَهُ - مُبَيِّنًا لِوَقْتِ الحِسابِ الأعْظَمِ -: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾؛ وأكَّدَهُ بِاللّامِ؛ والنُّونِ؛ دَلالَةً عَلى تَقْدِيرِ القَسَمِ؛ لِإنْكارِ المُنْكِرِينَ لَهُ؛ ولَمّا كانَ التَّدْرِيجُ بِالإماتَةِ شَيْئًا؛ فَشَيْئًا؛ عَبَّرَ بِحَرْفِ الغايَةِ؛ فَقالَ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾؛ والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ؛ ثُمَّ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ أيْ: فَيَفْصِلُ بَيْنَكم وبَيْنَ مَن أخْبَرَكم بِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ونَقَدَ أحْوالَهُمْ؛ وبَيَّنَ مَحالَّهُمْ؛ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَمَن أعْظَمُ مِنَ اللَّهِ قُدْرَةً؟“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ فَلا شَوْبُ نَقْصٍ يَلْحَقُهُ؛ ﴿حَدِيثًا﴾؛ وهو قَدْ وعَدَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ عَيْنُ الحِكْمَةِ؛ وأقْسَمَ عَلَيْهِ؛ فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ؛

4:88Page 92

۞ فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ٨٨

What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites,1 while Allāh has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned.2 Do you wish to guide those whom Allāh has sent astray? And he whom Allāh sends astray - never will you find for him a way [of guidance].3

وإذْ قَدْ تَحَرَّرَ بِما مَضى أنَّ المُنافِقِينَ كَفَرَةٌ؛ لا لَبْسَ في أمْرِهِمْ؛ وكَشَفَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الحُكْمَ في باطِنِ أمْرِهِمْ بِالشَّفاعَةِ؛ وظاهِرِهِ بِالتَّحِيَّةِ؛ وحَذَّرَ مَن خالَفَ ذَلِكَ بِما أوْجَبَتْهُ عَلى نَفْسِهِ حِكْمَتُهُ مِنَ الجَمْعِ لِيَوْمِ الفَصْلِ؛ لِلْحُكْمِ بِالعَدْلِ؛ وخَتَمَ بِأنَّ الخَبَرَ عَنْهُمْ؛ وعَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ صِدْقٌ؛ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَزْمِ القَوْلِ بِشَقاوَتِهِمْ؛ والإعْراضِ (p-٣٥٤)عَنْهُمْ؛ والبُعْدِ عَنِ الشَّفاعَةِ فِيهِمْ؛ والإجْماعِ عَلى ذَلِكَ مِن كُلِّ مُؤْمِنٍ؛ وإنْ كانَ مَبْنى السُّورَةِ عَلى التَّواصُلِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو حَيْثُ لا يُؤَدِّي إلى مُقاطَعَةِ أمْرِ اللَّهِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُبَكِّتًا لِمَن تَوَقَّفَ عَنِ الجَزْمِ بِإبْعادِهِمْ -: ﴿فَما لَكُمْ﴾؛ أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ﴿فِي المُنافِقِينَ﴾؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم مِن أُمُورِ الدُّنْيا؛ أوِ الآخِرَةِ؛ في افْتِراقِكم فِيهِمْ ﴿فِئَتَيْنِ﴾؛ بَعْضُكم يَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ؛ وبَعْضُكم يَرْفُقُ بِهِمْ؟

ولَمّا كانَ هَذا ظاهِرًا في بُرُوزِ الأمْرِ المُطاعِ بَيْنَ القَوْلِ بِكُفْرِهِمْ؛ وضَّحَهُ بِقَوْلِهِ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿أرْكَسَهُمْ﴾؛ أيْ: رَدَّهم مَنكُوسِينَ؛ مَقْلُوبِينَ؛ ﴿بِما كَسَبُوا﴾؛ أيْ: بَعْدَ إقْرارِهِمْ بِالإيمانِ؛ مِن مِثْلِ هَذِهِ العَظائِمِ؛ فاحْذَرُوا ذَلِكَ؛ ولا تَخْتَلِفُوا في أمْرِهِمْ بَعْدَ هَذا البَيانِ؛ وفي غَزْوَةِ ”أُحُدٍ“؛ والتَّفْسِيرِ مِنَ البُخارِيِّ؛ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - قالَ: «”لَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إلى“أُحُدٍ”؛ رَجَعَ ناسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ؛ وكانَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً تَقُولُ: نُقاتِلُهُمْ؛ وفِرْقَةً تَقُولُ: لا نُقاتِلُهُمْ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ﴾؛ الآيَةَ؛ وقالَ: إنَّها طَيِّبَةٌ تَنْفِي الذُّنُوبَ؛ وفي رِوايَةٍ: كَما تَنْفِي النّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ“؛» انْتَهى؛ فالمَعْنى حِينَئِذٍ: ”اتَّفِقُوا عَلى أنْ تَسِيرُوا فِيها بِما يَنْزِلُ عَلَيْكم في هَذِهِ الآياتِ“؛ (p-٣٥٥)ولَمّا كانَ حالُ مَن يَرْفُقُ بِهِمْ حالَ مَن يُرِيدُ هِدايَتَهُمْ؛ أنْكَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ذَلِكَ عَلَيْهِمْ صَرِيحًا؛ لِبَتِّ الأمْرِ في كُفْرِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿أتُرِيدُونَ﴾؛ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ﴿أنْ تَهْدُوا﴾؛ أيْ: تُوجِدُوا الهِدايَةَ في قَلْبِ؛ ﴿مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وهو المَلِكُ الأعْظَمُ؛ الَّذِي لا يُرَدُّ لَهُ أمْرٌ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ومَن﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ مَن ﴿يُضْلِلِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِمَجامِعِ أسْمائِهِ؛ وصِفاتِهِ؛ ﴿فَلَنْ تَجِدَ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ أيُّها المُخاطَبُ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ ﴿لَهُ سَبِيلا﴾؛ أيْ: إلى ما أضَلَّهُ عَنْهُ أصْلًا؛ والمَعْنى: إنْ كانَ رِفْقُكم بِهِمْ رَجاءَ هِدايَتِهِمْ؛ فَذَلِكَ أمْرٌ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ؛ وإنَّما عَلَيْكم أنْتُمُ الدُّعاءُ؛ فَمَن أجابَ صارَ أهْلًا لِلْمُواصَلَةِ؛ ومَن أبى صارَتْ مُقاطَعَتُهُ دِينًا؛ وقَتْلُهُ قُرْبَةً؛ والإغْلاظُ عَلَيْهِ واجِبًا.

4:89Page 92

وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ أَوۡلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡۖ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرًا ٨٩

They wish you would disbelieve as they disbelieved so you would be alike. So do not take from among them allies until they emigrate for the cause of Allāh. But if they turn away [i.e., refuse], then seize them and kill them [for their betrayal] wherever you find them and take not from among them any ally or helper,

ولَمّا أخْبَرَ بِضَلالِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلَيْهِ؛ أعْلَمَ بِإعْراقِهِمْ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿ودُّوا﴾؛ أيْ: أحَبُّوا؛ وتَمَنَّوْا تَمَنِّيًا واسِعًا؛ ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: تُوجِدُونَ الكُفْرَ؛ وتُجَدِّدُونَهُ؛ وتَسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ دائِمًا؛ ﴿كَما كَفَرُوا﴾؛ ولَمّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ وُدِّهِمْ لِكُفْرِهِمْ؛ وكَوْنِهِمْ مُساوِينَ لَهُمْ؛ تَلازُمٌ؛ عَطَفَ عَلى الفِعْلِ المَوْدُودِ - ولَمْ يُسَبِّبْ - قَوْلَهُ: ﴿فَتَكُونُونَ﴾؛ أيْ: ووَدُّوا (p-٣٥٦)أنْ يَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ؛ ويَتَعَقَّبَهُ أنْ تَكُونُوا أنْتُمْ وهُمْ؛ ﴿سَواءً﴾؛ أيْ: في الضَّلالِ؛ أيْ: تُوجِدُونَ الكُفْرَ؛ وتُجَدِّدُونَهُ؛ وتَسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ دائِمًا؛ فَأنْتُمْ تَرْجُونَ في زَمانِ الرِّفْقِ بِهِمْ هِدايَتَهُمْ؛ وهم يَوَدُّونَ فِيهِ كُفْرَكُمْ؛ وضَلالَكُمْ؛ فَقَدْ تَباعَدْتُمْ في المَذاهِبِ؛ وتَبايَنْتُمْ في المَقاصِدِ.

ولَمّا أخْبَرَ بِهَذِهِ الوَدادَةِ؛ سَبَّبَ عَنْهُ أمْرَهم بِالبَراءَةِ مِنهم حَتّى يُصْلِحُوا؛ بَيانًا لِأنَّ قَوْلَهم في الإيمانِ لا يُقْبَلُ ما لَمْ يُصَدِّقُوهُ بِفِعْلٍ؛ فَقالَ: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا﴾؛ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ﴿مِنهم أوْلِياءَ﴾؛ أيْ: أقْرِباءَ مِنكُمْ؛ ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾؛ أيْ: يُوقِعُوا المُهاجَرَةَ؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: يَهْجُرُوا مَن خالَفَهم في ذاتِ مَن لا شَبَهَ لَهُ؛ ويَتَسَبَّبُوا في هِجْرانِهِ لَهُمْ؛ إنْ كانُوا في دارِ الحَرْبِ؛ فَبِتَرْكِها؛ وإنْ كانُوا عِنْدَكم فَبِتَرْكِ مُوادَّةِ الكَفَرَةِ؛ والمُوافَقَةِ لَهم في أقْوالِهِمْ؛ وأفْعالِهِمْ؛ وإنْ كانُوا أقْرَبَ أقْرِبائِهِمْ؛ وهِجْرَتُهم في جَمِيعِ ذَلِكَ بِمُواصَلَتِكم في جَمِيعِ أقْوالِكُمْ؛ وأفْعالِكُمْ؛ والهِجْرَةُ العامَّةُ هي تَرْكُ ما نَهى اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ ورَسُولُهُ ﷺ عَنْهُ. (p-٣٥٧)ولَمّا نَهى عَنْ مُوالاتِهِمْ؛ وغَيّى النَّهْيَ بِالهِجْرَةِ؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أيْ: عَنِ الهِجْرَةِ المَذْكُورَةِ؛ ﴿فَخُذُوهُمْ﴾؛ أيْ: اقْهَرُوهم بِالأسْرِ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾؛ أيْ: في حِلٍّ؛ أوْ حَرَمٍ؛ ولَمّا كانُوا في هَذِهِ الحالَةِ لا يُوالُونَ المُؤْمِنِينَ إلّا تَكَلُّفًا؛ قالَ: ﴿ولا تَتَّخِذُوا﴾؛ أيْ: تَتَكَلَّفُوا أنْ تَأْخُذُوا؛ ﴿مِنهم ولِيًّا﴾؛ أيْ: مَن تَفْعَلُونَ مَعَهُ فِعْلَ المُقارِبِ المُصافِي؛ ﴿ولا نَصِيرًا﴾؛ عَلى أحَدٍ مِن أعْدائِكُمْ؛ بَلْ جانِبُوهم مُجانَبَةً كُلِّيَّةً.

4:90Page 92

إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوۡ جَآءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن يُقَٰتِلُوكُمۡ أَوۡ يُقَٰتِلُواْ قَوۡمَهُمۡۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَيۡكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سَبِيلٗا ٩٠

Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allāh had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allāh has not made for you a cause [for fighting] against them.

ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ أمَرَ فِيهِمْ عَلى تَقْدِيرِ تَوَلِّيهِمْ بِما أمَرَ؛ اسْتَثْنى مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾؛ فِرارًا مِنكُمْ؛ وهم مِنَ الكُفّارِ عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ ﴿إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾؛ أيْ: عَهْدٌ وثِيقٌ بِألّا تُقاتِلُوهُمْ؛ ولا تُقاتِلُوا مَن لَجَأ إلَيْهِمْ؛ أوْ دَخَلَ فِيما دَخَلُوا فِيهِ؛ فَكُفُّوا حِينَئِذٍ عَنْ أخْذِهِمْ؛ وقَتْلِهِمْ؛ ﴿أوْ﴾؛ الَّذِينَ ﴿جاءُوكُمْ﴾؛ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿حَصِرَتْ﴾؛ أيْ: ضاقَتْ؛ وهابَتْ؛ وأحْجَمَتْ ﴿صُدُورُهم أنْ﴾؛ أيْ: عَنْ أنْ؛ ﴿يُقاتِلُوكُمْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ دِينِهِمْ؛ وقَوْمِهِمْ؛ ﴿أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِكُمْ؛ فِرارًا أنْ يَكُفُّوا عَنْ قِتالِكُمْ؛ وقِتالِ قَوْمِهِمْ؛ فَلا تَأْخُذُوهُمْ؛ ولا تُقاتِلُوهُمْ؛ لِأنَّهم كالمُسالِمِينَ بِتَرْكِ القِتالِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالماضِي في ”جاءَ“؛ (p-٣٥٨)إشارَةً إلى أنَّ شَرْطَ مُساواتِهِمْ لِلْواصِلِينَ إلى المُعاهِدِينَ عَدَمُ التَّكَرُّرِ؛ فَإنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهم فَهُمُ الآخَرُونَ الآتِي حُكْمُهم.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَلَوْ شاءَ اللَّهُ لِجَعَلَهم مَعَ قَوْمِهِمْ إلْبًا واحِدًا عَلَيْكُمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ﴾؛ أيْ: يَكُونُ المَعْنى: والحالُ أنَّهُ لَوْ ﴿شاءَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وهو المُتَّصِفُ بِكُلِّ كَمالٍ؛ ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ الواصِلِينَ؛ والجائِينَ عَلى تِلْكَ الحالِ مِنَ الكُفّارِ؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ يُنَوِّعُ مِن أنْواعِ التَّسْلِيطِ؛ تَسْلِيطًا جارِيًا عَلى الأسْبابِ؛ ومُقْتَضى العَوائِدِ؛ لِأنَّ بِهِمْ قُوَّةً عَلى قِتالِكُمْ؛ ﴿فَلَقاتَلُوكُمْ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا التَّسْلِيطِ أنَّهم قاتَلُوكم مُنْفَرِدِينَ؛ أوْ مَعَ غَيْرِهِمْ مِن أعْدائِكُمْ؛ واللّامُ فِيهِ جَوابُ ”لَوْ“؛ عَلى التَّكْرِيرِ؛ أوِ البَدَلِ مِن ”سَلَّطَ“.

ولَمّا كانَ المُغَيّى عَلى النَّهْيِ عَنْ قِتالِهِمْ حِينَئِذٍ؛ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أمَرْتُكم بِالكَفِّ عَنْهم مِنَ المُنافِقِينَ؛ فَكَفُّوا عَنْكُمْ؛ ﴿فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾؛ مُنْفَرِدِينَ؛ ولا مُجْتَمِعِينَ مَعَ غَيْرِهِمْ؛ ﴿وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾؛ أيْ: الِانْقِيادَ؛ ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي (p-٣٥٩)لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ بِجِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ؛ ﴿لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾؛ أيْ: إلى شَيْءٍ مِن أخْذِهِمْ؛ ولا قَتْلِهِمْ.

4:91Page 92

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأۡمَنُوكُمۡ وَيَأۡمَنُواْ قَوۡمَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعۡتَزِلُوكُمۡ وَيُلۡقُوٓاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ٩١

You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ بَقِيَ مِن أقْسامِ المُنافِقِينَ شَيْءٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ؛ ﴿سَتَجِدُونَ﴾؛ أيْ: عَنْ قُرْبٍ؛ بِوَعْدٍ لا شَكَّ فِيهِ؛ ﴿آخَرِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ؛ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾؛ أيْ: فَلا يَحْصُلَ لَكم مِنهم ضَرَرٌ؛ ﴿ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾؛ كَذَلِكَ؛ لِضَعْفِهِمْ عَنْ كُلٍّ مِنكُمْ؛ فَهم يُظْهِرُونَ لَكُمُ الإيمانَ إذا لَقُوكُمْ؛ ولَهُمُ الكُفْرَ إذا لَقُوهُمْ؛ وهو مَعْنى ﴿كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ﴾؛ أيْ: الِابْتِلاءِ بِالخَوْفِ عِنْدَ المُخالَطَةِ؛ ﴿أُرْكِسُوا﴾؛ أيْ: قُلِبُوا مَنكُوسِينَ؛ ﴿فِيها﴾

ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ أعْرَقَ في النِّفاقِ؛ وأرْدى؛ وأدْنى مِنَ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ؛ وأعْدى؛ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ ما صَرَّحَ بِهِ في أُولَئِكَ؛ لِأنَّهُ أغْلَظُ؛ وهم أجْدَرُ مِنَ الأوَّلِينَ بِالإغْلاظِ؛ وطَوى ما صَرَّحَ بِهِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ الِاعْتِزالُ خُضُوعًا؛ لا كِبْرًا؛ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾؛ أيْ: الِانْقِيادَ؛ ولَمّا كانَ الإلْقاءُ لا بُدَّ لَهُ مِن قَرائِنَ يُعْرَفُ بِها؛ قالَ: ﴿ويَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ﴾؛ أيْ: عَنْ قِتالِكُمْ؛ وأذاكُمْ؛ ﴿فَخُذُوهُمْ﴾؛ أيْ: اقْهَرُوهم بِكُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ القَهْرِ تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ؛ ﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ (p-٣٦٠)ولَمّا كانَ نِفاقُهم - كَما تَقَدَّمَ - في غايَةِ الرَّداءَةِ؛ وأخْلاقُهم في نِهايَةِ الدَّناءَةِ؛ أشارَ إلى الوَعْدِ بِتَيْسِيرِ التَّمْكِينِ مِنهُمْ؛ فَقالَ: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾؛ فَإنَّ مَعْناهُ: صادَفْتُمُوهُمْ؛ وأدْرَكْتُمُوهُمْ؛ وأنْتُمْ ظافِرُونَ بِهِمْ؛ حاذِقُونَ في قِتالِهِمْ؛ فَطِنُونَ بِهِ؛ خَفِيفُونَ فِيهِ؛ فَإنَّ الثَّقِفَ: الحاذِقُ؛ الخَفِيفُ؛ الفَطِنُ؛ ولِذَلِكَ أشارَ إلَيْهِمْ بِأداةِ البُعْدِ؛ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكُمْ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ عَنْ مَنالِ الرَّحْمَةِ؛ مِنَ النَّصْرِ؛ والنَّجاةِ؛ وكُلِّ خَيْرٍ؛ ﴿جَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ﴿لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾؛ أيْ: تَسَلُّطًا؛ ﴿مُبِينًا﴾؛ أيْ: ظاهِرًا قُوَّتُهُ وتَسَلُّطُهُ؛ وهَذِهِ الآياتُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ ”بَراءَةٌ“؛ فَإنَّها مُتَأخِّرَةُ النُّزُولِ؛ فَإنَّها بَعْدَ ”تَبُوكَ“.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском