Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:18–23
42:18Page 485
يَسۡتَعۡجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِهَاۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشۡفِقُونَ مِنۡهَا وَيَعۡلَمُونَ أَنَّهَا ٱلۡحَقُّۗ أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٍ ١٨
Those who do not believe in it are impatient for it,1 but those who believe are fearful of it and know that it is the truth. Unquestionably, those who dispute concerning the Hour are in extreme error.
ولَمّا تَصَوَّرَ بِهَذا قُرْبَها مُشارًا بِالتَّعْبِيرِ بِلَعَلَّ إلى أنَّ حالَ المُسْتَعْجِلِ بِها حالَ المُتَرَجِّي لِشَيْءٍ مَحْبُوبٍ وهو جَهْلٌ مِنهُ عَظِيمٌ، شَرَعَ في تَفْصِيلِ النّاسِ في أمْرِها فَقالَ مُشِيرًا إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ الِاسْتِعْدادُ لَها لِلْخَلاصِ في وقْتِها لِظُهُورِ دَلائِلِها مِن غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ قُرْبِها أوْ بُعْدِها، فَإنَّهُ لا بُدَّ (p-٢٨٣)مِن كَوْنِها ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها﴾ أيْ يَطْلُبُ أنْ تَكُونَ قَبْلَ الوَقْتِ المَضْرُوبِ لَها ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ لَهم ذَلِكَ أصْلًا وهم غَيْرُ مُشْفِقِينَ مِنها ويَظُنُّونَ أنَّها الباطِلُ، وكانَ الحالُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا أنْفَرَ النّاسِ مِنها لَكِنْ حَمْلَهم عَلى ذَلِكَ تَكْذِيبُهم بِها واسْتِهْزاؤُهم وظَنُّهم عَدَمُ كَوْنِها جَهْلًا مِمَّنْ هم مُعْتَرِفُونَ بِقُدْرَتِهِ وعُلُوِّهِ وعَظَمَتِهِ.
ولَمّا دَلَّ عَلى جَهْلِ الكافِرِينَ، دَلَّ عَلى أضْدادِهِمْ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ وإنْ كانُوا في أوَّلِ دَرَجاتِ الإيمانِ ﴿مُشْفِقُونَ﴾ أيْ خائِفُونَ خَوْفًا عَظِيمًا ﴿مِنها﴾ لِأنَّ اللهَ هَداهم بِإيمانِهِمْ، فَصارَتْ صُدُورُهم مَعادِنَ المَعارِفِ، وقُلُوبُهم مَنابِعُ الأنْوارِ، فَأيْقَنُوا بِما فِيها مِنَ الأهْوالِ الكِبارِ، فَخافُوا لِلَطافَتِهِمْ أنْ يَكُونُوا مَعَ صَلاحِهِمْ مِن أهْلِ النّارِ. ولَمّا قَدَّمَ الإشْفاقَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العاقِلَ يَنْبَغِي أنْ يَخْشى ما يُمْكِنُ وُقُوعُهُ، قالَ: ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ إعْلامًا بِأنَّهم عَلى بَصِيرَةِ مَن أمَرَها، فَهم لا يَسْتَعْجِلُونَ بِها، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الِاسْتِعْجالَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا، والإشْفاقَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ رُوِيَ مِن طُرُقٍ تَبْلُغُ دَرَجَةَ التَّواتُرِ في الصِّحاحِ والحِسانِ والسُّنَنِ والمَسانِيدِ «”أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللهِ ﷺ (p-٢٨٤)بِصَوْتٍ جَهْوَرِيٍّ وهو في بَعْضِ أسْفارِهِ فَناداهُ: يا مُحَمَّدُ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِنَحْوٍ مِن صَوْتِهِ“ هاؤُمُ ”فَقالَ: مَتى السّاعَةُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ:“ ويْحَكَ إنَّها كائِنَةٌ فَما أعْدَدْتَ لَها؟ ”فَقالَ: حُبُّ اللهِ ورَسُولِهِ، فَقالَ:“ أنْتَ مَعَ مَن أحْبَبْتَ» " قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَقَوْلُهُ في الحَدِيثِ«المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ» مُتَواتِرٌ لا مَحالَةَ، والغَرَضُ أنَّهُ لَمْ يُجِبْهُ عَنْ وقْتِ السّاعَةِ، بَلْ أمَرَهُ بِالِاسْتِعْدادِ لَها - انْتَهى، وهو مَشْرُوطٌ بِالبَراءَةِ مِن أعْداءِ اللهِ بِدَلِيلِ قِصَّةِ أبِي طالِبٍ فَإنَّهُ لَمْ يَنْفَعْهُ حُبُّ الوَلِيِّ نَفْعًا تامًّا بِدُونِ البَراءَةِ مِنَ العَدْوِّ.
ولَمّا أعْلَمَ بِتَعْرِيفِ الحَقِّ أنَّها ثابِتَةٌ ثَباتًا كامِلًا لا انْقِضاءَ لَهُ أصْلًا ولا زَوالَ لِآثارِها، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا مُعَظِّمًا في مُقابَلَةِ إنْكارِهِمْ: ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ﴾ أيْ يُظْهِرُونَ شَكَّهم في مَعْرِضِ اللَّجاجَةِ الشَّدِيدَةِ طَلَبًا لِظُهُورِ شَكِّ غَيْرِهِمْ مِن: مَرَيْتُ النّاقَةَ - إذا مَسَحْتُ ضَرْعَها بِشِدَّةٍ لِلْحَلْبِ لِتَسْتَخْرِجَ ما عَساهُ يَكُونُ فِيها مِنَ اللَّبَنِ ﴿فِي السّاعَةِ﴾ أيِ القِيامَةِ وما تَحْتَوِي عَلَيْهِ ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾ أيْ ذَهابٍ جائِرٍ عَنِ الحَقِّ (p-٢٨٥)﴿بَعِيدٍ﴾ جِدًّا عَنِ الصَّوابِ، فَإنَّ لَها مِنَ الأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ في العَقْلِ المُؤَيِّدِ بِجازِمِ النَّقْلِ ما ألْحَقَها حالَ غِيابِها بِالمَحْسُوساتِ لَوْ كَشَفَ الغِطاءَ ما ازْدَدْتُ يَقِينًا.
42:19Page 485
ٱللَّهُ لَطِيفُۢ بِعِبَادِهِۦ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ١٩
Allāh is Subtle1 with His servants; He gives provision to whom He wills. And He is the Powerful, the Exalted in Might.
ولَمّا كانَ حاصِلُ أمْرِ الفَرِيقَيْنِ أنَّهُ أظْهَرَ خَوْفَ الكافِرِينَ في غايَةِ الأمْنِ وأبْطَنَ أمْنَ المُؤْمِنِينَ في أزْعَجِ خَوْفٍ، وكانَ هَذا عَيْنُ اللُّطْفِ، فَإنَّهُ الوُصُولُ إلى الشَّيْءِ بِضِدِّهِ، ويُطْلَقُ عَلى إيصالِ البِرِّ إلى الخَلْقِ عَلى وجْهٍ يَدُقُّ إدْراكُهُ، وكانَ أكْثَرَ ما يُبْطِئُ بِالإنْسانِ في أمْرِ الدِّينِ اهْتِمامُهُ بِالرِّزْقِ، أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَهو يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴿لَطِيفٌ﴾ أيْ بالِغٌ في العالَمِ وإيقاعِ الإحْسانِ بِإيصالِ المَنافِعِ، وصَرْفِ المَضارِّ عَلى وجْهٍ يَلَطِّفُ إدْراكَهُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: اللَّطِيفُ العالِمُ بِدَقائِقِ الأُمُورِ وغَوامِضِها وهو المُلَطِّفُ المُحْسِنُ وكِلاهُما في صِفَتِهِ سُبْحانَهُ صَحِيحٌ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ اللُّطْفَ في وصْفِهِ بِالإحْسانِ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: هو اسْمٌ مُرَكَّبٌ مِن عِلْمٍ ورَحْمَةٍ ورِفْقٍ خَفِيٍّ ﴿بِعِبادِهِ﴾ - انْتَهى.
أمّا بِالمُؤْمِنِ فَواضِحٌ، وأمّا الكافِرُ فَأقَلُّ لُطْفِهِ بِهِ أنَّهُ لا يُعاجِلُهُ في الدُّنْيا ولا يُعَذِّبُهُ فَوْقَ ما (p-٢٨٦)يَسْتَحِقُّ في الأُخْرى، فالِاسْمُ الأوَّلُ تَخْوِيفٌ والثّانِي تَرْجِيَةٌ ظاهِرَةٌ باطِنُها تَخْوِيفٌ، إشارَةٌ إلى ما يَنْبَغِي مِنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، وأنْ يَكُونَ الخَوْفُ أغْلَبَ.
ولَمّا كانَ أظْهَرَ ما يَكُونُ هَذا الوَصْفُ في الرِّزْقِ، فَإنَّهُ يُوَسِّعُ عَلى مَن لا حِيلَةَ لَهُ، ويَحْرِمُ مَن هو في غايَةِ القُوَّةِ والقُدْرَةِ، ويَرْفَعُ الضَّعِيفُ الجَبانَ ويُخَفِّضُ القَوِيُّ الشُّجاعَ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ ما يَعْلَمُ مِن بَواطِنِهِمْ ويَزِيدُ مِن أعْمالِهِمْ، قالَ دالًّا عَلى ذَلِكَ اسْتِئْنافًا لِمَن سَألَ عَنْ كَيْفِيَّةِ اللُّطْفِ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ مَهْما شاءَ عَلى سَبِيلٍ مِنَ السِّعَةِ أوِ الضِّيقِ أوِ التَّوَسُّطِ لا مانِعَ لَهُ مِن شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ويَمْنَعُ الرِّزْقَ عَمَّنْ يَشاءُ إذا عَلِمَ فَراغَ أجَلِهِ فَيَتَوَفّاهُ إلَيْهِ فاجْهِدُوا أنْفُسَكم في طَلَبِ مَرْضاتِهِ، ولا تَلْتَفِتُوا إلى الخَوْفِ مِنَ الحاجَةِ فَإنَّهُ قَدْ فَرَغَ مِن تَقْدِيرِ الرِّزْقِ ونَهى عَنِ المُبالَغَةِ في طَلَبِهِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُهُ أحَدٌ سِواهُ لِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ القُوَّةِ الكامِلَةِ والعِزَّةِ الشّامِلَةِ قالَ: ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ أيْ (p-٢٨٧)فَلا يَضِيقُ عَطاؤُهُ بِشَيْءٍ ﴿العَزِيزُ﴾ فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَمْنَعَهُ عَنْ شَيْءٍ.
42:20Page 485
مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ٢٠
Whoever desires the harvest of the Hereafter - We increase for him in his harvest [i.e., reward]. And whoever desires the harvest [i.e., benefits] of this world - We give him thereof, but there is not for him in the Hereafter any share.
ولَمّا بَيَّنَ بِهَذا أنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ إلّا في يَدِهِ، أتْبَعَهُ ما يُزَهِّدُ في طَلَبِ رِزْقِ البَدَنِ، ويُرَغِّبُ في رِزْقِ الرُّوحِ فَقالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ جَوابًا لِمَن يَسْألُ: هَلْ يَكُونُ الرِّزْقُ بِشِدَّةِ السَّعْيِ أوْ لا، وبَدَأ بِرِزْقِ الرُّوحِ لِشَرَفِهِ: ﴿مَن كانَ﴾ أيْ مِن شَرِيفٍ أوْ دَنِيءٍ ﴿يُرِيدُ﴾ ولَمّا كانَ مَدارُ مَقْصِدِ السُّورَةِ عَلى الدِّينِ، وكانَ الدِّينُ مُعامَلَةً بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ يَقْصِدُ بِهِ ما يَقْصِدُ بِالحَرْثِ مِن حُصُولِ الفائِدَةِ، وكانَ الحَرْثُ مِن أجْلِ أسْبابِ المَكاسِبِ، وكانَتِ الجَنَّةُ قِيعانًا غِراسُها ذِكْرُ اللَّهِ، عَبَّرَ عَنْ مُطْلَقِ الكَسْبِ بِالحَرْثِ فَقالَ: ﴿حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ أيْ أعْمالُها الَّتِي تَسْتَنِمِي بِها الفَوائِدُ. ولَمّا كانَتْ أسْبابُ الحُرُوثِ وثَمَراتُها لا يَقْدِرُ عَلى تَعْطِيلِها وإنْجاحِها إلّا اللَّهُ، وكانَ الآدَمِيُّ يَظُنُّ لِنَفْسِهِ في ذَلِكَ قُدْرَةً، نَبَّهَ سُبْحانَهُ بِالِالتِفاتِ إلى أُسْلُوبِ العَظَمَةِ أنَّ أمْرَهُ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ لا يُسْتَطاعُ دِفاعُهُ ولا مُمانَعَتُهُ ونِزاعُهُ: ﴿نَـزِدْ لَهُ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَحْوِيلِها ﴿فِي حَرْثِهِ﴾ بِأنْ يُعِينَهُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِإنارَةِ القَلْبِ وتَصْفِيَةِ الحالِ وتَهْدِئَةِ السِّرِّ ونُفُوذِ البَصَرِ فِيما يَضُرُّ ويَنْفَعُ ويُضاعِفُ لَهُ ثَوابَها مِنَ العَشْرِ لِكُلِّ حَسَنَةٍ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ ويُغَطِّيهِ مِنَ الدُّنْيا الَّتِي أعْرَضَ عَنْها ما قَدَّرَ لَهُ إعانَةً لَهُ عَلى ما أقْبَلَ عَلَيْهِ مِنَ (p-٢٨٨)الآخِرَةِ، وطَوى ذِكْرَ الدُّنْيا في هَذا الشِّقِّ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها أحْقَرُ مِن أنَّ تُذْكَرَ مَعَ أنَّهُ مَعْلُومٌ مِن آياتٍ أُخَرَ ﴿ومَن كانَ﴾ أيْ مِن قَوِيٍّ أوْ ضَعِيفٍ ﴿يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا﴾ أيْ أرْزاقِها الَّتِي تُطْلَبُ بِالكَدِّ والسَّعْيِ ويَسْتَنْمِي بِهِ مُكْتَفِيًا بِهِ مُؤْثِرًا لَهُ عَلى الآخِرَةِ ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ ما قَسَّمْناهُ لَهُ، ولَوْ تَهاوَنَ بِهِ ولَمْ يَطْلُبْهُ لَأتاهُ، ولا يَنالُ كُلُّ ما يَتَمَنّاهُ ولَوْ جَهِدَ كُلَّ الجُهْدِ، وأمّا الآخِرَةُ فَكُلُّ ما نَواهُ طالِبُها مِن أعْمالِها حَصَلَ لَهُ وإنْ لَمْ يَعْمَلْهُ ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّ طالِبَ الدُّنْيا ما ﴿لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ أصْلًا، رَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:
«بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنا والرِّفْعَةَ والنُّصْرَةَ والتَّمْكِينَ في الأرْضِ فَمَن عَمِلَ مِنهم عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ» رَواهُ أحْمَدُ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ والحاكِمُ - وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ - والبَيْهَقِيُّ، وذَلِكَ لِأنَّ الأعْمالَ بِالنِّيّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى، وهَذا تَهاوُنٌ بِها فَلَمْ يَنْوِها وهي أشْرَفُ مِن أنْ تُقْبَلَ عَلى مَن أعْرَضَ عَنْها (p-٢٨٩)وتَبْعُدُ عَمَّنْ أقْبَلَ عَلَيْها حَتّى تُهْلِكَهُ في مَهاوِيها، والآخِرَةُ تُقْبِلُ عَلى مَن أقْبَلَ عَلَيْها أضْعافَ إقْبالِهِ، وتُنادِي مَن أدْبَرَ عَنْها لِيَنْتَهِيَ عَنْ غَيِّهِ وضَلالِهِ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: أهْلُ الإرادَةِ عَلى أصْنافٍ: مُرِيدٌ لِلدُّنْيا ومُرِيدٌ لِلْآخِرَةِ ومُرِيدٌ لِلْحَقِّ جَلَّ وعَلا، وعَلامَةُ إرادَةِ الدُّنْيا أنْ يَرْضى في زِيادَةِ دُنْياهُ بِنَقْصِ دِينِهِ والإعْراضِ عَنْ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ وأنْ تَكُونَ حاجاتُهُ في الدُّعاءِ مَقْصُورَةً عَلى الدُّنْيا، وعَلامَةُ إرادَةِ الآخِرَةِ بِعَكْسِ ذَلِكَ، وأمّا عَلامَةُ إرادَةِ اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما قالَ ”يُرِيدُونَ وجْهَهُ“ طَرَحَ الكَوْنَيْنَ والحُرِّيَّةَ عَنِ الخْلْقِ والخَلاصِ مِن يَدِ النَّفْسِ - انْتَهى، وحاصِلُهُ أنْ يَسْتَغْرِقَ أوْقاتَهُ في التَّوْفِيَةِ بِحُقُوقِ الحَقِّ وحُقُوقِ الخَلْقِ وتَزْكِيَةِ النَّفْسِ لا طَمَعًا في جَنَّةٍ ولا خَوْفًا مِن نارٍ، بَلِ امْتِثالًا لِأمْرِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ لِأنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ مَعَ اعْتِرافِهِ لِأنَّهُ لَنْ يُقَدِّرَ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ.
42:21Page 485
أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةُ ٱلۡفَصۡلِ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢١
Or have they partners [i.e., other deities] who have ordained for them a religion to which Allāh has not consented? But if not for the decisive word,1 it would have been concluded between them. And indeed, the wrongdoers will have a painful punishment.
(p-٢٩٠)ولَمّا تَقَرَّرَ ما شَرَعَ مِنَ الدِّينِ مِمّا وصّى بِهِ جَمِيعَ النَّبِيِّينَ فَبانَتْ أُصُولُهُ، واتَّضَحَتْ فُرُوعُهُ وفُصُولُهُ، وظَهَرَتْ غَرائِبُهُ وأشْرَقَتْ فَرائِدُهُ وآياتُهُ، وخَتَمَ بِالقانُونِ الأعْظَمِ في أمْرِ الدّارَيْنِ مِمّا هو مُشاهَدٌ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَكانَ التَّقْدِيرُ مِن غَيْرِ خَفاءٍ: هَذا شَرْعُ اللهِ الَّذِي ارْتَضاهُ لِعِبادِهِ وحَكَمَ بِأنَّ الإقْبالَ عَلَيْهِ غَيْرُ ضارٍّ بِطَلَبِ الرِّزْقِ وقَدَّرَ الأرْزاقَ فَلا قُدْرَةَ لِأحَدٍ أنْ يَزِيدَ في رِزْقِهِ شَيْئًا، ولا أنْ يَنْقُصَ مِنهُ شَيْئًا، أقْبَلُوهُ؟ عادِلٌ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى مُقَرِّرًا مُوَبِّخًا مُنَبِّهًا عَلى ما هو الأصْلُ في الضَّلالِ عَنْ قَوانِينِهِ المُحَرَّرَةِ وشَرائِعِهِ الثّابِتَةِ المُقَرَّرَةِ: ﴿أمْ لَهُمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَرُوغُونَ يَمِينًا وشَمالًا ﴿شُرَكاءُ﴾ عَلى زَعْمِهِمْ شارَكُوا الشّارِعَ الَّذِي مَضى بَيانُ عِزَّتِهِ وظُهُورُ جَلالِهِ وعَظَمَتِهِ في أمْرِهِ حَتّى ﴿شَرَعُوا﴾ أيِ الشُّرَكاءُ الَّذِينَ طَرَقُوا ونَهَجُوا ﴿لَهُمْ﴾ أيْ لِلْكُفّارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: شَرَعَ الكُفّارُ لِشُرَكائِهِمْ ﴿مِنَ الدِّينِ﴾ في العِباداتِ والعاداتِ الَّتِي تُقَرِّرُ في الأذْهانِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الجَزاءِ عَلَيْها لِما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُهم عَنْ مُحاسَبَةٍ مِن تَحْتِ أيْدِيهِمْ وقَدَّرُوا لَهم مِنَ الأرْزاقِ، وعَدَلَ عَنْ أُسْلُوبِ العَظَمَةِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ إشارَةً إلى ما فِيهِ مَعَ العَظَمَةِ (p-٢٩١)مِنَ الإكْرامِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الحُلْمُ المُقْتَضِي لِعَدَمِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالأخْذِ فَقالَ تَعالى: ﴿ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ أيْ يُمَكِّنُ العِبادَ مِنهُ بِأمْرِهِمْ بِهِ وتَقْرِيرِهِمْ عَلَيْهِ المَلِكُ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، وقَدْ مَحَقَتْ صِفاتُهُ كُلَّ صِفَةٍ وتَضاءَلَ عِنْدَها كُلُّ عَظَمَةٍ، فَأقْبَلُوا عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ مُعْتَدًّا بِهِ، فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَلْيُسْعِدُوا مَن أقْبَلَ عَلى الدُّنْيا الَّتِي هي مَحَطُّ أمْرِهِمْ فَلا يَعْرِفُونَ غَيْرَها بِأنْ يُعْطُوهُ جَمِيعَ مُرادِهِ ويُشْقُوا مَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها، ونَسَبَ الشَّرْعَ إلى الأوْثانِ لِأنَّها سَبَبُهُ كَما كانَتْ سَبَبَ الضَّلالِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ خَلِيلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ويُضافُ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ تارَةً لِأنَّهم مُتَّخِذُوها وتارَةً إلى اللهِ تَعالى لِأنَّهم أشْرَكُوهم بِهِ، والعِبارَةُ تَأْتِي بِحَسَبِ المَقامِ.
ولَمّا عَلِمَ قَطْعًا أنَّ التَّقْدِيرَ: فَلَوْلا أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ الَّتِي يَفْعَلُونَها مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنهُ لا تُنْقِصُ مِن مُلْكِهِ سُبْحانَهُ شَيْئًا، ولا تَضُرُّ إلّا فاعِلَها مَعَ أنَّها بِإرادَتِهِ، فَكانَتْ لِمَنعِهِمْ عَنْها لَمْ يَصِلُوا إلى شَيْءٍ مِنها، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ الَّتِي سَبَقَ في الأزَلِ أنَّها لا تَكُونُ (p-٢٩٢)ولَمّا كانَ أمْرُهم هَيِّنًا، بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ، فَقالَ: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ الَّذِينَ امْتَثَلُوا أمْرَهُ فالتَزَمُوا شَرْعَهُ وبَيْنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما شَرَعُوهُ لِمَن سَمَّوْهم شُرَكاءَ في أقْرَبِ وقْتٍ ولَكِنَّهُ قَدْ سَبَقَ القَضاءَ في أزَلِ الأزَلِ بِمَقادِيرِ الأشْياءِ وتَحْدِيدِها عَلى وُجُوهِ الحِكْمَةِ، فَهي تَجْرِي عَلى ما حَدَّ لَها لا تَقَدُّمَ لِشَيْءٍ مِنها ولا تَأخُّرَ ولا تَبَدُّلَ ولا تَغَيُّرَ، وسَتَنْكَشِفُ لَكُمُ الأُمُورُ وتَظْهَرُ مُخَبَّآتُ المَقْدُورِ فَلا يَقَعُ الفَصْلُ إلّا في الآخِرَةِ كَما سَبَقَ بِهِ القَضاءُ بِأنْ يَكُونَ لِلْمُقْسِطِينَ نَعِيمٌ مُقِيمٌ.
ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ أنْ يَقَعَ بِهِمْ عَذابٌ، قالَ مُؤَكِّدًا عَطْفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ السِّياقُ: ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ﴾ بِشَرْعِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ مُؤْلِمٍ بَلِيغٍ إيلامُهُ.
42:22Page 485
تَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعُۢ بِهِمۡۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي رَوۡضَاتِ ٱلۡجَنَّاتِۖ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ ٢٢
You will see the wrongdoers fearful of what they have earned, and it will [certainly] befall them. And those who have believed and done righteous deeds will be in lush regions of the gardens [in Paradise] having whatever they will in the presence of their Lord. That is what is the great bounty.
ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا السِّياقِ كَما تَرى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الفَصْلِ، وأنَّ الفَصْلَ لا يَكُونُ إلّا يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ شارِحًا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ مُقْبِلًا عَلى خِطابِ أعْلى الخِلْقِ إشارَةً إلى أنَّ هَذا لا يَفْهَمُهُ حَقَّ الفَهْمِ ويُوقِنُ بِهِ حَقَّ الإيقانِ غَيْرِهِ ﷺ، أوْ يَكُونُ المُرادُ (p-٢٩٣)كُلُّ مَن يَصِحُّ أنْ يُخاطَبَ إشارَةً إلى أنَّ الأمْرَ في الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَخْتَصُّ بِهِ أحَدٌ دُونَ أحَدٍ فَقالَ: ﴿تَرى﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا يَشُكُّ فِيهِ عاقِلٌ لِما لَهُ مِنَ الأدِلَّةِ الفِطْرِيَّةِ الأوَّلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيِ الواضِعِينَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها ﴿مُشْفِقِينَ﴾ أيْ خائِفِينَ أشَدَّ الخَوْفِ كَما هو حالُ مَن يُحاسِبُهُ مَن هو أعْلى مِنهُ وهو مُقَصِّرٌ. ولَمّا كانَ الكَلامُ في الَّذِينَ ظَلَمَهم صِفَةً راسِخَةً لَهُمْ، كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلَّ عَمَلِهِمْ عَلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِفِعْلِ الكَسْبِ مُجَرَّدًا فَقالَ: ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ أيْ عَمِلُوا مُعْتَقِدِينَ لِأنَّهُ غايَةُ ما يَنْفَعُهم ﴿وهُوَ﴾ أيْ جَزاءُهُ ووَبالُهُ الَّذِي هو مِن جِنْسِهِ حَتّى كَأنَّهُ هو ﴿واقِعٌ بِهِمْ﴾ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَزِيدَهم خَوْفُهم إلّا عَذابًا في غَمَراتِ النِّيرانِ، ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ، ذَلِكَ الَّذِي يُنْذَرُ بِهِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَفْعُولِ ﴿تَرى﴾ وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جَمِيعِ الجُمْلَةِ فَيَكُونُ مُبْتَدَأً ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ وهي الَّتِي أذِنَ اللهُ فِيها غَيْرَ خائِفِينَ مِمّا كَسَبُوا لِأنَّهم مَأْذُونٌ لَهم في فِعْلِهِ وهو مَغْفُورٌ لَهم ما فَرَّطُوا فِيهِ ﴿فِي رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ أيْ في الدُّنْيا بِما يُلَذِّذُهُمُ اللهُ بِهِ مِن لِذائِذِ (p-٢٩٤)الأقْوالِ والأعْمالِ والمَعارِفِ والأحْوالِ، وفي الآخِرَةِ حَقِيقَةٌ بِلا زَوالٍ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾ أيْ دائِمًا أبَدًا كائِنُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ في غايَةِ الحِفْظِ والتَّرْبِيَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى مِثْلِ هَذا الحِفْظِ لَفَتَ إلى صِفَةِ الإحْسانِ، فَقالَ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي لَمْ يُوصِلْهم إلى هَذا الثَّوابِ العَظِيمِ إلّا حُسْنَ تَرْبِيَتِهِ لَهُمْ، ولُطْفَ بِرِّهِ بِهِمْ عَلى حَسَبِ ما رَبّاهم.
ولَمّا ذَكَرَ ما لَهم مِنَ الجَزاءِ عَظَّمَهُ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الجَزاءُ العَظِيمُ الرُّتْبَةِ الجَلِيلُ القَدْرِ ﴿هُوَ﴾ لا غَيْرُهُ ﴿الفَضْلُ﴾ أيِ الَّذِي هو أهْلٌ لِأنْ يَكُونَ فاضِلًا عَنْ كِفايَةِ صاحِبِهِ، ولَوْ بالَغَ في الإنْفاقِ ﴿الكَبِيرُ﴾ الَّذِي مَلَأ جَمِيعَ جِهاتِ الحاجَةِ وصَغُرَ عِنْدَهُ كُلُّ ما نالَهُ غَيْرُهم مِن هَذا الحُطامِ، فالآيَةُ كَما تَرى مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ الإشْفاقَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الأمْنِ ثانِيًا، والجَنّاتِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ النِّيرانِ أوَّلًا.
42:23Page 486
ذَٰلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ شَكُورٌ ٢٣
It is that of which Allāh gives good tidings to His servants who believe and do righteous deeds. Say, [O Muḥammad], "I do not ask you for it [i.e., this message] any payment [but] only good will through [i.e., due to] kinship." And whoever commits a good deed - We will increase for him good therein. Indeed, Allāh is Forgiving and Appreciative.1
ولَمّا ذَكَرَ مَحَلَّهم ومَآلَهم فِيهِ، بَيَّنَ دَوامَهُ زِيادَةً في تَعْظِيمِهِ فَقالَ مُبْتَدِئًا: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ مِنَ الجَنَّةِ ونَعِيمِها، وأخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَأِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ﴾ أيْ مُطْلَقُ بِشارَةٍ عِنْدَ مَن خَفَّفَ وبِشارَةٍ كَثِيرَةٍ عِنْدَ مَن ثَقُلَ، وزادَ البِشارَةَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ، فَقالَ لافِتًا القَوْلَ إلَيْهِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ والعائِدُ وهو ”بِهِ“ مَحْذُوفٌ (p-٢٩٥)تَفْخِيمًا لِلْمُبَشِّرِ بِهِ لِأنَّ السِّياقَ لِتَعْظِيمِهِ بِالبِشارَةِ وبِجْعَلَها بِأداةِ البُعْدِ وبِالوَصْفِ بِالَّذِي، وذَكَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ والتَّعْبِيرَ بِلَفْظِ العِبادِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ سُبْحانَهُ فَأفْهَمَ حَذْفُهُ أنَّ الفِعْلَ واقِعٌ عَلَيْهِ واصِلٌ بِغَيْرِ واسِطَةٍ إلَيْهِ، فَصارَ كَأنَّهُ مَذْكُورٌ وظاهِرٌ ومَنظُورٌ فَقالَ: ﴿عِبادَهُ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُعَظِّمُ مَنِ اخْتَصَّهُ لِعُبُودِيَّتِهِ.
ولَمّا أشْعَرَ بِالإضافَةِ لِصَلاحِهِمْ، نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ صَدَّقُوا بِالغَيْبِ ﴿وعَمِلُوا﴾ تَحْقِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ وذَلِكَ الَّذِي مَضى قَلْبَهُ الَّذِي يُنْذِرُ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا. ولَمّا كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ البَشِيرَ لا بُدَّ لَهُ مِن حَياءٍ وإنْ لَمْ يَسْألْ لِأنَّ بِشارَتَهُ قائِمَةٌ مَقامَ السُّؤالِ، قالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لَمّا أذِنَ اللهُ بِتَوْبَتِهِ عَلَيْنا رَكَضَ نَحْوِي راكِضٌ عَلى فَرَسٍ وسَعى ساعٍ عَلى رِجْلَيْهِ، فَأوْفى عَلى جَبَلِ سَلْعٍ ونادى: يا كَعْبَ بْنَ مالِكٍ أبْشِرْ، فَقَدْ تابَ اللهُ عَلَيْكَ، فَكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمّا جاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ خَلَعْتُ لَهُ ثُوبَيَّ، فَدَفَعْتُهُما إلَيْهِ، واللهِ ما أمْلِكُ يَوْمَئِذٍ غَيْرَهُما، واسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُما - إلى آخِرِ حَدِيثِهِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا تَطْلُبُ عَلى هَذِهِ البِشارَةِ، فَأمَرَ (p-٢٩٦)بِالجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِمَن تَوَهَّمَ فِيكَ ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ المُبَشِّرِينَ: ﴿لا أسْألُكُمْ﴾ أيِ الآنَ ولا في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيِ البَلاغُ بِشارَةً ونِذارَةً ﴿أجْرًا﴾ أيْ وإنْ قَلَّ ﴿إلا﴾ أيْ لَكِنْ أسْألُكم ﴿المَوَدَّةَ﴾ أيِ المَحَبَّةَ العَظِيمَةَ الواسِعَةَ.
ولَمّا كانُوا يُثابِرُونَ عَلى صِلَةِ الأرْحامِ وإنْ بَعُدَتْ والأنْسابِ لِذَلِكَ قالَ: ﴿فِي القُرْبى﴾ أيْ مَظْرُوفَةٍ فِيها بِحَيْثُ يَكُونُ القُرْبى مَوْضِعًا لِلْمَوَدَّةِ وظَرْفًا لَها، لا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِن مَحَبَّتِكم عَنْها، فَإنَّها بِها يَتِمُّ أمْرُ الدِّينِ ويَكْمُلُ الِاجْتِماعُ فِيهِ، فَإنَّكم إذا وصَلْتُمْ ما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ الرَّحِمِ لَمْ تُكَذِّبُونِي بِالباطِلِ، ولَمْ تَرُدُّوا ما جِئْتُكم بِهِ مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ، فَأفْلَحْتُمْ كُلَّ الفَلاحِ ودامَتِ الأُلْفَةُ بَيْنَنا حَتّى نَمُوتَ ثُمَّ نَدْخُلَ الجَنَّةَ فَتَسْتَمِرُّ أُلْفَتُنا دائِمًا أبَدًا وقَدْ شَمِلَ ذَلِكَ جَمِيعَ القَراباتِ ولَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا ولَهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِمْ قَرابَةٌ، رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما وقالَ: «إلّا أنْ تَصِلُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ القَرابَةِ،» ورَوى البُخارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: «إلّا أنْ تُؤْذُونِي في قَرابَتِي» (p-٢٩٧)أيْ تَبَرُّوهم وتُحْسِنُوا إلَيْهِمْ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقالَ السُّدِّيُّ: لِما جِيءَ بِعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أسِيرًا فَأُقِيمَ عَلى دُرْجِ دِمَشْقَ قامَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الشّامِ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَتَلَكم واسْتَأْصَلَكم وقَطَعَ قَرْنَ الفِتْنَةِ، فَقالَ لَهُ عَلَيٌّ: أقَرَأْتَ القُرْآنَ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: ما قَرَأْتُ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ قالَ: وإنَّكم لَأنْتُمْ هُمْ، قالَ: نَعَمْ.
«وعَنِ العَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ قُرَيْشًا إذا لَقِيَ بَعْضُهم بَعْضًا لَقُوهم بِبِشْرٍ حَسَنٍ وإذا لَقُونا لَقُونا بِوُجُوهٍ لا نَعْرِفُها، فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَضَبًا شَدِيدًا وقالَ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الإيمانُ حَتّى يُحِبَّكم لِلَّهِ ورَسُولِهِ“»، وعَنْهُ «أنَّهُ دَخَلَ عَلى رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنّا لَنَخْرُجُ فَنَرى قُرَيْشًا تُحَدِّثُ، فَإذا رَأوْنا سَكَتُوا، فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ودَرَّ عَرَقٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ”واللهِ لا يَدْخُلُ قَلْبَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إيمانٌ حَتّى يُحِبَّكم لِلَّهِ ولِقَرابَتِي“» وعَبَّرَ في المُنْقَطِعِ بِأداةِ الِاسْتِثْناءِ إعْراقًا في النَّفْيِ بِالإعْلامِ بِأنَّهُ لا يُسْتَثْنى أجْرٌ أصْلًا إلّا هَذِهِ المَوَدَّةُ إنْ قَدَّرَ أحَدٌ أنَّها تَكُونُ أجْرًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”(p-٢٩٨)إلّا“ بِمَعْنى ”غَيْرِ“ فَيَكُونُ مِن بابِ:
؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولُ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
فَمَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قُرابَةَ فَهو مَسْؤُولٌ أنْ يُراقِبَ اللهَ في قَرابَتِهِ تِلْكَ، فَيَصِلُ صاحِبُها بِكُلِّ ما تَصِلُ قُدْرَتُهُ إلَيْهِ مِن جَمِيعِ ما أمَرَهُ اللهُ بِهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، فَكَيْفَ بِقَرابَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّهُ قَدْ قالَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ وأبُو نَعِيمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «مَثَلُ أهْلِ بَيْتِي كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَن رَكِبَ فِيها نَجا، ومَن تَخَلَّفَ عَنْها هَلَكَ» وقالَ فِيما رَواهُ في الفِرْدَوْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: «أصْحابِي بِمَنزِلَةِ النُّجُومِ في السَّماءِ بِأيُّهُمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» قالَ الأصْبِهانِيُّ: ونَحْنُ الآنُ في بَحْرِ التَّكْلِيفِ مُحْتاجُونَ إلى السَّفِينَةِ الصَّحِيحَةِ والنُّجُومِ الزّاهِرَةِ، فالسَّفِينَةُ حُبُّ الآلِ، والنُّجُومُ حُبُّ الصَّحْبِ، فَنَرْجُو مِنَ اللهِ السَّلامَةَ والسَّعادَةَ بِحُبِّهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ - واللهُ أعْلَمُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ حَتْمًا: فَمَن يَقْتَرِفُ سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها، ولَكِنَّهُ طَوى لِأنَّ المَقامَ لِلْبِشارَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ خَتْمُ الآيَةِ مَعَ سابِقِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ﴾ أيْ يَكْسِبَ ويُخالِطَ ويَعْمَلَ بِجِدٍّ واجْتِهادٍ وتَعَمُّدٍ وعِلاجٍ ﴿حَسَنَةً﴾ أيْ ولَوْ صَغُرَتْ، وصَرَفَ القَوْلَ (p-٢٩٩)إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَزِيدُ في الإحْسانِ إلّا العُظَماءُ، وإلى أنَّ الإحْسانَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِعَظَمَةِ المُحْسِنِ فَقالَ: ﴿نَـزِدْ﴾ عَلى عَظَمَتِنا ﴿لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ بِما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَهْمِ، ومِنَ الزِّيادَةِ أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلَ أجْرِ مَنِ اقْتُدِيَ بِهِ فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا يَنْقُصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وهَذا مِن أجْرِ الرُّسُلِ عَلى إبْلاغِهِ إلى الأُمَمِ، فَهم أغْنِياءُ عَنْ طَلَبِ غَيْرِهِ - هَذا إنِ اهْتَدَوْا بِهِ، وإنْ دَعاهم فَلَمْ يَهْتَدُوا كانَ لَهُ مِثْلَ أُجُورِهِمْ لَوِ اهْتَدَوْا، فَإنَّ عَدَمَ اهْتِدائِهِمْ لَيْسَ مِن تَقْصِيرِهِ، بَلْ قَدَّرَ اللهُ وما شاءَ فَعَلَ.
ولَمّا كانُوا يَقُولُونَ: إنّا قَدِ ارْتَكَبْنا مِنَ المَساوِئِ ما لَمْ يَنْفَعْ مَعَهُ شَيْءٌ، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ مُعَلِّلًا مُبَيِّنًا بِصَرْفِ القَوْلِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِلْكُ غَيْرِهِ عَلى الإطْلاقِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ ﴿غَفُورٌ﴾ لِكُلِّ ذَنْبٍ تابَ مِنهُ صاحِبُهُ أوْ كانَ يَقْبَلُ الغُفْرانَ وإنْ لَمْ يَتُبْ مِنهُ إنْ شاءَ، فَلا يَصُدَّنَّ أحَدًا سَيِّئَةً عَمَلِها عَنِ الإقْبالِ عَلى الحَسَنَةِ.
ولَمّا كانَ إثْباتُ الحَسَنَةِ فَضْلًا عَنِ الزِّيادَةِ عَلَيْها لا يَصِحُّ إلّا مَعَ الغُفْرانِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَعَ المُناقَشَةِ، فَذِكْرُ ذَلِكَ الوَصْفِ الَّذِي هو أساسُ الزِّيادَةِ، أفادَها - أيِ الزِّيادَةِ - بِقَوْلِهِ: ﴿شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] فَهو يَجْزِي (p-٣٠٠)بِالحَسَنَةِ أضْعافَها ويَتْرُكُ سائِرَ حُقُوقِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences