Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:33–40
42:33Page 487
إِن يَشَأۡ يُسۡكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظۡلَلۡنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ ٣٣
If He willed, He could still the wind, and they would remain motionless on its surface. Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: وما تِلْكَ الآياتُ؟ ذَكَرَ ما يُخَوِّفُهم مِنها ويُعَرِّفُهم أنَّ جَمِيعَ ما أباحَهم إيّاهُ مِن شُئُونِها إنَّما هو بِقُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ (p-٣١٩)فَقالَ: ﴿إنْ يَشَأْ﴾ أيِ اللهُ الَّذِي حَمَلَكم فِيها عَلى ظَهَرَ الماءُ آيَةً بَيِّنَةً سَقَطَ اعْتِبارُها عِنْدَكم لِشِدَّةِ الفِكْرِ لَها ﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ الَّتِي يُسَيِّرُها وأنْتُمْ مُقِرُّونَ أنَّ أمْرَها لَيْسَ إلّا بِيَدِهِ ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُنَّ يَظْلَلْنَ أنْ يَقُمْنَ لَيْلًا كانَ أوْ نَهارًا، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِهِ مَعَ أنَّ أصْلَهُ الإقامَةُ نَهارًا لِأنَّ النَّهارَ مَوْضِعُ الِاقْتِدارِ عَلى الأشْياءِ وهو المُنْتَظِرُ عِنْدَ كُلِّ مُتَعَسِّرٍ لِلسَّعْيِ في إزالَةِ عُسْرِهِ وتَيَسُّرِ أمْرِهِ ﴿رَواكِدَ﴾ أيْ ثَوابِتَ مُسْتَقِرّاتٍ مِن غَيْرِ سَيْرٍ ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ ثَباتًا ظاهِرًا بِما دَلَّ عَلَيْهِ إثْباتُ اللّامَيْنِ وفَتْحُ لامِهِ الأُولى لِلْكُلِّ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَوْضِعُ إخْلاصِهِمُ الدَّعْوَةَ لِلَّهِ والإعْراضَ عَنِ الشُّرَكاءِ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في مِثْلِ هَذا الحالِ: أخْلِصُوا فَإنَّ آلِهَتَكم - أيْ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مِن دُونِ اللهِ - لا تُغْنِي في البَحْرِ شَيْئًا، وكانُوا يَنْسُبُونَ ذَلِكَ شُرَكاءَ مَعَ طُلُوعِهِمْ إلى البِرِّ كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن لا يُعَدُّ ذَلِكَ آيَةً أصْلًا، فَلِذَلِكَ أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذَكَرَ مِن حالِ السُّفُنِ في سَيْرِها ورُكُودِها مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللهُ سُبْحانَهُ بِدَلِيلِ ما لِلنّاسِ (p-٣٢٠)كافَّةً مِنَ الإجْماعِ عَلى التَّوَجُّهِ في ذَلِكَ إلَيْهِ خاصَّةً والِانْخِلاعِ مِمّا سِواهُ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ عَلى أنَّ إحاطَتَهُ سُبْحانَهُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ أمْرٌ مَرْكُوزٌ في العُقُولِ ثابِتٌ في الفِطَرِ الأُولى مِمّا لا يَصُدُّ عَنْهُ إلّا الهَوى، وعَلى أنَّ بُطْلانَ أمْرِ ما دُونَهُ لِذَلِكَ هو مِنَ الظُّهُورِ بِمَكانٍ لا يُجْهَلُ.
ولَمّا كانُوا يَتَمادَحُونَ بِالصَّبْرِ عَلى نَوازِلِ الحَدَثانِ والشُّكْرِ لِكُلِّ إحْسانٍ ويَتَذامُّونَ بِالجَزَعِ والكُفْرانِ، وكانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي ثَباتَهم عَلى حالٍ واحِدٍ فَإنْ كانَ الحَقُّ عَلَيْهِمْ لِمَعْبُوداتِهِمْ فَرُجُوعُهم عَنْها عِنْدَ الشَّدائِدِ مِمّا لا يَنْحُو نَحْوَهُ ولا يَلْتَفِتُ لَفْتَةَ أحَدٍ مِن كُمَّلِ الرِّجالِ الَّذِينَ يُجانِبُونَ العارَ والِاتِّسامَ بِمَسِيمِ الإغْمارِ، وإنْ كانَ الحَقُّ كَما هو الحَقُّ لِلَّهِ فَرُجُوعُهم عَنْهُ عِنْدَ الرَّخاءِ بَعْدَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِإنْجائِهِمْ مِنَ الشِّدَّةِ لا يَفْعَلُهُ ذُو عَزِيمَةٍ، قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ بِصِيغَتَيِ المُبالَغَةِ: ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ أيْ في الشِّدَّةِ ﴿شَكُورٍ﴾ أيْ في الرَّخاءِ وإنْ كَثُرَ مُخالِفُوهُ، وعَظُمَ نِزاعُهم لَهُ، وهاتانِ صِفَتا المُؤْمِنِ المُخْلِصِ الَّذِي وكَّلَ هِمَّتَهُ بِالنَّظَرِ في الآياتِ فَهو يَسْتَمْلِي مِنها العِبَرَ ويَجْلُو بِها مِنَ البَصِيرَةِ عَيْنَ البَصَرِ.
42:34Page 487
أَوۡ يُوبِقۡهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعۡفُ عَن كَثِيرٖ ٣٤
Or He could destroy them1 for what they earned; but He pardons much.
(p-٣٢١)ولَمّا نَبَّهَ بِهَذا الِاعْتِراضِ بَيْنَ الجَزاءِ ومَعْطُوفِهِ عَلى ما فِيهِ مِن دَقائِقِ المَعانِي في جَلائِلِ المَبانِي، قالَ مُكَمِّلًا لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّرْغِيبِ في صُورَةِ التَّرْهِيبِ: ﴿أوْ﴾ أيْ أوْ إنْ يَشاءُ في كُلِّ وقْتٍ أرادَهُ، وأسْنَدَ الإيباقَ إلى الجَوارِي تَأْكِيدًا لِإرادَةِ العُمُومِ في هَلاكِ الرُّكّابِ فَقالَ: ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾ أيْ يُهْلِكُهُنَّ بِالإغْراقِ بِإرْسالِ الرِّيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّبارِيحِ حَتّى كَأنَّهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ العُلُوِّ في وقْبِهِ أيْ حُفَرِهِ، وطاقَ في الماءِ وقَعْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى ”وبَقَ“ بِجَمِيعِ تَقالِيبِهِ في سُورَةِ الكَهْفِ، ومِنهُ أنَّ وبَقَ كَوَعَدَ ووَجَلَ ووَرِثَ وُبُوقًا ومَوْبِقًا: هَلَكَ، والمَوْبِقُ كَمَجْلِسٍ: المُهْلِكُ وكُلُّ شَيْءٍ حالَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لِأنَّ الوَقْبَةَ تَحُولُ بَيْنَ ما فِيها وبَيْنَ غَيْرِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمَوْعِدِ: مَوْبِقٌ، وأوْبَقَهُ: حَبَسَهُ أوْ أهْلَكَهُ.
ولَمّا كانَ الإهْلاكُ لَهُنَّ إهْلاكًا لِلرُّكّابِ، قالَ مُبَيِّنًا أنَّهُمُ المَقْصُودُونَ مُجَرَّدًا الفِعْلَ إشارَةً إلى أنَّ ابْنَ آدَمَ لِما طُبِعَ عَلَيْهِ مِنَ النَّقائِصِ (p-٣٢٢)لَيْسَ لَهُ مِن نَفْسِهِ فِعْلٌ خالٍ عَنْ شَوْبِ نَقْصٍ حَثًّا لَهُ عَلى اللُّجُوءِ إلى اللهِ في تَهْذِيبِ نَفْسِهِ وإخْلاصِ فِعْلِهِ: ﴿بِما كَسَبُوا﴾ أيْ فَعَلُوا مِنَ المَعاصِي بِجِدِّهِمْ فِيهِ واجْتِهادِهِمْ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ تَفْصِيلًا لِلْإيباقِ: فَيَغْرَقُ كُلُّ مَن فِيهِنَّ إنْ شاءَ ويَغْرَقُ كَثِيرًا مِنهم إنْ شاءَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ويَعْفُ﴾ أيْ إنْ يَشاءْ ﴿عَنْ كَثِيرٍ﴾ أيْ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ في هَذِهِ السُّفُنِ المَوْبِقَةِ، فَيُنْجِيهِمْ بِعَوْمٍ أوْ حَمْلٍ عَلى خَشَبَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وإنْ يَشَأْ يُرْسِلِ الرِّيحَ طَيِّبَةً فَيُنْجِيها ويَبْلُغُها أقْصى المُرادِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّقادِيرِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ المَشِيئَةِ، فالفِعْلُ كَما تَرى عُطِفَ عَلى يُوبِقُ، وعُطِفَ بِالواوِ لِأنَّهُ قِسْمٌ مِن حالِي المُوبِقَةِ، وهو بِمَعْنى ما ورى عَنْ أهْلِ المَدِينَةِ مِن نَصْبِ ”يَعْفُو“ بِتَقْدِيرِ ”إنْ“ لِيَكُونَ المَعْنى: يُوقِعُ إيباقًا وعَفْوًا.
42:35Page 487
وَيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٖ ٣٥
And [that is so] those who dispute concerning Our signs may know that for them there is no place of escape.
ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ عَلى صُورَةِ الِاخْتِبارِ لَنْ يَسْتَبْصِرَ فَيَدُومُ إخْلاصُهُ، ومَن يَرْجِعُ إلى العَمى فَلا يَكُونُ خَلاصَهُ، قالَ مُبَيِّنًا بِالنَّصْبِ (p-٣٢٣)لِلصَّرْفِ عَنِ العَطْفِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأفْعالِ الماضِيَةِ لِفَسادِ المَعْنى لِكَوْنِها في حَيِّزِ الشَّرْطِ، فَيَصِيرُ العِلْمُ أيْضًا مَشْرُوطًا: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أيْ عِنْدِ النَّجاةِ بِالعَفْوِ. ولَمّا كانَ مَقامُ العَظَمَةِ شَدِيدَ المُنافاةِ لِلْمُجادَلَةِ، لَفَتَ القَوْلَ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿فِي آياتِنا﴾ أيْ هَذِهِ الَّتِي لا تُضاهِي عَظَمَتَها ولا تُقايِسُ جَلالَتَها وعِزَّتَها رُجُوعًا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والنِّزاعِ في تَمامِ القُدْرَةِ بِإنْكارِ البَعْثِ، ومِن واوِ الصَّرْفِ يَعْرِفُ أنَّ مَدْخُولَها مُفْرَدٌ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ لِأنَّ النَّصْبَ فِيها بِتَقْدِيرٍ أنْ فَيَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ فالتَّقْدِيرِ هُنا: وعِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِالمُجادِلِينَ عِنْدَ هَذا حاصِلٌ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالمُضارِعِ لِإفادَةِ الِاسْتِمْرارِ لِتَجَدُّدٍ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِكُلِّ مُجادِلٍ كُلَّما حَصَلَ جِدالٌ، وقِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِالرَّفْعِ دالَّةٌ عَلى هَذا، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: وهو يَعْلَمُ - فالرَّفْعُ هُنا والنَّصْبُ سَواءٌ، قالَ الرَّضِيُّ في شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الحاجِبِ في نَواصِبِ الفِعْلِ: والفاءُ - أيْ ناصِبَةً - بِشَرْطَيْنِ: السَّبَبِيَّةُ، والثّانِي أنْ يَكُونَ قَبْلَها أحَدُ الأشْياءِ الثَّمانِيَةِ، والواوُ الواقِعَتَيْنِ بَعْدَ الشَّرْطِ قَبْلَ الجَزاءِ نَحْوُ إنْ تَأْتِنِي فَتُكْرِمَنِي (p-٣٢٤)أوْ تُكْرِمُنِي أنْتَ، أوْ بَعْدَ الشَّرْطِ والجَزاءِ: إنْ تَأْتِنِي إنَّكَ فَأُكْرِمْكَ أوْ وأُكْرِمْكَ، وذَلِكَ لِمُشابَهَةِ الشَّرْطِ في الأوَّلِ والجَزاءِ في الثّانِي النَّفْيِ، إذِ الجَزاءُ مَشْرُوطٌ ووُجُودُهُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ، ووُجُودُ الشَّرْطِ مَفْرُوضٌ، فَكِلاهُما غَيْرُ مَوْصُوفَيْنِ بِالوُجُودِ حَقِيقَةً، وعَلَيْهِ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ﴾ في قِراءَةِ النَّصْبِ، ثُمَّ قالَ: وكَذا يَقُولُ في الفِعْلِ المَنصُوبِ بَعْدَ واوِ الصَّرْفَ أنَّهم لَمّا قَصَدُوا فِيها مَعْنى الجَمْعِيَّةِ نَصَبُوا المُضارِعَ بَعْدَها لِيَكُونَ الصَّرْفُ عَنْ سُنَنِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ مُرْشِدًا مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّها لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ فَهي إذَنْ إمّا واوُ الحالِ وأكْثَرُ دُخُولِها عَلى الِاسْمِيَّةِ فالمُضارِعُ بَعْدَها في تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفِ الخَبَرِ وُجُوبًا، فَمَعْنى قُمْ وأقُومُ: قُمْ وقِيامِي ثابِتٌ: أيْ في حالِ ثُبُوتِ قِيامِي، وأمّا بِمَعْنى مَعَ وهي لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الِاسْمِ قَصَدُوا ها هُنا مُصاحَبَةَ الفِعْلِ لِلْفِعْلِ مَنصُوبًا ما بَعْدَها، فَمَعْنى قُمْ وأقُومُ: قُمْ مَعَ قِيامِي كَما قَصَدُوا في المَفْعُولِ مَعَهُ مُصاحَبَةَ الِاسْمِ لِلِاسْمِ فَنَصَبُوا ما بَعْدَ الواوِ، ولَوْ جَعَلْنا الواوَ عاطِفَةً لِلْمَصْدَرِ مُتَصَيِّدٌ مِنَ الفِعْلِ قَبْلَهُ النَّجاةُ، أيْ لَمْ يَكُنْ مِنكَ قِيامٌ وقِيامٌ مِنِّي، لَمْ يَكُنْ فِيهِ نُصُوصِيَّةٌ عَلى مَعْنى الجَمْعِ، والأوْلى في قَصْدِ النُّصُوصِيَّةِ في شَيْءٍ عَلى مَعْنى أنْ يَجْعَلَ عَلى وجْهٍ (p-٣٢٥)يَكُونُ ظاهِرًا فِيما قَصَدُوا النُّصُوصِيَّةَ عَلَيْهِ، وإنَّما شَرَطُوا في نَصْبِ ما بَعْدَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ كَوْنُ ما قَبْلَها أحَدُ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ أيِ الأمْرِ والنَّهْيِ والنَّفْيِ والِاسْتِفْهامِ والتَّمَنِّي والعَرْضِ والتَّحْضِيضِ والرَّجاءِ لِأنَّها غَيْرُ حاصِلَةِ المَصادِرِ فَتَكُونُ كالشَّرْطِ الَّذِي لَيْسَ بِمُتَحَقِّقِ الوُقُوعِ، ويَكُونُ ما بَعْدَ الفاءِ كَجَزائِها ثُمَّ حَمَلُوا ما قَبْلَ واوِ الجَمْعِيَّةِ في وُجُوبِ كَوْنِ أحَدِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ عَلى ما قَبْلَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ الَّتِي هي أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ الواوِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ أعْنِي في انْتِصابِ المُضارِعِ بَعْدَها، وذَلِكَ لِمُشابَهَةِ الواوِ لِلْفاءِ في أصْلِ العَطْفِ، وفي صَرْفِ ما بَعْدَهُما عَنْ سُنَنِ العَطْفِ لِقَصْدِ السَّبَبِيَّةِ في إحْداهُما والجَمْعِيَّةِ في الأُخْرى، ولِقُرْبِ الجَمْعِيَّةِ مِنَ التَّعَقُّبِ الَّذِي هو لازِمُ السَّبَبِيَّةِ ثُمَّ قالَ: وكَذا رُبَّما لَمْ يَصْرِفْ بَعْدَ واوِ الحالِ قَدْ تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ المُثْبَتِ كَما ذَكَرْنا في بابِ الحالِ، نَحْوُ قُمْتُ وأضْرِبُ زَيْدًا أيْ وأنا أضْرِبُ.
ولَمّا كانَ عِلْمُ القادِرِ بِالمَعْصِيَةِ مُوجِبًا لِعَذابِ مَن عَصاهُ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ خَسِرَ مِن فِعْلِ ذَلِكَ فَيا لَيْتَ شِعْرِي ما يَكُونُ حالُهُمْ؟ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ مَحِيدٍ ومَفَرٍّ أصْلًا عَنْ عَذابِهِ، ولا بِشَيْءٍ (p-٣٢٦)يَسِيرٍ، وإنْ تَأخَّرَ في نَظَرِكم إيقاعُ العَذابِ بِهِمْ فَإنَّ عَذابَهُ سُبْحانَهُ مِنهُ ما هو باطِنٌ وهو الِاسْتِدْراجُ بِالنِّعَمِ وهَذا لا يُدْرِكُهُ إلّا أرْبابُ القُلُوبِ المُقَرَّبُونَ لَدى عَلّامِ الغُيُوبِ، ومِنهُ ما هو ظاهِرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”الَّذِينَ“ فاعِلُ ”يَعْلَمُ“، وحِينَئِذٍ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ لِسَدِّها مَسَدَّ مَفْعُولِ العِلْمِ.
42:36Page 487
فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٣٦
So whatever thing you have been given - it is but [for] enjoyment of the worldly life. But what is with Allāh is better and more lasting for those who have believed and upon their Lord rely
ولَمّا عَلِمَ أنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ مِنَ الغَيْثِ وآثارِهِ، ومِن نَشْرِ الدَّوابِّ بَرًّا وبَحْرًا بِمَعْرَضٍ مِنَ الزَّوالِ وهو عَظِيمُ التَّقَلُّباتِ هائِلُ الأحْوالِ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ مُحَقِّرًا لِدُنْياهم وما فِيها مِنَ الزَّهْرَةِ بِسُرْعَةِ الذُّبُولِ والزَّوالِ، والَأُفُولِ والِارْتِحالِ، ولَهم بِأنَّها مَعَ ما ذَكَرَ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى شَيْءٍ مِنها إلّا يَمُوتُ يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِها، وأمّا هم فَقَوْمٌ ضُعَفاءُ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى شَيْءٍ ولَيْسَ لَهم مِن أنْفُسِهِمْ إلّا العَجْزُ، فَلَوْ عَقَلُوا لَعَلِمُوا ولَوْ عَلِمُوا لَعَمِلُوا عَمَلَ العَبِيدِ، وأطاعُوا القَوِيَّ الشَّدِيدَ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ﴾ أيْ أيُّها النّاسُ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ، وأجابَ ”ما“ الشَّرْطِيَّةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ القَرِيبَةِ الدَّنِيئَةِ لا نَفْعَ فِيهِ لِأحَدٍ (p-٣٢٧)إلّا مُدَّةَ حَياتِهِ، وذَلِكَ جَدِيرٌ بِالإعْراضِ عَنْهُ وعَمّا يُسَبِّبُهُ مِنَ الأعْمالِ إلّا ما يُقَرِّبُ إلى اللهِ ﴿وما﴾ أيْ والَّذِي، ولَفَتَ الكَلامَ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى أعْظَمَ مِنها بِذِكْرِ الِاسْمِ الجامِعِ لِلتَّرْغِيبِ في ذِكْرِ آثارِ الأوْصافِ الجَمالِيَّةِ والتَّرْهِيبِ مِن آثارِ النُّعُوتِ الجَلالِيَّةِ فَقالَ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا مِن نِعَمِ الدّارَيْنِ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ في نَفْسِهِ وأشَدِّ خَيْرِيَّةً مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ المَحْضَةِ لِانْقِطاعِ نَفْعِها. ولَمّا كانَتِ النِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ قَدْ تَصْحَبُ الإنْسانَ طُولَ عُمْرِهِ فَتُسَبِّبُ بِذَلِكَ إلى البَقاءِ قالَ: ﴿وأبْقى﴾ أيْ مِنَ الدُّنْيَوِيَّةِ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن نَزْعِها مِنهُ بِالمَوْتِ، ولِذَلِكَ قَيَّدَ بِالحَياةِ فَلا تُؤْثِرُ الفانِي عَلى خَساسَتِهِ عَلى الباقِي مَعَ نَفاسَتِهِ.
ولَمّا بَيَّنَ ما لَها مِنَ النَّفاسَةِ تَرْغِيبًا فِيها، بَيْنَ مَن هي لَهُ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ ﴿وعَلى﴾ أيْ والحالُ أنَّهم صَدَّقُوها بِأنَّهم عَلى، ولَفَتَ القَوْلَ إلى صِفَةِ الإحْسانِ لِأنَّها نَسَبُ شَيْءٍ لِلْمُتَوَكِّلِ، وأحْكَمُ الأمْرِ بِالإضافَةِ إشارَةً إلى ”إنَّهُ إحْسانٌ“ هو في غايَةِ (p-٣٢٨)المُناسَبَةِ لِحالِهِمْ فَقالَ: ﴿رَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي لَمْ يَرَوْا إحْسانًا قَطُّ إلّا مِنهُ وحْدَهُ بِما رَبّاهم مِنَ الإخْلاصِ لَهُ ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ يَحْمِلُونَ جَمِيعَ أُمُورِهِمْ عَلَيْهِ كَما يَحْمِلُ غَيْرُهم مَتاعَهُ عَلى مَن يَتَوَسَّمُ فِيهِ قُوَّةً عَلى الحَمْلِ ولا يَلْتَفِتُونَ في ذَلِكَ إلى شَيْءٍ غَيْرِهِ أصْلًا لِيَنْتَفِيَ عَنْهم بِذَلِكَ الشِّرْكُ الخَفِيُّ كَما انْتَفى بِالإيمانِ الشِّرْكُ الجَلِيُّ، والتَّعْبِيرُ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ تَمْثِيلٌ لِلْإسْنادِ والتَّفْوِيضُ إلَيْهِ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ لِأنَّ الحَمْلَ أبْيَنُ في الرّاحَةِ، وأظْهَرُ في البُعْدِ مِنَ الهَمِّ والمَشَقَّةِ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالمُضارِعِ لِلتَّخْفِيفِ في أمْرِ التَّوَكُّلِ بِالرِّضى بِتَجْدِيدِهِ كُلَّما تَجَدَّدَ مُهِمٌّ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ اللهُ كافِيهِ كُلَّ مُلِمٍّ، فَيُشارِكُونَ أهْلَ الدُّنْيا في نَيْلِ نِعَمِها ويُفارِقُونَهم في أنَّ رَبَّهم سُبْحانَهُ يَجْعَلُها عَلى وجْهٍ لا حِسابَ عَلَيْهِمْ فِيها، بَلْ ولَهم فِيها الأُجُورُ المُوجِبَةُ لِلنِّعْمَةِ والحُبُورِ، وفي أنَّهُ يَجْعَلُها كافِيَةً لِمُهِمّاتِهِمْ وِسادَةً لِخَلّاتِهِمْ، ويَزِيدُهُمُ الباقِياتِ الصّالِحاتِ الَّتِي يَتَسَبَّبُ عَنْها نَعِيمُ الآخِرَةِ بَعْدَ راحَةِ الدُّنْيا.
42:37Page 487
وَٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمۡ يَغۡفِرُونَ ٣٧
And those who avoid the major sins and immoralities, and when they are angry, they forgive,
ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ الإيمانِ والتَّوَكُّلِ أمْرًا باطِنًا فَكانَ لا بُدَّ مِن (p-٣٢٩)دَلائِلِهِ مِن ظَواهِرِ الأعْمالِ، وكانَتْ تَخْلِياتٌ مِنَ الرَّذائِلِ وتَحْلِياتٌ بِالفَضائِلِ وكانَتِ التَّخْلِيّاتُ لِكَوْنِها دَرْءً لِلْمَفاسِدِ مُقَدَّمَةً عَلى التَّحَلِّياتِ الَّتِي هي جَلْبٌ لِلْمَصالِحِ قالَ عاطِفًا عَلى ”الَّذِينَ“: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ أيْ يُكَلِّفُونَ أنْفُسَهم أنْ يُجابُوا ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾ أيْ جِنْسِ الفِعالِ الكِبارِ الَّتِي لا تُوجِدُ إلّا ضِمْنَ أفْرادِها ويَحْصُلُ بِها دَنَسٌ لِلنَّفْسِ، فَيُوجِبُ عِقابًا لَها مَعَ الجِسْمِ، وعَطَفَ عَلى ﴿كَبائِرَ﴾ قَوْلَهُ: ﴿والفَواحِشَ﴾ وهي ما أنْكَرَهُ الشَّرْعُ والعَقْلُ والطَّبْعُ الَّتِي هي آياتُ اللهِ الثَّلاثُ الَّتِي نَصْبُها حُجَّةٌ عَلى عِبادِهِ ولَهُ الحُجَّةُ البالِغَةُ فاسْتَعْظَمَ النّاسُ أمْرَها ولَوْ أنَّها صَغائِرُ لِدَلالَتِها عَلى الإخْلالِ بِالمُرُوءَةِ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ والإقْرارِ عَلى المَعْصِيَةِ مِن شَيْخٍ جَلِيلِ القَدْرِ لِمَن لا يَخْشاهُ ولا يَرْجُوهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: كَبِيرٌ، وهو لِلْجِنْسِ، فَهو بِمَعْنى قِراءَةِ الجَمْعِ أوْ هي أبْلَغُ لِشُمُولِها المُفْرَدِ. ولَمّا ذَكَرَ ما قَدْ تَقُودُ إلَيْهِ المَطامِعُ دُونَ حَمْلِ الغَضَبِ الصّارِعِ قالَ مُنَبِّهًا عَلى عَظَمَتِهِ مُعَبِّرًا بِأداةِ (p-٣٣٠)التَّحَقُّقِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ لا بِهِ مِنهُ تَوْطِينًا لِلنَّفْسِ عَلَيْهِ مُعَلِّقًا بِفِعْلِ الغَفْرِ: ﴿وإذا﴾ وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما﴾ وقَدَّمَ الغَضَبَ إشارَةً إلى الِاهْتِمامِ بِإطْفاءِ جَمْرِهِ وتَبْرِيدِ حَرِّهِ فَقالَ: ﴿غَضِبُوا﴾ أيْ غَضَبًا هو عَلى حَقِيقَتِهِ مِن أمْرٍ مُغْضِبٍ في العادَةِ، وبَيَّنَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ أنَّ بَواطِنَهم في غَفْرِهِمْ كَظَواهِرِهِمْ فَقالَ: ﴿هم يَغْفِرُونَ﴾ أيِ الإحْصاءِ والإخْفاءِ بِأنَّهم كُلَّما تَجَدَّدَ لَهم غَضَبٌ جَدَّدُوا غَفْرًا أيْ مَحْوًا لِلذَّنْبِ عَيْنًا وأثَرًا مَعَ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ فَسَجاياهم تَقْتَضِي الصَّفْحَ دُونَ الِانْتِقامِ ما لَمْ يَكُنْ مِنَ الظّالِمِ بَغْيٌ لِأنَّهُ لا يُؤاخَذُ عَلى مُجَرَّدِ الغَضَبِ إلّا مُتَكَبِّرٌ، والكِبْرُ لا يَصْلُحُ لِغَيْرِ الإلَهِ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُغَيِّبُ أحْلامَهم عِنْدَ اشْتِدادِ الأمْرِ ما يُغَيِّبُ أحْلامَ غَيْرِهِمْ مِن طَيْشِ الجَهْلِ وسَفاهَةِ الرَّأْيِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الغَفْرَ دُونَ غَضَبٍ لا يُعَدُّ بِالنِّسْبَةِ إلى الغَفْرِ مَعَهُ، وفي الصَّحِيحِ «أنَّهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ قَطُّ إلّا أنْ تُنْتَهَكَ حُرُماتُ اللَّهِ،» ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانَ المُؤْمِنُونَ يَكْرَهُونَ أنْ يَسْتَذِلُّوا وكانُوا (p-٣٣١)إذا قَدَرُوا عَفَوْا.
42:38Page 487
وَٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٨
And those who have responded to their Lord and established prayer and whose affair is [determined by] consultation among themselves, and from what We have provided them, they spend,
ولَمّا أتَمَّ ما مِنهُ التَّحَلِّي، أتْبَعَهُ ما بِهِ التَّخَلِّي، وذَكَرَ أوْصافًا أرْبَعَةً هي قَواعِدُ النَّصَفَةِ ما انْبَنى عَلَيْها قَطُّ رُبْعُها إلّا كانَ الفاعِلُونَ لَها كالجَسَدِ الواحِدِ لا تَأْخُذُهم نازِلَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا الإجابَةَ بِمالِهِمْ مِنَ العِلْمِ الهادِي إلى سَبِيلِ الرَّشادِ ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ أيِ الدّاعِي لَهم إلى إجابَتِهِ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ إيجادًا مِن شِدَّةِ حَمْلِ أنْفُسِهِمْ عَلَيْهِ يَطْلُبُونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ طَلَبًا عَظِيمًا صادِقًا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ لِأحَدِهِمْ نَفْسٌ ولا بَقِيَّةٌ مِن وهْمٍ ولا رَسْمٍ إلّا عَلى مُوافَقَةِ رِضاهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ ما دَعاهم إلَيْهِ وهو مُرَبِّيهِمْ لِصَلاحِهِمْ وسَعْدِهِمْ وفَلاحِهِمْ، لِأنَّهُ مُحِيطُ العِلْمِ شَدِيدُ الرَّحْمَةِ لا يَتَّهِمُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
ولَمّا كانَ هَذا عامًّا لِكُلِّ خَيْرٍ دَعا إلَيْهِ سُبْحانَهُ، خَصَّ أعْظَمَ عِباداتِ البَدَنِ، وزادَ في عَظَمَتِها بِالتَّعْبِيرِ بِالإقامَةِ فَقالَ: ﴿وأقامُوا﴾ أيْ بِما لَهم مِنَ القُوَّةِ ﴿الصَّلاةَ﴾ فَأفْهَمَ ذَلِكَ مَعَ اللّامِ أنَّهم أوْجَدُوا صُورَتَها مَحْمُولَةً بِرُوحِها عَلى وجْهٍ يَقْتَضِي ثُبُوتَها دائِمًا. ولَمّا كانَتِ الِاسْتِجابَةُ تُوجِبُ لِلِاتِّحادِ القُلُوبَ بِالإيمانِ المُوجِبِ لِلِاتِّحادِ في الأقْوالِ والأفْعالِ، والصَّلاةُ تُوجِبُ الِاتِّحادَ بِالأبْدانِ، ذَكَرَ الِاتِّحادَ بِالأقْوالِ (p-٣٣٢)النّاشِئِ عَنْهُ عِنْدَ أُولِي الكَمالِ الِاتِّحادُ في الأفْعالِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالِاسْمِيَّةِ حَثًّا عَلى أنْ جَعَلُوا ذَلِكَ لَهم خَلْقًا ثابِتًا لا يَنْفَكُّ: ﴿وأمْرُهُمْ﴾ أيْ كُلُّ ما يَنُوبُهم مِمّا يُحْوِجُهم إلى تَدْبِيرِ ﴿شُورى﴾ أيْ يَتَشاوَرُونَ فِيهِ مُشاوَرَةً عَظِيمَةً مُبالِغِينَ مِمّا لَهم مِن قُوَّةِ الباطِنِ وصَفائِهِ في الإخْلاصِ والنُّصْحِ، مِنَ الشَّوْرِ وهو العَرْضُ والإظْهارُ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بِحَيْثُ إنَّهم لا فَرْقَ في حالِ المُشاوَرَةِ بَيْنَ كَبِيرٍ مِنهم وصَغِيرٍ بَلْ كُلٌّ مِنها يُصْغِي إلى كَلامِ الآخَرِ ويَنْظُرُ في صِحَّتِهِ وسَقَمِهِ بِتَنْزِيلِهِ عَلى أُصُولِ الشَّرْعِ وفُرُوعِهِ، فَلا يَسْتَبْدِلُ أحَدٌ مِنهم بِرَأْيٍ لِدَوامِ اتِّهامِهِ لِرَأْيِهِ لِتَحَقُّقِهِ نَقْصَهُ بِما لَهُ مِن غَزارَةِ العِلْمِ وصَفاءِ الفَهْمِ ولا يُعَجِّلُونَ في شَيْءٍ بَلْ صارَ التَّأبِّي لَهم خَلْقًا، وسُوقُ المَشُورَةِ هَذا السِّياقُ دالٌّ عَلى عَظِيمِ جَدْواها وجَلالَةِ نَفْعِها قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ - عَلى أنَّهُ رَوى الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ والأوْسَطِ لَكِنْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «ما خابَ مَنِ اسْتَخارَ ولا نَدِمَ مَنِ اسْتَشارَ ولا عالَ مَنِ اقْتَصَدَ» ورَوى في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن (p-٣٣٣)أرادَ أمْرًا فَشاوَرَ فِيهِ امْرَأً مُسْلِمًا وفَّقَهُ اللهُ لِأرْشَدِ أمْرِهِ» .
ولَمّا كانَتِ المُواساةُ بِالأمْوالِ بَعْدَ الِاتِّحادِ في الأقْوالِ والِاتِّفاقُ في الأفْعالِ أعْظَمُ جامِعٍ عَلى مَحاسِنِ الخِلالِ، وأظْهَرُ دالٍّ عَلى ما ادَّعى مِنَ الِاتِّحادِ في الحالِ والمَآلِ قالَ مُسَهِّلًا عَلَيْهِمْ أمْرَها بِأنَّهُ لا مَدْخَلَ لَهم في الحَقِيقَةِ في تَحْصِيلِها راضِيًا مِنهم بِاليَسِيرِ مِنها: ﴿ومِمّا﴾ ولَفَتَ القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ تَذْكِيرًا بِما يَتَعارَفُونَهُ بَيْنَهم مِن أنَّهُ لا مَطْمَعَ في التَّقَرُّبِ مِنَ العُظَماءِ إلّا بِالهَدايا فَقالَ: ﴿رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنهم ولا قُوَّةٍ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ أيْ يُدِيمُونَ الإنْفاقَ كَرَمًا مِنهم وإنْ قَلَّ ما بِأيْدِيهِمُ اعْتِمادًا عَلى فَضْلِ اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَقْبِضُونَ أيْدِيَهم كالمُنافِقِينَ، وذَلِكَ الإنْفاقُ عَلى حَسَبِ ما حَدَّدْناهُ لَهم فَواسَوْا بِالمَشُورَةِ في فَضْلِ عُقُولِهِمْ وبِالإنْفاقِ في فَضْلِ أمْوالِهِمْ تَقْوى مِنهم ومُراقَبَةً لِلَّهِ لا شَهْوَةَ نَفْسٍ.
42:39Page 487
وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡبَغۡيُ هُمۡ يَنتَصِرُونَ ٣٩
And those who, when tyranny strikes them, they retaliate [in a just manner].1
ولَمّا كانَ في العُقُوبَةِ مُصْلِحَةٌ ومَفْسَدَةٌ فَنَدَبَ سُبْحانَهُ إلى المَغْفِرَةِ تَقْدِيمًا لِدَرْءِ المَفْسَدَةِ لِأنَّ الإنْسانَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالقُلُوبِ لا يَصِحُّ لَهُ بِوَجْهٍ أنْ يُعاقَبَ بِمُجَرَّدِ الغَضَبِ لِأنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ فَيُعاقِبُ مَن أغْضَبَهُ، وهو (p-٣٣٤)شَرِيفُ الذّاتِ كَرِيمُ الطَّبْعِ عَلى الهِمَّةِ أبِيُّ النَّفْسِ، ما وقَعَ مِنهُ الذَّنْبُ الَّذِي أغْضَبَ إلّا خَطَأً مَعْفُوًّا عَنْهُ أوْ كَذَبَ عَلَيْهِ فِيهِ فَيُرَبِّي في نَفْسِهِ أُخْتَهُ تُفْسِدُ ذاتَ البَيْنِ فَيَجُرُّ إلى خَرابٍ كَبِيرٍ، وكانَتْ إدامَةُ الغَفْرِ جالِبَةً لِلْفَسادِ مُجَرِّئَةً عَلى العِنادِ، وكانَ البَغْيُ هو التَّمادِي في السُّوءِ مُحَقِّقًا لِقَصْدِ الذَّنْبِ مُجَوِّزًا لِلْإقْدامِ عَلى الِانْتِقامِ، وكانَ الِانْتِصارُ مِنَ الفُجّارِ رُبَّما أحْوَجَ مَعَ قُوَّةِ الجِنانِ إلى إنْفاقِ المالِ، عَقِبَ الإنْفاقِ بِمَدْحِ الِانْتِصارِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ﴾ وذَكَرَ أداةَ التَّحَقُّقِ إشارَةً إلى أنَّ شَرْطَها لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ بِالفِعْلِ أوْ بِالقُوَّةِ فَقالَ ناصِبًا بِفِعْلِ الِانْتِصارِ مُقَدِّمًا لِما مِن شَأْنِ النَّفْسِ الِاهْتِمامُ بِدَفْعِهِ لِعَدَمِ صَبْرِها عَلَيْهِ: ﴿إذا أصابَهُمُ﴾ أيْ وقَعَ بِهِمْ وأثَّرَ فِيهِمْ ﴿البَغْيُ﴾ وهو التَّمادِي عَلى الرَّمْيِ بِالشَّرِّ ﴿هُمْ﴾ أيْ بِأنْفُسِهِمْ خاصَّةً لِما لَهم مِن قُوَّةِ الجِنانِ والأرْكانِ المُعْلِمَةِ بِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِن غُفْرانِهِ ما كانَ إلّا لِعُلُوِّ شَأْنِهِمْ لا لِهَوانِهِمْ ﴿يَنْتَصِرُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ بِالعِلاجِ بِما أعْطاهُمُ اللهُ مِن سِعَةِ العَقْلِ وشِدَّةِ البَطْشِ وقُوَّةِ القَلْبِ النَّصْرِ لِأنْفُسِهِمْ في مَحَلِّهِ عَلى ما يَنْبَغِي مِن زَجْرِ الباغِي عَنْ مُعاوَدَتِهِمْ وعَنِ (p-٣٣٥)الِاجْتِراءِ عَلى غَيْرِهِمْ مُكَرِّرِينَ لِذَلِكَ كُلَّما كَرَّرَ لَهم فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، لَيْسُوا بِعاجِزِينَ ولا في أمْرِ دِينِهِمْ مُتَوانِينَ، والتَّعْبِيرُ في هَذِهِ الأفْعالِ بِالإسْنادِ إلى الجَمْعِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَكُونُ تَمامَ التَّمَكُّنِ الرّادِعِ إلّا مَعَ الِاجْتِماعِ، ومَن كانَ فِيها مُفْرَدًا كانَ هَمُّهُ طَوِيلًا وبَثُّهُ جَلِيلًا، قالَ النَّخْعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ.
42:40Page 487
وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠
And the retribution for an evil act is an evil one like it, but whoever pardons and makes reconciliation - his reward is [due] from Allāh. Indeed, He does not like wrongdoers.
ولَمّا كانَ الإذْنُ في الِانْتِصارِ في هَذا السِّياقِ المادِحِ مُرَغِّبًا فِيهِ مَعَ ما لِلنَّفْسِ مِنَ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ، زَجَرَ عَنْهُ لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوَّلًا بِكَفِّها عَنِ الِاسْتِرْسالِ فِيهِ ورَدِّها عَلى حَدِّ المُماثَلَةِ، وثانِيًا بِتَسْمِيَتِهِ سَيِّئَةً وإنْ كانَ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ، وثالِثًا بِالنَّدْبِ إلى العَفْوِ، فَصارَ المَحْمُودُ مِنهُ إنَّما هو ما كانَ لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللهِ لا شائِبَةَ فِيهِ لِلنَّفْسِ أصْلًا فَقالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ﴾ أيْ أيُّ سَيِّئَةٍ كانَتْ ﴿سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ أيْ لا تَزِيدُ عَلَيْها في عَيْنٍ ولا مَعْنًى أصْلًا، وقَدْ كَفَلَتْ هَذِهِ الجُمَلُ بِالدُّعاءِ إلى أُمَّهاتِ الفَضائِلِ الثَّلاثِ العِلْمِ والعِفَّةِ والشَّجاعَةِ عَلى (p-٣٣٦)أحْسَنِ الوُجُوهِ، فالمَدْحُ بِالِاسْتِجابَةِ والصَّلاةِ دُعاءٌ إلى العِلْمِ، وبِالنَّفَقَةِ إلى العِفَّةِ، وبِالِانْتِصارِ إلى الشَّجاعَةِ، حَتّى لا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ إذْعانَهم لِما مَضى مُجَرَّدُ ذُلٍّ، والقَصْرُ عَلى المُماثَلَةِ دُعاءٌ إلى فَضِيلَةِ التَّقْسِيطِ بَيْنَ الكُلِّ وهي العَدْلُ، وهَذِهِ الأخِيرَةُ كافِلَةٌ بِالفَضائِلِ الثَّلاثِ، فَإنَّ مَن عَلِمَ المُماثِلَةَ كانَ عالِمًا، ومَن قَصَدَ الوُقُوفَ عِنْدَها كانَ عَفِيفًا، ومَن قَصَرَ نَفْسَهُ عَلى ذَلِكَ كانَ شُجاعًا، وقَدْ ظَهَرَ مِنَ المَدْحِ بِالِانْتِصارِ بَعْدَ المَدْحِ بِالغُفْرانِ أنَّ الأوَّلَ لِلْعاجِزِ والثّانِي لِلْمُتَغَلِّبِ المُتَكَبِّرَ بِدَلِيلِ البَغْيِ.
ولَمّا كانَ شَرْطُ المُماثَلَةِ نادِبًا بَعْدَ شَرْعِ العَدْلِ الَّذِي هو القَصاصُ إلى العَفْوِ الَّذِي هو الفَصْلُ لِأنَّ تَحَقُّقَ المِثْلِيَّةِ مِنَ العَبْدِ المَلْزُومِ لِلْعَجْزِ لا يَكادُ يُوجَدُ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عَفا﴾ أيْ بِإسْقاطِ حَقِّهِ كُلِّهِ أوْ بِالنَّقْصِ عَنْهُ لِتَتَحَقَّقَ البَراءَةُ مِمّا حَرُمَ مِنَ المُجاوَزَةِ ﴿وأصْلَحَ﴾ أيْ أوْقَعَ الإصْلاحَ بَيْنَ النّاسِ بِالعَفْوِ والإصْلاحِ لِنَفْسِهِ لِيُصْلِحَ اللهُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ مُنْتَصِرًا مِن نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فَهو يُعْطِيهِ عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ مَفْهُومُ هَذا الِاسْمِ الأعْظَمِ، وهَذا سِرُّ لَفْتِ الكَلامِ إلَيْهِ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ وقَوْلُهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”ما زادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلّا عِزًّا“ . (p-٣٣٧)ولَمّا كانَ هَذا نَدْبًا إلى العَفْوِ بَعْدَ المَدْحِ بِالِانْتِصارِ، بَيَّنَ أنَّ عِلَّتَهُ كَراهَةَ أنْ يُوضَعَ شَيْءٌ في غَيْرِ مَحَلِّهِ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ المُماثَلَةَ في ذَلِكَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ مُضْمِرًا إشارَةً إلى أنَّ المِثْلِيَّةَ مِنَ الغَيْبِ الخَفِيِّ مُؤَكِّدًا لِكَفِّ النَّفْسِ لِما لَها مِن عِظَمِ الِاسْتِرْسالِ في الِانْتِصارِ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيْ لا يُكْرِمُ الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَحَلِّهِ دَأْبَ مَن يَمْشِي في مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ إذا كانَ عَرِيقًا في ذَلِكَ سَواءٌ كانَ ابْتِداءً أوْ مُجاوَزَةً في الِانْتِقامِ بِأخْذِ الثَّأْرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences