Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Az-Zukhruf 43:48–59
43:48Page 493
وَمَا نُرِيهِم مِّنۡ ءَايَةٍ إِلَّا هِيَ أَكۡبَرُ مِنۡ أُخۡتِهَاۖ وَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤٨
And We showed them not a sign except that it was greater than its sister, and We seized them with affliction that perhaps they might return [to faith].
ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّ في الآياتِ ما يَقْبَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، بَيَّنَ حالَها سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنّا ما ﴿نُرِيهِمْ﴾ عَلى ما لَنا مِنَ الجَلالِ والعُلُوِّ والكَمالِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِإثْباتِ الجارِّ وأداةِ الحَصْرِ لِأجْلِ مَن قَدْ يَتَوَهَّمُ أنَّهم مَعْذُورُونَ في ضَحِكِهِمْ فَقالَ: ﴿مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ﴾ أيْ في الرُّتْبَةِ ﴿مِن أُخْتِها﴾ أيِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَلَيْها بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ النّاظِرِينَ لَها لِأنَّ الآدَمِيَّ لِما لَهُ مِنَ النِّسْيانِ إذا أتاهُ الثّانِي مِنَ المُتَساوِيِينَ رَأى جَمِيعَ مَن أتاهُ ناسِيًا ولا بَعْضَ مَن أتى الأوَّلَ فَيَقْطَعُ بِأنَّهُ أكْبَرُ مِنهُ، أوْ أنَّ هَذا كِنايَةٌ عَنْ أنَّها كُلُّها في نِهايَةِ العَظَمَةِ كَما قالَ شاعِرُهُمْ:
؎”مَن تَلْقَ مِنهم (p-٤٤٣)تَقُلْ لاقَيْتُ سَيِّدَهُمْ“ ∗∗∗
أوْ أنَّ بَيْنَها في الكِبَرِ عُمُومًا وخُصُوصًا مِن وجْهٍ، وأحْسَنُ مِن ذَلِكَ ما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ مِن أنَّ كُلَّ آيَةٍ أوْضَحُ في الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وأوْكَدُ مِمّا قَبْلَها، لِأنَّها دَلَّتْ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ وزادَتْ ما أفادَتْهُ المُعاضَدَةُ مِنَ الضَّخامَةِ فَصارَتْ هي مَعَ ما قَبْلَها أكْبَرُ مِمّا قَبْلَها عِنْدَ وُرُودِها وإقامَةِ الحُجَّةِ بِها.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ ولَمْ يَرْجِعُوا لِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ لِأنّا أصْمَمْناهم وأعْمَيْناهم وأحَطْنا بِهِمُ الضَّلالَ لِعِلْمِنا بِحالِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأخَذْناهُمْ﴾ أيْ أخْذُ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ ﴿بِالعَذابِ﴾ أيْ كُلُّهُ لِأنّا واتَرْنا عَلَيْهِمْ ضَرَباتِهِ عَلى وجْهٍ مُعْلِمٍ بِأنّا قادِرُونَ عَلى ما نُرِيدُ مِنهُ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣] والقِطَعُ: البَرْدُ الكِبارُ الَّذِي لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ مُلْتَهِبًا بِالنّارِ، ومَوْتُ الأبْكارِ، فَكانَتْ آياتٍ عَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما لَها مِنَ الإعْجازِ، وعَذابًا لَهم في الدُّنْيا مَوْصُولًا بِعَذابِ الآخِرَةِ، فَيا لَها مِن قُدْرَةٍ باهِرَةٍ وحِكْمَةٍ ظاهِرَةٍ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم عِنْدَ ناظَرِهِمُ الجاهِلِ بِالعَواقِبِ حالَ مَن يُرْجى رُجُوعُهُ.
43:49Page 493
وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهۡتَدُونَ ٤٩
And they said [to Moses], "O magician, invoke for us your Lord by what He has promised you. Indeed, we will be guided."
ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ في كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَباتِ الَّتِي كانَ يَضْرِبُهُ بِها (p-٤٤٤)سُبْحانَهُ - كَما مَضى في الأعْرافِ عَنِ التَّوْراةِ - يَقُولُ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: قَدْ أخْطَأْتَ والرَّبُّ بارٌّ وأنا وشَعْبِي فُجّارٌ، فَصَلَّيْنا بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ فَإنَّهُ ذُو إمْهالٍ وأناةٍ، فَيَصْرِفُ عَنِّي كَذا، فَإذا صَرَفَ اللهُ ذَلِكَ عَنْهم عادَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الفُجُورِ، كانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ فِعْلَ مَن لا يَعْتَقِدُ أنَّهُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَبِيٌّ حَقِيقَةً، بَلْ يَعْتَقِدُ أنَّهُ ساحِرٌ، وأنَّ أفْعالَهُ إنَّما هي خَيالٌ، فَكَذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ، فَلَمْ يَرْجِعُوا: ﴿وقالُوا﴾ أيْ فِرْعَوْنُ بِالمُباشَرَةِ وأتْباعُهُ بِالمُوافَقَةِ لَهُ: ﴿يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾ فَنادَوْهُ بِأداةِ البُعْدِ مَعَ الإفْهامِ بِقالُوا دُونَ ”نادَوْا“ أنَّهُ حاضِرٌ إشارَةً إلى بُعْدِهِ مِن قُلُوبِهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِهَذا تَوْبِيخٌ لِقُرَيْشٍ بِالإشارَةِ إلى أنَّهم وغَيْرُهم مِمَّنْ مَضى يَرْمُونَ الرَّسُولَ بِالسِّحْرِ ويُقِرُّونَ بِرِسالَتِهِ عِنْدَ الحاجَةِ إلى دُعائِهِ في كَشْفِ ما عَذَّبَهم رَبُّهم بِهِ، وذَلِكَ قادِحٌ فِيما يَدَّعُونَ مِنَ الثَّباتِ والشَّجاعَةِ والعَقْلِ والإنْصافِ والشَّهامَةِ، وذَلِكَ كَما وقَعَ لِقُرَيْشٍ لَمّا «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ”اللَّهُمَّ أعْنِّي عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسَنِي يُوسُفَ“ فَقَحَطُوا، فَلَمّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ البَلاءُ أتى أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! إنَّكَ قَدْ جِئْتَ بِصِلَةِ الأرْحامِ وإنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فادْعُ اللهَ لَهُمْ، فَدَعا لَهم فَأُغِيثُوا،» فَلا شَكَّ أنَّ تَرْجَمَةَ حالِهِمْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ مِنَ التَّناقُضِ الَّذِي لا يَرْضاهُ لِنَفْسِهِ عاقِلٌ، وهو وصْفُهُ بِالسِّحْرِ (p-٤٤٥)وطَلَبُ الدُّعاءِ مِنهُ يَمْنَعُ اعْتِقادَ أنَّهُ ساحِرٌ، واعْتِقادُ أنَّهُ ساحِرٌ يَمْنَعُ طَلَبَ الدُّعاءِ مِنهُ عِنْدَ العاقِلِ ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِما يَفْعَلُ مَعَكَ مِن هَذِهِ الأفْعالِ الَّتِي نَهَيْتَنا بِها إكْرامًا لَكَ ﴿بِما﴾ أيْ بِسَبَبِ ما ﴿عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ مِن أنَّهُ يَفْعَلُ مِن وضْعِها ورَفْعِها عَلى ما تُرِيدُ عَلى ما أخْبَرْتَنا أنَّهُ إنْ آمَنّا أكْرَمْنا، وإنْ تَمادَيْنا أهانَنا، ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ مُؤَكِّدًا تَقْرِيبًا لِحالِهِمُ البَعِيدَةِ مِنَ الِاعْتِداءِ بِما يُخْبِرُ بِهِ شاهِدُ الوُجُودِ: ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ أيِ اهْتِداءً ثابِتًا يَصِيرُ لَنا وصْفًا لازِمًا عِنْدَ كَشْفِ ذَلِكَ عَنّا.
43:50Page 493
فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ ٥٠
But when We removed from them the affliction, at once they broke their word.
ولَمّا كانَ العاقِلُ لا يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ إلّا بِما هو صَحِيحٌ، فَكَيْفَ إذا كانَ عَظِيمًا بَيْنَ قَوْمِهِ فَكَيْفَ إذا أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْواعٍ مِنَ التَّأْكِيدِ، فَكانَ السّامِعُ لِهَذا الكَلامِ يَقْطَعُ بِصِدْقِهِ، بَيَّنَ تَعالى ما يُصَحِّحُ أنَّ حالَهم حالُ مَن يَعْتَقِدُ أنَّهُ ساحِرٌ بِأنَّهم أسْرَعُوا الخِيانَةَ بِالكَذِبِ فِيهِ مِن غَيْرِ اسْتِحْياءٍ ولا خَوْفٍ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالفاءِ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تُرْهِبُ الجِبالَ ﴿عَنْهُمُ العَذابَ﴾ أيِ الَّذِي أنْزَلْناهُ بِهِمْ ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ أيْ فاجَئُوا الكَشْفَ بِتَجْدِيدِ النَّكْثِ بِإخْلافٍ بَعْدَ إخْلافٍ
43:51Page 493
وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٥١
And Pharaoh called out among his people; he said, "O my people, does not the kingdom of Egypt belong to me, and these rivers flowing beneath me; then do you not see?
﴿ونادى فِرْعَوْنُ﴾ أيْ زِيادَةً عَلى نَكْثِهِ ﴿فِي قَوْمِهِ﴾ أيِ الَّذِينَ لَهم غايَةُ القِيامِ مَعَهُ، وأمَرَ كُلًّا مِنهم أنْ يُشِيعَ قَوْلَهُ إشاعَةً تَعُمُّ البَعِيدَ كَما تَشْمَلُ القَرِيبَ فَتَكُونُ كَأنَّها مُناداةٌ إعْلامًا (p-٤٤٦)بِأنَّهُ مُسْتَمِرٌّ عَلى الكُفْرِ لِئَلّا يَظُنَّ بَعْضُهم أنَّهُ رَجَعَ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ نادى؟ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ خَوْفًا مِن إيمانِ القِبْطِ لِما رَأى مِن أنَّ ما شاهَدُوا مِن باهِرِ الآياتِ مِثْلَهُ يُزَلْزِلُ ويَأْخُذُ بِالقُلُوبِ: ﴿يا قَوْمِ﴾ مُسْتَعْطِفًا لَهم بِإعْلامِهِمْ بِأنَّهم لُحْمَةٌ واحِدَةٌ، ومُسْتَنْهِضًا بِوَصْفِهِمْ بِأنَّهم ذَوُو قُوَّةٍ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ، مُقَرَّرًا لَهم عَلى عُذْرِهِ في نَكْثِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ لِي﴾ أيْ وحْدِي ﴿مُلْكُ مِصْرَ﴾ أيْ كُلُّهُ، فَلا اعْتِراضَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ولا غَيْرِهِمْ، لِيُنْتِجَ لَهُ ذَلِكَ عَلى زَعْمِهِ أنَّ غَلَبَتَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ومُقاهَرَتِهِ عَلى إخْراجِهِمْ مِن تَحْتِ يَدِهِ بَغى عَلى مَن لَهُ المُلْكُ فَتَكُونُ فَسادًا فَلا بَأْسَ عَلَيْهِ إذا خَدَعَ مَن فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ بِما عاهَدَهُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَسِّ الضُّرِّ، ولَمْ يَقْرَأْ بِالصَّرْفِ لِيَكُونَ نَصًّا عَلى مُرادِهِ مِنَ العِلْمِيَّةِ، ولِأنَّ المُصِرَّ يُطْلَقُ عَلى المَدِينَةِ الواحِدَةِ، والتَّنْوِينُ يَأْتِي لِلتَّحْقِيرِ وهو ضِدُّ مُرادِهِ.
ولَمّا كانَ قَدْ حَصَلَ لَهُ مِمّا رَأى مِنَ الآياتِ ووَرَدَ عَلَيْهِ مِن تِلْكَ الضَّرَباتِ بِأنْواعِ المُثُلاتِ ما أدْهَشَهُ بِحَيْثُ صارَ في عِدادِ مَن (p-٤٤٧)يَشُكُّ أتْباعُهُ في مِلْكِهِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِما بَناهُ مِنَ الحالِ: ﴿وهَذِهِ﴾ أيْ والحالُ أنَّ هَذِهِ ﴿الأنْهارُ﴾ وكَأنَّهُ كانَ قَدْ أكْثَرَ مِن تَشْقِيقِ الخُلْجانِ إلى بَساتِينِهِ وقُصُورِهِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِن أُمُورِهِ فَقالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ أيْ مِن أيِّ مَوْضِعٍ أرَدْتَهُ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرِي، وزادَ في التَّقْرِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم فَتَعْلَمُوا بِبَصائِرِ قُلُوبِكم أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُنازِعَنِي، وهَذا لَعَمُرِي قَوْلُ مَن ضَعُفَتْ قُواهُ وانْحَلَّتْ عُراهُ.
43:52Page 493
أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ٥٢
Or am I [not] better than this one [i.e., Moses] who is insignificant and hardly makes himself clear?1
ولَمّا أرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: أفَهَذا الَّذِي جاءَ يَسْلُبُنا عَبِيدُنا بَنِي إسْرائِيلَ خَيْرٌ عِنْدَكم مِنِّي؟ نَسَّقَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ﴾ مَعَ ما وصَفْتُ لَكم مِن ضَخامَتِي وما لِي مِنَ القُدْرَةِ عَلى إجْراءِ المِياهِ الَّتِي بِها حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ، ونَقَلَ ابْنُ الجَوْزِيِّ وغَيْرِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنْ سِيبَوَيْهِ وأُسْتاذِهِ الخَلِيلِ أنَّها مُعادَلَةٌ لِتَقْرِيرِهِمْ بِالإبْصارِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أفَلا تُبْصِرُونَ ما ذَكَّرْتُكم بِهِ فَتَرَوْنَ لِعَدَمِ إبْصارِكم أنَّهُ خَيْرٌ مِنِّي أمْ أنا خَيْرٌ مِنهُ لِأنَّكم لا تُبْصِرُونَ، وكانَ هو أحَقُّ بِهَذِهِ النَّصِيحَةِ مِنهم فَإنَّهُ أراهُمُ الطَّرِيقَ الواضِحَةَ إلى الضَّلالِ والمُوصِلَةِ إلَيْهِ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ ولا تَعَبٍ بِقَوْلِهِ: أفَلا تُبْصِرُونَ أمْ أنْتُمْ بُصَراءُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ احْتِباكًا تَقْدِيرُهُ: أفَلا تُبْصِرُونَ ما (p-٤٤٨)نَبَّهْتُكم عَلَيْهِ، فَذَكَرَ الإبْصارَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِها ثانِيًا والخَيْرِيَّةِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِها أوَّلًا، وحَقَّرَ مِن عَظَمَةِ الآتِي لَهُ بِتِلْكَ الآياتِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِئَلّا يُسْرِعَ النّاسُ إلى اتِّباعِهِ لِأنَّ آياتِهِ - لِكَوْنِها مِن عِنْدِ اللهِ - كالشَّمْسِ بَهْجَةً وعُلُوًّا وشُهْرَةً فَقالَ: ﴿مِن هَذا﴾ فَكَنّى بِإشارَةِ القَرِيبِ عَنْ تَحْقِيرِهِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُبَيِّنُ مُرادَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ أيْ ضَعِيفٌ حَقِيرٌ قَلِيلٌ ذَلِيلٌ، لِأنَّهُ يَتَعاطى أُمُورَهُ بِنَفْسِهِ، ولَيْسَ لَهُ مُلْكٌ ولا قُوَّةٌ يَجْرِي بِها نَهْرًا ولا يُنَفِّذُ بِها أمْرًا ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ أيْ لا يَقْرُبُ مِن أنْ يُعْرِبَ عَنْ مَعْنًى مِنَ المَعانِي لِما في لِسانِهِ مِنَ الحَبْسَةِ فَلا هو قادِرٌ في نَفْسِهِ ولا لَهُ قُوَّةٌ بِلِسانِهِ عَلى تَصْرِيفِ المَعانِي وتَنْوِيعِ البَيانِ يَسْتَجْلِبُ القُلُوبَ ويُدْهِشُ الألْبابَ فَيَكْثُرُ أتْباعُهُ ويُضَخِّمُ أمْرَهُ، وقَدْ كَذَبَ في جَمِيعِ قَوْلِهِ، فَقَدْ كانَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أبْلَغَ أهْلِ زَمانِهِ قَوْلًا وفِعْلًا بِتَقْدِيرِ اللهِ الَّذِي أرْسَلَهُ لَهُ وأمَرَهُ إيّاهُ ولَكِنَّ الخَبِيثَ أسْنَدَ هَذا إلى ما بَقِيَ في لِسانِهِ مِنَ الحَبْسَةِ تَخْيِيلًا لِأتْباعِهِ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما دَعا بِإزالَةِ حَبْسَتِهِ بَلْ بِعُقْدَةٍ مِنها.
43:53Page 493
فَلَوۡلَآ أُلۡقِيَ عَلَيۡهِ أَسۡوِرَةٞ مِّن ذَهَبٍ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مُقۡتَرِنِينَ ٥٣
Then why have there not been placed upon him bracelets of gold or come with him the angels in conjunction?"
ولَمّا كانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ وعِنْدَ مَن كانَ مِثْلُهُ مَطْمُوسَ البَصِيرَةِ فاقِدَ (p-٤٤٩)الفَهْمِ وُقُوفًا مَعَ الوَهْمِ أنَّ القُرْبَ مِنَ المُلُوكِ والغَلَبَةِ عَلى الأُمُورِ لا تَكُونُ إلّا بِكَثْرَةِ الأعْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، والتَّحَلِّي بِحُلِيِّ المُلُوكِ، سَبَّبَ عَنِ ادِّعائِهِ لِرِسالَتِهِ عَنْ مَلِكِ المُلُوكِ اللّازِمَةِ لِلْقُرْبِ مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا﴾ ولَمّا كانَتِ الكَراماتُ والحُبى والخُلَعُ تُلْقى عَلى المُكَرَّمِ بِها إلْقاءً، عَبَّرَ بِهِ فَقالَ: ﴿أُلْقِيَ﴾ أيْ مِن أيِّ مُلْقٍ كانَ ﴿عَلَيْهِ﴾ مِن عِنْدِ مُرْسِلِهِ الَّذِي يَدَّعِي أنَّهُ المُلْكُ بِالحَقِيقَةِ ﴿أسْوِرَةٌ﴾ جَمْعُ أسْوِرَةٍ - قالَهُ الزَّجّاجُ، وصَرَفَ لِصَيْرُورَتِهِ عَلى وزْنِ المُفْرَدِ نَحْوُ عَلانِيَةٍ وكَراهِيَةٍ، والسُّوارُ: ما يُوضَعُ في المِعْصَمِ مِنَ الحِلْيَةِ ﴿مِن ذَهَبٍ﴾ لِيَكُونَ ذَلِكَ أمارَةً عَلى صِدْقِ صِحَّةِ دَعَواهُ كَما نَفْعَلُ نَحْنُ عِنْدَ إنْعامِنا عَلى أحَدٍ مِن عَبِيدِنا بِالإرْسالِ إلى ناحِيَةٍ مِنَ النَّواحِي لِمُهِمٍّ مِنَ المُهِمّاتِ ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ﴾ أيْ صُحْبَتُهُ عِنْدَما أتى إلَيْنا بِهَذا النَّبَأِ الجَسِيمِ والمُلِمِّ العَظِيمِ ﴿المَلائِكَةُ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ، وأشارَ إلى كَثْرَتِهِمْ بِما بَيَّنَ مِنَ الحالِ بِقَوْلِهِ: ﴿مُقْتَرِنِينَ﴾ أيْ يُقارِنُ بَعْضُهم بَعْضًا بِحَيْثُ يَمْلَئُونَ الفَضاءَ ويَكُونُونَ في غايَةِ القُرْبِ مِنهُ بِحَيْثُ يَكُونُ مُقارِنًا لَهم لِيُجابَ إلى هَذا الأمْرِ الَّذِي جاءَ يَطْلُبُهُ كَما نَفْعَلُ نَحْنُ (p-٤٥٠)إذا أرْسَلْنا رَسُولًا إلى أمْرٍ يَحْتاجُ إلى دِفاعٍ وخِصامٍ ونِزاعٍ، فَكانَ حاصِلُ أمْرِهِ كَما تَرى أنَّهُ تَعَزَّزَ بِإجْراءِ المِياهِ، فَأهْلَكَهُ اللهُ بِها إيماءً إلى أنَّ مَن تَعَزَّزَ بِشَيْءٍ دُونَ اللهِ أهْلَكَهُ اللهُ بِهِ، واسْتَصْغَرَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعابَهُ بِالفَقْرِ والغَيِّ فَسَلَّطَهُ إشارَةً إلى أنَّهُ ما اسْتَصْغَرَ أحَدٌ شَيْئًا إلّا غَلَبَهُ - أفادَهُ القُشَيْرِيُّ.
43:54Page 493
فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٤
So he bluffed his people, and they obeyed him. Indeed, they were [themselves] a people defiantly disobedient [of Allāh].
ولَمّا كانَ كَلامُهُ هَذا واضِعًا لَهُ عِنْدَ مَن تَأمَّلَ لا رافِعًا، وكانَ قَدْ مَشى عَلى أتْباعِهِ لِأنَّهم مَعَ المَظِنَّةِ دُونَ المِنَّةِ، فَهم أذَلُّ شَيْءٍ لِمَن ثَبَتَتْ لَهُ رِئاسَتُهُ دُنْيَوِيَّةٌ وإنْ صارَ تُرابًا، وأعْصى شَيْءٍ عَلى مَن لَمْ تَفَقَّهَ لَهُ النّاسُ وإنْ فَعَلَ الأفاعِيلَ العِظامَ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما يَتَأثَّرُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿فاسْتَخَفَّ﴾ أيْ بِسَبَبِ هَذِهِ الخُدَعِ الَّتِي سَحَرَهم بِها في هَذا الكَلامِ الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ مُحَقِّرٌ لَهُ مُوهِنٌ لِأمْرِهِ قاصِمٌ لِمُلْكِهِ عِنْدَ مَن لَهُ لُبٌّ ﴿قَوْمَهُ﴾ الَّذِينَ لَهم قُوَّةٌ عَظِيمَةٌ، فَحَمَلَهم بِغُرُورِهِ عَلى ما كانُوا مُهَيَّئِينَ لَهُ في خِفَّةِ الحُلْمِ ﴿فَأطاعُوهُ﴾ بِأنْ أقَرُّوا بِمُلْكِهِ وأذْعَنُوا لِضَخامَتِهِ واعْتَرَفُوا بِرُبُوبِيَّتِهِ ورَدُّوا أمْرَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ولَمّا كانَ كَلامُهُ كَما مَضى أعْظَمُ مُوهِنٍ لِأمْرِهِ وهو مَنقُوضٌ (p-٤٥١)عَلى تَقْدِيرِ مَتانَتِهِ بِأنَّ مُوسى صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ وسَلَّمَ أتى بِما يُغْنِي عَمّا قالَهُ مِنَ الأساوِرَةِ وظُهُورِ المَلائِكَةِ بِأنَّهُ مَهْما هَدَّدَهم فِعْلُهُ ومَهْما طَلَبُوهُ مِنهُ أجابَهم إلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْقِبْطِ داعٍ إلى طاعَةِ فِرْعَوْنَ بَعْدَما رَأوْا مِنَ الآياتِ إلّا المُشاكَلَةَ في خَباثَةِ الأرْواحِ، عَلَّلَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِما يُناسِبُ أحْوالَهم فَيَرْتَضِي أفْعالَهم وهُمُ الأكْثَرُ: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ أيْ بِما في جِبِلّاتِهِمْ مِنَ الشَّرِّ والنِّفاقِ لِأنَّهم كانُوا ﴿قَوْمًا﴾ أيْ عِنْدَهم قُوَّةُ شَكائِمِ تُوجِبُ لَهُمُ الشَّمّاخَةُ إلّا عِنْدَ مَن يَقْهَرُهم بِما يَأْلَفُونَ مِن أسْبابِ الدُّنْيا ﴿فاسِقِينَ﴾ أيْ عَرِيقِينَ في الخُرُوجِ عَنْ طاعَةِ اللهِ إلى مَعْصِيَةٍ، قَدْ صارَ لَهم ذَلِكَ خَلْقًا ثانِيًا،
43:55Page 493
فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥٥
And when they angered Us, We took retribution from them and drowned them all.
وكَأنَّ مُدَّةَ مُحاوَلَةِ الكَلِيمِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم كانَتْ قَرِيبَةً، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ أيْ فَعَلُوا مَعْناهُ ما يُغْضِبُ إغْضابًا شَدِيدًا بِإغْضابِ أوْلِيائِنا كَما في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ ”مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي“ لِنَكْثِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وكَرَّةً في إثْرِ كَرَّةٍ ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ أيْ أوْقَعْنا بِهِمْ عَلى وجْهِ المُكافَأةِ لِما فَعَلُوا بِرَسُولِنا عَلَيْهِ السَّلامُ عُقُوبَةً عَظِيمَةً مُنْكَرَةً مَكْرُوهَةً (p-٤٥٢)كَأنَّها بِعِلاجِ ﴿فَأغْرَقْناهُمْ﴾ في اليَمِّ ﴿أجْمَعِينَ﴾ إهْلاكَ نَفْسٍ واحِدَةٍ لَمْ يُفْلِتْ مِنهم أحَدٌ عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وشِدَّتِهِمْ، وهَذا لا يَكُونُ في العادَةِ إلّا بَعْدَ عِلاجٍ كَثِيرٍ أوِ اعْتِناءٍ كَبِيرٍ.
43:56Page 493
فَجَعَلۡنَٰهُمۡ سَلَفٗا وَمَثَلٗا لِّلۡأٓخِرِينَ ٥٦
And We made them a precedent and an example for the later peoples.
ولَمّا كانَ إهْلاكُهم بِسَبَبِ إغْضابِهِمْ لِلَّهِ وبِالكِبَرِ عَلى رُسُلِهِ، كانُوا سَبَبًا لِأنْ يَتَّعِظَ بِحالِهِمْ مَن يَأْتِي بَعْدَهم فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُمْ﴾ أيْ بِأخْذِنا لَهم عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ مِنَ الإغْراقِ وغَيْرِهِ مِمّا تَقَدَّمَهُ ﴿سَلَفًا﴾ مُتَقَدِّمًا لِكُلِّ مَن يَهْلَكُ بَعْدَهم إهْلاكَ غَضَبٍ في الهَلاكِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ وقُدْوَةً لِمَن يُرِيدُ العُلُوَّ في الأرْضِ فَتَكُونُ عاقِبَتُهُ في الهَلاكِ في الدّارَيْنِ أوْ إحْداهُما عاقِبَتُهم كَما قالَ سُبْحانَهُ عَزَّ مِن قائِلٍ وتَبارَكَ وتَعالى ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ [القصص: ٤١] ﴿ومَثَلا﴾ أيْ حَدِيثًا عَجِيبًا سائِرًا مَسِيرَ المَثَلِ ﴿لِلآخِرِينَ﴾ الَّذِينَ خَلَّفُوا بَعْدَهم مِن زَمَنِهِمْ إلى آخِرِ الدَّهْرِ فَيَكُونُ حالُهم عِظَةً لِناسٍ وإضْلالًا لِآخَرِينَ، فَمَن قَضى أنْ يَكُونَ عَلى مِثْلِ حالِهِمْ عَمِلَ مِثْلَ أعْمالِهِمْ، ومَن أرادَ (p-٤٥٣)النَّجاةَ مِمّا نالَهم تَجَنَّبَ أفْعالَهُمْ، فَمَن أُرِيدَ بِهِ الخَيْرُ وُفِّقَ لِمِثْلِ خَيْرٍ يَرُدُّهُ عَنْ غَيِّهِ، ومَن أُرِيدَ بِهِ الشَّرُّ، وجُعِلَ لَهُ مِنهم مَثَلًا يَجْتَرِئُ بِهِ عَلى شَرِّهِ، ويَقْوى عَلى خُبْثِهِ ومَكْرِهِ، فَيَجْعَلُ الشِّرِّيرَ ما أُوتُوهُ مِنَ الدُّنْيا مِنَ النِّعْمَةِ والحِبَرَةِ الرَّفاهِيَةِ والنُّصْرَةِ مَثَلًا لَهُ في التَّوَصُّلِ إلَيْهِ مِمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ، ويَجْعَلُ الخَيْرَ إهْلاكَهم مَثَلًا لَهُ فَيَبْعُدُ عَنْ أفْعالِهِمْ لِيَنْجُوَ مِن مِثْلِ نَكالِهِمْ، يَقُولُ أحَدُهُمْ: أخَذَ الفُلانِيُّونَ أخْذَ آلِ فِرْعَوْنَ، أيْ لَمْ يُفْلِتْ مِنهم إنْسانٌ ونَحْوُ ذَلِكَ مِن أمْثالِهِمْ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ، ونَقُولُ نَحْنُ: إنّا نُهْلِكُ مَن ظَلَمَ وتَمادى في ظُلْمِهِ بَعْدَ تَحْذِيرِنا لَهُ وغَشْمٍ وإنْ عَظُمَ آلُهُ وأتْباعُهُ، وظَنَّ عِزَّهُ وامْتِناعَهُ، كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، ويَقُولُ مَن أُرِيدَ بِهِ الشَّرَّ: لَيْسَ عَلى ظَهْرِها أحَدٌ يَبْقى إنْ خافَ العَواقِبَ فَأحْجَمَ عَنْ شَهَواتِهِ وانْهَمَكَ في رِياضِ أهَوِيَتِهِ وإرادَتِهِ وشَهِيِّ طَيِّباتِهِ وكَذا ذاتُهُ كَما وقَعَ لِفِرْعَوْنَ فَإنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ لِشَيْءٍ عَنْ رِئاسَتِهِ، وبُلُوغِ النِّهايَةِ مِن صَلَفِهِ ونَفاسَتِهِ إلى أنْ ذَهَبَ بِهِ كَما ذَهَبَ بِغَيْرِهِ سَواءٌ سارَ بِسِيَرِهِ أوْ بِغَيْرِ سَيْرِهِ، ولَقَدْ ضَلَّ بِهِ قَوْمٌ وأضَلُّوا، وحَلُّوا لِمَن داناهم (p-٤٥٤)عُرى الدِّينِ فَزَلُّوا، وما كَفاهم ذَلِكَ حَتّى ادَّعَوْا أنَّهُ مِن أعَزِّ المُقَرَّبِينَ لِأنَّ الَّذِي كانَ آخِرُ كَلامِهِ الإيمانَ، فَجَبَّ ما كانا قَبْلَهُ ولَمْ يَتَدَنَّسْ بَعْدَهُ فَماتَ طاهِرًا مُطَهَّرًا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الدَّنَسِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ ما كانَ إلّا عِنْدَ اليَأْسِ حَيْثُ لا نَفْعَ فِيهِ، وغَرُّوا الضُّعَفاءَ بِأنْ قالُوا: إنَّهُ لا صَرِيحَ في القُرْآنِ بِعَذابِهِ بَعْدَ المَوْتِ تَعْمِيَةً عَنِ الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ المُنْتَظِمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣] ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣] المُنْتَجُ مِن غَيْرِ شَكٍّ أنَّ فِرْعَوْنَ مِن أصْحابِ النّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١]
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ [ص: ١٢] إلى أنْ قالَ ﴿إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] غَيْرَ ذَلِكَ مِن مُحْكَمِ الآياتِ وصَرِيحِ الدَّلالاتِ البَيِّناتِ، وكَذا غَيْرُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ الصّالِحِينَ والطّالِحِينَ جَعَلَهم سُبْحانَهُ سَلَفًا ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ، فَمَن أرادَ بِهِ خَيْرًا يُسَرُّ لَهُ مِثْلُ خَيْرٍ احْتَذى بِهِ، ومَن أرادَ بِهِ شَرًّا أضَلَّهُ بِمِثْلِ سُوءٍ اقْتَدى بِهِ، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَثَلًا لِتَمامِ قُدْرَتِهِ عَلى اخْتِراعِ الأشْياءِ بِأسْبابٍ وبِغَيْرِ أسْبابٍ، وكانَ أعْبَدَ أهْلِ زَمانِهِ وأعْلَمَهم وأزْهَدَهم وأقْرَبَهم إلى الخَيْرِ وأبْعَدَهم عَنِ الشَّرِّ، فاقْتَدى (p-٤٥٥)بِهِ مَن أرادَ اللهُ بِهِ الخَيْرَ في مِثْلِ ذَلِكَ فاهْتَدى بِهِ، وضَلَّ بِهِ آخَرُونَ وضَرَبُوا بِهِ لِأنْفُسِهِمْ أمْثالَ الآلِهَةِ، وصارُوا يَفْرَحُونَ بِما لا يَرْضاهُ عاقِلٌ ولا يَراهُ، وضَرَبَهُ قَوْمُكَ مَثَلًا لِآلِهَتِهِمْ لَمّا أخْبَرَنا أنَّهم مَعَهم حَصَبُ جَهَنَّمَ وسُرُّوا بِذَلِكَ وطَرِبُوا وظَنُّوا أنَّهم فازُوا وغَلَبُوا:
43:57Page 493
۞ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ ٥٧
And when the son of Mary was presented as an example,1 immediately your people laughed aloud.
﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أيْ ضَرَبَهُ ضارِبٌ مِنهم ﴿مَثَلا﴾ لِآلِهَتِهِمْ ﴿إذا قَوْمُكَ﴾ أيِ الَّذِينَ أعْطَيْناهم قُدْرَةً عَلى القِيامِ بِما يُحاوِلُونَهُ ﴿مِنهُ﴾ أيْ ذَلِكَ المَثَلُ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أيْ يَضِجُّونَ ويُعْلُونَ أصْواتَهم سُرُورًا بِأنَّهم ظَفِرُوا عَلى زَعْمِهِمْ بِتَناقُضٍ، فَيُعَرِّضُونَ بِهِ عَنْ إجابَةِ دُعائِكَ، يُقالُ: صَدَّ عَنْهُ صُدُودًا: أعْرَضَ، وصَدَّ يَصُدُّ ويَصِلُ: ضَجَّ - قالَهُ في القامُوسِ، فَلِذَلِكَ قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: مَعْناهُما جَمِيعًا - أيْ قِراءَةُ ضَمِّ الصّادِ وقِراءَةُ كَسْرِها - يَضِجُّونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى المَضْمُومَةِ: يُعْرِضُونَ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: والكَسْرُ أعْلى القِراءَتَيْنِ - انْتَهى.
وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا كَما مَضى في الأنْبِياءِ ”إنّا وما نَعْبُدُ في جَهَنَّمَ“ مُقْتَضٍ أنْ يَكُونَ عِيسى كَذَلِكَ، وأنْ نَسْتَوِيَ نَحْنُ وآلِهَتُنا بِهِ، فَإنَّهُ مِمّا عُبِدَ ونَحْنُ راضُونَ بِمُساواتِهِ لَنا - إلى آخِرِ ما قالُوا (p-٤٥٦)وما رَدَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ بِهِ مِنَ الآيَةِ مِنَ العامِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ كَما هو مُقْتَضى كَلامِهِمْ ولِسانِهِمْ في أنَّ الأصْلَ في ”ما“ لِما لا يَعْقِلُ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى حاكِيًا عَنْهُمْ:
43:58Page 493
وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ ٥٨
And they said, "Are our gods better, or is he?"1 They did not present it [i.e., the comparison] except for [mere] argument. But, [in fact], they are a people prone to dispute.
﴿وقالُوا أآلِهَتُنا﴾ الَّتِي نَعْبُدُها مِنَ الأصْنامِ والمَلائِكَةِ ﴿خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ أيْ عِيسى فَنَحْنُ راضُونَ بِأنْ نَكُونَ مَعَهُ.
ولَمّا اشْتَدَّ التَّشَوُّفُ إلى جَوابِهِمْ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ الجَوابُ عَنْهُ في الأنْبِياءِ، قَدَّمَ عَلَيْهِ هُنا أنَّ مُرادَهم بِذَلِكَ إنَّما هو المُماحَكَةُ والمُماحَلَةُ والمُراوَغَةُ والمُقاتَلَةُ فَقالَ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ﴾ أيْ ما ضَرَبَ الكُفّارُ: ابْنُ الزَّبَعْرى حَقِيقَةٌ وغَيْرُهُ مِن قَوْمِكَ مَجازًا، المَثَلُ لِآلِهَتِهِمْ بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لَكَ إلا جَدَلا﴾ أيْ لِإرادَةِ أنْ يَقْتُلُوكَ عَنْ دَعْوَتِكَ مُغالَطَةً وهم عالِمُونَ بِأنَّ ما ألْزَمُوكَ بِهِ غَيْرُ لازِمٍ ولَمْ يَعْتَقِدُوا لُزُومَهُ قَطُّ لِأنَّ الكَلامَ ما كانَ إلّا في أصْنامِهِمْ، ولِأنَّ الخُصُوصَ في كَلامِهِمْ شائِعٌ، ولِأنَّهُ قَدْ عَقَّبَ بِما يُبَيِّنُ الخُصُوصَ ويُزِيلُ اللَّبْسَ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ، فَلَمْ يَقْتَدُوا قَطُّ بِما أُلْزِمُوا بِهِ أنَّهُ لازِمٌ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ﴾ أيْ أصْحابُ قُوَّةٍ عَلى القِيامَةِ بِما يُحاوِلُونَهُ ﴿خَصِمُونَ﴾ أيْ شَدِيدُو الخِصامِ قادِرُونَ عَلى اللَّدَدِ، رَوى الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَةَ عَنْ (p-٤٥٧)أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، قالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كانُوا عَلَيْهِ إلّا أُوتُوا الجَدَلَ، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ» .
43:59Page 493
إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ وَجَعَلۡنَٰهُ مَثَلٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩
He [i.e., Jesus] was not but a servant upon whom We bestowed favor, and We made him an example for the Children of Israel.
ولَمّا تَضَمَّنَ هَذا أنَّهُ غَيْرُ مُهانٍ، صَرَّحَ بِهِ عَلى وجْهِ الحَصْرِ قَصْرَ قَلْبٍ لِمَن يَدَّعِي أنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى الإلَهِيَّةِ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هُوَ﴾ أيْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿إلا عَبْدٌ﴾ ولَيْسَ هو بِإلَهٍ ﴿أنْعَمْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ والإحْسانِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ بِالنُّبُوَّةِ والإقْدارِ عَلى الخَوارِقِ ﴿وجَعَلْناهُ﴾ بِما خَرَقْنا بِهِ العادَةَ في مِيلادِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِهِ ﴿مَثَلا﴾ أيْ أمْرًا عَجِيبًا مَعَ وُضُوحِهِ وجَلائِهِ فِيهِ خَفاءٌ ومَوْضِعُ شُبْهَةٍ بِأنْ جَعَلْناهُ مِن أُنْثى فَقَطْ بِلا واسِطَةٍ ذَكَرٍ لِيُضِلَّ بِذَلِكَ مَن يَقِفُ مَعَ المَحْسُوساتِ، ودَلَلْنا عَلى الحَقِّ فِيهِ بِما مَنَحَنا بِهِ مِنَ الخَوارِقِ وزُكاءِ الأخْلاقِ وطِيبِ الشِّيَمِ والإعْراقِ إسْعادًا لِمَن أعْلَيْناهُ بِنُورِ قَلْبِهِ وصَفاءِ لُبِّهِ إلى إحْسانِ النَّظَرِ في المَعانِي ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ الَّذِينَ هم أعْلَمُ النّاسِ بِهِ، بَعْضُهم بِالمُشاهَدَةِ وبَعْضُهم بِالنَّقْلِ القَرِيبِ، فَلَمّا جاءَهم عَلى تِلْكَ الحالَةِ الجَلِيَّةِ في كَوْنِها حَقًّا بِما كانَ عَلى يَدَيْهِ ويَدَيْ أُمِّهِ مِنَ الكَراماتِ، آمَنَ بِهِ مَن بَصَّرَهُ اللهُ مِنهُ بِالحَقِّ مِن أمْرِهِ بِما كانَ فِيهِ (p-٤٥٨)مِنَ الكَراماتِ، وكانَ كُلَّما رَأى رَجُلًا مِنهم عَلى مِنهاجِهِ في أعْمالِهِ وكَرامَتِهِ اهْتَدى إلى الحَقِّ مِن أمْرِهِ، وقالَ: هَذا مَثَلُهُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فانْتَفَعَ بِالنَّبِيِّ ومَن تَبِعَهُ بِإحْسانٍ، فَنالَ مِنَ اللهِ الرِّضْوانَ، وقالَ أيْضًا هَذا المُوَفَّقُ مُسْتَبْصِرًا في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: مَثَلُهُ في ذَلِكَ مَثَلُ أبِيهِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في إخْراجِهِ مِن أُنْثى بِلا ذَكَرٍ، بَلْ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْجَبُ، ومِثْلُ ابْنِ خالَتِهِ يَحْيى وجَدَهُ إسْحاقُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ في إخْراجِ كُلٍّ مِنهُما بِسَبَبٍ هو في غايَةِ الضَّعْفِ، هَذِهِ أمْثالُهُ الحَسَنَةُ وقالَ مَن أرادَ اللهُ بِهِ الضَّلالَ مِنهم غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المُحالِ، فَلَمّا جَعَلُوا لَهُ أمْثالَ السُّوءِ ضَرَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ، وقالابْنُ بُرْجانَ: خَصَّهم - أيْ بَنِي إسْرائِيلَ - بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المَفْتُونُونَ بِالدَّجّالِ المُسارِعُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما المَثَلُ في ذَلِكَ مَتى جاءَ الدَّجّالُ بِتِلْكَ الآياتِ يَدْعُو إلى نَفْسِهِ فَيُعارِضُ ما يَأْتِي بِهِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إحْياءِ المَوْتى وتَأْيِيدِهِ بِرُوحِ القُدُسِ، أيْ فَيُضِلُّ عَنِ الأمْرِ الواضِحِ مَن أرادَ اللهُ فِتْنَتَهُ - انْتَهى، والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مَعْنى كَوْنِهِ مَثَلًا أنَّهُ جَعَلَ أمْرَهُ واضِحًا جِدًّا بِحَيْثُ أنَّهُ يُمَثِّلُ بِهِ فَيَكُونُ مُوَضِّحًا لِغَيْرِهِ، ولا يَحْتاجُ هو إلى مَثَلٍ يُوَضِّحُهُ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences