Al-Biqa'iAl‑Fath · 48:23–28

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Fath 48:23–28

48:23Page 513

سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٢٣

[This is] the established way of Allāh which has occurred before. And never will you find in the way of Allāh any change.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ عادَةً جارِيَةً قَدِيمَةً مَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُما كانُوا مِنَ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ، وأنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ، قالَ تَعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أيْ: سَنَّ المُحِيطِ بِهَذا الخَلْقِ في هَذا الزَّمانِ وما بَعْدَهُ كَما كانَ مُحِيطًا بِالخَلْقِ في قَدِيمِ الدَّهْرِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿الَّتِي قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ: سُنَّةً مُؤَكَّدَةً لا تَتَغَيَّرُ، وأكَّدَ الجارَّ لِأجَلِ [أنَّ] القِتالَ ما وقَعَ الزَّمانُ الماضِي إلّا بَعْدَ نُزُولِ التَّوْراةِ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَإنَّما كانَ يَحْصُلُ الهَلاكُ بِأمْرٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِغَيْرِ أيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴿ولَنْ تَجِدَ﴾ أيُّها (p-٣٢٢)السّامِعُ ﴿لِسُنَّةِ اللَّهِ﴾ الَّذِي لا يُخْلِفُ قَوْلًا لِأنَّهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿تَبْدِيلا﴾ أيْ: تَغَيُّرًا مِن مُغَيِّرٍ ما، يُغَيِّرُها بِما يَكُونُ بَدَلَها.

48:24Page 514

وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ عَنۡهُم بِبَطۡنِ مَكَّةَ مِنۢ بَعۡدِ أَنۡ أَظۡفَرَكُمۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٢٤

And it is He who withheld their hands from you and your hands from them within [the area of] Makkah after He caused you to overcome them. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.

ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّ الكُفّارَ مَغْلُوبُونَ وإنْ قاتَلُوا، وكانَ ذَلِكَ مِن خَوارِقِ العاداتِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ دائِمًا وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ مَوْقِعًا لِلْعِلْمِ القَطْعِيِّ بِأنَّهُ ما دَبَّرَهُ إلّا الواحِدُ القَهّارُ القادِرُ المُخْتارُ، عَطَفَ عَلَيْهِ عَجَبًا آخَرَ؛ وهو عَدَمُ تَغَيُّرِ أهْلِ مَكَّةَ في هَذِهِ العُمْرَةِ لِلْقِتالِ بَعْدَ تَعاهُدِهِمْ وتَعاقُدِهِمْ عَلَيْهِ مَعَ ما لَهم مِن قُوَّةِ العَزائِمِ وشِدَّةِ الشَّكائِمِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: هو الَّذِي سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ العامَّةَ: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ﴾ أيْ: وحْدَهُ مِن غَيْرِ مُعِينٍ لَهُ عَلى ذَلِكَ ﴿أيْدِيَهُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، فَإنَّ الكُلَّ شَرْعٌ واحِدٌ ﴿عَنْكم وأيْدِيَكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿عَنْهُمْ﴾

ولَمّا كانَ الكُفّارُ لَوْ بَسَطُوا أيْدِيَهم مَعَ ما حَتَّمَهُ اللَّهُ وسَنَّهُ مِن تَوْلِيَةِ الكُفّارِ دَخَلُوا مَكَّةَ قالَ: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ أيْ: كائِنًا كُلٌّ مِنكم ومِنهم في داخِلِ مَكَّةَ هم حالًا وأنْتَ مَآلًا، وعَنِ القَفّالِ أنَّهُ قالَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الحُدَيْبِيَةُ لِأنَّها مِنَ الحَرَمِ. انْتَهى.

وعَبَّرَ بِالمِيمِ دُونَ الباءِ كَما في آلِ عِمْرانَ إشارَةً إلى أنَّهُ فَعَلَ هُنا ما اقْتَضاهُ مَدْلُولُ هَذا الِاسْمِ مِنَ الجَمْعِ والنَّقْضِ والتَّنْقِيَةِ، فَسَبَّبَ لَهم أسْبابَ الِاجْتِماعِ والتَّنْقِيَةِ مِنَ الذُّنُوبِ (p-٣٢٣)بِما أشارَتْ إلَيْهِ آيَةُ المَعَرَّةِ حالًا وآياتُ الفَتْحِ مَآلًا، ووَفى بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْمُها مِنَ الأهْلِ عَلى خِلافِ القِياسِ.

ولَمّا كانَ هَذا لَيْسَ مُسْتَغْرِقًا لِجَمِيعِ الزَّمانِ الآتِي، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَبْسُطَ أيْدِيَ المُؤْمِنِينَ بِها يَوْمَ الفَتْحِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكُمْ﴾ أيْ: أوْجَدَ فَوْزَكم بِكُلِّ ما طَلَبْتُمْ مِنهم وجَعَلَ لَكُمُ الطَّوْلَ والعِزَّ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وذَلِكَ فِيما رَواهُ أصْحابُ السِّيَرِ قالُوا: ودَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خِراشَ بْنَ أُمَيَّةَ الخُزاعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَبَعَثَهُ إلى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ وحَمَلَهُ عَلى بَعِيرٍ لَهُ فَقالَ لَهُ التَّغَلُّبُ: لِيُبْلِغْ أشْرافَهم عَنْهُ ما جاءَ لَهُ فَعَقَرُوا جَمَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأرادُوا قَتْلَهُ، فَمَنَعَهُ الأحابِيشُ فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ حَتّى أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وبَعَثَتْ قُرَيْشٌ أرْبَعِينَ رَجُلًا مِنهم أوْ خَمْسِينَ وأمَرُوهم أنْ يَطُوفُوا بِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُصِيبُوا لَهم مِن أصْحابِهِ أحَدًا فَأخَذُوا أخْذًا فَأتى بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَفا عَنْهم وخَلّى سَبِيلَهُمْ، وقَدْ كانُوا رَمَوْا في عَسْكَرِهِ بِالحِجارَةِ والنَّبْلِ، ثُمَّ ذَكَرُوا إرْسالَهُ ﷺ (p-٣٢٤)لِعُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى مَكَّةَ ثُمَّ إرْسالَ قُرَيْشٍ لِسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو في الصُّلْحِ، ورَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمّا اصْطَلَحْنا واخْتَلَطَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ أتَيْتُ شَجَرَةً فاضْطَجَعْتُ في أصْلِها، فَأتانِي أرْبَعَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَجَعَلُوا يَقَعُونَ في النَّبِيِّ ﷺ فَأبْغَضْتُهُمْ، فَتَحَوَّلْتُ إلى شَجَرَةٍ أُخْرى، وعَلَّقُوا سِلاحَهم واضْطَجَعُوا، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ نادى مُنادٍ مِن أسْفَلِ الوادِي: يا آلَ المُهاجِرِينَ: قُتِلَ ابْنُ زُنَيْمٍ، فاخْتَرَطْتُ سَيْفِي ثُمَّ شَدَدْتُ عَلى أُولَئِكَ الأرْبَعَةِ وهم رُقُودٌ فَأخَذْتُ سِلاحَهُمْ، فَجَعَلْتُهُ ضِغْثًا في يَدِي، ثُمَّ قُلْتُ: والَّذِي كَرَّمَ وجْهَ مُحَمَّدٍ ﷺ! لا يَرْفَعُ أحَدٌ مِنكم رَأْسَهُ إلّا [ضَرَبْتُ] الَّذِي فِيهِ عَيْناهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أسُوقُهم إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجاءَ عَمِّي عامِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِرَجُلٍ مِنَ العَبَلاتِ يُقالُ لَهُ مِكْرَزٌ يَقُودُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى فَرَسٍ مُجَفَّفٍ في سَبْعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَنَظَرَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: دَعُوهم يَكُنْ لَهم بَدْءُ الفُجُورِ وثِناهُ، فَعَفا عَنْهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (p-٣٢٥)﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهُمْ﴾ الآيَةَ». انْتَهى.

ورَوى مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ ثَمانِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن قَبْلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وفي رِوايَةِ النَّسائِيِّ: قالُوا: نَأْخُذُ مُحَمَّدًا ﷺ وأصْحابَهُ، فَأخَذَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ سِلْمًا فاسْتَحْياهم فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ.

ولَمّا كانَ هَذا ونَحْوَهُ مِن عُنْفِ أهْلِ مَكَّةَ وغِلْظَتِهِمْ وصَلابَتِهِمْ وشِدَّتِهِمْ ورِفْقِ النَّبِيِّ ﷺ ولِينِهِ لَهم مِمّا أحْزَنَ أغْلَبَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قالَ تَعالى يُسَلِّيهِمْ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِالجَلالِ والإكْرامِ ”بِما يَعْمَلُونَ“ أيِ: الكُفّارُ - عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو بِالغَيْبِ، وأنْتُمْ - عَلى قِراءَةِ الباقِينَ بِالخِطابِ في ذَلِكَ الوَقْتِ وفِيما بَعْدَهُ كَما كانَ قَبْلَهُ ﴿بَصِيرًا﴾ أيْ: مُحِيطَ العِلْمِ بِبَواطِنِ ذَلِكَ كَما هو مُحِيطٌ بِظَواهِرِهِ فَهو يُجْرِيهِ في هَذِهِ الدّارِ الَّتِي رَبَطَ فِيها المُسَبِّباتِ بِأسْبابِها عَلى أوْثَقِ الأسْبابِ في نَصْرِكم وغَلَبِكم لَهم وقَسْرِكُمْ، وسَتَعْلَمُونَ ما دَبَّرَهُ مِن دُخُولِكم مَكَّةَ المُشَرَّفَةَ آمِنِينَ لا تَخافُونَ في عُمْرَةِ القَضاءِ صُلْحًا ثُمَّ في الفَتْحِ بِجَحْفَلٍ جَرّارٍ قَدْ نِيطَتْ أظْفارُ المَنايا بِأسِنَّةِ رِماحِهِ، وعادَتْ (p-٣٢٦)كُؤُوسُ الحِمامِ طَوْعًا لِبِيضِ صِفاحِهِ، فَيُؤْمِنُ أكْثَرُ أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرُهم مِمَّنْ هو الآنَ جاهِدٌ عَلَيْكُمْ، ويَصِيرُونَ أحَبَّ النّاسِ فِيكم يُقَدِّمُونَ أنْفُسَهم في جِهادِ الكُفّارِ دُونَكُمْ، فَيَفْتَحُ اللَّهُ بِكُمُ البِلادَ، ويُظْهِرُكم - وهو أعْظَمُ المُحامِينَ عَنْكم - عَلى سائِرِ العِبادِ.

48:25Page 514

هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡهَدۡيَ مَعۡكُوفًا أَن يَبۡلُغَ مَحِلَّهُۥۚ وَلَوۡلَا رِجَالٞ مُّؤۡمِنُونَ وَنِسَآءٞ مُّؤۡمِنَٰتٞ لَّمۡ تَعۡلَمُوهُمۡ أَن تَطَـُٔوهُمۡ فَتُصِيبَكُم مِّنۡهُم مَّعَرَّةُۢ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ لِّيُدۡخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ لَوۡ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبۡنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا ٢٥

They are the ones who disbelieved and obstructed you from al-Masjid al-Ḥarām while the offering1 was prevented from reaching its place of sacrifice. And if not for believing men and believing women whom you did not know - that you might trample [i.e., kill] them and there would befall you because of them dishonor without [your] knowledge - [you would have been permitted to enter Makkah]. [This was so] that Allāh might admit to His mercy whom He willed. If they had been apart [from them], We would have punished those who disbelieved among them with painful punishment

ولَمّا كانَ ما مَضى مِن وصْفِهِمْ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ غَيْرَهم مِن جَمِيعِ الكُفّارِ، عَيَّنَهم مُبَيِّنًا لِسَبَبِ كَفِّهِمْ عَنْهم مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِلْبَوارِ والنَّكالِ والدَّمارِ فَقالَ: ﴿هُمُ﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ ومَن لافَّهم ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أوْغَلُوا في هَذا الوَصْفِ بِجَمِيعِ بَواطِنِهِمْ وتَمامِ ظَواهِرِهِمْ ﴿وصَدُّوكُمْ﴾ زِيادَةً عَلى كُفْرِهِمْ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ هَذِهِ ﴿عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ: مَكَّةَ، ونَفْسِ المَسْجِدِ الحَرامِ، والكَعْبَةِ، لِلْإخْلالِ بِما أنْتُمْ فِيهِ مِن شَعائِرِ الإحْرامِ [بِالعُمْرَةِ] ﴿والهَدْيَ﴾ أيْ: وصَدُّوا ما أهْدَيْتُمُوهُ إلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ لِتَذْبَحُوهُ بِها وتُفَرِّقُوهُ عَلى الفُقَراءِ، ومِنهُ أرْبَعُونَ، وفي رِوايَةٍ: سَبْعُونَ بَدَنَةً، كانَ أهْداها النَّبِيُّ ﷺ.

﴿مَعْكُوفًا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِ مَجْمُوعًا مَحْبُوسًا مَعَ رَعْيِكم لَهُ وإصْلاحِهِ لِما أُهْدِيَ لِأجْلِهِ ﴿أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أيِ: المَوْضِعَ الَّذِي هو أوْلى المَواضِعِ لِنَحْرِهِ، وهو الَّذِي إذا أُطْلِقَ انْصَرَفَ الذِّهْنُ إلَيْهِ، وهو في العُمْرَةِ المَرْوَةُ، ويَجُوزُ الذَّبْحُ في الحَجِّ والعُمْرَةِ في أيِّ مَوْضِعٍ كانَ مِنَ الحَرَمِ، فالمَوْضِعُ الَّذِي نَحَرَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ في هَذِهِ (p-٣٢٧)المَرَّةِ عِنْدَ الإحْصارِ لَيْسَ مَحَلَّهُ المُطْلَقَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَوْلا ما أشارَ إلَيْهِ مِن رَبْطِ المُسَبِّباتِ بِأسْبابِها لَسَلَّطَكم عَلَيْهِمْ فَغَلَبْتُمُوهم عَلى المَسْجِدِ وأتْمَمْتُمْ عُمْرَتَكم عَلى ما أرَدْتُمْ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ أمْرًا أخَصَّ مِنهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا رِجالٌ﴾ أيْ: مُقِيمُونَ بَيْنَ أظْهُرِ الكُفّارِ بِمَكَّةَ ﴿مُؤْمِنُونَ﴾ [أيْ عَرِيقُونَ في الإيمانِ فَكانُوا لِذَلِكَ أهْلًا لِلْوَصْفِ بِالرُّجُولِيَّةِ ﴿ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ أيْ:] كَذَلِكَ حَبَسَ الكُلَّ عَنِ الهِجْرَةِ العُذْرُ؛ لِأنَّ الكُفّارَ لِكَثْرَتِهِمُ اسْتَضْعَفُوهم فَمَنَعُوهُمُ الهِجْرَةَ، عَلى أنَّ ذَلِكَ شامِلٌ لِمَن جَبَلَهُ اللَّهُ عَلى الخَيْرِ وعَلِمَ مِنهُ الإيمانَ وإنْ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مُشْرِكًا ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ أيْ: لَمْ يُحِطْ عِلْمُكم بِهِمْ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ لِتُمَيِّزُوهم بِأعْيانِهِمْ عَنِ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم لَيْسَ لَهم قُوَّةُ التَّمْيِيزِ زَمَنَهم بِأنْفُسِهِمْ وأنْتُمْ لا تَعْرِفُونَ أماكِنَهم لِتُعامِلُوهم بِما هم لَهُ أهْلٌ ولا سِيَّما في حالِ الحَرْبِ والطَّعْنِ والضَّرْبِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ ”الرِّجالِ والنِّساءِ“ قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ أيْ: تُؤْذُوهم بِالقَتْلِ أوْ ما يُقارِبُهُ مِنَ الجِراحِ والضَّرْبِ والنَّهْبِ ونَحْوِهِ مِنَ الوَطْءِ الَّذِي هو الإيقاعُ بِالحَرْبِ، مِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ««آخِرُ وطْأةٍ وطِئَها اللَّهُ بِوَجٍّ»». يَكُونُ ذَلِكَ الأذى مِنكم لَهم عَلى [ظَنِّ] أنَّهم مُشْرِكُونَ أذى الدّائِسِ لِمَدُوسٍ (p-٣٢٨)وتَضْغَطُوهم وتَأْخُذُوهم أخْذًا شَدِيدًا بِقَهْرٍ وغَلَبَةٍ تَصِيرُونَ بِهِ لا تَرُدُّونَ يَدَ لامِسٍ ولا تَقْدِرُونَ عَلى مُدافَعَةٍ ﴿فَتُصِيبَكُمْ﴾ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ هَذا الوَطْءِ أنْ يُصِيبَكم ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن جِهَتِهِمْ وبِسَبَبِهِمْ ﴿مَعَرَّةٌ﴾ أيْ: مَكْرُوهٌ وأذًى هو كالحَرْبِ في انْتِشارِهِ وأذاهُ، وإثْمٌ وخِيانَةٌ بِقِتالٍ دُونَ إذْنٍ خاصٍّ، وبِعَدَمِ الإمْعانِ في البَحْثِ، وغُرْمٌ وكَفّارَةٌ ودِيَةٌ وتَأسُّفٌ وتَعْيِيرٌ مِمَّنْ لا عِلْمَ لَهُ، ثُمَّ عَلَّقَ بِالوَطْءِ المُسَبَّبِ عَنْهُ إصابَةُ المَعَرَّةِ إتْمامًا لِلْمَعْنى قَوْلَهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: بِأنَّهم مِنَ المُؤْمِنِينَ.

ولَمّا دَلَّ السِّياقُ عَلى أنَّ جَوابَ ”لَوْلا“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَسَلَّطَكم عَلَيْهِمْ وما كَفَّ أيْدِيَكم عَنْهُمْ، ولَكِنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ، وعَلِمَ أنَّهُ سَيُؤْمِنُ ناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَمَنَّ عَلَيْكم بِأنْ رَفَعَ حَرَجَ إصابَتِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ عَنْكُمْ، وسَبَّبَ لَكم أسْبابَ الفَتْحِ الَّذِي كانَ يُتَوَقَّعُ بِسَبَبِ تَسْلِيطِكم عَلَيْهِمْ بِأمْرٍ سَهْلٍ، وكَفَّ أيْدِيَكم ولَمْ يُسَلِّطْكم عَلَيْهِ ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: إكْرامِهِ وإنْعامِهِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ بِأنْ يَعْطِفَهم إلى الإسْلامِ، ومِنَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَسْتَنْقِذَهم مِنهم عَلى أرْفَقِ وجْهٍ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ، أنْتَجَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أيْ: تَفَرَّقُوا فَزالَ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ عَنِ الآخَرِ زَوالًا عَظِيمًا بِحَيْثُ لا يَخْتَلِطُ صِنْفٌ (p-٣٢٩)بِغَيْرِهِ فَيُؤْمَنُ وطْءُ المُؤْمِنِينَ لَهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴿لَعَذَّبْنا﴾ أيْ: بِأيْدِيكم بِتَسْلِيطِنا أبُو بِمُجَرَّدِ أيْدِنا مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا سَتْرَ الإيمانِ.

ولَمّا كانَ هَذا عامًّا لِجَمِيعِ مَنِ اتَّصَفَ بِالكُفْرِ مِن أهْلِ الأرْضِ، صَرَّحَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ فَقالَ: ﴿مِنهُمْ﴾ أيِ: الفَرِيقَيْنِ وهُمُ الصّادُّونَ ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: شَدِيدَ الإيجاعِ بِأيْدِيكم أوْ مِن عِنْدِنا لِنُوصِلَكم إلى قَصْدِكم مِنَ الِاعْتِمارِ والظَّهْرِ عَلى الكُفّارِ، فَفِيهِ اعْتِذارٌ وتَدْرِيبٌ عَلى تَأدُّبِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وفي الإشارَةِ إلى بَيانِ سِرٍّ مِن أسْرارِ مَنعِ اللَّهِ تَعالى لَهم مِنَ التَّسْلِيطِ عَلَيْهِمْ حَثٌّ لِلْعَبْدِ عَلى أنْ لا يَتَّهِمُ اللَّهَ في قَضائِهِ فَرُبَّما عَسَّرَ عَلَيْهِ أمْرًا يَظْهَرُ لَهُ أنَّ السَّعادَةَ كانَتْ فِيهِ وفي باطِنِهِ سُمٌّ قاتِلٌ، فَيَكُونُ مَنعُ اللَّهِ لَهُ مِنهُ رَحْمَةً في الباطِنِ وإنْ كانَ نِقْمَةً في الظّاهِرِ، فَألْزَمَ التَّسْلِيمَ مَعَ الِاجْتِهادِ في الخَيْرِ والحِرْصِ عَلَيْهِ والنَّدَمِ عَلى فَواتِهِ وإيّاكَ والِاعْتِراضَ، وفي الآيَةِ أيْضًا [أنَّ] اللَّهَ تَعالى قَدْ يَدْفَعُ عَنِ الكافِرِ لِأجْلِ المُؤْمِنِ.

48:26Page 514

إِذۡ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلۡزَمَهُمۡ كَلِمَةَ ٱلتَّقۡوَىٰ وَكَانُوٓاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهۡلَهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٢٦

When those who disbelieved had put into their hearts chauvinism - the chauvinism of the time of ignorance. But Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and imposed upon them the word of righteousness, and they were more deserving of it and worthy of it. And ever is Allāh, of all things, Knowing.

ولَمّا بَيَّنَ شَرْطَ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ، بَيَّنَ وقْتَهُ، وفِيهِ بَيانٌ لِعِلَّتِهِ، فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا ما تَراءى مِنَ الحَقِّ في مَرْأى عُقُولِهِمْ ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾ أيْ: قُلُوبِ أنْفُسِهِمْ ﴿الحَمِيَّةَ﴾ أيْ: (p-٣٣٠)المَنعَ الشَّدِيدَ والأنَفَةَ والإباءَ الَّذِي هو في شِدَّةِ حَرِّهِ ونُفُوذِهِ في أشَدِّ الأجْسامِ كالسُّمِّ والنّارِ، ولَمّا كانَ مِثْلُ هَذِهِ الحَمِيَّةِ قَدْ تَكُونُ مُوجِبَةً لِلرَّحْمَةِ بِأنْ تَكُونَ لِلَّهِ، قالَ مُبَيِّنًا مُعَظِّمًا لِجُرْمِها،

﴿حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ﴾ الَّتِي مَدارُها مُطْلَقُ المَنعِ؛ أيْ سَواءٌ كانَ بِحَقٍّ أوْ بِباطِلٍ، فَتَمْنَعُ مِنَ الإذْعانِ لِلْحَقِّ، ومَبْناها التَّشَفِّي عَلى مُقْتَضى الغَضَبِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَتُوجِبُ تَخَطِّيَ حُدُودِ الشَّرْعِ، ولِذَلِكَ أنِفُوا مِن دُخُولِ المُسْلِمِينَ مَكَّةَ المُشَرَّفَةَ لِزِيارَةِ البَيْتِ [العَتِيقِ] الَّذِي النّاسُ فِيهِ سَواءٌ، ومِنَ الإقْرارِ بِالبَسْمَلَةِ، فَأنْتَجَتْ لَهم هَذِهِ الحَمِيَّةُ أنْ تَكْبَّرُوا عَنْ كَلِمَةِ التَّقْوى وطاشُوا وخَفُّوا إلى الشِّرْكِ الَّذِي هو أبْطَلُ الباطِلِ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الحَمِيَّةُ مَعَ الكَثْرَةِ مُوجِبَةً ولا بُدَّ ذُلَّ مَن تُصَوَّبُ إلَيْهِ ولا سِيَّما إنْ كانَ قَلِيلًا، بَيَّنَ دَلالَةً عَلى أنَّ الأمْرَ تابِعٌ لِمَشِيئَتِهِ لا لِجارِي العادَةِ أنَّهُ تَأثَّرَ عَنْها ضِدَّ ما تَقْتَضِيهِ عادَةٌ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ هَذِهِ الحَمِيَّةِ: ﴿فَأنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ وهو يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ بِسَبَبِ حَمِيَّتِهِمْ ﴿سَكِينَتَهُ﴾ أيِ: الشَّيْءَ اللّائِقَ إضافَتُهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِنَ الفَهْمِ عَنِ اللَّهِ والرُّوحِ المُوجِبِ لِسُكُونِ القَلْبِ المُؤَثِّرِ لِلْإقْدامِ عَلى العَدُوِّ والنَّصْرِ عَلَيْهِ، إنْزالًا كائِنًا ﴿عَلى رَسُولِهِ﴾ ﷺ الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ، (p-٣٣١)فَفَهِمَ عَنِ اللَّهِ مُرادَهُ في هَذِهِ القَضِيَّةِ فَجَرى عَلى أتَمِّ ما يُرْضِيهِ ﴿وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ العَرِيقِينَ في الإيمانِ؛ لِأنَّهم أتْباعُ رَسُولِهِ ﷺ وأنْصارُ دِينِهِ فَألْزَمَهم قَبُولَ أمْرِهِ الَّذِي [فَهِمَهُ عَنِ اللَّهِ و] خَفِيَ عَنْ أكْثَرِهِمْ حَتّى [فَهِمْتُمُوهُ] ﷺ عِنْدَ نُزُولِ سُورَةِ مُحَمَّدٍ وحَماهم عَنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، ولَمْ يَدْخُلْهم ما دَخَلَ الكُفّارَ مِنَ الحَمِيَّةِ لِيُقاتِلُوا غَضَبًا لِأنْفُسِهِمْ فَيَتَعَدَّوْا حُدُودَ الشَّرْعِ ﴿وألْزَمَهُمْ﴾ أيِ: المُؤْمِنِينَ إلْزامَ إكْرامٍ أوْ تَشْرِيفٍ، لا إلْزامَ إهانَةٍ وتَعْنِيفٍ ﴿كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ وهي كُلُّ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ ناشِئٍ عَنِ التَّقْوى وإعْلاءِ كَلِمَةِ الإخْلاصِ المُتَقَدِّمِ في سُورَةِ القِتالِ وهي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الَّتِي هي أحَقُّ الحَقِّ، يَقْتَضِي التَّحَقُّقُ بِمَدْلُولِها مِن أنَّهُ لا فاعِلَ إلّا اللَّهُ الثَّباتَ عَلى كُلِّ ما أخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَسْمَلَةِ والرِّسالَةِ مَعَ تَغْيِيرِ الكِتابَةِ بِكُلٍّ مِنهُما لِأجْلِ الكُفّارِ في ذَلِكَ المَقامِ الدَّحْضِ الَّذِي لا يَكادُ يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ، وأضافَها إلى التَّقْوى الَّتِي هي اتِّخاذُ ساتِرٍ يَقِي حَرَّ النّارِ فَجَعَلَها وصْفًا لازِمًا لَهم غَيْرَ مُنْفَكٍّ عَنْهم لِأنَّها سَبَبُها الحامِلُ عَلَيْها، ويَجْمَعُ الحامِلُ عَلى التَّقْوى اعْتِقادَ الوَحْدانِيَّةِ؛ وهي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ فَإنَّها كَلِمَةٌ - كَما قالَ الرّازِيُّ - أوَّلُها نَفْيُ الشِّرْكِ، وآخِرُها تَعَلُّقٌ بِالإلَهِيَّةِ، وهَذا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ؛ فَإنَّ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ الَّذِينَ أُلْزِمُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ ماتُوا كُلُّهم (p-٣٣٢)عَلى الإسْلامِ ﴿وكانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا.

ولَمّا كانَ مِنَ الكُفّارِ مَن يَسْتَحِقُّها في عِلْمِ اللَّهِ فَيَصِيرُ مُؤْمِنًا، عَبَّرَ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ فَقالَ تَعالى: ﴿أحَقَّ بِها﴾ أيْ: كَلِمَةِ التَّقْوى مِنَ الكُفّارِ والأعْرابِ وغَيْرِهِمْ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، ولِمِثْلِ هَذا التَّعْمِيمِ أطْلَقَ الأمْرَ بِحَذْفِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ الأحَقُّ بِالشَّيْءِ قَدْ لا يَكُونُ أهْلَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ قالَ تَعالى: ﴿وأهْلَها﴾ أيْ: وُلاتُها والمُلازِمُونَ لَها مُلازِمَةَ العَشِيرِ بِعَشِيرِهِ، والدّائِنُونَ لَها والآلِفُونَ لَها. ولَمّا كانَ الحُكْمُ بِذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِعالِمٍ قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: لَمّا عَلِمَ اللَّهُ مِن صَلاحِ قُلُوبِهِمْ وصَفائِها: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِالكائِناتِ كُلِّها عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿عَلِيمًا﴾ أيْ: مُحِيطَ العِلْمِ الدَّقِيقِ والجَلِيِّ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّها ثانِيًا، وكَلِمَةَ التَّقْوى ثانِيًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّها أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ مَجْمَعَ الشَّرِّ أوَّلًا تَرْهِيبًا مِنهُ ومَجْمَعَ الخَيْرِ ثانِيًا تَرْغِيبًا فِيهِ.

48:27Page 514

لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡيَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمۡ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَۖ فَعَلِمَ مَا لَمۡ تَعۡلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتۡحٗا قَرِيبًا ٢٧

Certainly has Allāh showed to His Messenger the vision [i.e., dream] in truth. You will surely enter al-Masjid al-Ḥarām, if Allāh wills, in safety, with your heads shaved and [hair] shortened,1 not fearing [anyone]. He knew what you did not know and has arranged before that a conquest near [at hand].

ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ وتَعالى عِلْمَهُ بِالعَواقِبِ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ ووَجَّهَ أسْبابَ كَفِّهِ أيْدِيَ الفَرِيقَيْنِ وبَيَّنَ ما فِيهِ مِنَ المَصالِحِ وما في التَّسْلِيطِ مِنَ المَفاسِدِ مِن قَتْلِ مَن حُكِمَ بِإيمانِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ وإصابَةِ (p-٣٣٣)مَن لا يُعْلَمُ مِنَ المُؤْمِنِينَ - وغَيْرِ ذَلِكَ إلى خَتْمٍ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ المُسْتَلْزِمِ لِشُمُولِ قُدْرَتِهِ. أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ لِمَن تَوَقَّعَ الإخْبارَ عَنِ الرُّؤْيا الَّتِي أقْلَقَهم أمْرُها وكادَ بَعْضُهم أنْ يُزَلْزِلَهُ ذِكْرُها عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ: ﴿لَقَدْ﴾ .

ولَمّا كانَ لِلنَّظَرِ إلى الرُّؤْيا اعْتِبارانِ: أحَدُهُما مِن جِهَةِ الواقِعِ وهو غَيْبٌ عَنِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ: والآخَرُ مِن جِهَةِ الإخْبارِ وهو مَعَ الرُّؤْيا شَهادَةً بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، عَبَّرَ بِالصِّدْقِ والحَقِّ فَقالَ تَعالى: ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الَّذِي لا كُفُوءَ لَهُ المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿رَسُولَهُ﴾ ﷺ الَّذِي هو أعَزُّ الخَلائِقِ عِنْدَهُ وهو غَنِيٌّ عَنِ الإخْبارِ عَمّا لا يَكُونُ أنَّهُ يَكُونُ، فَكَيْفَ إذا كانَ المُخْبِرُ رَسُولَهُ ﴿الرُّؤْيا﴾ الَّتِي هي مِنَ الوَحْيِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَرى الواقِعَ ويَعْلَمُ مُطابَقَتَها في أنَّكم تَدْخُلُونَ المَسْجِدَ الحَرامَ آمِنِينَ يُحَلِّقُ بَعْضٌ ويُقَصِّرُ آخَرُونَ، مُتَلَبِّسًا خَبَرُهُ ورُؤْيا رَسُولِهِ ﷺ ﴿بِالحَقِّ﴾ لِأنَّ مَضْمُونَ الخَبَرِ إذا وقَعَ فَطَبَّقَ بَيْنَ الواقِعِ وبَيْنَهُ، وكانَ الواقِعُ يُطابِقُهُ لا يَخْرِمُ شَيْءٌ مِنهُ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ، والحاصِلُ أنَّكَ إذا نَسَبْتَها لِلْواقِعِ طابَقَتْهُ فَكانَ صِدْقًا، وإذا نَسَبْتَ الواقِعَ إلَيْها طابَقَها فَكانَتْ حَقًّا.

(p-٣٣٤)ولَمّا أقْسَمَ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ لِمَن كانَ يَتَزَلْزَلُ، أجابَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا بِما يُفْهِمُ القَسَمَ أيْضًا إشارَةً إلى عِظَمِ الزِّلْزالِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا دُخُولًا قَدْ تَحَتَّمَ أمْرُهُ ﴿المَسْجِدَ﴾ أيِ: الَّذِي يُطافُ فِيهِ بِالكَعْبَةِ ولا يَكُونُ دُخُولُهُ إلّا بِدُخُولِ الحَرَمِ ﴿الحَرامَ﴾ أيِ: الَّذِي أجارَهُ اللَّهُ مِنَ امْتِهانِ الجَبابِرَةِ ومَنَعَهُ مِن كُلِّ ظالِمٍ.

ولَمّا كانَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى شَيْءٌ وإنْ وعَدَ بِهِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَأْدِيبًا لَهم أنْ يَقُولَ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ: ألَمْ يَقُلْ إنَّنا نَدْخُلُ البَيْتَ ونَحْوَ ذَلِكَ، ولِغَيْرِهِمْ أنْ يَقُولَ: نَحْنُ نَدْخُلُ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ، حالَ كَوْنِكم ﴿آمِنِينَ﴾ لا تَخْشَوْنَ [إلّا] اللَّهَ مُنْقَسِمِينَ بِحَسْبِ التَّحْلِيقِ والتَّقْصِيرِ إلى قِسْمَيْنِ ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ ولَعَلَّهُ أشارَ بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ إلى أنَّ فاعِلَ الحَقِّ كَثِيرٌ، وكَذا ﴿ومُقَصِّرِينَ﴾ غَيْرَ أنَّ التَّقْدِيمَ يُفْهِمُ أنَّ الأوَّلَ أكْثَرُ.

ولَمّا كانَ الدُّخُولُ حالَ الأمْنِ لا يَسْتَلْزِمُ الأمْنَ بَعْدَهُ قالَ تَعالى: ﴿لا تَخافُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَكم خَوْفٌ بَعْدَ ذَلِكَ إلى أنْ تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ عامَ الفَتْحِ قاهِرِينَ لَهم بِالنَّصْرِ، ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ سَبَبَ هَذا الإخْبارِ إحاطَةُ العِلْمِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: هَذا أمْرٌ حَقٌّ يُوَثَقُ غايَةَ (p-٣٣٥)الوُثُوقِ؛ لِأنَّهُ إخْبارُ عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، صَدَقَ سُبْحانَهُ فِيهِ، وما رَدَّكم عَنْهُ هَذِهِ الكَرَّةَ عَلى هَذا الوَجْهِ إلّا لِأُمُورٍ دَبَّرَها وشُؤُونٍ أحْكَمَها وقَدَّرَها، قالَ عاطِفًا عَلى: ﴿صَدَقَ﴾ مُسَبِّبًا عَنْهُ أوْ مُعَلِّلًا: ﴿فَعَلِمَ﴾ أيْ: بِسَبَبٍ، أوْ لِأنَّهُ عَلِمَ مِن أسْبابِ الفَتْحِ ومَوانِعِهِ وبِنائِهِ عَلى الحِكْمَةِ ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ أيْ: أيُّها الأوْلِياءُ ﴿فَجَعَلَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ إحاطَةِ عِلْمِهِ ﴿مِن دُونِ﴾ أيْ: أدْنى رُتْبَةٍ مِن ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الدُّخُولِ العَظِيمِ في هَذا العامِ ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ يُقَوِّيكم بِهِ مِن فَتْحِ خَيْبَرَ ووَضْعِ الحَرْبِ بَيْنَ العَرَبِ بِهَذا الصُّلْحِ، واخْتِلاطِ بَعْضِ النّاسِ بِسَبَبِ ذَلِكَ بِبَعْضٍ، المُوجِبِ لِإسْلامِ بَشَرٍ كَثِيرٍ تَتَقَوَّوْنَ بِهِمْ، فَتَكُونُ تِلْكَ الكَثْرَةُ والقُوَّةُ سَبَبَ هَيْبَةِ الكُفّارِ المانِعَةِ لَهم مِنَ القِتالِ، فَتَقِلُّ القَتْلى رِفْقًا بِأهْلِ حَرَمِ اللَّهِ تَعالى إكْرامًا لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ عَنْ إغارَةٍ وإصابَةِ مَن عِنْدَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ المُسْتَضْعَفِينَ مِن غَيْرِ عِلْمٍ.

48:28Page 514

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا ٢٨

It is He who sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion. And sufficient is Allāh as Witness.

ولَمّا أخْبَرَ بِهَذِهِ الأُمُورِ الجَلِيلَةِ الدَّقِيقَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى إحاطَةِ العِلْمِ، عَلَّلَها سُبْحانَهُ وبَيَّنَ الصِّدْقَ فِيها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ أيِ: الَّذِي لا رَسُولَ أحَقُّ مِنهُ بِإضافَتِهِ إلَيْهِ (p-٣٣٦)ﷺ ﴿بِالهُدى﴾ الكامِلِ الَّذِي يَقْتَضِي أنْ يَسْتَقِيمَ بِهِ أكْثَرُ النّاسِ، ولَوْ أنَّهُ أخْبَرَ بِشَيْءٍ يَكُونُ فِيهِ أدْنى مَقالٍ لَمْ يَكُنِ الإرْسالُ بِالهُدى ﴿ودِينِ الحَقِّ﴾ أيِ: الأمْرِ الثّابِتِ الكامِلِ في الثَّباتِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أيْ: دِينَهُ ﴿عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ دِينِ أهْلِ مَكَّةَ [و] العَرَبِ عُبّادِ الأصْنامِ، الَّذِي يَقْتَضِي إظْهارُهُ عَلَيْهِ دُخُولَهُ إلَيْهِ آمِنًا، وإظْهارَهُ عَلى مَن سِواهم مِن أهْلِ الأدْيانِ الباطِلَةِ بِأيْدِي صَحابَتِهِ الأبْرارِ والتّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ، إظْهارًا يَتَكامَلُ بِنُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ الرِّفْقِ بِالخَلْقِ والرَّحْمَةِ لَهُمْ، فَلا يُقْتَلُ إلّا مَن لا صَلاحَ لَهُ أصْلًا، وعَلى قَدْرِ الجَبَرُوتِ يَحْصُلُ القَهْرُ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ هو يُدَبِّرُ أمْرَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي تُوجِبُ نَصْرَهُ وتُعْلِي قَدْرَهُ مَعَ الرِّفْقِ بِقَوْمِهِ وجَمِيلِ الصُّنْعِ لِأتْباعِهِ، فَلا بُدَّ أنْ تَرَوْا مِن فُتُوحِ أكْثَرِ البِلادِ وقَهْرِ المُلُوكِ الشِّدادِ ما تَعْرِفُونَ بِهِ قُدْرَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

ولَمّا كانَ في سِياقِ إحاطَةِ العِلْمِ، وكانَ التَّقْدِيرُ: شَهِدَ رَبُّهُ سُبْحانَهُ بِتَصْدِيقِهِ في كُلِّ ما قالَهُ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ عَلى يَدِهِ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى (p-٣٣٧)﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿شَهِيدًا﴾ أيْ: ذا رُؤْيَةٍ وخِبْرَةٍ بِطَيَّةِ كُلِّ شَيْءٍ ودُخْلَتِهِ لِما لَهُ الغِنى في أمْرِهِ، ولا شَهِيدَ في الحَقِيقَةِ إلّا هو سُبْحانَهُ؛ لِأنَّهُ لا إحاطَةَ وخِبْرَةَ ورُقْبَةَ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، وهو يَشْهَدُ بِكُلِّ ما أخْبَرَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ في هَذِهِ الصُّورَةِ خُصُوصًا وفي غَيْرِها عُمُومًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском