Al-Biqa'iAl‑Ma'idah · 5:13–19

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:13–19

5:13Page 109

فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣

So for their breaking of the covenant We cursed them and made their hearts hardened. They distort words from their [proper] places [i.e., usages] and have forgotten a portion of that of which they were reminded.1 And you will still observe deceit among them, except a few of them. But pardon them and overlook [their misdeeds]. Indeed, Allāh loves the doers of good.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما أُخِذَ عَلى اليَهُودِ مِنَ المِيثاقِ؛ ووَعِيدِهِ لَهم إنْ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ؛ ذَكَرَ أنَّهم نَقَضُوا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ - كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“؛ وغَيْرِها كَثِيرٍ؛ مِنهُ عَنْ نَصِّ ما عِنْدَهم مِنَ التَّوْراةِ - فاسْتَحَقُّوا ما هم فِيهِ مِنَ الخِزْيِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُسَبِّبًا عَمّا مَضى؛ مُؤَكِّدًا بِـ ”ما“؛ النّافِيَةِ لِضِدِّ ما أثْبَتَهُ الكَلامُ -: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾؛ أيْ: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ الآتِينَ مِن بَعْدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ؛ ونَبْذِهِمْ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ في كِتْمانِهِمْ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ (p-٥٧)لا بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ كَما نَقَضَ بَنُو النَّضِيرِ؛ فَسَلَّطَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ بِما أشارَ إلَيْهِمْ في سُورَةِ ”الحَشْرِ“؛ ﴿لَعَنّاهُمْ﴾؛ أيْ: أبْعَدْناهم بَعْدَ أنْ وعَدْناهُمُ القُرْبَ بِالكَوْنِ مَعَهم إنْ وفَوْا.

ولَمّا كانَ البَعِيدُ قَدْ يَكُونُ رَقِيقَ القَلْبِ؛ مُتَأسِّفًا عَلى بُعْدِهِ؛ ساعِيًا في أسْبابِ قُرْبِهِ؛ باقِيًا عَلى عافِيَةِ رَبِّهِ؛ فَيُرْجى بِذَلِكَ لَهُ الغُفْرانُ لِذَنْبِهِ؛ أخْبَرَ أنَّهم عَلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ﴿قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾؛ أيْ: صُلْبَةً؛ عاسِيَةً بِالغِشِّ فَهي غَيْرُ قابِلَةٍ لِلنَّصِيحَةِ؛ لِأنَّ الذَّهَبَ الخالِصَ يَكُونُ لَيِّنًا؛ والمَغْشُوشَ يَكُونُ فِيهِ يَبَسٌ وصَلابَةٌ؛ وكُلُّ لَيِّنٍ قابِلٌ لِلصَّلاحِ بِسُهُولَةٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ قَساوَتَها بِما دَلَّ عَلى نَقْضِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ كُلَّ وقْتٍ تَحْرِيفَهُ؛ ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾؛ فَإنَّهم كُلَّما وجَدُوا شَيْئًا مِن كَلامِ اللَّهِ يَشْهَدُ بِضَلالِهِمْ حَرَّفُوهُ إلى شَهَواتِهِمْ؛ وأوَّلُوهُ التَّأْوِيلَ الباطِلَ بِأهْوائِهِمْ؛ فَهم يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ ومَعانِيَها.

ولَمّا كانُوا قَدْ تَرَكُوا أصْلًا ورَأْسًا ما لا يَقْدِرُونَ لِصَراحَتِهِ عَلى تَحْرِيفِهِ؛ قالَ - مُعَبِّرًا بِالماضِي؛ إعْلامًا بِحَرْمِهِمُ بِالبَراءَةِ مِن ذَلِكَ -: ﴿ونَسُوا حَظًّا﴾؛ أيْ: نَصِيبًا نافِعًا؛ مُعْلِيًا لَهُمْ؛ ﴿مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ أيْ: مِنَ التَّوْراةِ؛ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِمْ؛ عِيسى ومَن قَبْلَهُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ تَرَكُوهُ تَرْكَ النّاسِي لِلشَّيْءِ؛ لِقِلَّةِ مُبالاتِهِ (p-٥٨)بِهِ؛ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهم رُجُوعٌ إلَيْهِ؛ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: قَدْ يَنْسى المَرْءُ بَعْضَ العِلْمِ بِالمَعْصِيَةِ؛ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَفْعَلُونَهُ في حَقِّهِ في كَلامِهِ؛ الَّذِي هو صِفَتُهُ؛ أتْبَعَهُ ما يَعُمُّ حَقَّهُ وحَقَّ نَبِيِّهِ ﷺ عَلى وجْهٍ مُعْلِمٍ أنَّ الخِيانَةَ دَيْدَنُهُمْ؛ تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ فَقالَ: ﴿ولا تَزالُ﴾؛ أيْ: بِما نُطْلِعُكَ عَلَيْهِ يا أكْرَمَ الخَلْقِ؛ ﴿تَطَّلِعُ﴾؛ أيْ: تُظْهَرُ ظُهُورًا بَلِيغًا ﴿عَلى خائِنَةٍ﴾؛ أيْ: خِيانَةٍ عَظِيمَةٍ؛ تَسْتَحِقُّ أنْ تُسَمِّيَ فاعِلَها الخَؤُونَ؛ لِشِدَّتِها؛ و﴿مِنهُمْ﴾؛ أيْ: في حَقِّكَ؛ بِقَصْدِ الأذى؛ وفي حَقِّ اللَّهِ (تَعالى)؛ بِإخْفاءِ بَعْضِ ما شَرَعَهُ لَهُمْ؛ ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾؛ فَإنَّهم يَكُونُونَ عَلى نَهْجِ الِاسْتِقامَةِ؛ إمّا بِالإيمانِ؛ وإمّا بِالوَفاءِ؛ وهم مُتَمَسِّكُونَ بِالكُفْرِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ هَذا الَّذِي في حَقِّهِ ﷺ قَوْلَهُ: ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: امْحُ ذَنْبَهم ذَلِكَ الَّذِي اجْتَرَحُوهُ؛ وهو دُونَ النَّقْضِ والتَّحْرِيفِ؛ فَلا تُعاقِبْهم عَلَيْهِ.

ولَمّا كانَ العَفْوُ لا يَمْنَعُ المُعاتَبَةَ قالَ: ﴿واصْفَحْ﴾؛ أيْ: وأعْرِضْ عَنْ ذَلِكَ أصْلًا؛ ورَأْسًا؛ فَلا تُعاتِبْهم عَلَيْهِ؛ كَما لَمْ تُعاقِبْهُمْ؛ فَإنَّ ذَلِكَ إحْسانٌ مِنكَ؛ وإذا أحْسَنْتَ أحَبَّكَ اللَّهُ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾؛ وذَلِكَ - كَما رَوى الشَّيْخانِ؛ وغَيْرُهُما؛ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْها - أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سَحَرَهُ رَجُلٌ مِنَ (p-٥٩)اليَهُودِ؛ يُقالُ لَهُ لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ؛ وفي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ: إنَّهُ رَجُلٌ مِن بَنِي زُرَيْقٍ؛ حَلِيفٌ لِيَهُودٍ؛ وكانَ مُنافِقًا - حَتّى كانَ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَأْتِي النِّساءَ؛ ولا يَأْتِيهِنَّ؛ وذَلِكَ أشَدُّ السِّحْرِ؛ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ (تَعالى) شَفاهُ؛ وأعْلَمَهُ أنَّ السِّحْرَ في بِئْرِ ذَرْوانَ؛ فَقالَتْ لَهُ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: أفَلا أخْرَجْتَهُ؟ فَقالَ: ”لا.. أمّا أنا فَقَدْ عافانِي اللَّهُ؛ وكَرِهْتُ أنْ أثِيرَ عَلى النّاسِ شَرًّا“؛ فَأمَرَ بِها فَدُفِنَتْ؛ وهو في مُعْجَمِ الطَّبَرانِيِّ الكَبِيرِ - وهَذا لَفْظُهُ - ومُسْنَدِ أبِي يَعْلى المَوْصِلِيِّ؛ وسُنَنِ النِّسائِيِّ الكُبْرى؛ ومُسْنَدِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ؛ وأبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ؛ وأحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ؛ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: «كانَ رَجُلٌ يَدْخُلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَعَقَدَ لَهُ عُقَدًا؛ فَجَعَلَهُ في بِئْرِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ؛ فَأتاهُ مَلَكانِ يَعُودانِهِ؛ فَقَعَدَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِهِ؛ والآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ؛ فَقالَ أحَدُهُما: أتَدْرِي ما وجَعَهُ؟ قالَ: فُلانٌ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِ؛ عَقَدَ لَهُ عُقَدًا؛ فَألْقاهُ في بِئْرِ فُلانٍ الأنْصارِيِّ؛ فَلَوْ أرْسَلَ إلَيْهِ رَجُلًا لَوَجَدَ الماءَ أصْفَرَ؛ فَبَعَثَ رَجُلًا فَأخَذَ العُقَدَ فَحَلَّها؛ فَبَرَأ؛ فَكانَ الرَّجُلُ بَعْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ شَيْئًا مِنهُ؛ ولَمْ يُعاتِبْهُ؛» ولِلشَّيْخَيْنِ «عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّ (p-٦٠)امْرَأةً يَهُودِيَّةً أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِشاةٍ مَسْمُومَةٍ؛ فَأكَلَ مِنها؛ فَجِيءَ بِها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَها عَنْ ذَلِكَ؛ فَقالَتْ: أرَدْتُ لِأقْتُلَكَ؛ قالَ: ”ما كانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلى ذَلِكَ“؛ - أوْ قالَ: ”عَلَيَّ“ - قالُوا: فَلا تَقْتُلُها؟ قالَ: ”لا“؛ قالَ: فَما زِلْتُ أعْرِفُها في لَهَواتِ النَّبِيِّ ﷺ؛» وفي رِوايَةٍ: إنَّها كانَتْ سَبَبَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بِانْقِطاعِ أبْهَرِهِ الشَّرِيفِ مِنها بَعْدَ سِنِينَ؛ وفي سُنَنِ أبِي داوُدَ مِن وجْهٍ مُرْسَلٍ أنَّهُ قَتَلَ اليَهُودِيَّةَ؛ والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ؛ وسَيَأْتِي لِهَذا الحَدِيثِ ذِكْرٌ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ عِنْدَ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]؛ فَهَذا غايَةُ العَفْوِ والإحْسانِ؛ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ.

5:14Page 110

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١٤

And from those who say, "We are Christians" We took their covenant; but they forgot a portion of that of which they were reminded.1 So We caused among them2 animosity and hatred until the Day of Resurrection. And Allāh is going to inform them about what they used to do.

ولَمّا دَخَلَ النَّصارى فِيما مَضى؛ لِأنَّهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ خَصَّهم بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ كُفْرَهم أشَدُّ وأسْمَجُ؛ فَقالَ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا﴾؛ أيْ: مُسَمِّينَ أنْفُسَهُمْ؛ مُلْزِمِينَ لَها النُّصْرَةَ لِلَّهِ؛ مُؤَكِّدِينَ قَوْلَهُمْ؛ رَدًّا عَلى مَن يَرْتابُ فِيهِ: ﴿إنّا نَصارى﴾؛ أيْ: مُبالِغُونَ في نُصْرَةِ الحَقِّ؛ فالتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ دُونَ ”ومِنَ النَّصارى“؛ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم تَسَمَّوْا بِما لَمْ يَفُوا بِهِ؛ ﴿أخَذْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿مِيثاقَهُمْ﴾؛ أيْ: كَما أُخِذَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ.

ولَمّا كانَ كُفْرُهم في غايَةِ الظُّهُورِ والجَلاءِ؛ لَمْ يَنْسِبْهم إلى غَيْرِ التَّرْكِ؛ فَقالَ: ﴿فَنَسُوا﴾؛ أيْ: تَرَكُوا تَرْكَ النّاسِي؛ ﴿حَظًّا﴾ أيْ: (p-٦١)نَصِيبًا عَظِيمًا؛ يُتَنافَسُ في مِثْلِهِ؛ ﴿مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ أيْ: في الإنْجِيلِ؛ مِمّا سَبَقَ لَهم ذِكْرُهُ في التَّوْراةِ؛ مِن أوْصافِ نَبِيِّهِ ﷺ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَقِّ.

ولَمّا أدّى ذَلِكَ إلى تَشَعُّبِهِمْ فِرَقًا؛ فَأنْتَجَ تَشاحُنَهُمْ؛ وتَقاطُعَهُمْ؛ وتَدابُرَهُمْ؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَأغْرَيْنا﴾؛ أيْ: ألْصَقْنا بِعَظَمَتِنا؛ إلْصاقَ ما هو بِالغِراءِ؛ لا يَنْفَكُّ؛ بَلْ يَصِيرُ كَجُزْءِ الشَّيْءٍ؛ ﴿بَيْنَهُمُ﴾؛ أيْ: النَّصارى؛ بَعْدَ أنْ جَعَلْناهم فِرَقًا مُتَبايِنِينَ؛ بِتَفْرِيقِ الدِّينِ؛ وكَذا بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ؛ ﴿العَداوَةَ﴾؛ ولَمّا كانَتِ العَداوَةُ قَدْ تَكُونُ عَنْ بَغْيٍ؛ ونَحْوِهِ؛ إذا زالَ زالَتْ؛ أوْ خَفَّتْ؛ قالَ مُعْلِمًا أنَّها لِأمْرٍ باطِنِيٍّ؛ نَشَأ مِن تَزْيِينِ الهَوى؛ فَهو ثابِتٌ غَيْرُ مُنْفَكٍّ؛ ﴿والبَغْضاءَ﴾؛ بِالأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ؛ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾

ولَمّا أخْبَرَ بِنَكَدِهِمْ في الدُّنْيا؛ أعْقَبَهُ ما لَهم في الأُخْرى؛ فَقالَ: ﴿وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ﴾؛ أيْ: يُخْبِرُهُمْ؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى؛ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ إخْبارًا بِعَظِيمِ الشَّأْنِ بِما فِيهِ مِن عِظَمِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ في الآخِرَةِ؛ بِوَعِيدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ولَمّا كانَتْ خِيانَتُهم قَدْ صارَتْ لَهم فِيها مَلَكاتٍ؛ بِما لازَمُوا مِنها؛ حَتّى ضُرِبُوا بِها؛ وتَدَرَّبُوا عَلَيْها؛ حَتّى (p-٦٢)صارَتْ لَهم أحْوالًا لِأنْفُسِهِمْ؛ وأخْلاقًا لِقُلُوبِهِمْ؛ سَمّاها صَنائِعَ؛ فَقالَ: ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾؛ أيْ: دَرَّبُوا أنْفُسَهم عَلَيْهِ؛ حَتّى صارَ كالصَّنْعَةِ؛ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ بِما يُقِيمُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُجَّةِ.

5:15Page 110

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ١٥

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger making clear to you much of what you used to conceal of the Scripture and overlooking much.1 There has come to you from Allāh a light and a clear Book [i.e., the Qur’ān]

ولَمّا عُلِمَ بِذَلِكَ كُلِّهِ أحْوالُ الفَرِيقَيْنِ؛ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ واعِظًا؛ مُنادِيًا؛ مُتَلَطِّفًا؛ مُسْتَعْطِفًا؛ مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا؛ فَقالَ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ ﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾؛ أيْ: الَّذِي أرْسَلْناهُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ فَلْيُظْهَرَنَّ بِذَلِكَ عَلى مَن ناوَأهُ؛ ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾؛ أيْ: يُوَضِّحُ إيضاحًا شافِيًا؛ ﴿كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: بِما لَكم مِن جِبِلَّةِ الشَّرِّ والخِيانَةِ؛ ﴿تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: العَظِيمِ المُنَزَّلِ عَلَيْكُمْ؛ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وحُكْمِ الزِّنا؛ وغَيْرِهِما؛ لِإحْياءِ سُنَّةٍ؛ وإماتَةِ بِدَعَةٍ - كَما مَضى مِنهُ ما شاءَ اللَّهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“؛ وذَلِكَ دالٌّ بِلا شُبْهَةٍ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ؛ ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾؛ أيْ: فَلا يَفْضَحْكم بِإظْهارِهِ امْتِثالًا لِأمْرِنا لَهُ بِذَلِكَ - كَما تَقَدَّمَ أنَّهُ إحْسانٌ مِنهُ ﷺ إلَيْكُمْ؛ لِأنَّهُ لا فائِدَةَ في إظْهارِهِ إلّا فَضِيحَتُكم.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ فَصْلِهِ لِلْخَفايا؛ وكانَ التَّفْصِيلُ لا يَكُونُ إلّا بِالنُّورِ؛ اقْتَضى الحالُ تَوَقُّعَ الإخْبارِ بِأنَّهُ نُورٌ؛ فَقالَ - مُفْتَتِحًا بِحَرْفِ التَّوْقِيعِ والتَّحْقِيقِ -: (p-٦٣)﴿قَدْ جاءَكُمْ﴾؛ وعَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ - مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ -: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ ﴿نُورٌ﴾؛ أيْ: واضِحُ النُّورِيَّةِ؛ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ؛ الَّذِي كَشَفَ ظُلُماتِ الشَّكِّ؛ والشِّرْكِ؛ ودَلَّ عَلى جَمْعِهِ مَعَ فَرْقِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكِتابٌ﴾؛ أيْ: جامِعٌ؛ ﴿مُبِينٌ﴾؛ أيْ: بَيِّنٌ في نَفْسِهِ؛ مُبَيِّنٌ لِما كانَ خافِيًا عَلى النّاسِ مِنَ الحَقِّ.

5:16Page 110

يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٦

By which Allāh guides those who pursue His pleasure to the ways of peace1 and brings them out from darknesses into the light, by His permission, and guides them to a straight path.

ولَمّا كانَتْ هِدايَتُهُ مَشْرُوطَةً بِشَرْطِ صَلاحِ الجِبِلَّةِ؛ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - واصِفًا لَهُ -: ﴿يَهْدِي بِهِ﴾؛ أيْ: الكِتابِ؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ القادِرُ عَلى التَّصَرُّفِ في البَواطِنِ؛ والظَّواهِرِ؛ ﴿مَنِ اتَّبَعَ﴾؛ أيْ: كَلَّفَ نَفْسَهُ وأجْهَدَها في الخَلاصِ مِن أسْرِ الهَوى؛ بِأنْ تَبِعَ؛ ﴿رِضْوانَهُ﴾؛ أيْ: غايَةَ ما يُرْضِيهِ مِنَ الإيمانِ؛ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِتَوْفِيقِهِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ مَفْعُولَ؛ ”يَهْدِي“؛ فَقالَ: ﴿سُبُلَ﴾؛ أيْ: طُرُقَ؛ ﴿السَّلامِ﴾؛ أيْ: اللَّهِ؛ بِاتِّباعِ شَرائِعِ دِينِهِ؛ والعافِيَةِ والسَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ؛ ﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ﴾؛ أيْ: كَدُوراتِ النُّفُوسِ؛ والأهْواءِ؛ والوَساوِسِ الشَّيْطانِيَّةِ؛ ﴿إلى النُّورِ﴾؛ أيْ: الَّذِي دَعا إلَيْهِ العَقْلُ؛ فَيَصِيرُوا عامِلِينَ بِأحْسَنِ الأعْمالِ؛ كَما يَقْتَضِيهِ اخْتِيارُ مَن هو في النُّورِ؛ ﴿بِإذْنِهِ﴾؛ أيْ: بِتَمْكِينِهِ.

ولَمّا كانَ مَن في النُّورِ قَدْ يَغِيبُ عَنْهُ غَرَضُهُ الأعْظَمُ؛ فَلا يَنْظُرُهُ لِغَيْبَتِهِ عَنْهُ؛ بِبُعْدِهِ مِنهُ؛ وتَكْثُرُ عَلَيْهِ الأسْبابُ؛ فَلا يَدْرِي أيُّها الوَصْفُ؛ أوْ يَقْرُبُ إيصالُهُ؛ ويَسْهُلُ أمْرُهُ؛ قالَ - كافِلًا لَهم بِالنُّورِ؛ مُرِيحًا مِن تَعَبِ (p-٦٤)السَّيْرِ -: ﴿ويَهْدِيهِمْ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن إحاطَةِ العِلْمِ؛ والقُدْرَةِ؛ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أيْ: طَرِيقٍ مُوصِلٍ إلى الغَرَضِ؛ مِن غَيْرِ عِوَجٍ أصْلًا؛ وهو الدِّينُ الحَقُّ؛ وذَلِكَ مُقْتَضٍ لِلتَّقَرُّبِ؛ المُسْتَلْزِمِ لِسُرْعَةِ الوُصُولِ.

5:17Page 110

لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧

They have certainly disbelieved who say that Allāh is Christ, the son of Mary. Say, "Then who could prevent Allāh at all if He had intended to destroy Christ, the son of Mary, or his mother or everyone on the earth?" And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them. He creates what He wills, and Allāh is over all things competent.

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ مُوَضِّحًا لِأنَّ مَن لَمْ يَتَّبِعِ الكِتابَ المَوْصُوفَ؛ كانَ كافِرًا؛ وعَنِ الطَّرِيقِ الأمَمِ جائِرًا حائِرًا؛ وكانَ مُحَصَّلُ حالِ اليَهُودِ - كَما رَأيْتَ فِيما تَقَدَّمَ؛ ويَأْتِي مِن نُصُوصِ التَّوْراةِ - أنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ؛ عَلى كَثْرَةِ ما يَرَوْنَ مِنَ الآياتِ؛ أنَّ اللَّهَ مَعَ نَبِيِّهِمْ دائِمًا؛ وكانَ أنْسَبُ الأشْياءِ بَعْدَ الوَعْظِ أنْ يَذْكُرَ حالَ النَّصارى في نَبِيِّهِمْ؛ فَإنَّهُ مُبايِنٌ لِحالِ اليَهُودِ؛ مِن كُلِّ وجْهٍ؛ فَأُولَئِكَ عَلى شَكٍّ في أنَّهُ مَعَهُ؛ وهَؤُلاءِ اعْتَقَدُوا أنَّهُ هُوَ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُبَيِّنًا أنَّهم في أظْلَمِ الظَّلامِ؛ وأعْمى العَمى -: ”لَقَدْ“؛ أوْ يُقالُ: إنَّ اليَهُودَ لَمّا فَرَّطُوا فَكَفَرُوا؛ أفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ النَّصارى لَمّا أفْرَطُوا كَفَرُوا؛ فَصارَ حالُهم كالنَّتِيجَةِ لِما مَضى؛ فَقالَ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا﴾؛ مُؤَكِّدِينَ لِبُعْدِ ما قالُوهُ مِنَ العَقْلِ؛ فَهو في غايَةِ الإنْكارِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَهُ مِن جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ الَّتِي لا يَجْهَلُها مَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ؛ إذا تَرَجّى الهُدى؛ وانْخَلَعَ مِن أسْرِ الهَوى؛ ﴿هُوَ المَسِيحُ﴾؛ أيْ: عَيْنُهُ؛ وهو أقْطَعُ الكُفْرِ؛ وأبْيَنُهُ بُطْلانًا؛ ووَصَفَهُ بِما هو في غايَةِ الوُضُوحِ في بُطْلانِ قَوْلِهِمْ؛ لِبُعْدِهِ عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ؛ في الحاجَةِ إلى امْرَأةٍ؛ فَقالَ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾؛ فَهو مُحْتاجٌ إلى كَفالَتِها؛ بِما لَها مِنَ الأُمُومَةِ.

ولَمّا بَطَلَ مُدَعّاهم عَلى أتْقَنِ مِنهاجٍ؛ وأخْصَرِهِ؛ وكانَ بِما دَقَّ (p-٦٥)عَلى بَعْضِ الأفْهامِ؛ أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾؛ دالًّا عَلى أنَّ المَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لِلَّهِ؛ مُسَبَّبًا عَنْ كُفْرِهِمْ؛ ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ أيْ: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي يُتَوَهَّمُ أنَّها قَدْ تَمْنَعُهُ مِمّا يُرِيدُ؛ بِحَيْثُ يَصِيرُ ذَلِكَ المَمْلُوكُ أحَقَّ بِهِ مِنهُ؛ ولا يَنْفُذُ لَهُ فِيهِ تَصَرُّفٌ؛ ﴿إنْ أرادَ﴾؛ أيْ: اللَّهُ - سُبْحانَهُ -؛ ﴿أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ﴾؛ وكَرَّرَ وصْفَهُ بِالبُنُوَّةِ؛ إيضاحًا لِلْمُرادِ؛ فَقالَ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾؛ وأزالَ الشُّبْهَةَ جِدًّا بِقَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهُ﴾؛ ولَمّا خَصَّهُما دَلِيلًا عَلى ضَعْفِهِما المُسْتَلْزِمِ لِلْمُرادِ؛ عَمَّ دَلالَةً عَلى عُمُومِ القُدْرَةِ؛ المُسْتَلْزِمِ لِتَمامِ القَهْرِ لِكُلِّ مَن يُماثِلُهُما؛ المُسْتَلْزِمِ لِعَجْزِ الكُلِّ؛ المُبْعِدِ مِن رُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ؛ فَقالَ - مُوَضِّحًا لِلدَّلِيلِ بِتَسْوِيَتِهِما بِبَقِيَّةِ المَخْلُوقاتِ -: ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾؛ أيْ: فَمَن يَمْلِكُ مَنعَهُ مِن ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلَّهِ؛ يُهْلِكُهُ كَيْفَ شاءَ؛ مَتى شاءَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أعَمُّ مِنهُ؛ فَقالَ - مُعْلِمًا بِأنَّهُ؛ مَعَ كَوْنِهِ مالِكًا مَلِكًا؛ لَهُ تَمامُ التَّصَرُّفِ -: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ؛ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ﴾؛ أيْ: الَّتِي بِها قِيامُ الأرْضِ؛ ﴿والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾؛ أيْ: ما بَيْنَ النَّوْعَيْنِ وبَيْنَ أفْرادِهِما؛ بِما بِهِ تَمامُ أمْرِهِما؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ - دَلِيلًا عَلى ما قَبْلَهُ؛ ونَتِيجَةً لَهُ -: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾؛ عَلى أيِّ كَيْفِيَّةٍ أرادَ - (p-٦٦)كَما تَقَدَّمَ أنَّ لَهُ أنْ يُعْدِمَ ما يَشاءُ كَذَلِكَ -؛ فَلا عَجَبَ في خَلْقِهِ بَشَرًا مِن أُنْثى فَقَطْ؛ لا بِواسِطَةِ ذَكَرٍ؛ حَتّى يَكُونَ سَبَبًا في ضَلالِ مَن ضَلَّ بِهِ؛ ولَمّا دَلَّ ذَلِكَ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ عَلى المَذْكُورِ عَمَّ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِن ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿قَدِيرٌ﴾

5:18Page 111

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٨

But the Jews and the Christians say, "We are the children of Allāh and His beloved." Say, "Then why does He punish you for your sins?" Rather, you are human beings from among those He has created. He forgives whom He wills, and He punishes whom He wills. And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them, and to Him is the [final] destination.

ولَمّا عَمَّ - سُبْحانَهُ - في ذِكْرِ فَضائِحِ بَنِي إسْرائِيلَ تارَةً؛ وخَصَّ أُخْرى؛ عَمَّ بِذِكْرِ طامَّةٍ مِن طَوامِّهِمْ؛ حَمَلَهم عَلَيْها العُجْبُ والبَطَرُ بِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى﴾؛ أيْ: كُلُّ طائِفَةٍ قالَتْ ذَلِكَ عَلى حِدَتِها؛ خاصَّةً لِنَفْسِها؛ دُونَ الخَلْقِ أجْمَعِينَ؛ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِما هو ناظِرٌ إلَيْنا بِهِ مِن جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿وأحِبّاؤُهُ﴾؛ أيْ: غَرِيقُونَ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ - كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ العَطْفُ بِالواوِ -؛ ثُمَّ شَرَعَ يَنْقُضُ هَذِهِ الدَّعْوى نَقْضًا بَعْدَ نَقْضٍ؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ البُنُوَّةِ عَلى حَقِيقَتِها؛ أوْ مَجازِها؛ والَّذِي أوْرَثَهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ - إنْ لَمْ يَكُونُوا قالُوا ذَلِكَ عِنادًا - أنَّ في مَوْضِعٍ مِنَ التَّوْراةِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ (تَعالى) لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: (شَعْبِي بِكْرِي)؛ وقالَ في أوَّلِ نُبُوَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما ذَكَرْتُهُ في ”الأعْرافِ“: (وقُلْ لِفِرْعَوْنَ: هَكَذا يَقُولُ الرَّبُّ: ابْنِي بِكْرِي إسْرائِيلُ أُرْسِلَ لِيَعْبُدَنِي؛ فَإنْ أبَيْتَ أنْ تُرْسِلَ ابْنِي فَإنِّي أقْتُلُ ابْنَكَ بِكْرَكَ)؛ ونَحْوُ هَذا؛ وفي كَثِيرٍ مِمّا بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الإنْجِيلِ عَنْ قَوْلِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: (p-٦٧)”افْعَلُوا كَذا لِتَكُونُوا بَنِي أبِيكُمُ الَّذِي في السَّماءِ“؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ وقَدْ بَيَّنْتُ مَعْناهُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ بِما يُوجِبُ رَدَّهُ إلى المُحَكِّمِ بِلا شُبْهَةٍ في أوَّلِ سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“؛ قالَ البَيْضاوِيُّ في أوَّلِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“: إنَّهم كانُوا يُطْلِقُونَ الأبَ والِابْنَ في تِلْكَ الأدْيانِ بِمَعْنى المُؤَثِّرِ والأثَرِ؛ وقالَ في ”البَقَرَةِ“؛ في تَفْسِيرِ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ﴾ [البقرة: ١١٧] إنَّهم كانُوا يُطْلِقُونَ الأبَ عَلى اللَّهِ؛ بِاعْتِبارِ أنَّهُ السَّبَبُ الأصْلِيُّ؛ ثُمَّ ظَنَّتِ الجَهَلَةُ مِنهم أنَّ المُرادَ بِهِ مَعْنى الوِلادَةِ؛ فَلِذاكَ كَفَرَ قائِلُهُ؛ ومُنِعَ مِنهُ مَنعًا مُطْلَقًا؛ انْتَهى.

فَأوَّلُ نَقْضٍ نَقَضَ بِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - هَذِهِ الدَّعْوى بَيانُ أنَّهُ يُعَذِّبُهُمْ؛ فَقالَ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ جامِعِينَ بَيْنَ كَوْنِكم أبْناءَ؛ وأحِبّاءَ؛ بَيْنَ عَطْفِ البُنُوَّةِ؛ وحُنُوِّ المَحَبَّةِ؛ ﴿بِذُنُوبِكُمْ﴾؛ وعَذابُهم مَذْكُورٌ في نَصِّ تَوْراتِهِمْ؛ في غَيْرِ مَوْطِنٍ؛ ومَشْهُورٌ في تَوارِيخِهِمْ؛ بِجَعْلِهِمْ قِرَدَةً؛ وخَنازِيرَ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ أيْ: فَإنْ كانَ المُرادُ بِالبُنُوَّةِ الحَقِيقَةَ فابْنُ الإلَهِ لا يَكُونُ لَهُ ذَنْبٌ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يُعَذَّبَ بِهِ؛ لِأنَّ الِابْنَ لا يَكُونُ إلّا مِن جِنْسِ الأبِ - (تَعالى) اللَّهُ عَنِ النَّوْعِيَّةِ والجِنْسِيَّةِ والصّاحِبَةِ؛ والوَلَدِ؛ عُلُوًّا كَبِيرًا -؛ وإنْ كانَ المُرادُ المَجازَ؛ أيْ: بِكَوْنِهِ يُكْرِمُكم إكْرامَ الوَلَدِ والحَبِيبِ؛ كانَ ذَلِكَ مانِعًا مِنَ التَّعْذِيبِ.

ولَمّا كانَ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ يُعَذِّبُكم لِأنَّكم لَسْتُمْ أبْناءَ؛ ولا أحِبّاءَ؛ (p-٦٨)عَطَفَ عَلَيْهِ نَقْضًا آخَرَ؛ أوْضَحَ مِنَ الأوَّلِ؛ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾؛ وذَلِكَ أمْرٌ مُشاهَدٌ؛ والمُشاهَداتُ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ؛ فَأنْتُمْ مُساوُونَ لِغَيْرِكم في البَشَرِيَّةِ؛ والحُدُوثِ؛ لا مَزِيَّةَ لِأحَدٍ مِنكم عَلى غَيْرِهِ في الخَلْقِ والبَشَرِيَّةِ؛ وهُما يَمْنَعانِ البُنُوَّةَ؛ فَإنَّ القَدِيمَ لا يَلِدُ بَشَرًا؛ والأبُ لا يَخْلُقُ ابْنَهُ؛ فامْتَنَعَ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ البُنُوَّةُ؛ وامْتَنَعَ بِتَعْذِيبِهِمْ أنْ يَكُونُوا أحِبّاءَ اللَّهِ؛ فَبَطَلَ الوَصْفانِ اللَّذانِ ادْعَوْهُما.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: يَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ بِسائِرِ خَلْقِهِ؛ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ - جَوابًا لِمَن يَقُولُ: وما هو فاعِلٌ بِمَن خَلَقَ؟ -: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: مِن خَلْقِهِ؛ مِنكم ومِن غَيْرِكُمْ؛ فَضْلًا مِنهُ (تَعالى)؛ ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾؛ عَدْلًا؛ كَما تُشاهِدُونَهُ يُكْرِمُ ناسًا مِنكم في هَذِهِ الدّارِ؛ ويُهِينُ آخَرِينَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لِأنَّهُ مالِكُ خَلْقِهِ؛ ومَلِكُهُمْ؛ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - نَقْضًا ثالِثًا؛ بِما هو أعَمُّ مِمّا قَبْلَهُ؛ فَقالَ -: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ فَلا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ﴾؛ وقَدَّمَها لِشَرَفِها؛ دَلالَةً عَلى مُلْكِ غَيْرِها مِن بابِ أوْلى؛ وصَرَّحَ بِقَوْلِهِ: ﴿والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾؛ أيْ: وأنْتُمْ مِمّا بَيْنَهُما؛ وقَدِ اجْتَمَعَ بِذَلِكَ مَعَ المُلْكِ والإبْداعِ؛ المِلْكُ والتَّصْرِيفُ والتَّصَرُّفُ التّامُّ؛ وذَلِكَ هو الغِنى المُطْلَقُ؛ ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُحْتاجًا إلى شَيْءٍ مِن ولَدٍ ولا غَيْرِهِ؛ ولا يَكُونُ لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقٌّ؛ ولا يُسَوَّغُ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمِنهُ وحْدَهُ الِابْتِداءُ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (p-٦٩)﴿وإلَيْهِ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿المَصِيرُ﴾؛ أيْ: الصَّيْرُورَةُ والرُّجُوعُ؛ وزَمانُ ذَلِكَ؛ ومَكانُهُ مَعْنًى في الدُّنْيا بِأنَّهُ لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مُرادِهِ؛ وحِسًّا في الآخِرَةِ؛ فَيَحْكُمُ بَيْنَ مَصْنُوعاتِهِ عَلى غايَةِ العَدْلِ - كَما هو مُقْتَضى الحِكْمَةِ؛ وشَأْنُ كُلِّ مَلِكٍ في إقامَةِ مُلْكِهِ بِإنْصافِ بَعْضِ عَبِيدِهِ مِن بَعْضٍ؛ لا يَجُوزُ عِنْدَهُ في مُوجِبِ السِّياسَةِ إطْلاقُ قَوِيِّهِمْ عَلى ضَعِيفِهِمْ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى خَرابِ المُلْكِ؛ وضَعْفِ المِلْكِ؛ فَإذا كانَ هَذا شَأْنَ المُلُوكِ في العَبِيدِ النّاقِصِينَ؛ فَما ظَنُّكَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ؟! فَإذا عامَلَهم كُلَّهم بِالعَدْلِ أسْبَغَ عَلى مَن يُرِيدُ مَلابِسَ الفَضْلِ.

5:19Page 111

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٩

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger to make clear to you [the religion] after a period [of suspension] of messengers, lest you say, "There came not to us any bringer of good tidings or a warner." But there has come to you a bringer of good tidings and a warner. And Allāh is over all things competent.

ولَمّا دُحِضَتْ حُجَّتُهُمْ؛ ووَضَحَتْ أُكْذُوبَتُهُمُ؛ اقْتَضى ذَلِكَ الِالتِفاتَ إلى وعْظِهِمْ عَلى وجْهِ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ؛ وإبْطالِ ما عَساهم يَظُنُّونَهُ حُجَّةً؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: مِنَ الفَرِيقَيْنِ؛ ولَمّا كانَ ما حَصَلَ لَهم مِنَ الضَّلالِ بِتَضْيِيعِ ما عِنْدَهم مِنَ البَيِّناتِ؛ وتَغْيِيرِها ما لا يُتَوَقَّعُ مَعَهُ الإرْسالُ؛ قالَ - مُعَبِّرًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ -: ﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾؛ أيْ: الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِنا؛ فَإعْظامُهُ وإجْلالُهُ واجِبٌ لِذَلِكَ؛ ثُمَّ بَيَّنَ حالَهُ؛ مُقَدِّمًا لَهُ عَلى مُتَعَلِّقٍ جاءَ بَيانًا لِأنَّهُ أهَمُّ ما إلى الرُّسُلِ إلَيْهِمْ؛ إرْشادًا إلى قَبُولِ كُلِّ ما جاءَ بِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾؛ أيْ: يُوقِعُ لَكُمُ البَيانَ في كُلِّ ما يَنْفَعُكُمْ؛ بَيانًا شافِيًا لِما تَقَدَّمَ وغَيْرِهِ. (p-٧٠)ولَمّا كانَ مَجِيئُهُ مُلْتَبِسًا بِبَيانِهِ؛ وظَرْفًا لَهُ؛ غَيْرَ مُنْفَكٍّ عَنْهُ؛ وكانَ بَيانًا مُسْتَعْلِيًا عَلى وقْتِ مَجِيئِهِ؛ وما مَضى قَبْلَهُ وما يَأْتِي بَعْدَهُ؛ بِبَقاءِ كِتابِهِ مَحْفُوظًا؛ لِعُمُومِ دَعْوَتِهِ؛ وخِتامِهِ؛ وتَفَرُّدِهِ؛ فَلا نَبِيَّ بَعْدَهُ؛ قالَ - مُعَلِّقًا بِـ ”جاءَ“ -: ﴿عَلى فَتْرَةٍ﴾؛ أيْ: طَوِيلَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما كانَ يَكُونُ بَيْنَ النَّبِيِّينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ مُبْتَدِئَةً تِلْكَ الفَتْرَةُ ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾؛ أيْ: انْقِطاعٍ مِن مَجِيئِهِمْ؛ شَبَّهَ فَقْدَهُمْ؛ وبُعْدَ العَهْدِ بِهِمْ؛ ونِسْيانَ أخْبارِهِمْ؛ وبَلاءَ رُسُومِهِمْ وآثارِهِمْ؛ وانْطِماسَ مَعالِمِهِمْ وأنْوارِهِمْ؛ بِشَيْءٍ كانَ يَفْنى فَفَتَرَ؛ لَمْ يَبْقَ مِن وصْفِهِ المَقْصُودِ مِنهُ إلّا أثَرٌ خافٍ؛ ورَسْمٌ دارِسٌ؛ يُقالُ: ”فَتَرَ الشَّيْءُ“؛ إذا سَكَنَتْ حِدَّتُهُ؛ وصارَ أقَلَّ مِمّا كانَ عَلَيْهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ بَيْنَ عِيسى وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ؛ فَسَدَ فِيها أمْرُ النّاسِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ في ”يُبَيِّنُ“؛ إشارَةً إلى أنَّ دِينَهُ وبَيانَهُ لا يَنْقَطِعُ أصْلًا بِحِفْظِ كِتابِهِ؛ فَكُلَّما دَرَسَتْ سُنَّةٌ مَنَحَ اللَّهُ بِعالِمٍ يَرُدُّ النّاسَ إلَيْها بِالكِتابِ المُعْجِزِ القائِمِ أبَدًا؛ فَلِذَلِكَ لا يَحْتاجُ الأمْرُ إلى نَبِيٍّ مُجَدِّدٍ؛ إلّا عِنْدَ الفِتْنَةِ الَّتِي لا يُطِيقُها العُلَماءُ؛ وهي فِتْنَةُ الدَّجّالِ؛ ويَأْجُوجِ ومَأْجُوجِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ﴾؛ أيْ: كَراهَةَ أنْ؛ ﴿تَقُولُوا﴾؛ أيْ: إذا حُشِرْتُمْ؛ وسُئِلْتُمْ عَنْ (p-٧١)أعْمالِكُمْ؛ ﴿ما جاءَنا﴾؛ ولِتَأْكِيدِ النَّفْيِ قِيلَ: ﴿مِن بَشِيرٍ﴾؛ أيْ: يُبَشِّرُنا لِنَرْغَبَ فَنَعْمَلَ بِما يُسْعِدُنا؛ فَنَفُوزَ؛ ﴿ولا نَذِيرٍ﴾؛ أيْ: يُحَذِّرُنا لِنَرْهَبَ فَنَتْرُكَ ما يُشْقِينا؛ فَنُسْلِمَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ مُوَزَّعُ النُّقْصانِ بَيْنَ الرَّغْبَةِ؛ والرَّهْبَةِ؛ وقَدْ كانَ اخْتَلَطَ في تِلْكَ الفَتْرَةِ الحَقُّ بِالباطِلِ؛ فالتَبَسَ الأمْرُ وجُهِلَ الحالَ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يُجْهَلْ جَهْلًا يَحْصُلُ بِهِ عُذْرٌ في الشِّرْكِ؛ وسَأُبَيِّنُهُ في أوَّلِ ”ص“.

ولَمّا كانَ المَعْنى: ”فَلا تَقُولُوا ذَلِكَ“؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾؛ أيْ: مَن هو مُتَّصِفٌ بِالوَصْفَيْنِ مَعًا؛ فَهو ﴿بَشِيرٌ ونَذِيرٌ﴾؛ أيْ: كامِلٌ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ؛ وإنْ تَبايَنا؛ ولَمّا كانَ رُبَّما كانَ تَوَهَّمَ أحَدٌ مِن تَرْكِ الإرْسالِ زَمَنَ الفَتْرَةِ؛ ومِن تَرْكِ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ حُجَّةِ الإرْسالِ؛ وبِالعُدُولِ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَنِي إسْماعِيلَ شَيْئًا في القُدْرَةِ؛ قالَ - كاشِفًا لِتِلْكَ الغُمَّةِ -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: جاءَكم والحالُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِن أنْ يُرْسِلَ في كُلِّ وقْتٍ؛ وأنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ؛ وأنْ يَهْدِيَ بِالبَيانِ؛ وأنْ يُضِلَّ؛ ومِن أنْ يُعَذِّبَ؛ ولا يَقْبَلَ عُذْرًا؛ وأنْ يَغْفِرَ كُلَّ شَيْءٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ﴿قَدِيرٌ﴾؛ وفي الخَتْمِ بِوَصْفِ القُدْرَةِ واتِّباعِهِ تَذْكِيرُهم ما صارُوا إلَيْهِ مِنَ العِزِّ بِالنُّبُوَّةِ والمُلْكِ؛ بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ الذُّلِّ بِالعُبُودِيَّةِ؛ والجَهْلِ؛ إشارَةً إلى أنَّ إنْكارَهم (p-٧٢)لِأنْ يَكُونَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَبِيٌّ؛ يَلْزَمُ مِنهُ إنْكارُهم لِلْقُدْرَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском