Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:90–96
5:90Page 123
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٩٠
O you who have believed, indeed, intoxicants, gambling, [sacrificing on] stone alters [to other than Allāh], and divining arrows are but defilement from the work of Satan, so avoid1 it that you may be successful.
ولَمّا تَمَّ بَيانُ حالِ المَأْكَلِ؛ وكانَ داعِيَةً إلى المَشْرَبِ؛ احْتِيجَ إلى بَيانِهِ؛ فَبَيَّنَ (تَعالى) المُحَرَّمَ مِنهُ؛ فَعُلِمَ أنَّ ما عَداهُ مَأْذُونٌ في التَّمَتُّعِ بِهِ؛ (p-٢٩١)وذَلِكَ مُحاذٍ في تَحْرِيمِ شَيْءٍ مُقْتَرِنٍ بِاللّازِمِ؛ بَعْدَ إحْلالِ آخَرَ؛ لِما في أوَّلِ السُّورَةِ مِن تَحْرِيمِ المَيْتَةِ؛ وما ذُكِرَ مَعَها بَعْدَ إحْلالِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ؛ وما مَعَها؛ فَقالَ (تَعالى) - مُذَكِّرًا لَهم بِما أقَرُّوا بِهِ مِنَ الإيمانِ؛ الَّذِي مَعْناهُ الإذْعانُ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِهِ؛ ونَبَّهَهم عَلى ما يُرِيدُ العَدُوُّ بِهِمْ مِنَ الشَّرِّ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّما الخَمْرُ﴾؛ وهي كُلُّ ما أسْكَرَ؛ سَواءٌ فِيهِ قَلِيلُهُ؛ وكَثِيرُهُ؛ وأضافَ إلَيْها ما واخاها في الضَّرَرِ دِينًا؛ ودُنْيا؛ وفي كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْخِصامِ؛ وكَثْرَةِ اللَّغَطِ المُقْتَضِي لِلْحَلِفِ والإقْسامِ؛ تَأْكِيدًا لِتَحْرِيمِ الخَمْرِ؛ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الكُلَّ مِن أفْعالِ الجاهِلِيَّةِ؛ فَلا فارِقَ بَيْنَ شارِبِها؛ والذّابِحِ عَلى النُّصْبِ؛ والمُعْتَمِدِ عَلى الأزْلامِ؛ فَقالَ: ﴿والمَيْسِرُ﴾؛ أيْ: الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في ”البَقَرَةِ“؛ ﴿والأنْصابُ والأزْلامُ﴾؛ المُتَقَدِّمُ أيْضًا ذِكْرُهُما أوَّلَ السُّورَةِ؛ والزَّلْمُ: القِدْحُ لا رِيشَ لَهُ؛ قالَهُ البُخارِيُّ؛ وحِكْمَةُ تَرْتِيبِها هَكَذا أنَّهُ لَمّا كانَتِ الخَمْرُ غايَةً في الحَمْلِ عَلى إتْلافِ المالِ؛ قَرَنَ بِها ما يَلِيها في ذَلِكَ؛ وهو القِمارُ؛ ولَمّا كانَ المَيْسِرُ مَفْسَدَةَ المالِ؛ قَرَنَ بِهِ مَفْسَدَةَ الدِّينِ؛ وهي الأنْصابُ؛ ولَمّا كانَ تَعْظِيمُ الأنْصابِ شِرْكًا جَلِيًّا إنْ عُبِدَتْ؛ وخَفِيًّا إنْ ذُبِحَ عَلَيْها دُونَ عِبادَةٍ؛ قَرَنَ بِها نَوْعًا مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ؛ وهو الِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ: ثُمَّ أمَرَ بِاجْتِنابِ الكُلِّ؛ إشارَةً وعِبارَةً؛ عَلى أتَمِّ وجْهٍ؛ فَقالَ: ﴿رِجْسٌ﴾؛ أيْ: قَذَرٌ؛ أهْلٌ لِأنْ يُبْعَدَ عَنْهُ بِكُلِّ اعْتِبارٍ؛ حَتّى عَنْ ذِكْرِهِ؛ سَواءٌ كانَ عَيْنًا؛ أوْ مَعْنًى؛ وسَواءٌ كانَتِ الرِّجْسِيَّةُ في الحِسِّ؛ أوِ المَعْنى؛ (p-٢٩٢)ووَحَّدَ الخَبَرَ لِلنَّصِّ عَلى الخَمْرِ؛ والإعْلامِ بِأنَّ أخْبارَ الثَّلاثَةِ حُذِفَتْ؛ وقُدِّرَتْ؛ لِأنَّها أهْلٌ لِأنْ يُقالُ في كُلٍّ واحِدَةٍ مِنها عَلى حِدَتِها كَذَلِكَ؛ ولا يَكْفِي عَنْها خَبَرٌ واحِدٌ؛ عَلى سَبِيلِ الجَمْعِ؛ ثُمَّ زادَ في التَّنْفِيرِ عَنْها؛ تَأْكِيدًا لِرِجْسِيَّتِها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾؛ أيْ: المُحْتَرِقِ؛ البَعِيدِ؛ ثُمَّ صَرَّحَ بِما اقْتَضاهُ السِّياقُ مِنَ الِاجْتِنابِ؛ فَقالَ: ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾؛ أيْ: تَعَمَّدُوا أنْ تَكُونُوا عَنْهُ في جانِبٍ آخَرَ؛ غَيْرِ جانِبِهِ؛ وأفْرَدَ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الحِكَمِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ بِما يُفْهَمُ أنَّهُ لا فَوْزَ بِشَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ مَعَ مُباشَرَتِها؛ فَقالَ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾؛ أيْ: تَظْفَرُونَ بِجَمِيعِ مَطالِبِكُمْ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - قالَ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الخَمْرُ وما بِالمَدِينَةِ مِنها شَيْءٌ؛ وفي رِوايَةٍ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وإنَّ بِالمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لِخَمْسَةُ أشْرِبَةٍ؛ ما فِيها شَرابُ العِنَبِ؛ وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: سَمِعْتُ عُمَرَ؛ عَلى مِنبَرِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: ”أمّا بَعْدُ؛ أيُّها النّاسُ؛ إنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ؛ وهي مِن خَمْسَةٍ: مِنَ العِنَبِ - وفي رِوايَةٍ: مِنَ الزَّبِيبِ -؛ والتَّمْرِ؛ والعَسَلِ؛ والحِنْطَةِ؛ والشَّعِيرِ؛ والخَمْرُ ما خامَرَ العَقْلَ“؛ وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: ما كانَ لَنا خَمْرٌ غَيْرُ فَضِيخِكم هَذا؛ وإنِّي لِقائِمٌ أسْقِي أبا طَلْحَةَ؛ وفُلانًا وفُلانًا؛ إذْ جاءَ رَجُلٌ فَقالَ: (p-٢٩٣)حُرِّمَتِ الخَمْرُ؛ قالُوا: أهْرِقْ هَذِهِ القِلالَ يا أنَسُ؛ فَما سَألُوا عَنْها؛ ولا راجَعُوها بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ؛ وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: حُرِّمَتِ عَلَيْنا الخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ وما نَجِدُ خَمْرَ الأعْنابِ إلّا قَلِيلًا؛ وعامَّةُ خَمْرِنا البُسْرُ والتَّمْرُ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: وذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ ”الأحْزابِ“؛ بِأيّامٍ.
5:91Page 123
إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ ٩١
Satan only wants to cause between you animosity and hatred through intoxicants and gambling and to avert you from the remembrance of Allāh and from prayer. So will you not desist?
ولَمّا كانَتْ حِكْمَةُ النَّهْيِ عَنِ الأنْصابِ والأزْلامِ قَدْ تَقَدَّمَتْ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ وهي أنَّها فِسْقٌ؛ اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ عِلَّةِ النَّهْيِ عَنِ الخَمْرِ؛ والمَيْسِرِ؛ إعْلامًا بِأنَّهُما المَقْصُودانِ بِالذّاتِ؛ وإنْ كانَ الآخَرانِ ما ضُمّا إلّا لِتَأْكِيدِ تَحْرِيمِ هَذَيْنِ - كَما تَقَدَّمَ -؛ لِأنَّ المُخاطَبَ أهْلُ الإيمانِ؛ وقَدْ كانُوا مُجْتَنِبِينَ لِذَيْنِكَ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِأنَّ الإقْلاعَ عَمّا حَصَلَ التَّمادِي في المُرُونِ عَلَيْهِ يَحْتاجُ إلى مِثْلِ ذَلِكَ -: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: بِتَزْيِينِ الشُّرْبِ؛ والقِمارِ لَكُمْ؛ ﴿أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ﴾ .
ولَمّا كانَتِ العَداوَةُ قَدْ تَزُولُ أسْبابُها؛ ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنْها؛ مِمّا إذا اسْتَحْكَمَ تَعَسَّرَ؛ أوْ تَعَذَّرَ زَوالُهُ؛ فَقالَ: ﴿والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾؛ أيْ: تَعاطِيهِما؛ لِأنَّ الخَمْرَ تُزِيلُ العَقْلَ؛ فَيَزُولُ المانِعُ مِن إظْهارِ الكامِنِ مِنَ الضَّغائِنِ؛ والمُناقَشَةِ؛ والمُحاسَدَةِ؛ فَرُبَّما أدّى ذَلِكَ إلى حُرُوبٍ طَوِيلَةٍ؛ وأُمُورٍ مَهُولَةٍ؛ والمَيْسِرُ يُذْهِبُ المالَ؛ فَيُوجِبُ ذَلِكَ الإحْنَةَ عَلى مَن سَلَبَهُ مالَهُ؛ ونَغَّصَ عَلَيْهِ أحْوالَهُ.
ولَمّا ذَكَرَ ضَرَرَهُما في الدُّنْيا؛ ذَكَرَ ضَرَرَهُما في الدِّينِ؛ فَقالَ: (p-٢٩٤)﴿ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا إلَهَ لَكم غَيْرُهُ؛ ولا كُفُؤَ لَهُ؛ وكَرَّرَ الجارَّ؛ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ؛ وتَغْلِيظًا في التَّحْذِيرِ؛ فَقالَ: ﴿وعَنِ الصَّلاةِ﴾؛ أمّا في الخَمْرِ فَواضِحٌ؛ وأمّا في المَيْسِرِ فَلِأنَّ الفائِزَ يَنْسى بِبَطَرِ الغَلَبَةِ؛ والخائِبَ مَغْمُورٌ بِهَمِّهِ؛ وأعْظَمَ التَّهْدِيدَ بِالِاسْتِفْهامِ؛ والجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ بَعْدَ التَّأْكِيدِ بِالحَصْرِ؛ والضَّمِّ إلى فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ وبَيانِ الحِكَمِ الدّاعِيَةِ إلى التَّرْكِ؛ والشُّرُورِ المُنَفِّرَةِ عَنِ الفِعْلِ؛ فَقالَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؛ أيْ: قَبْلَ أنْ يَقَعَ بِكم ما لا تُطِيقُونَ.
5:92Page 123
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحۡذَرُواْۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٩٢
And obey Allāh and obey the Messenger and beware. And if you turn away - then know that upon Our Messenger is only [the responsibility for] clear notification.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَأْلُوفًا لَهُمْ؛ مَحْبُوبًا عِنْدَهُمْ؛ وكانَ تَرْكُ المَأْلُوفِ أمَرَّ مِن ضَرْبِ السُّيُوفِ؛ أكَّدَ دَعْوَتَهم إلى اجْتِنابِهِ؛ مُحَذِّرًا مِنَ المُخالَفَةِ؛ بِقَوْلِهِ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فانْتَهُوا“ -: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْلى؛ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ؛ ولا أمْرَ لِأحَدٍ سِواهُ؛ أيْ: فِيما أمَرَكم بِهِ مِنَ اجْتِنابِ ذَلِكَ؛ وأكَّدَ الأمْرَ بِإعادَةِ العامِلِ؛ فَقالَ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ أيْ: الكامِلَ في الرُّسُلِيَّةِ؛ في ذَلِكَ؛ وزادَ في التَّخْوِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿واحْذَرُوا﴾؛ أيْ: مِنَ المُخالَفَةِ؛ ثُمَّ بَلَغَ الغايَةَ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أيْ: بِالإقْبالِ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ وأشارَ بِصِيغَةِ ”التَّفَعُّلِ“ إلى أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَعْمَلُ بِمُعالَجَةٍ مِنَ النَّفْسِ لِلْفِطْرَةِ الأُولى؛ وعَظَّمَ الشَّأْنَ في ابْتِداءِ الجَزاءِ بِالتَّنْبِيهِ (p-٢٩٥)بِالأمْرِ بِالعِلْمِ؛ فَقالَ: ﴿فاعْلَمُوا﴾؛ أنَّكم لَمْ تَضُرُّوا إلّا أنْفُسَكُمْ؛ لِأنَّ الحُجَّةَ قَدْ قامَتْ عَلَيْكُمْ؛ ولَمْ يَبْقَ عَلى الرَّسُولِ شَيْءٌ؛ لِأنَّكم عَلِمْتُمْ ﴿أنَّما عَلى رَسُولِنا﴾؛ أيْ: البالِغِ في العَظَمَةِ مِقْدارًا يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ بِإضافَتِهِ إلَيْنا؛ ﴿البَلاغُ المُبِينُ﴾؛ أيْ: البَيِّنُ في نَفْسِهِ؛ المُوَضِّحُ لِكُلِّ مَن سَمِعَهُ ما يُرادُ مِنهُ؛ لا غَيْرَهُ؛ فَمَن خالَفَ فَلْيَنْظُرْ ما يَأْتِيهِ مِنَ البَلاءِ مِن قِبَلِنا؛ وهَذا ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما عَلَيْهِ إلّا ما تَقَدَّمَ مِن إلْزامِنا لَهُ بِهِ مِنَ البَلاغِ؛ فَمَنِ اخْتارَ لِنَفْسِهِ المُخالَفَةَ كَفَرَ؛ واللَّهُ لا يَهْدِي مَن كانَ مُخْتارًا لِنَفْسِهِ الكُفْرَ.
5:93Page 123
لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٣
There is not upon those who believe and do righteousness [any] blame concerning what they have eaten [in the past] if they [now] fear Allāh and believe and do righteous deeds, and then fear Allāh and believe, and then fear Allāh and do good; and Allāh loves the doers of good.
ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ عَمّا مِن شَأْنِ الأنْفُسِ الصّالِحَةِ؛ النّاظِرَةِ لِلْوَرِعِ؛ المُتَحَرَّكِ لِلسُّؤالِ عَنْهُ؛ وهو مَن ماتَ مِنهم وهو يَفْعَلُهُما؛ قالَ - جَوابًا لِذَلِكَ السُّؤالِ -: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا﴾؛ أيْ: تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ؛ ﴿الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾؛ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ هَذا السُّؤالَ غَيْرُ وارِدٍ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُنِعُوا مِنهُما؛ وكانُوا مُؤْمِنِينَ؛ عامِلِينَ لِلصّالِحاتِ؛ مُتَّقِينَ لِما يُسْخِطُ الرَّبَّ مِنَ المُحَرَّماتِ؛ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فِيما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ؛ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ ثَلاثَ مَرّاتٍ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؛ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ؛ فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؛ (p-٢٩٦)فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) عَلى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]؛ فَقالَ النّاسُ: لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنا؛ إنَّما قالَ: إنَّ فِيهِما إثْمًا؛ وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ حَتّى إذا كانَ يَوْمٌ مِنَ الأيّامِ صَلّى رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ المَغْرِبَ؛ فَخَلَطَ في قِراءَتِهِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]؛ فَكانُوا يَشْرَبُونَها حَتّى يَأْتِيَ أحَدُهُمُ الصَّلاةَ وهو مُفِيقٌ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ فَقالُوا: انْتَهَيْنا يا رَبُّ؛ وقالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ناسٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ؛ أوْ ماتُوا عَلى فُرُشِهِمْ؛ كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؛ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ؛ وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ رِجْسًا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”لَوْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوها كَما تَرَكْتُمْ“؛» ولا يَضُرُّ كَوْنُهُ مِن رِوايَةِ أبِي مَعْشَرٍ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ مُوافِقٌ لِقَواعِدِ الدِّينِ؛ ورَوى الشَّيْخانِ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: كُنْتُ ساقِيَ القَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتِ الخَمْرُ في بَيْتِ أبِي طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ -؛ وما شَرابُهم إلّا الفَضِيخُ: البُسْرُ؛ والتَّمْرُ؛ وإذا مُنادٍ يُنادِي: ألا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ؛ فَقالَ لِي أبُو طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اخْرُجْ فاهْرِقْها؛ (p-٢٩٧)فَهَرَقْتُها؛ فَقالَ بَعْضُ القَوْمِ: قَدْ قُتِلَ فُلانٌ وفُلانٌ وهي في بُطُونِهِمْ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ هَذا السَّبَبُ كانَتِ المُناسَبَةُ حاصِلَةً؛ وذَلِكَ أنَّهُ (تَعالى) لَمّا أباحَ الطَّيِّبَ مِنَ المَأْكَلِ؛ وحَرَّمَ الخَبِيثَ مِنَ المَشْرَبِ؛ نَفى الجُناحَ عَمَّنْ يَأْكُلُ ما أذِنَ فِيهِ؛ أوْ يَشْرَبُ عَدا ما حَرَّمَهُ؛ فَأتى بِعِبارَةٍ تَعُمُّ المَأْكَلَ والمَشْرَبَ؛ فَقالَ: ﴿فِيما طَعِمُوا﴾؛ أيْ: مَأْكَلًا كانَ؛ أوْ مَشْرَبًا؛ وشَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالتَّقْوى؛ لِيُخْرِجَ المُحَرَّماتِ؛ فَقالَ: ﴿إذا ما اتَّقَوْا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا جَمِيعَ التَّقْوى الَّتِي تُطْلَبُ مِنهُمْ؛ فَلَمْ يَطْعَمُوا مُحَرَّمًا.
ولَمّا بَدَأ بِالتَّقْوى؛ وهي خَوْفُ اللَّهِ؛ الحامِلُ عَلى البُعْدِ عَنِ المُحَرَّماتِ؛ ذَكَرَ أساسَها الَّذِي لا تُقْبَلُ إلّا بِهِ؛ فَقالَ: ﴿وآمَنُوا﴾ ولَمّا ذَكَرَ الإقْرارَ بِاللِّسانِ؛ ذَكَرَ مِصْداقَهُ؛ فَقالَ: ﴿وعَمِلُوا﴾؛ أيْ: بِما أدّاهم إلَيْهِ اجْتِهادُهم بِالعِلْمِ؛ لا اتِّفاقًا؛ ﴿الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا﴾؛ أيْ: فاجْتَنَبُوا ما جَدَّدَ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمَهُ؛ ﴿وآمَنُوا﴾؛ أيْ: بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ وأنَّ اللَّهَ لَهُ أنْ يَمْحُوَ ما يَشاءُ؛ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ؛ وهَكَذا كَلَّما تَكَرَّرَ تَحْرِيمُ شَيْءٍ كانُوا يُلابِسُونَهُ.
ولَمّا كانَ قَدْ نَفى الجُناحَ أصْلًا ورَأْسًا؛ شَرَطَ الإحْسانَ؛ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا﴾؛ أيْ: لازَمُوا التَّقْوى؛ إلى أنْ أوْصَلَتْهم إلى مَقامِ المُراقَبَةِ؛ وهي الغِنى عَنْ رُؤْيَةِ غَيْرِ اللَّهِ؛ فَأفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ مَن لَمْ يَبْلُغْ (p-٢٩٨)رُتْبَةَ الإحْسانِ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ جُناحٌ مَعَ التَّقْوى؛ والإيمانِ؛ يُكَفَّرُ عَنْهُ بِالبَلايا؛ والمَصائِبِ؛ حَتّى يَنالَ ما قُدِّرَ لَهُ مِمّا لَمْ يَبْلُغْهُ عَمَلُهُ مِن دَرَجاتِ الجِنانِ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى نَفاسَةِ التَّقْوى وعِزَّتِها أنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَمّا شَرَطَها في هَذا العُمُومِ؛ حَثَّ عَلَيْها عِنْدَ ذِكْرِ المَأْكَلِ بِالخُصُوصِ - كَما مَضى – فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٨] وهَذا في غايَةِ الحَثِّ عَلى التَّوَرُّعِ في المَأْكَلِ؛ والمَشْرَبِ؛ وإشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يُوصَلُ إلى مَقامِ الإحْسانِ إلّا بِهِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ المُؤْمِنِينَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾
5:94Page 123
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٩٤
O you who have believed, Allāh will surely test you through something of the game that your hands and spears [can] reach, that Allāh may make evident those who fear Him unseen. And whoever transgresses after that - for him is a painful punishment.
ولَمّا ذَكَرَ ما حُرِّمَ مِنَ الطَّعامِ في كُلِّ حالٍ؛ وكانَ الصَّيْدُ مِمَّنْ حُرِّمَ في بَعْضِ الأوْقاتِ؛ وكانَ مِن أمْثَلِ مَطْعُوماتِهِمْ؛ وكانَ قَدْ ذَكَرَ لَهم بَعْضَ أحْكامِهِ؛ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ [المائدة: ١]؛ و﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ [المائدة: ٥]؛ أخَذَ هُنا في ذِكْرِ شَيْءٍ مِن أحْكامِهِ؛ وابْتَدَأها - لِأنَّهم خافُوا عَلى مَن ماتَ مِنهم عَلى شُرْبِ الخَمْرِ قَبْلَ تَحْرِيمِها بِأنَّهُ يَبْتَلِيهِمْ لِتَمْيِيزِ الوَرِعِ مِنهم مِن غَيْرِهِ - بِالصَّيْدِ في الحالِ الَّتِي حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ فِيها؛ كَما بَنِي إسْرائِيلَ في السَّبْتِ؛ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَعْلِهِمْ قِرَدَةً؛ ومَنَّ - سُبْحانَهُ - عَلى الصَّحابَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ بِالعِصْمَةِ عِنْدَ بَلْواهُمْ؛ بَيانًا لِفَضْلِهِمْ عَلى مَن سِواهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُنادِيًا لَهم (p-٢٩٩)بِما يَكُفُّهم ذِكْرُهُ عَنِ المُخالَفَةِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا الإيمانَ؛ ولَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِهِ؛ فَعَمَّ بِذَلِكَ العالِيَ والدّانِيَ؛ ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: يُعامِلُكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ في قَبُولِكم تَحْرِيمَ الخَمْرِ؛ وغَيْرِهِ؛ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ وذَكَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ إشارَةً؛ بِالتَّذْكِيرِ بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ؛ إلى أنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ؛ وأشارَ إلى تَحْقِيرِ البَلْوى؛ تَسْكِينًا لِلنُّفُوسِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾؛ أيْ: الصَّيْدِ في البَرِّ في الإحْرامِ؛ وهو مُلْتَفِتٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٦٠]؛ وشارِحٌ لِما ذَكَرَ أوَّلَ السُّورَةِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]؛ وما ذَكَرَ بَعْدَ المُحَرَّماتِ؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]
؛ ووَصَفَ المُبْتَلى بِهِ بِوَصْفٍ هو مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ؛ فَقالَ: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكُمْ﴾؛ أيْ: إنْ أرَدْتُمْ أخْذَهُ سالِمًا؛ ﴿ورِماحُكُمْ﴾؛ إنْ أرَدْتُمْ قَتْلَهُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ المُرادَ مِن ذَلِكَ؛ وهو إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى ما يَتَعارَفُهُ العِبادُ بَيْنَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وهو الغَنِيُّ عَنْ ذَلِكَ؛ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ الَّتِي لا خَفاءَ بِها عِنْدَ أحَدٍ يَعْلَمُ هَذا الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ ﴿مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾؛ أيْ: بِما حَجَبَ بِهِ مِن هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا؛ الَّتِي حَجَبَتْهم عَنْ أنْ يَعْرِفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ - سُبْحانَهُ -؛ والمَعْنى أنَّهُ يَخْرُجُ بِالِامْتِحانِ ما كانَ مِن أفْعالِ العِبادِ في عالَمِ الغَيْبِ؛ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ؛ فَيَصِيرُ تَعَلُّقُ العِلْمِ بِهِ تَعَلُّقًا شُهُودِيًّا؛ كَما كانَ تَعَلُّقًا غَيْبِيًّا؛ لِتَقُومَ بِذَلِكَ الحُجَّةُ عَلى الفاعِلِ؛ في مَجارِي عاداتِهِمْ؛ ويَزْدادَ مَن (p-٣٠٠)لَهُ اطِّلاعٌ عَلى اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِنَ المَلائِكَةِ إيمانًا؛ ويَقِينًا؛ وعِرْفانًا؛ وقَدْ حَقَّقَ - سُبْحانَهُ - مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ؛ فابْتَلاهم بِذَلِكَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ؛ حَتّى كانَ يَغْشاهُمُ الصَّيْدُ في رِحالِهِمْ؛ ويُمْكِنُهم أخْذُهُ بِأيْدِيهِمْ؛ ولَمّا كانَ هَذا زاجِرًا في العادَةِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِما وقَعَتِ البَلْوى بِهِ؛ وحاسِمًا لِلطَّمَعِ فِيهِ؛ بِمَنِ اتَّسَمَ بِما جَعَلَ مَحَطَّ النِّداءِ مِنَ الإيمانِ؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾؛ أيْ: كَلَّفَ نَفْسَهُ مُجاوَزَةَ الحَدِّ في التَّعَرُّضِ لَهُ؛ ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ؛ خَصَّ الوَعِيدَ بِمَنِ اسْتَغْرَقَ الزَّمانَ بِالِاعْتِداءِ؛ فَأسْقَطَ الجارَّ لِذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الزَّجْرِ العَظِيمِ؛ ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ بِما التَذَّ مِن تَعَرُّضِهِ إلَيْهِ؛ لَمّا عَرَفَ بِالمَيْلِ إلى هَذا أنَّهُ إلى ما هو أشْهى مِنهُ؛ كالخَمْرِ؛ وما مَعَها أمْيَلُ.
5:95Page 123
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ هَدۡيَۢا بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ ٩٥
O you who have believed, do not kill game while you are in the state of iḥrām.1 And whoever of you kills it intentionally - the penalty is an equivalent from sacrificial animals to what he killed, as judged by two just men among you as an offering [to Allāh] delivered to the Kaʿbah, or an expiation: the feeding of needy people or the equivalent of that in fasting, that he may taste the consequence of his matter [i.e., deed]. Allāh has pardoned what is past; but whoever returns [to violation], then Allāh will take retribution from him. And Allāh is Exalted in Might and Owner of Retribution.2
ولَمّا أخْبَرَهم بِالِابْتِلاءِ؛ صَرَّحَ لَهم بِما لَوَّحَ إلَيْهِ؛ بِذِكْرِ المَخافَةِ مِن تَحْرِيمِ التَّعَرُّضِ لِما ابْتَلاهم بِهِ؛ فَقالَ - مُنَوِّهًا بِالوَصْفِ النّاهِي عَنِ الِاعْتِداءِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ وذَكَرَ القَتْلَ؛ الَّذِي هو أعَمُّ مِنَ الذَّبْحِ؛ إشارَةً إلى أنَّ الصَّيْدَ - لِما عِنْدَهُ مِنَ النَّفْرَةِ المانِعَةِ مِنَ التَّمَكُّنِ مِن ذَبْحِهِ - يُحْبَسُ بِأيِّ وجْهٍ كانَ مِن أنْواعِ القَتْلِ؛ فَقالَ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾؛ أيْ: لا تَصْطادُوا ما يَحِلُّ أكْلُهُ مِنَ الوَحْشِ؛ وأمّا غَيْرُ المَأْكُولِ فَيَحِلُّ قَتْلُهُ؛ فَإنَّهُ لا حَظَّ لِلنَّفْسِ في قَتْلِهِ إلّا الإراحَةُ مِن أذاهُ المُرادِ بِالفِسْقِ في قَوْلِهِ ﷺ: «”خَمْسٌ في الدَّوابِّ فَواسِقُ؛ لا جُناحَ عَلى مَن قَتَلَها في حِلٍّ ولا حَرَمٍ“؛ وذَكَرَ مِنهُنَّ السَّبُعَ العادِيَ؛» فَدَلَّ الحُكْمُ بِرَفْعِ الجُناحِ عَقِبَ الوَصْفِ بِالفِسْقِ (p-٣٠١)عَلى أنَّهُ عِلَّةُ الإباحَةِ؛ ولا مَعْنى لِفِسْقِها إلّا أذاها؛ ﴿وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾؛ أيْ: مَحْرُومُونَ؛ أوْ في الحَرَمِ.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - عالِمًا بِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُوافِقَ مُوافِقٌ؛ تَبَعًا لِأمْرِهِ؛ ويُخالِفَ مُخالِفٌ؛ مُوافَقَةً لِمُرادِهِ؛ شَرَعَ لِمَن خالَفَ كَفارَّةً؛ تَخْفِيفًا مِنهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ؛ ورَفْعًا لِما كانَ عَلى مَن كانَ مِن قَبْلِها مِنَ الآصارِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَمَنِ انْتَهى فَلَهُ عِنْدَ رَبِّهِ أجْرٌ عَظِيمٌ -: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾؛ أيْ: قاصِدًا لِلصَّيْدِ؛ ذاكِرًا لِلْإحْرامِ؛ إنْ كانَ مُحْرِمًا؛ والحَرَمِ؛ إنْ كانَ فِيهِ؛ عالِمًا بِالتَّحْرِيمِ؛ ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ العَمْدُ مُوجِبًا لِلْإثْمِ؛ والجَزاءِ؛ ومَتى اخْتَلَّ وصْفٌ مِنهُ كانَ خَطَأً مُوجِبًا لِلْجَزاءِ فَقَطْ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ عَفا عَنِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهم - العَمْدَ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِنُزُولِ الآيَةِ؛ كَما في آخِرِها؛ لَمْ يَذْكُرْهُ؛ واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الجَزاءِ فَقالَ: ﴿فَجَزاءُ﴾؛ أيْ: فَمُكافَأةُ؛ ﴿مِثْلُ ما قَتَلَ﴾؛ أيْ: أقْرَبُ الأشْياءِ بِهِ شَبَهًا في الصُّورَةِ؛ لا النَّوْعِ؛ ووَصَفَ الجَزاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾؛ لِما قَتَلَهُ عَلَيْهِ؛ أيْ: عَلَيْهِ أنْ يُكافِئَ ما قَتَلَهُ بِمِثْلِهِ؛ وهو مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ بِإضافَةِ“جَزاءُ”؛ إلى“مِثْلِ”؛ وأمّا عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ ويَعْقُوبَ بِتَنْوِينِ“جَزاءٌ”؛ ورَفْعِ“مِثْلُ”؛ فالأمْرُ واضِحٌ. (p-٣٠٢)ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: بِمَ تُعْرَفُ المُماثَلَةُ؟ قالَ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾؛ أيْ: بِالجَزاءِ؛ ولَمّا كانَتْ وُجُوهُ المُشابَهَةِ بَيْنَ الصَّيْدِ؛ وبَيْنَ النَّعَمِ كَثِيرَةٌ؛ احْتاجَ ذَلِكَ إلى زِيادَةِ التَّأمُّلِ؛ فَقالَ: ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: المُسْلِمِينَ؛ وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ ضَرْبانِ: ما حَكَمَتْ فِيهِ الصَّحابَةُ؛ وما لَمْ تَحْكم فِيهِ؛ فَما حَكَمَتْ فِيهِ لا يُعْدَلُ إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ حَكَمَ بِهِ عَدْلانِ؛ فَدَخَلَ تَحْتَ الآيَةِ؛ وهم أوْلى مِن غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهم شاهَدُوا التَّنْزِيلَ؛ وحَضَرُوا التَّأْوِيلَ؛ وما لَمْ يَحْكُمُوا بِهِ يُرْجَعُ فِيهِ إلى اجْتِهادِ عَدْلَيْنِ؛ فَيُنْظَرُ إلى الأجْناسِ الثَّلاثَةِ مِنَ الأنْعامِ؛ فَكُلُّ ما كانَ أقْرَبَ شَبَهًا بِهِ يُوجِبانِهِ؛ فَإنْ كانَ القَتْلُ خَطَأً جازَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ أحَدَ الحُكْمَيْنِ؛ وإنْ كانَ عَمْدًا فَلا؛ لِأنَّهُ يَفْسُقُ بِهِ.
ولَمّا كانَ هَذا المِثْلُ يُساقُ إلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ عَلى وجْهٍ الإكْرامِ والنُّسُكِ؛ رِفْقًا بِمَساكِينِها؛ قالَ - مُبَيِّنًا لِحالِهِ مِنَ الضَّمِيرِ في“بِهِ”-: ﴿هَدْيًا﴾؛ ولَمّا كانَ الهَدْيُ هو ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ؛ صَرَّحَ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾؛ أيْ: الحَرَمِ المَنسُوبِ إلَيْها؛ وإنَّما صَرَّحَ بِها زِيادَةً في التَّعْظِيمِ؛ وإعْلامًا بِأنَّها هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ بِالزِّيارَةِ؛ والعِمارَةِ؛ لِقِيامِ ما يَأْتِي ذِكْرُهُ؛ تُذْبَحُ الهَدْيُ بِمَكَّةَ المُشَرَّفَةِ؛ ويُتَصَدَّقُ بِهِ عَلى مَساكِينِ الحَرَمِ؛ والإضافَةُ لَفْظِيَّةٌ؛ لِأنَّ الوَصْفَ (p-٣٠٣)بِشِبْهِ“يَبْلُغُ”؛ فَلِذا وُصِفَ بِها النَّكِرَةُ.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - رَحِيمًا بِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ خَيَّرَها بَيْنَ ذَلِكَ؛ وبَيْنَ ما بَعْدُ؛ فَقالَ: ﴿أوْ﴾؛ عَلَيْهِ؛ ﴿كَفّارَةٌ﴾؛ هِيَ؛ ﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾؛ في الحَرَمِ؛ بِمِقْدارِ قِيمَةِ الهَدْيِ؛ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ؛ ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: قِيمَةُ المِثْلِ؛ ﴿صِيامًا﴾؛ في أيِّ مَوْضِعٍ تَيَسَّرَ لَهُ؛ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمٌ؛ فَـ“أوْ”لِلتَّخْيِيرِ؛ لِأنَّهُ الأصْلُ فِيها؛ والقَوْلُ بِأنَّها لِلتَّرْتِيبِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ.
ولَمّا كانَ الأمْرُ مَفْرُوضًا في المُتَعَمَّدِ؛ قالَ - مُعَلِّقًا بِالجَزاءِ؛ أيْ: فَعَلَيْهِ أنْ يُجازِيَ بِما يُنْقِصُ المالَ؛ أوْ يُؤْلِمُ الجِسْمَ -: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ﴾؛ أيْ: ثِقْلَ؛ ﴿أمْرِهِ﴾؛ وسُوءَ عاقِبَتِهِ؛ لِيَحْتَرِزَ عَنْ مِثْلِ ما وقَعَ فِيهِ؛ ولَمّا كانَ هَذا الجَزاءُ مَحْكُومًا بِهِ في دارِ العَمَلِ؛ الَّتِي لا يُطْلَعُ أهْلُها - بِمُجَرَّدِ عُقُولِهِمْ فِيها - عَلى غَيْبٍ؛ ولا يَعْرِفُونَ عاقِبَةَ أمْرٍ إلّا تَخَرُّصًا؛ طَرَدَ الحُكْمَ في غَيْرِ المُتَعَمَّدِ؛ لِئَلّا يَدَّعِيَ المُتَعَمِّدُ أنَّهُ مُخْطِئٌ؛ كُلُّ ذَلِكَ حِمًى لِحُرْمَةِ الدِّينِ؛ وصَوْنًا لِحُرْمَةِ الشَّرْعِ؛ وحِفْظًا لِجانِبِهِ؛ ورِعايَةً لِشَأْنِهِ؛ ولَمّا كانَ قَدْ مَضى مِنهم قَبْلَ نُزُولِها مِن هَذا النَّوْعِ أشْياءُ؛ كانُوا كَأنَّهم قالُوا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِما أسْلَفْنا؟ قالَ – جَوابًا -: ﴿عَمّا سَلَفَ﴾؛ أيْ: تَعَمُّدُهُ؛ أيْ: لَكم مِن ذَلِكَ؛ فَمَن (p-٣٠٤)حَفِظَ نَفْسَهُ بَعْدَ هَذا فازَ؛ ﴿ومَن عادَ﴾؛ إلى تَعَمُّدِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ ولَوْ قَلَّ؛ ولَمّا كانَ المُبْتَدَأُ مُتَضَمِّنًا مَعْنى الشَّرْطِ؛ قَرَنَ الخَبَرَ بِالفاءِ؛ إعْلامًا بِالسَّبَبِيَّةِ؛ فَقالَ: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿مِنهُ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ عَوْدِهِ؛ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الِانْتِقامِ.
ولَمّا كانَ فاعِلُ ذَلِكَ مُنْتَهِكًا لِحُرْمَةِ الإحْرامِ؛ والحَرَمِ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ:“فاللَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ"؛ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ ما اقْتَضاهُ المَقامُ مِنَ الإتْيانِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ ووَصْفِ العِزَّةِ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى؛ الَّذِي لا تُدانِي عَظَمَتَهُ عَظَمَةٌ؛ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ لا يُغْلَبُ؛ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾؛ مِمَّنْ خالَفَ أمْرَهُ.
5:96Page 124
أُحِلَّ لَكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِلسَّيَّارَةِۖ وَحُرِّمَ عَلَيۡكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمٗاۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩٦
Lawful to you is game from the sea and its food as provision for you and the travelers,1 but forbidden to you is game from the land as long as you are in the state of iḥrām. And fear Allāh to whom you will be gathered.
ولَمّا كانَ هَذا عامًّا في كُلِّ صَيْدٍ؛ بَيَّنَ أنَّهُ خاصٌّ بِصَيْدِ البَرِّ؛ فَقالَ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾؛ أيْ: اصْطِيادُهُ؛ أيْ: الَّذِي مَبْناهُ غالِبًا عَلى الحاجَةِ؛ والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ المِياهِ؛ مِنَ الأنْهارِ؛ والبِرَكِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿وطَعامُهُ﴾؛ أيْ: مَصِيدُهُ؛ طَرِيًّا؛ وقَدِيدًا؛ ولَوْ كانَ طافِيًا قَذَفَهُ البَحْرُ؛ وهو الحِيتانُ بِأنْواعِها؛ وكُلُّ ما لا يَعِيشُ في البَرِّ؛ وما أُكِلَ مِثْلُهُ في البَرِّ.
ولَمّا أحَلَّ ذَلِكَ ذَكَرَ عِلَّتَهُ؛ فَقالَ: ﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾؛ أيْ: إذا كُنْتُمْ مُسافِرِينَ؛ أوْ مُقِيمِينَ؛ ﴿ولِلسَّيّارَةِ﴾؛ أيْ: يَتَزَوَّدُونَهُ إلى حَيْثُ أرادُوا مِنَ البَرِّ؛ أوِ البَحْرِ؛ وفي تَحْلِيلِ صَيْدِ البَحْرِ حالَ الِابْتِلاءِ مِنَ النِّعْمَةِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ ما يُبَيِّنُ فَضْلَها عَلى مَن كانَ قَبْلَها مِمَّنْ جُعِلَ صَيْدُ البَحْرِ لَهُ مِحْنَةً يَوْمَ الِابْتِلاءِ؛ (p-٣٠٥)ولِلَّهِ الحَمْدُ؛ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِصَيْدِ البَحْرِ الفِعْلُ؛ لِأنَّ ثَمَّ أمْرَيْنِ: الِاصْطِيادُ؛ والأكْلُ؛ والمُرادُ بَيانُ حُكْمِهِما؛ فَكَأنَّهُ أحَلَّ اصْطِيادَ حَيَوانِ البَحْرِ؛ وأحَلَّ طَعامَ البَحْرِ مُطْلَقًا؛ ما اصْطادُوهُ؛ وما لَمْ يَصْطادُوهُ؛ سَواءٌ كانُوا مُسافِرِينَ؛ أوْ مُقِيمِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قَدَّمَ تَحْرِيمَ اصْطِيادِ ما في البَرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]؛ أتْبَعَهُ بَيانَ إحْلالِ اصْطِيادِ مَصِيدِ البَحْرِ؛ في حالِ تَحْرِيمِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ بَيانَ حُرْمَةِ مَصِيدِ البَرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾؛ أيْ: اصْطِيادُهُ وأكْلُ ما صِيدَ مِنهُ لَكُمْ؛ وهو ما لا عَيْشَ لَهُ إلّا فِيهِ؛ وما يَعِيشُ فِيهِ وفي البَحْرِ؛ فَإنْ صِيدَ لِلْحَلالِ حَلَّ لِلْمُحْرِمِ أكْلُهُ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ مَنسُوبٍ إلَيْهِ اصْطِيادُهُ بِالفِعْلِ؛ ولا بِالقُوَّةِ؛ ﴿ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾؛ لِأنَّ مَبْنى أمْرِهِ غالِبًا في الِاصْطِيادِ والأكْلِ؛ مِمّا صِيدَ عَلى التَّرَفِ والرَّفاهِيَةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا حُرْمَةُ اصْطِيادِ مَصِيدِ البَرِّ؛ وحُرْمَةُ الأكْلِ مِمّا صِيدَ مِنهُ؛ وتَكَرَّرَ ذَلِكَ بِتَكَرُّرِ الإحْرامِ في آيَةِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١]؛ وآيَةِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]؛ فَلا يُعارِضُهُ مَفْهُومُ ”ما دُمْتُمْ حُرُمًا“؛ وعَبَّرَ بِذَلِكَ لِيَكُونَ نَصًّا في الحُرْمَةِ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ وقْتِ الإحْرامِ إلى تَمامِ التَّحَلُّلِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ ولا يَسْقُطُ الجَزاءُ بِالخَطَإ؛ والجَهْلِ؛ كَسائِرِ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ.
ولَمّا كانَ الِاصْطِيادُ بِحَشْرِ المَصِيدِ إلى حَيْثُ يَعْجِزُ عَنِ الخَلاصِ (p-٣٠٦)مِنهُ؛ وكانَتْ حالَةُ الإحْرامِ أشْبَهَ شَيْءٍ بِحالَةِ الحَشْرِ؛ في التَّجَرُّدِ عَنِ المَخِيطِ؛ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا وتَمَتُّعاتِها؛ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ - عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: "فَلا تَأْكُلُوا شَيْئًا مِنهُ في حالِ إحْرامِكم -: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ في ذَلِكَ؛ وفي غَيْرِهِ؛ مِنَ الِاصْطِيادِ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ لِيَكُونَ العَرْضُ عَلَيْهِ نُصْبَ أعْيُنِكُمْ؛ فَتَكُونُوا مُواظِبِينَ عَلى طاعَتِهِ؛ مُحْتَرِزِينَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences