Al-Biqa'iAn‑Najm · 53:1–16

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

النجم

An-Najm

The Star · Meccan · 62 ayahs

53:1Page 526

وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ ١

By the star when it descends,

(p-٤٠)سُورَةُ النَّجْمِ

مَقْصُودُها ذَمُّ الهَوى لِإنْتاجِهِ الضَّلالَ والعَمى بِالإخْلادِ إلى الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الكُدُورِ والبَلاءِ، والتَّصَرُّمِ والفَناءِ، ومَدْحُ العِلْمِ لِإثْمارِهِ الهُدى في الإقْبالِ عَلى الأُخْرى لِأنَّها دارُ البَقاءِ في السَّعادَةِ أوِ الشَّقاءِ، والحَثُّ عَلى اتِّباعِ النَّبِيِّ (ﷺ) في نِذارَتِهِ الَّتِي بَيَّنَتْها سُورَةُ (ق) وصَدَقَتْها (الذّارِياتُ) وأوْقَعَتْها وعَيَّنَتْها (الطُّورُ) كَما تُتُبِّعَ في بِشارَتِهِ لِأنَّ عِلْمَهُ هو العِلْمُ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى لا في صَرِيحِ الكِنايَةِ ولا في بَيانِهِ لَهُ لِأنَّ الكُلَّ عَنِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ فَلا بُدَّ مِن بَعْثِ الخَلْقِ إلَيْهِ وحَشْرِهِمْ لَدَيْهِ لِتَظْهَرَ حِكْمَتُهُ غايَةَ الظُّهُورِ فَيَرْفَعُ أهْلَ التَّزَكِّي والظُّهُورِ، ويَضَعُ أهْلَ الفُجُورِ، ويَفْضَحُ كُلَّ مُتَحَلٍّ بِالزُّورِ، مُتَجَلٍّ لِلشُّرُورِ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ اسْمُها النَّجْمُ عَنْ تَأمُّلِ القَسَمِ والجَوابِ وما نُظِمَ بِهِ مِن نُجُومِ الكِتابِ (بِسْمِ اللَّهِ) الَّذِي أحاطَ بِصِفاتِ الكَمالِ فَلا يَكُونُ رَسُولُهُ إلّا مِن ذِي الكَمالِ (الرَّحْمَنِ) الَّذِي عَمَّ المَوْجُوداتِ بِصِفَةِ الجَمالِ (الرَّحِيمِ) الَّذِي خَصَّ أهْلَ وُدِّهِ بِالإنْقاذِ مِنَ الضَّلالِ والهِدايَةِ إلى ما يَرْضى مِنَ الخِلالِ وصالِحِ الأعْمالِ.

* *

ولَمّا خُتِمَتِ الطُّورُ بِأمْرِهِ ﷺ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ، وكانَ أمْرُهُ تَكْوِينًا لا تَكْلِيفًا، فَكانَ فاعِلًا لا مَحالَةَ، وذاكَ بَعْدَ تَقْسِيمِهِمُ القَوْلَ في النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ كاهِنٌ وساحِرٌ ومَجْنُونٌ، وكانَ (p-٤١)لِذَلِكَ تَعَلُّقٌ بِالشَّياطِينِ، وكانَتِ الشَّياطِينُ مُبايِنَةً لِلْقُرْآنِ بِخَتْلِها وبِمَنعِها بِالرُّجُومِ مِنَ النُّجُومِ كَما بَيَّنَ آخِرُ الشُّعَراءِ، افْتُتِحَتْ هَذِهِ بِالحَثِّ عَلى الِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ والِاسْتِدْلالِ بِدَلِّهِ واتِّباعِ أثَرِهِ، ولَمّا كانَ مِن ذَلِكَ تَسْبِيحُهُ بِالحَمْدِ في إدْبارِ النُّجُومِ أقْسَمَ أوَّلَ هَذِهِ بِالنَّجْمِ عَلى وجْهٍ أعَمَّ مِمّا في آخِرِ تِلْكَ فَعَبَّرَ بِعِبارَةٍ تُفْهِمُ عُرُوجَهُ وصُعُودَهُ لِأنَّهُ لا يَغِيبُ في الأُفُقِ الغَرْبِيِّ واحِدٌ مِنَ السَّيّارَةِ إلّا وطَلَعَ مِنَ الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ في نَظِيرٍ لَهُ مِنها لِما يَكُونُ عِنْدَ ذَلِكَ مِن تِلْكَ العِبارَةِ العالِيَةِ، والأذْكارِ الزّاكِيَةِ، مَعَ ما فِيهِ مِن عَجِيبِ الصُّنْعِ الدّالِّ عَلى وحْدانِيَّةِ مُبْدِعِهِ مِن زِينَةِ السَّماءِ الَّتِي فِيها ما تُوعَدُونَ والحِراسَةِ مِنَ المَرَدَةِ حِفْظًا لِنُجُومِ الكِتابِ والِاهْتِداءِ بِهِ في الدِّينِ والدُّنْيا، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي يَعْرِفُها الحُكَماءُ، فَقالَ تَعالى: ﴿والنَّجْمِ﴾ أيْ هَذا الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ أوِ القُرْآنِ لِنُزُولِهِ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا وهم يُسَمُّونَ التَّفْرِيقَ تَنْجِيمًا - أوِ النَّباتِ، قالَ البَغْوِيُّ: سُمِّيَ النَّجْمُ نَجْمًا لِطُلُوعِهِ وكُلُّ طالِعٍ نَجْمٌ.

﴿إذا هَوى﴾ أيْ نَزَلَ لِلْأُفُولِ أوْ لِرَجْمِ الشَّياطِينِ عِنْدَ الِاسْتِراقِ كَما رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما إنْ كانَ المُرادُ السَّمائِيَّ، فَكانَتْ عِنْدَهُ العِبادَةُ والِاسْتِغْفارُ والدُّعاءُ لِلْمَلِكِ الجَبّارِ بِالأسْحارِ، أوْ صَعِدَ فَكانَ بِهِ اهْتِداءُ المُصَلِّي والقارِئِ والسّارِي، فَإنَّهُ يُقالُ: هَوى هَوِيًّا - بِالفَتْحِ إذا سَقَطَ، وبِالضَّمِّ - إذا عَلا وصَعِدَ، أوْ نَزَلَ بِهِ المَلَكُ لِلْإصْعادِ ولِلْإبْعادِ إنْ كانَ المُرادُ القُرْآنِيَّ لِما يَحْصُلُ مِنَ البَرَكاتِ في الدِّينِ والدُّنْيا والشَّرْحِ (p-٤٢)لِلصُّدُورِ، والِاطِّلاعِ عَلى عَجائِبِ المَقْدُورِ، أوْ إذا سَقَطَ مُنْبَسِطًا عَلى الأرْضِ أوِ ارْتَفَعَ عَنْها إنْ كانَ المُرادُ النَّباتَ، لِما فِيهِ مِن غَرِيبِ الصَّنْعَةِ وجَلِيلِ التَّقْدِيرِ الدّالِّ عَلى عامِّ القُدْرَةِ وكَمالِ العِلْمِ والتَّوَحُّدِ بِالمُلْكِ والغِنى المُطْلَقِ.

53:2Page 526

مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ ٢

Your companion [i.e., Muḥammad] has not strayed, nor has he erred,

ولَمّا أقْسَمَ بِهَذا القَسَمِ الجَلِيلِ، أجابَهُ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِالماضِي نَفْيًا لِما كانُوا رَمَوْهُ بِهِ ولِيَسْهُلَ ما قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَيَكُونَ ما بَعْدَها بِطَرِيقِ الأوْلى: ﴿ما ضَلَّ﴾ أيْ عَدَلَ عَنْ سَواءِ المَحَجَّةِ المُوصِلَةِ إلى غايَةِ المَقْصُودِ أيْ أنَّهُ ما عَمِلَ عَمَلَ الضّالِّينَ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ فَمَتى تَقَوَّلَ القُرْآنَ عِنْدَهُ ولا عَمِلَ فِيهِ عَمَلَ المَجانِينِ ولا غَيْرِهِمْ مِمّا رَمَوْهُ بِهِ وأمّا ﴿ووَجَدَكَ ضالا﴾ [الضحى: ٧] فالمُرادُ غَيْرَ عالِمٍ، وعَبَّرَ بِالصُّحْبَةِ مَعَ كَوْنِها أدَلَّ عَلى القَصْدِ مُرَغِّبَةً لَهم فِيها ومُقْبِلَةً بِهِمْ إلَيْهِ ومُقَبِّحَةً عَلَيْهِمُ اتِّهامَهُ في إنْذارِهِ وهم يَعْرِفُونَ طِيبَ أعْرافِهِ وطَهارَةَ شَمائِلِهِ وأخْلاقِهِ فَقالَ: ﴿صاحِبُكُمْ﴾ أيْ في إنْذارِهِ لَكم في القِيامَةِ فَلا وجْهَ لَكم في اتِّهامِهِ.

ولَمّا كانَ الهُدى قَدْ يَصْحَبُهُ مَيْلٌ لا يُقَرِّبُ المَوْصُولَ إلى القَصْدِ وإنْ حَصَلَ بِهِ نَوْعُ خَلَلٍ في القُرْبِ أوْ نَحْوِهِ فَقَدْ يَكُونُ القَصْدُ مَعَ غَيْرِ صالِحٍ قالَ: ﴿وما غَوى﴾ وما مالَ أدْنى مَيْلٍ ولا كانَ مَقْصُودُهُ مِمّا يَسُوءُ فَإنَّهُ مَحْرُوسٌ مِن أسْبابِهِ الَّتِي هي غَوايَةُ الشَّياطِينِ وغَيْرِها، وقَدْ دَفَعَ سُبْحانَهُ عَنْ نَبِيِّنا ﷺ، وأمّا بَقِيَّةُ الأنْبِياءِ فَدَفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١] ﴿لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾ [الأعراف: ٦٧] ونَحْوُ ذَلِكَ - قالَهُ القُشَيْرِيُّ.

53:3Page 526

وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣

Nor does he speak from [his own] inclination.

ولَمّا كانَ قَدْ يَكُونُ مَعَ الهُدى مُصادَفَةً قالَ: ﴿وما يَنْطِقُ﴾ (p-٤٣)أيْ يُجاوِزُ نُطْقُهُ فَمَهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ لا في الحالِ ولا في الِاسْتِقْبالِ، نُطْقًا ناشِئًا ﴿عَنِ الهَوى﴾ أيْ مِن أمْرِهِ كالكُهّانِ الَّذِينَ يَغْلِبُ كَذِبُهم صِدْقَهم والشُّعَراءِ وغَيْرِهِمْ، وما تَقَوَّلَ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ.

53:4Page 526

إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤

It is not but a revelation revealed,

ولَمّا أكَّدَ سُبْحانَهُ في نَفْسِهِ ذَلِكَ عِنْدَ التَّأْكِيدِ تَنْزِيهًا لَهُ عَمّا نُسِبَ إلَيْهِ، فَكانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ السُّؤالِ عَنْ أصْلِ ما تَقَوَّلَهُ، أجابَ بِالحَصْرِ والآيَةِ أصْرَحَ وأدْفَعَ لِإنْكارِهِمُ البالِغِ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هُوَ﴾ أيِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ مِنَ القُرْآنِ وبَيانِهِ، وكُلِّ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ وأحْوالِهِ بَيانُهُ ﴿إلا وحْيٌ﴾ أيْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوحى﴾ أيْ يُجَدَّدُ إلَيْهِ إيحاؤُهُ مِنّا وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَجْتَهِدَ ﷺ، فَإذا اسْتَقَرَّ اجْتِهادُهُ عَلى شَيْءٍ أُوحِيَ إلَيْهِ أنَّكَ قَدْ أصَبْتَ الحَقَّ، مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ أذِنَ لَهُ في الِاجْتِهادِ بِالوَحْيِ مَعَ أنَّ مَن يَرُدُّ ما يَجْتَهِدُ فِيهِ إلى ما أُوحِيَ إلَيْهِ بَرِيءٌ مِنَ الهَوى.

وقالَ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ في بُرْهانِهِ: لَمّا قَطَعَ سُبْحانَهُ تَعْلِيقَهم بِقَوْلِهِ: ساحِرٌ وشاعِرٌ ومَجْنُونٌ - إلى ما هو بِهِ مِمّا عَلِمُوا أنَّهُ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ، ولَكِنْ شَأْنُ المُنْقَطِعِ المَبْهُوتِ أنْ يَسْتَرِيحَ إلى ما أمْكَنَهُ وإنْ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ، أعْقَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِقَسَمِهِ عَلى تَنْزِيهِ نَبِيِّهِ وصَفِيِّهِ مِن خَلْقِهِ عَمّا تَقَوَّلَهُ وتَوَهَّمَهُ الضُّعَفاءُ فَقالَ تَعالى: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١] ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢] ثُمَّ أتْبَعَ سُبْحانَهُ هَذا القَسَمَ بِبَسْطِ الحالِ في تَقْرِيبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإدْنائِهِ وتَلَقِّيهِ لِما يَتَلَقّاهُ مِن رَبِّهِ وعَظِيمِ مَنزِلَتِهِ لَدَيْهِ، وفي إبْداءِ ذَلِكَ يُحَرِّكُهم عَزَّ وجَلَّ ويُذَكِّرُهم ويُوَبِّخُهم عَلى سُوءِ نِكاياتِهِمْ بِلُطْفِ واسْتِدْعاءِ كَرِيمٍ (p-٤٤)مُنْعِمٍ فَقالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] والتَحَمَتِ الآيُ عَلى هَذِهِ الأغْراضِ إلى الإعْلامِ بِانْفِرادِهِ سُبْحانَهُ بِالإيجادِ والقَهْرِ والإعْزازِ والِانْتِقامِ، لا يُشارِكُهُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ غَيْرُهُ فَقالَ: ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] ولَمّا بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] أيْ في أيِّ نِعْمَةٍ تَشُكُّونَ أمْ بِأيِّ آيَةٍ تُكَذِّبُونَ؟ ثُمَّ قالَ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] وإذا كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. . . فَشَأْنُ مُكَذِّبِيهِ شَأْنُ مُكَذِّبِي غَيْرِهِ - انْتَهى.

53:5Page 526

عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ ٥

Taught to him by one intense in strength [i.e., Gabriel] -

ولَمّا كانَ الوَحْيُ ظاهِرًا فِيما بِواسِطَةِ المَلَكِ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى بَيانِ ذَلِكَ فَقالَ مُبَيِّنًا لَهُ بِأوْصافِهِ لِأنَّ ذَلِكَ أضْخَمُ في حَقِّهِ وأعْلى لِمِقْدارِهِ: ﴿عَلَّمَهُ﴾ أيْ صاحِبَكُمُ الوَحْيُ الَّذِي أتاكم بِهِ ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ أفَلا تَعْجَبُونَ مِن هَذِهِ البِحارِ الزّاخِرَةِ الَّتِي فاقَكم بِها وهو أُمِّيٌّ فَإنَّ مُعَلِّمَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هو بِها بِحَيْثُ يُنَفِّذُ كُلَّ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ

53:6Page 526

ذُو مِرَّةٖ فَٱسۡتَوَىٰ ٦

One of soundness.1 And he rose to [his] true form2

﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ جَزْمٍ في قُوَّةٍ وقُدْرَةٍ عَظِيمَةٍ عَلى الذَّهابِ فِيما أُمِرَ بِهِ والطّاقَةِ لِحَمْلِهِ في غَيْرِ آيَةِ النَّشاطِ والحِدَّةِ كَأنَّهُ ذُو مِزاجٍ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الحِدَّةُ فَهو صَعْبُ المِراسِ ماضٍ في مَراوَتِهِ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ عَلى غايَةٍ مِنَ الشِّدَّةِ لا تُوصَفُ لا التِفاتَ لَهُ بِوَجْهٍ إلى غَيْرِ ما أُمِرَ بِهِ، فَهو عَلى غايَةِ الخُلُوصِ فَهو مُجْتَمِعُ القُوى مُسْتَحْكِمُ الشَّأْنِ شَدِيدُ الشَّكِيمَةِ، لا بَيانَ في شَيْءٍ بِزَوالِهِ ومِن جُمْلَةِ ما أُعْطِيَ مِنَ القُوَّةِ والقُدْرَةِ عَلى التَّشَكُّلِ، وإلى ذَلِكَ كُلِّهِ أشارَ بِما سَبَّبَ عَنْ هَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَوى﴾ فاسْتَقامَ واعْتَدَلَ بِغايَةِ ما يَكُونُ (p-٤٥)مِن قُوَّتِهِ عَلى أكْمَلِ حالاتِهِ في الصُّورَةِ الَّتِي فُطِرَ عَلَيْها

53:7Page 526

وَهُوَ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٧

While he was in the higher [part of the] horizon.1

﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أيِ اسْتَوى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهُ ﴿بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ أيِ النّاحِيَةِ الَّتِي هي النِّهايَةُ في العُلُوِّ والفَضْلِ مِنَ السَّماواتِ مُناسِبَةً لِحالَةِ هَذا الِاسْتِواءِ، وذَلِكَ حِينَ رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ جالِسًا عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ.

53:8Page 526

ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ٨

Then he approached and descended

ولَمّا كانَ الدُّنُوُّ مِنَ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ - الَّتِي هي مُهَيِّئَةٌ لِتَلَقِّي الوَحْيِ - مِنَ العُلُوِّ والعَظَمَةِ بِحَيْثُ لا يُوصَفُ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ ذَلِكَ الِاسْتِواءِ العَظِيمِ ﴿دَنا﴾ أيْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنابِ الأقْدَسِ دُنُوَّ زِيادَةٍ في كَرامَةٍ لا دُنُوَّ مَسافَةٍ، وكُلُّ قُرْبٍ يَكُونُ مِنهُ سُبْحانَهُ فَهو مَعَ أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ المَسافَةِ يَكُونُ عَلى وجْهَيْنِ: قُرْبٍ إلى كُلِّ مَوْجُودٍ مِن نَفْسِهِ، وقُرْبِ وِلايَةٍ حَتّى يَكُونَ سَمْعَ المَوْجُودِ وبَصَرَهُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ إلّا ما يَرْضاهُ - أشارَ إلَيْهِ ابْنُ بُرْجانَ، فَأخَذَ الوَحْيَ الَّذِي أذِنَ لَهُ في أخْذِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿فَتَدَلّى﴾ عَقِبَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ رَسُولًا إلى صاحِبِكم أيْ أُنْزِلَ إلَيْهِ نُزُولًا هو فِيهِ كالمُتَدَلِّي إلَيْهِ بِحَبْلٍ فَوَصَلَ إلَيْهِ ولَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ مَحَلِّهِ مِنَ الأُفُقِ الأعْلى لِما لَهُ مِنَ القُوَّةِ والِاسْتِحْكامِ، قالَ البَيْضاوِيُّ: فَإنَّ التَّدَلِّيَ هو اسْتِرْسالٌ مَعَ تَعَلُّقٍ كَتَدَلِّي الثَّمَرَةِ

53:9Page 526

فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ ٩

And was at a distance of two bow lengths or nearer.

﴿فَكانَ﴾ في القُرْبِ مِن صاحِبِكم في رَأْيِ مَن يَراهُ مِنكم ﴿قابَ﴾ أيْ عَلى مَسافَةِ قَدْرِ ﴿قَوْسَيْنِ﴾ مِن قِسِيِّكُمْ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: أيْ بِحَيْثُ الوَتَرُ في القَوْسِ مَرَّتَيْنِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-٤٦)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: القَوْسُ الذِّراعُ بِلُغَةِ أزْدِ شَنُوءَةٍ، وقالَ ابْنُ بُرْجانَ: قابُ القَوْسَيْنِ: ما بَيْنَ السِّيـَيْنِ، وقِيلَ: ما بَيْنَ القَبْضَةِ والوَتَرِ ﴿أوْ أدْنى﴾ بِمَعْنى أنَّ النّاظِرَ مِنكم لَوْ رَآهُ لَتَرَدَّدَ وقالَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ ما يُرى لَهُ مِنَ القُرْبِ مِنهُ ﷺ، رَوى مُسْلِمٌ في الإيمانِ مِن صَحِيحِهِ «عَنِ الشَّيْبانِيِّ قالَ: ”سَألْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ﴾ فَقالَ: أخْبَرَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ“»

53:10Page 526

فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ ١٠

And he revealed to His Servant1 what he revealed [i.e., conveyed].

﴿فَأوْحى﴾ أيْ ألْقى سِرًّا مِن كَلامِ اللَّهِ بِسَبَبِ هَذا القُرْبِ، وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى عَبْدِهِ﴾ أيْ عَبْدِ اللَّهِ، وإضْمارُهُ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ صَرِيحًا لِما هو مَعْلُومٌ مِمّا تَقَدَّمَ في آخِرِ الشُّورى أنَّ كَلامَ اللَّهِ يَكُونُ وحْيًا بِواسِطَةِ رَسُولٍ يُوحِي بِإذْنِهِ سُبْحانَهُ، والمَقامُ يُناسِبُ الإضْمارَ لِأنَّ الكَلامَ هو الوَحْيُ الخَفِيُّ، وعَبَّرَ بِالبُعْدِ إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ لِيَسْتَحِقَّ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ غَيْرُهُ لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَبَّدْ قَطُّ لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ، وكُلُّ مَن عاداهُ حَصَلَ مِنهم تَعَبُّدٌ لِغَيْرِهِ في الجُمْلَةِ، فَكانَ أحَقَّ الخَلْقِ بِهَذا الوَصْفِ مَعَ أنَّهُ كانَ يَتَعَبَّدُ لِلَّهِ في غارِ حِراءٍ وغَيْرِهِ، وهَذِهِ المَنزِلَةُ - واللَّهُ أعْلَمُ - كانَتْ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ في أوَّلِ الوَحْيِ لَمّا كانَ بِحِراءٍ وفَرَقَ مِنهُ ﷺ فَرَجَعَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ، وقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. وأشارَ إلى عَظَمَةِ ما أُنْزِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما أوْحى﴾ أيْ إنَّهُ يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ فَأجْمَلَ لَهُ ما فَصَّلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، هَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن تَفْسِيرٍ لِضَمائِرِ مَظاهِرِ العِبارَةِ وإنْ كانَ الإضْمارُ في جَمِيعِ الأفْعالِ لا يَخْلُو عَنِ التِباسٍ (p-٤٧)وإشْكالٍ، ويُمْكِنُ لِأجْلِ احْتِمالِ الضَّمائِرِ لِما يُناسِبُها مِنَ الظَّواهِرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”دَنا“ وما بَعْدَهُ لِلَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ في ”عَبْدِهِ“ واضِحًا كَما تَقَدَّمَ في هَذا الوَجْهِ جَعَلَهُ لَهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ، رَوى البُخارِيُّ في التَّوْحِيدِ في بابِ ”﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]“ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قِصَّةِ الإسْراءِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَسْجِدِ الكَعْبَةِ «أنَّهُ جاءَهُ ثَلاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ وهو نائِمٌ في المَسْجِدِ الحَرامِ فَقالَ أوَّلُهُمْ”: أيُّهم هُوَ؟ فَقالَ أوْسَطُهُمْ: هو خَيْرُهُمْ، فَقالَ آخِرُهُمْ: خُذُوا خَيْرَهُمْ، وكانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ، فَلَمْ يَرَهم حَتّى أتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرى فِيما يَرى قَلْبُهُ وتَنامُ عَيْنُهُ ولا يَنامُ قَلْبُهُ، وكَذَلِكَ الأنْبِياءُ تَنامُ أعْيُنُهم ولا تَنامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتّى احْتَمَلُوهُ فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلّاهُ مِنهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَشَقَّ جِبْرِيلُ ما بَيْنَ نَحْرِهِ إلى لَبَّتِهِ حَتّى فَرَغَ مِن صَدْرِهِ وجَوْفِهِ فَغَسَلَهُ مِن ماءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ حَتّى أنْقى جَوْفَهُ ثُمَّ أتى بِطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ فِيهِ نُورٌ مِن ذَهَبٍ مَحْشُوًّا إيمانًا وحِكْمَةً فَحَشا بِهِ صَدْرَهُ ولَغادِيدَهُ - يَعْنِي عُرُوقَ حَلْقِهِ، ثُمَّ أطْبَقَهُ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَضَرَبَ بابًا مِن أبْوابِها فَناداهُ أهْلُ السَّماءِ: مَن هَذا؟ فَقالَ: جِبْرَئِيلُ، قالُوا: ومَن مَعَكَ، قالَ: مَعِي مُحَمَّدٌ، قالُوا: وبُعِثَ إلَيْهِ، قالَ: نَعَمْ، قالُوا: فَمَرْحَبًا بِهِ (p-٤٨)وأهْلًا - ثُمَّ ذَكَرَ عُرُوجَهُ إلى السَّماواتِ السَّبْعِ، وأنَّهُ لَمّا وصَلَ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ عَلا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ حَتّى جاءَ سِدْرَةَ المُنْتَهى، ودَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى مِنهُ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، فَأوْحى إلَيْهِ فِيما يُوحِي اللَّهُ إلَيْهِ خَمْسِينَ صَلاةً - فَذَكَرَ مَشُورَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في سُؤالِ التَّخْفِيفِ حَتّى صارَتْ خَمْسًا كُلُّ واحِدَةٍ بِعَشْرَةٍ، ودَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ في هَذا الوَجْهِ وهو رَبُّ العِزَّةِ»“وهُوَ في غايَةِ الحُسْنِ إذا جَمَعْتَهُ مَعَ ما يَأْتِي في هَذا الوَجْهِ المَنقُولِ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهُ ﷺ لَمّا اسْتَوى بِالأُفُقِ الأعْلى فَوَصَلَ إلى حَدٍّ لا يُمْكِنُ المَخْلُوقُ الصُّعُودَ عَنْهُ تَنَزَّلَ لَهُ الخالِقُ سُبْحانَهُ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ بِـ ”ثُمَّ“ يَعْنِي أنَّهُ سُبْحانَهُ تَنَزَّلَ لَهُ تَنَزُّلًا لا يُمْكِنُ الِاطِّلاعُ عَلى كُنْهِ رُتْبَتِهِ في العُلُوِّ والعَظَمَةِ، ثُمَّ نَزَلَ ثُمَّ تَنَزَّلَ.

ولَمّا كانَتِ العِبارَةُ رُبَّما أوْهَمَتْ شَيْئًا لا يَلِيقُ بِهِ نَفاهُ ﷺ بِما في الرِّوايَةِ مِن تَخْصِيصِ التَّعْبِيرِ بِاسْمِ الجَبّارِ فَعُلِمَ أنَّهُ قَرَّبَهُ تَقْرِيبًا يَلِيقُ بِهِ، وسَمّى ذَلِكَ دُنُوًّا فَكانَ الدُّنُوُّ والتَّدَلِّي تَمْثِيلًا لِما وصَلَ مِنهُ سُبْحانَهُ إلى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِغايَةِ السُّهُولَةِ واليُسْرِ واللَّطافَةِ مَعَ اتِّصالِهِ بِالحَضَراتِ القُدْسِيَّةِ، والتَّعْبِيرُ بِالتَّدَلِّي لِإفْهامِ العُلُوِّ مِثْلَ ما كَنّى بِالنُّزُولِ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا عَنْ إجابَةِ الدُّعاءِ بِفَتْحِ أبْوابِ (p-٤٩)السَّماءِ كَما رَوَيْناهُ في جُزْءِ العَيْشِيِّ مِن حَدِيثِ عُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَمْثِيلًا بِما نَعْرِفُهُ مِن حالِ المُلُوكِ في أنَّ أحَدَهم يَكُونُ نُزُولُهُ عَنْ سَرِيرِهِ أدْنى في إتْيانِ خَواصِّهِ إلَيْهِ، وفَتْحُ بابِهِ أدْنى لِمَن يَلِيهِمْ، وكُلَّما نَزَلَ دَرَجَةً كانَ الإذْنُ أعَمَّ إلى أنْ يَصِلَ إلى الإذْنِ العامِّ لِجَمِيعِ النّاسِ، هَذا عِلْمُ المُخاطَبِينَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ بِمَن يَحْتاجُ إلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ، وأمّا مَن هو غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَهُ سُبْحانَهُ المَثَلُ الأعْلى ولا يُشْبِهُ شَيْئًا، ولا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، وفي ”قُرْآنِ الفَجْرِ“ مِن سُورَةِ سُبْحانَ لِهَذا مَزِيدُ بَيانٍ، وقالَ القاضِي عِياضٌ في الشِّفاءِ ما حاصِلُهُ أنَّ تِلْكَ الضَّمائِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: قالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ - يَعْنِي الصّادِقَ بْنَ الباقِرِ: ”أدْناهُ رَبُّهُ حَتّى كانَ مِنهُ كَقابِ قَوْسَيْنِ“، وقالَ أيْضًا: انْقَطَعَتِ الكَيْفِيَّةُ عَنِ الدُّنُوِّ، ألا تَرى كَيْفَ حَجَبَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ دُنُوِّهِ ودَنا مُحَمَّدٌ ﷺ إلى ما أوْدَعَ قَلْبَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ والإيمانِ فَتَدَلّى بِسُكُونِ قَلْبِهِ إلى ما أدْناهُ وزالَ عَنْ قَلْبِهِ الشَّكُّ والِارْتِيابُ، وقالَ جَعْفَرُ أيْضًا: والدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا حَدَّ لَهُ، ومِنَ العِبادِ بِالحُدُودِ - انْتَهى.

وحِينَئِذٍ يَكُونُ ضَمِيرُ ”اسْتَوى“ لَهُ ﷺ، ويَكُونُ المَعْنى: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَعْلِيمِ جِبْرِيلَ لَهُ اسْتِواؤُهُ - أيِ اعْتِدالُ عِلْمِهِ - إلى غايَةٍ لَمْ يَصِلْها غَيْرُهُ مِنَ الخَلْقِ عِلْمًا وكَسْبًا بِالمُلْكِ والمَلَكُوتِ والحالُ أنَّهُ بِالأُفُقِ الأعْلى لَيْلَةَ الإسْراءِ، وتَدَلِّيهِ كِنايَةٌ عَنْ وُصُولِهِ بِسَبَبٍ عَظِيمٍ حامِلٍ السَّبَبَ لِلْمُتَدَلِّي، وعَبَّرَ بِهِ وهو ظاهِرٌ في النُّزُولِ مِن عُلُوٍّ مَعَ عَدَمِ الِانْفِصالِ مِنهُ لِئَلّا يُوهِمَ اخْتِصاصَ (p-٥٠)جِهَةِ العُلُوِّ بِهِ سُبْحانَهُ دُونَ بَقِيَّةِ الجِهاتِ، ومِنهُ «”أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ» وكَذا قِيلَ في الإشارَةِ بِـ «لا تُفَضِّلُونِي عَلى يُونُسَ بْنِ مَتّى» ومِنَ المَحاسِنِ جِدًّا أنْ تَكُونَ ألِفُ“ تَدَلّى " المُنْقَلِبَةُ عَنْ ياءٍ في هَذا الوَجْهِ بَدَلًا مِن لامٍ فَيَكُونَ مِنَ التَّدَلُّلِ وهو الِانْبِساطُ وُثُوقًا بِالمَحَبَّةِ، يُقالُ: تَدَلَّلَ عَلَيْهِ، أيِ انْبَسَطَ ووَثِقَ بِمَحَبَّتِهِ فَأفْرَطَ عَلَيْهِ، وانْبِساطُهُ ﷺ في تِلْكَ الحالَةِ إفْراطُ كَثْرَةِ سُؤالِهِ، وشَفاعَتُهُ في أُمَّتِهِ، وبِذَلِكَ ظَهَرَ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ أنَّهُ أرْحَمُ الخَلْقِ كَما كانَ مَعْلُومًا إلى عالَمِ الغَيْبِ، فَتَسَبَّبَ عَنْهُ زِيادَةُ تَقْرِيبِهِ حَتّى كانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، وإبْرازُ هَذا الكَلامِ في هَذِهِ الضَّمائِرِ المُتَحَمِّلَةِ لِهَذِهِ الوُجُوهِ مِن غَيْرِ ظاهِرٍ يُعَيِّنُ المُرادَ يُناسِبُ لِتِلْكَ الحالَةِ، فَإنَّها كانَتْ حالَةَ غَيْبٍ وخَفاءٍ وسَتْرٍ، وكانَ العِلْمُ فِيها واسِعًا، وسَوْقُ الضَّمائِرِ هَكَذا يُكْثِرُ احْتِمالَ الكَلامِ لِلْوُجُوهِ، فَيَتَّسِعُ العِلْمُ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ فِيها وجْهٌ يُؤَدِّي إلى لَبْسٍ في الدِّينِ ولا رَكاكَةٍ في مَعْنًى ولا نَظْمٍ ولا مَجالٍ لِلْعِلْمِ - واللَّهُ أعْلَمُ.

53:11Page 526

مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ ١١

The heart1 did not lie [about] what it saw.

ولَمّا أثْبَتَ هَذا الكَلامُ ما أثْبَتَ مِنَ القُرْبِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّنْ أوْحى إلَيْهِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، قَرَّرَهُ عَلى وجْهٍ أفادَ الرُّؤْيَةَ فَقالَ: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ﴾ أيِ القَلْبُ الَّذِي هو في غايَةِ الذَّكاءِ والِاتِّقادِ ﴿ما رَأى﴾ البَصَرُ أيْ حِينَ رُؤْيَةِ البَصَرِ كانَ القَلْبُ، لا أنَّها رُؤْيَةُ بَصَرٍ فَقَطْ تُمْكِنُ فِيها - لِلْخُلُوِّ - عَنْ حُضُورِ القَلْبِ - النِّسْبَةُ إلى الغَلَطِ، وقالَ القُشَيْرِيُّ ما مَعْناهُ: ما كَذَبَ فُؤادُ مُحَمَّدٍ ﷺ ما رَآهُ بَصَرُهُ، بَلْ (p-٥١)رَآهُ عَلى الوَصْفِ الَّذِي عَلِمَهُ قَبْلَ أنْ رَآهُ فَكانَ عِلْمُهُ حَقَّ اليَقِينِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ”هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ قالَ: نُورٌ أنّى أراهُ“،» وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا”«عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّهُ قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها لَمّا أنْكَرَتِ الرُّؤْيَةَ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى“ ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] ”و“ ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ [النجم: ١٣] ”فَقالَتْ: أنا أوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَألَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ:“إنَّما هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمْ أرَهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها غَيْرَ هاتَيْنِ المَرَّتَيْنِ، رَأيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّماءِ سادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ» قالَ البَغْوِيُّ: وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ رَآهُ فَقالَ بَعْضُهُمْ: جَعَلَ بَصَرَهُ في فُؤادِهِ، ثُمَّ رُوِيَ مِن صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: «رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ» وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ وهو قَوْلُ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ ابْنُ بُرْجانَ ما مَعْناهُ: إنَّ النَّوْمَ والصَّعْقَ مِن آياتِ اللَّهِ عَلى لِقاءِ اللَّهِ وهي مُقَدِّماتٌ لِذَلِكَ، ولِكُلِّ حَقِيقَةٍ حَقٌّ يَتَقَدَّمُها كَأشْراطِ السّاعَةِ، والإسْراءِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَوْتًا ولا صَعْقًا ولا نَوْمًا عَلى أظْهَرِ الوُجُوهِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مُشاهَداتِ الدُّنْيا إلى مُشاهَداتِ الأُفُقِ الأعْلى فَلا تُنْكَرُ الرُّؤْيَةُ هُنالِكَ، فالإسْراءُ حالَةٌ غَيْرُ حالَةِ الدُّنْيا، بَلْ هي مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وعالَمِ الغَيْبِ - واللَّهُ الهادِي.

53:12Page 526

أَفَتُمَٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ ١٢

So will you dispute with him over what he saw?

ولَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ غايَةَ التَّقَرُّرِ، وكانَ مَوْضِعَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، قالَ (p-٥٢)مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿أفَتُمارُونَهُ﴾ أيْ تَسْتَخْرِجُونَ مِنهُ بِجِدالِكم لَهُ فِيما أخْبَرَكم بِهِ شَكًّا فِيهِ ولا شَكَّ فِيهِ، وعَبَّرَ بِالمُفاعَلَةِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ عَنْ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ويَعْقُوبَ إشارَةً إلى اجْتِهادِهِمْ في تَشْكِيكِهِ، مِن مَرى الشَّيْءَ: اسْتَخْرَجَهُ، ومَرى النّاقَةَ: مَسَحَ ضَرْعَها، فَأمْرى: دَرَّ لَبَنُها، والمِرْيَةُ بِالكَسْرِ والضَّمِّ: الشَّكُّ والجَدَلُ ﴿عَلى ما يَرى﴾ عَلى صِفَةِ مُطابَقَةِ القَلْبِ والبَصَرِ، وذَلِكَ مِمّا لَمْ تَجْرِ العادَةُ بِدُخُولِ الشَّكِّ فِيهِ ولا قَبُولِهِ لِلْجِدالِ، وزادَ الأمْرَ وُضُوحًا بِتَصْوِيرِ الحالِ الماضِيَةِ بِالتَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ إشارَةً إلى أنَّهُ كَما لَمْ يَهِمْ لَمْ يَلْبِسِ الأمْرُ عَلَيْهِ، بَلْ كَأنَّهُ الآنَ يَنْظُرُ.

53:13Page 526

وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ ١٣

And he certainly saw him in another descent1

ولَمّا كانَ الشَّيْءُ أقْوى ما يَكُونُ إذا حَسُرَ البَصَرُ، فَإذا وافَقَهُ كَوْنُ القَلْبِ في غايَةِ الحُضُورِ كانَ أمْكَنَ، فَإذا تَكَرَّرَ انْقَطَعَتِ الأطْماعُ عَنِ التَّعَلُّقِ بِالمُجادَلَةِ مِنهُ، قالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ﴾ أيِ اللَّهَ تَعالى أوْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، رَوى مُسْلِمٌ في الإيمانِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم: ١١] ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ قالَ: ”رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ“» وجَعَلَ ابْنُ بُرْجانَ الإسْراءَ مَرَّتَيْنِ: الأُولى بِالفُؤادِ مُقَدَّمَةً وهَذِهِ بِالعَيْنِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا بِتَنَزُّلٍ يَقْطَعُ مَسافاتِ البُعْدِ الَّتِي هي الحُجُبُ لِيَصِيرَ بِهِ بِحَيْثُ يَراهُ البَشَرُ، عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿نَـزْلَةً﴾ وانْتَصَبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ الفَعْلَةَ بِمَعْنى المَرَّةِ ﴿أُخْرى﴾ أيْ لِيَكْمُلَ لَهُ الأمْرُ مَرَّةً في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ وأُخْرى في المَحَلِّ الأنْزَهِ الأعْلى، وعَيَّنَ الوَقْتَ بِتَعَيُّنِ (p-٥٣)المَكانِ فَقالَ:

53:14Page 526

عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ ١٤

At the Lote Tree of the Utmost Boundary -

﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ أيِ الشَّجَرَةِ الَّتِي هي كالسِّدْرِ ويَنْتَهِي إلَيْها عِلْمُ الخَلائِقِ ويَنْتَهِي إلَيْها ما يَعْرُجُ مِن تَحْتٍ وما يَنْزِلُ مِن فَوْقٍ، فَيَتَلَقّى هُنالِكَ، وذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - لَيْلَةَ الإسْراءِ في السَّنَةِ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِقَلِيلٍ بَعْدَ التَّرَقِّي في مِعْراجِ الكَمالاتِ مِنَ السِّنِينَ عَلى عَدَدِ السَّماواتِ وما بَيْنَهُما مِنَ المَسافاتِ، فانْتَهى إلى مُنْتَهًى يُسْمَعُ فِيهِ صَرِيفُ الأقْلامِ، وعَظَّمَها بِقَوْلِهِ:

53:15Page 526

عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰٓ ١٥

Near it is the Garden of Refuge [i.e., Paradise] -

﴿عِنْدَها﴾ أيِ السِّدْرَةِ ﴿جَنَّةُ المَأْوى﴾ الَّذِي لا مَأْوى في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ لِأنَّهُ لا يُوازى في عِظَمِهِ، وزادَ في تَعْظِيمِها بِقَوْلِهِ:

53:16Page 526

إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ ١٦

When there covered the Lote Tree that which covered [it].1

﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ أيْ يُغَطِّيها ويَرْكَبُها وتُثْمِرُهُ؟ مِن فِراشِ الذَّهَبِ والرَّفْرَفِ الأخْضَرِ والمَلائِكَةِ والنَّبْقِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَإنَّ الغَشْوَ النَّبْقُ ﴿ما يَغْشى﴾ لا تَحْتَمِلُونَ وصْفَهُ وهو بِحَيْثُ يَكادُ أنْ لا يُحْصى، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ في الحَدِيثِ: «وغَشِيَها، ألا وإنِّي لا أدْرِي ما هي فَلَيْسَ أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَنْعَتَها» أوْ كَما قالَ ﷺ، وأكَّدَ الرُّؤْيَةَ وقَرَّرَها مُسْتَأْنِفًا بِقَوْلِهِ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском