Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
An-Najm 53:17–31
53:17Page 526
مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ١٧
The sight [of the Prophet (ﷺ)] did not swerve, nor did it transgress [its limit].
﴿ما زاغَ﴾ أيْ ما مالَ أدْنى مَيْلٍ ﴿البَصَرُ﴾ أيِ الَّذِي لا بَصَرَ لِمَخْلُوقٍ أكْمَلُ مِنهُ، فَما قَصَّرَ عَنِ النَّظَرِ فِيما أُذِنَ لَهُ فِيهِ ولا زادَ ﴿وما طَغى﴾ أيْ تَجاوَزَ الحَدَّ إلى ما لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ العالَمَ غَرِيبٌ عَنْ بَنِي آدَمَ، وفِيهِ مِنَ العَجائِبِ ما يُحَيِّرُ النّاظِرَ، بَلْ كانَتْ لَهُ العِفَّةُ الصّادِقَةُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ الشَّرَهِ والزَّهادَةِ عَلى أتَمِّ قَوانِينِ العَدْلِ، فَأثْبَتَ ما رَآهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، وكَما قالَ السُّهْرَوَرْدِيُّ في أوَّلِ البابِ الثّانِي والثَّلاثِينَ مِن عَوارِفِهِ: وأخْبَرَ تَعالى بِحُسْنِ أدَبِهِ في الحَضْرَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ غامِضَةٌ مِن (p-٥٤)غَوامِضِ الأدَبِ، اخْتُصَّ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
53:18Page 526
لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ ١٨
He certainly saw of the greatest signs of his Lord.
ولَمّا كانُوا قَدْ أنْكَرُوا الإسْراءَ إنْكارًا لَمْ يَقَعْ لَهم في غَيْرِهِ مِثْلُهُ، زادَ في تَأْكِيدِهِ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهُ فَقالَ: ﴿لَقَدْ رَأى﴾ أيْ أبْصَرَ بِسَبَبِ ما أهَّلْناهُ لَهُ مِنَ الرِّسالَةِ إبْصارًا سارِيًا إلى البَواطِنِ غَيْرَ مُقْتَصِرٍ عَلى الظَّواهِرِ ﴿مِن آياتِ رَبِّهِ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ بِما لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ أحَدٌ قَبْلَهُ ولا يَصِلْ إلَيْهِ أحَدٌ بَعْدَهُ، ومَنِ ادَّعى ذَلِكَ فَهو كافِرٌ ﴿الكُبْرى﴾ مِن ذَلِكَ ما رَآهُ في السَّماواتِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إشارَةً بِكُلِّ شَيْءٍ إلى أمْرٍ دَقِيقٍ جَلِيلٍ وحالَةٍ شَرِيفَةٍ، وقالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأنِفِ: والَّذِي أقُولُ في هَذا أنَّ مَأْخَذَ فَهْمِهِ مِن عِلْمِ التَّعْبِيرِ، فَإنَّهُ مِن عِلْمِ النُّبُوَّةِ، وأهْلُ التَّعْبِيرِ يَقُولُونَ: مَن رَأى نَبِيًّا بِعَيْنِهِ في المَنامِ فَإنَّ رُؤْياهُ تُؤْذِنُ بِما يُشْبِهُ مِن حالِ ذَلِكَ النَّبِيِّ في شِدَّةٍ أوْ رَخاءٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أُخْبِرَ بِها عَنِ الأنْبِياءِ في القُرْآنِ والحَدِيثِ، وحَدِيثُ الإسْراءِ كانَ بِمَكَّةَ، ومَكَّةُ حَرَمُ اللَّهِ وأمْنُهُ، وقُطّانُها جِيرانُ اللَّهِ لِأنَّ فِيها بَيْتَهُ، فَأوَّلُ مَن رَأى ﷺ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي كانَ في أمْنِ اللَّهِ وجِوارِهِ، فَأخْرَجَهُ إبْلِيسُ عَدُوُّهُ مِنها، وهَذِهِ القِصَّةُ تُشْبِهُها الحالَةُ الأُولى مِن أحْوالِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أخْرَجَهُ أعْداؤُهُ مِن حَرَمِ اللَّهِ وجِوارِ بَيْتِهِ، فَكَرَبَهُ ذَلِكَ وغَمَّهُ فَأشْبَهَتْ قِصَّتُهُ في هَذا (p-٥٥)قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّ آدَمَ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أرْواحُ ذُرِّيَّتِهِ البَرِّ والفاجِرِ مِنهُمْ، فَكانَ في السَّماءِ الدُّنْيا بِحَيْثُ يَرى الفَرِيقَيْنِ لِأنَّ أرْواحَ أهْلِ الشَّقاءِ لا تَلِجُ في السَّماءِ ولا تُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ رَأى في الثّانِيَةِ عِيسى ويَحْيى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وهُما المُمْتَحَنانِ بِاليَهُودِ، أمّا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَذَّبَتْهُ اليَهُودُ وآذَتْهُ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ فَرَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وأمّا يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَتَلُوهُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ انْتِقالِهِ إلى المَدِينَةِ صارَ إلى حالَةٍ ثانِيَةٍ مِنَ الِامْتِحانِ، وكانَتْ مِحْنَتُهُ فِيها بِاليَهُودِ آذَوْهُ وظاهَرُوا عَلَيْهِ وهَمُّوا بِإلْقاءِ الصَّخْرَةِ عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ فَنَجّاهُ اللَّهُ كَما نَجّى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُمْ، ثُمَّ سَمُّوهُ في الشّاةِ ولَمْ تَزَلْ تِلْكَ الأكْلَةُ تُعاوِدُهُ حَتّى قَطَعَتْ أبْهَرَهُ كَما قالَ عِنْدَ المَوْتِ وهَكَذا فَعَلُوا بِابْنَيِ الخالَةِ يَحْيى وعِيسى لِأنَّ أُمَّ يَحْيى أشْياعَ بِنْتَ عِمْرانَ أُخْتُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ أُمُّهُما جَنَّةُ، وأمّا لِقاؤُهُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في السَّماءِ الثّالِثَةِ فَإنَّهُ يُؤْذِنُ بِحالَةٍ ثالِثَةٍ تُشْبِهُ حالَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ ظَفِرَ بِإخْوَتِهِ مِن بَعْدِ ما أخْرَجُوهُ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ فَصَفَحَ عَنْهم وقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] الآيَةُ، وكَذَلِكَ نَبِيُّنا ﷺ أسَرَ يَوْمَ بَدْرٍ جُمْلَةً مِن أقارِبِهِ الَّذِينَ أخْرَجُوهُ فِيهِمْ عَمُّهُ العَبّاسُ وابْنُ عَمِّهِ عَقِيلٌ فَمِنهم مَن أطْلَقَ، ومِنهم مَن قَبِلَ أفْدِيَتَهُ، (p-٥٦)ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ عامَ الفَتْحِ فَجَمَعَهم فَقالَ لَهُمْ: «"أقُولُ ما قالَ أخِي يُوسُفُ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢]» ثُمَّ لِقاؤُهُ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ في السَّماءِ الرّابِعَةِ وهو المَكانُ الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ مَكانًا عَلِيًّا، وإدْرِيسُ أوَّلُ مَن آتاهُ اللَّهُ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ ذَلِكَ مُؤْذِنًا بِالحالَةِ الرّابِعَةِ وهو عُلُوُّ شَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أخافَ المُلُوكَ وكَتَبَ إلَيْهِمْ يَدْعُوهم إلى طاعَتِهِ حَتّى قالَ أبُو سُفْيانَ وهو عِنْدَ مَلِكِ الرُّومِ حِينَ جاءَ كُتّابُ النَّبِيِّ ﷺ ورَأى ما رَأى مِن خَوْفِ هِرَقْلَ: لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ حَتّى أصْبَحَ يَخافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ، وكُتِبَ عَنْهُ بِالقَلَمِ إلى جَمِيعِ مُلُوكِ الأرْضِ فَمِنهم مَنِ اتَّبَعَهُ عَلى دِينِهِ كالنَّجاشِيِّ ومَلِكِ بَنِي عَمّانَ ومِنهم مَن هادَنَهُ وأهْدى إلَيْهِ وأتْحَفَهُ كَهِرَقْلَ والمُقَوْقِسِ، ومِنهم مَن تَعَصّى عَلَيْهِ فَأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَهَذا مَقامٌ عَلِيٌّ، وخَطٌّ بِالقَلَمِ كَنَحْوِ ما أُوتِيَ إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِقاؤُهُ في السَّماءِ الخامِسَةِ لِهارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ المُحَبَّبِ في قَوْمِهِ يُؤْذِنُ بِحُبِّ قُرَيْشٍ وجَمِيعِ العَرَبِ لَهُ بَعْدَ بُغْضِهِمْ فِيهِ، ولِقاؤُهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُؤْذِنُ بِحالَةٍ تُشْبِهُ حالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُمِرَ بِغَزْوِ الشّامِ، فَظَهَرَ عَلى الجَبابِرَةِ الَّذِينَ كانُوا فِيها، وأدْخَلَ بَنِي إسْرائِيلَ البَلَدَ الَّذِي خَرَجُوا مِنهُ بَعْدَ هَلاكِ عَدُوِّهِمْ، ولِذَلِكَ غَزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبُوكَ مِن أرْضِ الشّامِ وظَهَرَ عَلى صاحِبِ دُومَةَ (p-٥٧)حَتّى صالَحَهُ عَلى الجِزْيَةِ بَعْدَ أنْ أتى بِهِ أسِيرًا، وافْتَتَحَ مَكَّةَ ودَخَلَ أصْحابُهُ البَلَدَ الَّذِي خَرَجُوا مِنهُ، ثُمَّ لِقاؤُهُ في السَّماءِ السّابِعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِحِكْمَتَيْنِ: إحْداهُما أنَّهُ رَآهُ عِنْدَ البَيْتِ المَعْمُورِ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلَيْهِ، والبَيْتُ المَعْمُورُ جِبالُ مَكَّةَ، وإلَيْهِ تَحُجُّ المَلائِكَةُ كَما أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي بَنى الكَعْبَةَ وأذَّنَ في النّاسِ بِالحَجِّ إلَيْها، والحِكْمَةُ الثّانِيَةُ أنَّ آخِرَ أحْوالِ النَّبِيِّ ﷺ حَجُّهُ إلى البَيْتِ الحَرامِ، وحَجَّ مَعَهُ في ذَلِكَ العامِ نَحْوٌ مِن سَبْعِينَ ألْفًا مِنَ المُسْلِمِينَ، ورُؤْيَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ أهْلِ التَّأْوِيلِ تُؤْذِنُ بِالحَجِّ لِأنَّهُ الدّاعِي إلَيْهِ والرّافِعُ لِقَواعِدِ الكَعْبَةِ المَحْجُوجَةِ - انْتَهى. وهَذا المَقامُ هو الإسْراءُ وما تَفَرَّعَ مِنهُ المُوصِلُ إلى أعْلى ما يَكُونُ مِن تَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ، فَجَعَلَ سُبْحانَهُ عُنْوانَهُ المَفْرُوضَ فِيهِ الحاجِزَ بَيْنَ الإسْلامِ والشِّرْكِ وهو الصَّلاةُ الجامِعَةُ لِمَعانِي الدِّينِ الشّامِلَةُ لِجَمِيعِ البَرَكاتِ بِأنْ جُعِلَتْ خَمْسِينَ مُسْتَغْرِقَةً لِجَمِيعِ الفَراغِ ثُمَّ رُدَّتْ إلى خَمْسٍ دُونَ القُوى بِكَثِيرٍ ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْها جَزاءَ الخَمْسِينَ ورَفَعَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن صَلاةِ الجَماعَةِ إلى سَبْعٍ وعِشْرِينَ صَلاةً وفَضَّلَ صَلاتَيِ الطَّرَفَيْنِ: الصُّبْحَ الثُّنائِيَّةَ والعَصْرَ الرُّباعِيَّةَ بِشَهادَةِ فَرِيقَيِ المَلائِكَةِ وكِتابَتِهِما في صَحِيفَتَيْ كُلٍّ مِنَ الجَمْعَيْنِ، فَقالَ حَمْزَةُ الكِرْمانِيُّ في جَوامِعِ التَّفْسِيرِ: فَأُسْرِيَ بِهِ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ قَبْلَ الهِجْرَةِ مِن بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، ثُمَّ ساقَ حَدِيثَ الإسْراءِ مَساقًا عَجِيبًا جِدًّا طَوِيلًا.
(p-٥٨)ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ مِنَ اسْتِقامَةِ طَرِيقِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا ثَبَتَتْ رِسالَتُهُ بِما أُوحِيَ إلَيْهِ وما أراهُ مِن آياتِهِ الَّتِي ظَهَرَ بِها اسْتِحْقاقُهُ سُبْحانَهُ الإلَهِيَّةَ مُتَفَرِّدًا بِها، سَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في عِبادَةِ مَعْبُوداتِهِمْ عَلى وجْهٍ دالٍّ عَلى أنَّها لا تَصْلُحُ لِصالِحَةٍ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ﴾ أيْ أخْبِرُونِي بِسَبَبِ ما تَلَوْتُ عَلَيْكم مِن هَذِهِ الآياتِ الباهِراتِ. هَلْ رَأيْتُمْ رُؤْيَةَ خِبْرَةٍ بِالباطِنِ والظّاهِرِ ﴿اللاتَ﴾ وهو صَنَمُ ثَقِيفٍ ﴿والعُزّى﴾ وهي شَجَرَةٌ لِغَطَفانَ وهُما أعْظَمُ أصْنامِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يَحْلِفُونَ بِهِما
﴿ومَناةَ﴾ وهو صَخْرَةٌ لِهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ، ودَلَّ عَلى أنَّها عِنْدَهم بَعْدَهُما في الرُّبُوبِيَّةِ بِقَوْلِهِ مُشِيرًا بِالتَّعَدُّدِ بِالتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِما عَبَّرَ بِهِ إلى أنَّ شَيْئًا مِنها لا يَصْلُحُ لِصالِحَةٍ حَتّى ولا أنْ يُذْكَرَ: ﴿الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ أيْ إنَّهُ ما كَفاهم في خَرْقِ سِياجٍ مِنها العَقْلُ في مُجَرَّدِ تَعْدِيدِ الإلَهِ بِجَعْلِهِ الِاثْنَيْنِ حَتّى أضافُوا ثالِثًا أقَرُّوا بِأنَّهُ مُتَأخِّرُ الرُّتْبَةِ فَكانَ الإلَهُ عِنْدَهم قَدْ يَكُونُ سافِلًا ويَكُونُ مُلازِمًا لِلْإنْزالِ ولِلسُّفُولِ بِكَوْنِهِ أُنْثى، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وأنَّثُوا أسْماءَها تَشْبِيهًا لَها بِالمَلائِكَةِ عَلى زَعْمِهِمْ بِأنَّها بَناتُ اللَّهِ - انْتَهى، ولا شَكَّ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى مَعْرِفَةٍ بِالفَصاحَةِ أنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ والتَّعْبِيرَ بِما شَأْنُهم بِالوِلادَةِ الَّتِي هي أحَبُّ الأشْياءِ إلى الإنْسانِ بَلِ الحَيَوانُ لا يُوافِقُهُ أنْ يُقالَ بَعْدَهُ ما يَقْتَضِي مَدْحًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَتَبَيَّنَ بُطْلانُ ما نُقِلَ نَقْلًا واهِيًا مِن أنَّهُ قِيلَ حِينَ قُرِئَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في هَذا المَحَلِّ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا - إلى آخِرِهِ لِعِلْمِ كُلِّ عَرَبِيٍّ أنَّ ذَلِكَ غايَةٌ في الهَذَيانِ في هَذا السِّياقِ، فَلا وصْلَةَ بِهَذا السِّياقِ المُعْجِزِ بِوَجْهٍ.
(p-٥٩)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بِما أفْهَمَهُ السِّياقُ: كَيْفَ ادَّعَيْتُمْ أنَّها آلِهَةٌ أهِيَ كَذَلِكَ مَعَ أنَّ عادَتَكُمُ احْتِقارَ الإناثِ مِن أنْ تَكُونَ لَكم أوْلادًا، فَكَيْفَ رَضِيتُمْ أنْ تَكُونَ لَكم آلِهَةً، وتَكُونُوا لَها عِبادًا مَعَ أنَّها لَمْ تُنْزِلْ لَكم وحْيًا ولا أرْسَلَتْ لَكم رَسُولًا ولا فَعَلَتْ مَعَ أحَدٍ مِنكم شَيْئًا مِمّا كَرَّمْنا بِهِ عَبْدَنا مُحَمَّدًا ﷺ ولا أرَتْكم قَطُّ آيَةً ولا هي مُتَأهِّلَةٌ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، بَلْ لا تَمْلِكُ ضَرًّا ولا نَفْعًا وادَّعَيْتُمْ أنَّها بَناتُهُ واسْتَوْطَنَها جِنِّيّاتٍ هي بَناتُهُ وادَّعَيْتُمْ مَعَ ادِّعاءِ مُطْلَقِ الوَلَدِيَّةِ لِمَن لا يُلِمُّ بِهِ حاجَةٌ ولا شَبَهَ لَهُ أنَّ لَهُ أرْدَأ الصِّنْفَيْنِ، فَكانَ ذَلِكَ نَقْصًا مَضْمُومًا إلى نَقْصٍ - وعَلا سُبْحانَهُ تَعالى عَنْ صاحِبَةٍ أوْ ولَدٍ، فاسْتَحْقَقْتُمْ بِذَلِكَ الإنْكارَ الشَّدِيدَ، وعُلِمَ بِهَذا التَّقْدِيرِ الَّذِي هَدى إلَيْهِ السِّياقُ بُطْلانُ حَدِيثِ الغَرانِيقِ ولا سِيَّما مَعَ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَكُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الذَّكَرُ﴾ أيِ النَّوْعُ الأعْلى ﴿ولَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الأُنْثى﴾ أيِ النَّوْعُ الأسْفَلُ.
ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا رَدَّ الإنْكارَ بِقَوْلِهِ فَذْلَكَةً لِفِعْلِهِمْ: ﴿تِلْكَ﴾ أيْ هَذِهِ القِسْمَةُ البَعِيدَةُ عَنِ الصَّوابِ ﴿إذًا﴾ أيْ إذْ جَعَلْتُمُ البَناتِ لَهُ والبَنِينَ لَكم ﴿قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ أيْ جائِرَةٌ ناقِصَةٌ ظالِمَةٌ فِيما يَحْسُنُ لِلْحَقِّ لِلْغايَةِ عَرْجاءُ غَيْرُ مُعْتَدِلَةٍ حَيْثُ خَصَصْتُمْ بِهِ ما أوْصَلَتْكُمُ الكَراهَةُ لَهُ إلى دَفْنِهِ حَيًّا، وقَدْ عُلِمَ أنَّ الآيَةَ مِنَ الِاحْتِباكِ: دَلَّ ذِكْرُ اسْمِها في أُسْلُوبِ الإنْكارِ عَلى حَذْفِ إنْكارِ كَوْنِها آلِهَةً وإنْكارُ تَخْصِيصِهِ بِالإناثِ عَلى حَذْفِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم جَعَلُوها بَناتِهِ.
53:23Page 526
إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ ٢٣
They are not but [mere] names you have named them - you and your forefathers - for which Allāh has sent down no authority. They follow not except assumption and what [their] souls desire, and there has already come to them from their Lord guidance.
ولَمّا أفْهَمَ هَذا الإنْكارُ بُطْلانَ قَوْلِهِمْ هَذا، حَصَرَ القَوْلَ الحَقَّ فِيها (p-٦٠)فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هِيَ﴾ أيْ هَذِهِ الأصْنامُ ﴿إلا أسْماءٌ﴾ أيْ لا حَقائِقَ لَها، فَما ادَّعَيْتُمْ لَها مِنَ الإلَهِيَّةِ لَيْسَ لَها مِن ذَلِكَ إلّا الأسْماءَ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُبَيِّنًا: ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ أيِ ابْتَدَعْتُمْ تَسْمِيَتَها أنْتُمْ، واجْتَثَّ قَوْلَهم مِن أصْلِهِ فَقالَ: ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ أيْ لا غَيْرَ بِمُجَرَّدِ الهَوى لَمْ تَرَوْا مِنها آيَةً ولا كَلَّمَتْكم قَطُّ كَلِمَةً تَعْتَدُّونَها، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ تَتَكَلَّمَ الشَّياطِينُ عَلى ألْسِنَتِها فَأيَّ طَرِيقَةٍ قَوِيمَةٍ شَرَعَتْ لَكم وأيُّ كَلامٍ مَلِيحٍ أوْ بَلِيغٍ وصَلَ إلَيْكم وأيَّ آيَةٍ كُبْرى أرَتْكُمُوها - انْتَهى.
ولَمّا عُلِمَ بِهَذا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَأْمُرْهم بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، صَرَّحَ بِهِ نافِيًا أنْ يَدُلَّ عَلى ما وسَمُوهُ بِهِ دَلِيلٌ فَقالَ: ﴿ما﴾ ولَمّا قَدَّمَ في الأعْرافِ تَرْكَ النّافِي لِلتَّدْرِيجِ لِما تَقَدَّمَ بِما اقْتَضاهُ، نَفى هُنا الإفْعالَ النّافِيَ لِأصْلِ الفِعْلِ سَواءٌ كانَ بِالتَّدْرِيجِ أوْ غَيْرِهِ لِأنَّ المِفْصَلَ لِبابِ القُرْآنِ فَهو لِلْمَقاصِدِ، وذَلِكَ كافٍ في ذَمِّ الهَوى الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿بِها﴾ أيْ بِالِاسْتِحْقاقِ لِلْأسْماءِ ولا لِما وسَمْتُمُوها بِهِ مِنَ الإلَهِيَّةِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ حُجَّةٍ تَصْلُحُ مُسَلِّطًا عَلى ما يُدَّعى فِيها.
ولَمّا كانَ هَذا النَّفْيُ المُسْتَغْرِقُ مُوجِبًا لِلْخَصْمِ إيساعَ الحِيلَةِ في ذِكْرِ دَلِيلٍ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ، وكانَ هَؤُلاءِ قَدْ أبْلَسُوا عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ ولَمْ يَجِدُوا ما يَقُولُونَ ولا يَجِدُوا، فَكانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَرْجِعُوا فَلَمْ يَرْجِعُوا، أعْرَضَ عَنْهم إيذانًا بِشَدِيدِ الغَبْنِ قائِلًا: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ (p-٦١)أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ في أمْرِ هَذِهِ الأوْثانِ بِغايَةِ جُهْدِهِمْ مِن أنَّها آلِهَةٌ، وأنَّها تَشْفَعُ لَهم أوْ تُقَرِّبُهم مِنَ اللَّهِ ﴿إلا الظَّنَّ﴾ أيْ غايَةُ أمْرِهِمْ لِمَن يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِمْ، فالظَّنُّ تَرْجِيحُ أحَدِ الجائِزَيْنِ عَلى رَغْمِ الظّانِّ.
ولَمّا كانَ الظَّنُّ قَدْ يَكُونُ مُوافِقًا لِلْحَقِّ مُخالِفًا لِلْهَوى قالَ: ﴿وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ أيْ تَشْتَهِي، وهي - لِما لَها مِنَ النَّقْصِ - لا تَشْتَهِي أبَدًا إلّا بِما يَهْوِي بِها عَنْ غايَةِ أوْجِها إلى أسْفَلِ حَضِيضِها، وأمّا المَعالِي وحُسْنُ العَواقِبِ فَإنَّما تَشَوَّقَ إلَيْها العَقْلُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: فالظَّنُّ الجَمِيلُ بِاللَّهِ فَلَيْسَ مِن هَذا البابِ، والتِباسُ عَواقِبِ الشَّخْصِ عَلَيْهِ لَيْسَ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ بِسَبِيلٍ، إنَّما الظَّنُّ المَعْلُولُ في اللَّهِ وصِفاتِهِ وأحْكامِهِ.
﴿ولَقَدْ﴾ أيِ العَجَبُ أنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿جاءَهم مِن رَبِّهِمُ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ ﴿الهُدى﴾ أيِ الكامِلُ في بابِهِ إلى الدِّينِ الحَقِّ النّاطِقِ بِالكِتابِ النّاطِقِ بِالصَّوابِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ، والرَّأْيُ يَقْتَضِي أنَّ مَن رَأى الهُدى تَبِعَهُ ولَوْ أتاهُ بِهِ عَدُوُّهُ، فَكَيْفَ إذا أتاهُ بِهِ مَن هو أفْضَلُ مِنهُ مِن عِنْدِ مَن إحْسانُهُ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ قَطُّ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: أعَلَيْهِمْ أنْ يَتْرُكُوا أهْوِيَتَهم ويَهْتَدُوا بِهُدى رَبِّهِمُ الَّذِي لا مِلْكَ لَهم مَعَهُ
﴿أمْ﴾ لَهم ما تَمَنَّوْا - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ الأصْلَ المُوجِبَ لِاتِّباعِ الهَوى فَقالَ: ﴿لِلإنْسانِ﴾ أيِ الآنِسِ بِنَفْسِهِ المُحْسِنِ لِكُلِّ ما يَأْتِي وما يَذَرُ ﴿ما تَمَنّى﴾ أيْ مِنَ اتِّباعِ ما يَشْتَهِي مِن جاهٍ ومالٍ وطُولِ عُمْرٍ ورَفاهِيَةِ عَيْشٍ ومِن كُفْرِهِ وعِنادِهِ، وقَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]
53:25Page 526
فَلِلَّهِ ٱلۡأٓخِرَةُ وَٱلۡأُولَىٰ ٢٥
Rather, to Allāh belongs the Hereafter and the first [life].
(p-٦٢). ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا، كانَ المَعْنى: لَيْسَ لَهُ ما تَمَنّى، وكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا عَلى أنَّهُ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ مِمَّنْ لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، فَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَلِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ وحْدَهُ. ولَمّا كانَتِ الأُخْرى دارَ اللَّذّاتِ وبُلُوغِ جَمِيعِ الأمانِي وحِرْمانِها، وكانُوا يَدَّعُونَ فِيها عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها جَمِيعَ ما يَتَمَنَّوْنَ مِن شَفاعَةِ آلِهَتِهِمْ وإجابَتِها إلى إسْعادِهِمْ ونَحْوِ ذَلِكَ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿الآخِرَةُ﴾ فَهو لا يُعْطِي الأمانِيَ فِيها إلّا لِمَن تَبِعَ هُداهُ وخالَفَ هَواهُ ﴿والأُولى﴾ فَهو لا يُعْطِي جَمِيعَ الأمانِي فِيها لِأحَدٍ أصْلًا كَما هو مُشاهَدٌ، فَمَن تَرَكَ هَواهُ فِيها نالَ أمانِيهِ في الآخِرَةِ، ومَن تَبِعَ هَواهُ لَمْ يَصِلْ إلى مُرادِهِ في الدُّنْيا وحُرِمَ أمانِيَهُ في الآخِرَةِ، فَلِهَذا قَدَّمَها لا لِلْفاصِلَةِ فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ ”الأُخْرى“ لَصَلَحَتْ لِلْفاصِلَةِ.
53:26Page 526
۞ وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ ٢٦
And how many angels there are in the heavens whose intercession will not avail at all except [only] after Allāh has permitted [it] to whom He wills and approves.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكَمْ مِن شَخْصٍ تَرَوْنَهُ في الأرْضِ مَعَ أنَّهُ في غايَةِ المَكِنَةِ فِيما يَظْهَرُ لَكم لا يَصِلُ إلى رُبْعِ ما يَتَمَنّاهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، مُظْهِرًا لِضَخامَةِ مُلْكِهِ وأنَّهُ لا يُبالِي بِأحَدٍ، دالًّا عَلى الكَثْرَةِ: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ﴾ أيْ مُقَرَّبٍ، ودَلَّ عَلى زِيادَةِ قُرْبِهِ بِشَرَفِ مَسْكَنِهِ فَقالَ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ أيْ وهم في الكَرامَةِ والزُّلْفى ﴿لا تُغْنِي﴾ أيْ لا تَجْزِي وتَسُدُّ وتَكْفِي، ولَمّا كانَ رَدُّ الجَمْعِ لِحالِ اجْتِماعِهِمْ أدَلَّ عَلى العَظَمَةِ، عَبَّرَ بِما يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿شَفاعَتُهُمْ﴾ أيْ عَنْ أحَدٍ مِنَ النّاسِ ﴿شَيْئًا﴾ فَقَصَرَ الأمْرَ ورَدَّهُ بِحَذافِيرِهِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا﴾ ودَلَّ بِإثْباتِ الجارِّ عَلى أنَّهُ مَعَ ما يَحُدُّهُ سُبْحانَهُ لا مُطْلَقًا فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ﴾ أيْ يُمَكِّنَ ويُرِيدَ ﴿اللَّهُ﴾ (p-٦٣)أيِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ أصْلًا مَعَهُ، وعَبَّرَ بِأنْ والفِعْلِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ لا عُمُومَ بَعْدَ الإذْنِ بِجَمِيعِ الأوْقاتِ، وإنَّما ذَلِكَ يُجَدَّدُ بَعْدَ تَجَدُّدِ الإذْنِ عَلى حِينِهِ وقَبْلَ الأمْرِ البابُ؟ لِعُمُومِ العَظَمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ بِتَجَدُّدِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ بِهِ لِأنْ يَكُونُ مَشْفُوعًا أوْ شافِعًا.
ولَمّا كانَ المَلِكُ قَدْ يَأْذَنُ في الشَّفاعَةِ وهو كارِهٌ، قالَ مُعْلِمًا أنَّهُ لَيْسَ كَأُولَئِكَ: ﴿ويَرْضى﴾ فَحِينَئِذٍ تُغْنِي شَفاعَتُهم إذا كانُوا مِنَ المَأْذُونِ لَهم - كُلُّ هَذا قَطْعًا لِأطْماعِهِمْ وعَنْ قَوْلِهِمْ بِمُجَرَّدِ الهَوى أيْ آلِهَتُهم تَشْفَعُ لَهم. ولَمّا أخْبَرَ بِاتِّباعِهِمْ لِلْهَوى ونَفى أنْ يَكُونَ لَهم مِن ذَلِكَ ما يَتَمَنَّوْنَهُ دَلَّ عَلى اتِّباعِهِمْ لِلْهَوى بِقَوْلِهِ مَوْضِعَ ”أنَّهُمْ“:
53:27Page 527
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ تَسۡمِيَةَ ٱلۡأُنثَىٰ ٢٧
Indeed, those who do not believe in the Hereafter name the angels female names,
﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ وأكَّدَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ قَوْلٌ بالِغٌ في العَجَبِ الغايَةَ فَلا يَكادُ يُصَدَّقُ أنَّ عاقِلًا بِالآخِرَةِ يَقُولُهُ بِما جَرى لَهم عَلى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ وأمْثالِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لا يُصَدِّقُونَ ولا هم يُقِرُّونَ ﴿بِالآخِرَةِ﴾ ولِذَلِكَ أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ﴾ أيْ كُلَّ واحِدٍ وهم رُسُلُ اللَّهِ ﴿تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ بِأنْ قالُوا: هي بَناتُ اللَّهِ، كَما يُقالُ في جِنْسِ الأُنْثى: بَناتٌ
53:28Page 527
وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا ٢٨
And they have thereof no knowledge. They follow not except assumption, and indeed, assumption avails not against the truth at all.
﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهم ما ﴿لَهم بِهِ﴾ أيْ بِما سَمَّوْهم بِهِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِلْمٍ﴾ ولَمّا نَفى عِلْمَهم تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى الحامِلِ لَهم عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ أيْ بِغايَةِ ما يَكُونُ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿إلا الظَّنَّ﴾
ولَمّا كانُوا كالقاطِعِينَ بِأنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُمْ، أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ الظَّنَّ﴾ (p-٦٤)أيْ مُطْلَقًا في هَذا وغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ أظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ ﴿لا يُغْنِي﴾ إغْناءً مُبْتَدِئًا ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ أيِ الأمْرِ الثّابِتِ في نَفْسِ الأمْرِ الَّذِي هو حَقِيقَةُ الشَّيْءِ وذاتُهُ بِحَيْثُ يَكُونُ الظَّنُّ بَدَلَهُ، والظَّنُّ إنَّما يُعَبَّرُ بِهِ في العَمَلِيّاتِ لا العِلْمِيّاتِ ولا سِيَّما الأُصُولِيَّةُ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ عَنْ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ فَإنَّهُ لا يُؤَدِّي أبَدًا إلى الجَزْمِ بِالعِلْمِ بِالشَّيْءِ عَلى ما هو عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ فَهو مَمْنُوعٌ في أُصُولِ الدِّينِ، فَإنَّ المَقْصُودَ بِتَحَقُّقِ الأمْرِ عَلى ما هو عَلَيْهِ في الواقِعِ، وأمّا الفُرُوعُ فَإنَّ المُكَلَّفَ بِهِ فِيها هو الظَّنُّ لَكِنْ بِشَرْطِهِ المَأْذُونِ فِيهِ، وهو رَدُّهُ إلى الأُصُولِ المُسْتَنْبَطِ مِنها لِعَجْزِ الإنْسانِ عَلى القَطْعِ في جَمِيعِ الفُرُوعِ، تَنْبِيهًا عَلى عَجْزِهِ وافْتِقارِهِ إلى اللَّهِ لِيُقْبِلَ عَلَيْهِ ويَتَبَرَّأ مِن حَوْلِهِ وقُوَّتِهِ لِيَكْشِفَ لَهُ مِنَ الأحْقافِ.
53:29Page 527
فَأَعۡرِضۡ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكۡرِنَا وَلَمۡ يُرِدۡ إِلَّا ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٢٩
So turn away from whoever turns his back on Our message and desires not except the worldly life.
ولَمّا كانُوا بَعْدَ مَجِيءِ الهُدى قَدْ أصْبَرُوا عَلى الهَوى، وكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أوائِلِ ما نَزَلَ، والمُؤْمِنُونَ قَلِيلٌ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى﴾ أيْ كَلَّفَ نَفْسَهُ خِلافَ ما يَدْعُو إلَيْهِ العَقْلُ والفِطْرَةُ مَن ولّى ﴿عَنْ ذِكْرِنا﴾ أيْ ذِكْرِهِ إيّانا، فَأعْرَضَ عَنِ الذِّكْرِ الَّذِي أنْزَلْناهُ فَلَمْ يَنَلْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرْ مَعانِيَهُ فَلا يَلْتَفِتُ إلى شَيْءٍ عَلِمَهُ فَإنَّهُ مَطْمُوسٌ عَلى قَلْبِهِ ولَوْ كانَ ذِهْنُهُ أرَقَّ مِنَ الشِّعْرِ فَإنَّهُ لا يَؤُولُ إلّا إلى شَرٍّ ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] فَإنَّهُ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ.
(p-٦٥)ولَمّا كانَ المُعْرِضُ في وقْتٍ قَدْ يُقْبِلُ في آخَرٍ، دَلَّ عَلى دَوامِهِ عَلى وجْهٍ بَلِيغٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يُرِدْ﴾ أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿إلا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيِ الحاضِرَةَ لِيَقْصِدَهُ بِالمَحْسُوساتِ كالبَهائِمِ في العَمى عَنْ دَناءَتِها وحَقارَتِها، ثُمَّ تَرْجَمَ جُمْلَتَيِ الإعْراضِ والإرادَةِ بِقَوْلِهِ:
53:30Page 527
ذَٰلِكَ مَبۡلَغُهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱهۡتَدَىٰ ٣٠
That is their sum of knowledge. Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of who is guided.
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ المُتَناهِي في الجَهْلِ والقَباحَةِ ﴿مَبْلَغُهُمْ﴾ أيْ نِهايَةُ بُلُوغِهِمْ ومَوْضِعُ بُلُوغِهِمْ والحاصِلُ لَهُمْ، وتَهَكَّمَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ العِلْمِ﴾ أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم لِأنَّ عُيُونَ بَصائِرِهِمْ عُمْيٌ، ومَرائِيَها كَثِيفَةٌ مُظْلِمَةٌ لا تَكْشِفُ عَنْ نَظَرِ الآخِرَةِ الَّتِي هي أصْلُ العُلُومِ كُلِّها، ثُمَّ عَلَّلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا قَطْعًا لِطَمَعِ مَن يَظُنُّ أنَّ وعْظَهُ وكَلامَهُ يَرُدُّ أحَدًا مِن غَيِّهِ وإنْ أبْلَغَ في أمْرِهِ ودُعائِهِ في سِرِّهِ وجَهْرِهِ، وإعْلامًا بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو مِنَ اللَّهِ، فَمَن وعَظَ لَهُ سُبْحانَهُ راجِيًا مِنهُ في إيمانِهِ أوْشَكَ أنْ يَنْفَعَ بِهِ كَما فَعَلَ في وعْظِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَصَغى لَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في ساعَةٍ واحِدَةٍ كَما هو مَشْهُورٌ ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْكَ بِالإرْسالِ وغَيْرِهِ ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ضَلالًا مُسْتَمِرًّا، فَلا تُعَلِّقْ أمَلَكَ بِأنْ يَصِلَ عِلْمُهُ إلى ما وراءَ الدُّنْيا، وعَبَّرَ بِالرَّبِّ إشارَةً إلى أنَّ ضَلالَ هَذا مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِ ﷺ لِأنَّهُ لَوْ دَخَلَ في دِينِهِ لَأفْسَدَ أكْثَرَ مِمّا يُصْلِحُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] وذَلِكَ لِأنَّهُ جُبِلَ جِبِلَّةً غَيْرَ قابِلَةٍ لِلْخَيْرِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ (p-٦٦)﴿أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ أيْ ظاهِرًا وباطِنًا.
53:31Page 527
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى ٣١
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth - that He may recompense those who do evil with [the penalty of] what they have done and recompense those who do good with the best [reward] -
ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْهَمَ أنَّ مَن ضَلَّ عَلى هَذِهِ الحالَةِ لَيْسَ في قَبْضِهِ، قالَ نافِعًا لِهَذا الإبْهامِ مُبَيِّنًا أنَّ لَهُ الأسْماءَ الحُسْنى ومُقْتَضَياتِها في العالَمِ مَوْضِعَ ”والحالُ أنَّهُ لَهُ“ أوْ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ: ﴿ولِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ وحْدَهُ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ مِنَ الذَّواتِ والمَعانِي فَيَشْمَلُ ذَلِكَ السَّماواتِ والأراضِيَ، فَإنَّ كُلَّ سَماءٍ في الَّتِي تَلِيها، والأرْضُ في السَّماءِ ﴿وما في الأرْضِ﴾ وكَذَلِكَ الأراضِي والكُلُّ في العَرْشِ وهو ذُو العَرْشِ العَظِيمِ.
ولَمّا أمَرَهُ ﷺ بِالإعْراضِ عَنْهم وسَلّاهُ وأعْلَمَهُ أنَّ الكُلَّ في مِلْكِهِ، فَلَوْ شاءَ لَهَداهم ورَفَعَ النِّزاعَ، ولَكِنَّهُ لَهُ في ذَلِكَ حِكَمٌ تَحارُ فِيها الأفْكارُ، عَلَّلَ الإعْراضَ كَما تَقَدَّمَ في الجاثِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية: ١٤] بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ [الجاثية: ١٤] أيْ يُعاقِبَ هو سُبْحانَهُ كافِيًا لَكَ ما أهَمَّكَ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وكَما أنَّهُ سُبْحانَهُ مالِكُ ذَلِكَ فَهو مَلِكُهُ لِيَحْكُمَ بِجَزاءِ كُلٍّ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّ، فَإنَّ الحُكْمَ نَتِيجَةُ المُلْكِ ﴿الَّذِينَ أساءُوا﴾ بِالضَّلالِ ﴿بِما عَمِلُوا﴾ أيْ بِسَبَبِهِ وبِحَسَبِهِ إمّا بِواسِطَتِكَ وبِسُيُوفِكَ وسُيُوفِ أتْباعِكَ إذا أذِنْتُ لَكم في القِتالِ، وإمّا بِغَيْرِ ذَلِكَ بِالمَوْتِ حَتْفَ الأنْفِ بِضَرْبِ المَلائِكَةِ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ، ثُمَّ بِعَذابِ الآخِرَةِ عَلى جَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ عُجِّلَ لَهم في الدُّنْيا شَيْءٌ يَنْقُصُ بِسَبَبِهِ عَذابُ الآخِرَةِ ﴿ويَجْزِيَ﴾ أيْ يُثَبِّتَ ويُكْرِمَ ﴿الَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ أيْ عَلى ثَباتِهِمْ عَلى الدِّينِ وصَبْرِهِمْ عَلَيْهِ وعَلى أذى أعْدائِهِمْ ﴿بِالحُسْنى﴾ (p-٦٧)أيِ الثُّبُوتِ الَّذِي هو في غايَةِ الحُسْنِ ما بَعْدَها غايَةٌ، فَإنَّ الحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences