Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
An-Najm 53:54–62
﴿فَغَشّاها﴾ أيْ أتْبَعَها ما غَطّاها فَكانَ لَها بِمَنزِلَةِ الغِشاءِ، وهَوَّلَها بِقَوْلِهِ: ﴿ما غَشّى﴾ أيْ أمْرٌ عَظِيمٌ مِنَ الحِجارَةِ وغَيْرِها لا يَسَعُ العُقُولَ وصْفُهُ، وقَدِ اشْتَمَلَ ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الصُّحُفِ عَلى بَيانِ ما يَنْفَعُ مِنَ الأعْمالِ وما يَضُرُّ وبَيانِ التَّوْحِيدِ بِإحاطَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالنِّهاياتِ الَّتِي لا نِهايَةَ بَعْدَها عِلْمًا وقُدْرَةً لِاخْتِصاصِهِ بِبَيانِ المَصْنُوعاتِ وبِبَيانِ البَعْثِ لِلتَّخْوِيفِ بِالآجِلِ وإهْلاكِ المُرْتَدِّينَ لِلتَّخْوِيفِ بِالعاجِلِ لِمَن كانَ قَلْبُهُ جافِيًا عَنِ النُّفُوذِ إلى الآجِلِ.
53:55Page 528
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ٥٥
Then which of the favors of your Lord do you doubt?
ولَمّا أهْلَكَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الفِرَقِ فَلَمْ يَبْقَ مِن فُجّارِها أحَدٌ، وأنْجى مَن أطاعَهُ مِنهم فَلَمْ يَهْلِكْ مِنهم أحَدٌ، وكانَ إهْلاكُهُ لِكُلٍّ مِنها بِشَيْءٍ غَيْرِ ما هَلَكَ بِهِ الفَرِيقُ الآخَرُ، فَدَلَّ كُلٌّ مِن ذَلِكَ عَلى تَمامِ عِلْمِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، وكانَ كُلُّ ما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ النِّعَمِ والنِّقَمِ لِكَوْنِهِ كانَ أتَمَّ أوْجُهِ الحُكْمِ نِعْمَةً عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ لِما فِيها مِنَ التَّرْغِيبِ في ثَوابِهِ والتَّرْهِيبِ مِن عِقابِهِ، خاطَبَ سُبْحانَهُ رَأْسَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ خِطابَهُ لَهُ أشَدُّ في تَذْكِيرِ غَيْرِهِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا مَضى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ﴾ أيْ عَطِيَّةِ المُحْسِنِ إلَيْكَ الَّتِي هي وجْهُ الإنْعامِ والإكْرامِ وهي إشارَةُ المَعْرِفَةِ بِهِ سُبْحانَهُ بِمَنزِلَةِ ظِلِّ الشَّخْصِ مِنَ الشَّخْصِ كَما أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ ظِلٌّ إلّا لِشَخْصٍ (p-٨١)فَكَذَلِكَ فِعْلُ الفاعِلِ ولا أثَرَ لِلْمُؤَثِّرِ ﴿تَتَمارى﴾ أيْ تَشُكُّ بِإجالَةِ الخَواطِرِ في فِكْرِكَ في إرادَةِ هِدايَةِ قَوْمِكَ بِحَيْثُ لا تُرِيدُ أنَّ أحَدًا مِنهم يَهْلِكُ وقَدْ حَكَمَ رَبُّكَ بِإهْلاكِ كَثِيرٍ مِنهم لِما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ، وكانَ بَعْضُ خَطَرِكَ في تِلْكَ الإجالَةِ يُشَكِّكُ بَعْضًا، ولَمّا تَمَّ الكَلامُ عَلى هَذا المِنهاجِ البَدِيعِ والنَّمَطِ الرَّفِيعِ في حِسانِ البَيانِ لِلْمَواعِظِ والشَّرْعِ والقِصَصِ القَدِيمَةِ والإنْذارِ العَظِيمِ التّامِّ عَلى وجْهٍ مُعْجِزٍ مِن وُجُوهٍ شَتّى، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا خاتِمًا السُّورَةَ بِما بَدَأ هُنا بِهِ مِن ذِكْرِهِ ﷺ:
53:56Page 528
هَٰذَا نَذِيرٞ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلۡأُولَىٰٓ ٥٦
This [Prophet (ﷺ)] is a warner from [i.e., like] the former warners.
﴿هَذا﴾ النَّبِيُّ ﷺ ﴿نَذِيرٌ﴾ أيْ مُحَذِّرٌ بَلِيغُ التَّحْذِيرِ، ولَمّا كانَتِ الرُّسُلُ الماضُونَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ تَقَرَّرَتْ رِسالَتُهم في النُّفُوسِ وسَكَنَتْ إلَيْها القُلُوبُ، بِحَيْثُ أنَّهُ لا يُسَعُ إنْكارُها، فَكانَ قَدْ أخْبَرَ عَنْ إنْكارِ مَن كَذَّبَهم لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ، وإنْجائِهِمْ وإنْجاءِ مَن صَدَّقَهم لِأجْلِ نُصْرَتِهِمْ، وكانَ لا فَرْقَ بَيْنَهُ ﷺ وبَيْنَهم في ذَلِكَ إلّا أنَّ الرَّحْمَةَ بِهِ أبْلَغُ وأغْلَبُ، مُرَغِّبًا في اتِّباعِهِ مُرَهِّبًا مِن نِزاعِهِ، قالَ: ﴿مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ يَجِبُ لَهُ ما وجَبَ لَهم وأنْتُمْ كالمُنْذَرِينَ الأوَّلِينَ، فاحْذَرُوا ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِنهم وارْجُوا ما كانَ لِلْمُصَدِّقِينَ.
ولَمّا كانَ كُلُّ آتٍ قَرِيبًا، وكانَتِ السّاعَةُ - وهي ما أنْذَرَ بِهِ مِنَ القِيامَةِ ومِمّا دُونَها - لا بُدَّ مِن إتْيانِها لِما وقَعَ مِنَ الوَعْدِ الصّادِقِ بِهِ المُتْحَفِ بِالدَّلائِلِ الَّتِي لا تَقْبَلُ شَكًّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكانَ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ لا شَيْءَ أقْرَبُ مِنها، قالَ دالًّا عَلى ذَلِكَ بِصِيغَةِ الماضِي الَّذِي قَدْ تَحَقَّقَ وُقُوعُهُ وبِاشْتِقاقِ الواقِعِ الفاعِلِ مِمّا مِنهُ الفِعْلُ: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أيْ دَنَتِ (p-٨٢)السّاعَةُ الدّانِيَةُ في نَفْسِها الَّتِي وُصِفَتْ لَكم بِالفِعْلِ بِالقُرْبِ غَيْرَ مَرَّةٍ لِأنَّها مَحَطُّ الحِكْمَةِ وإظْهارِ العَظَمَةِ، وما خُلِقَ الخَلْقُ إلّا لِأجْلِها، المُشْتَمِلَةُ عَلى الضِّيقِ وسُوءِ العَيْشِ مِنَ القِيامَةِ، وكُلِّ ما وُعِدْتُمُوهُ في الدُّنْيا مِمّا يَكُونُ بِهِ ظُهُورُ هَذا الدِّينِ وقَمْعُ المُفْسِدِينَ.
53:58Page 528
لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ ٥٨
Of it, [from those] besides Allāh, there is no remover.
ولَمّا ضاقَ الخِناقُ مِن ذِكْرِها عَلى هَذا الوَجْهِ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى دَفْعِها، فاسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ لَها﴾ واسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ مَن أدْنى رُتْبَةً مِن رُتْبَةِ المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿كاشِفَةٌ﴾ أيْ كاشِفٌ يُوجِدُها ويُقِيمُها ويُجَلِّي عِلْمَها، أوْ يَدْفَعُ كَرْبَها وهَمَّها وإنْ بالَغَ في الكَشْفِ وبِذَلِكَ الجُهْدِ فِيهِ، فالهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كالجاثِيَةِ والكاذِبَةِ والباقِيَةِ فَيَكُونَ الهاءُ لِلتَّأْنِيثِ.
ولَمّا أفْهَمَ هَذا أنَّ اللَّهَ يَكْشِفُها أيْ يَكْشِفُ كَرْبَها مِمَّنْ يُرِيدُ مِن عِبادِهِ ويُثْقِلُهُ عَلى مَن يَشاءُ، ويَكْشِفُ عِلْمَها بِإقامَتِها، ولا حِيلَةَ لِغَيْرِهِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ، سَبَّبَ عَنْهُ وعَمّا تَقَدَّمَهُ مِنَ الإنْذارِ قَوْلَهُ مُنْكِرًا مُوَبِّخًا: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ أيِ القَوْلِ العَظِيمِ الَّذِي يَأْتِيكم عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ بِحَسَبِ الوَقائِعِ والحاجاتِ ﴿تَعْجَبُونَ﴾ إنْكارًا وهو في غايَةِ ما يَكُونُ مِن تَرْقِيقِ القُلُوبِ.
ولَمّا كانَ المُعَجِّبُ قَدْ يُمْسِكُ نَفْسَهُ عَنِ الضَّحِكِ، بَيَّنَ أنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ فَقالَ: ﴿وتَضْحَكُونَ﴾ أيِ اسْتِهْزاءً تُجَدِّدُونَ ذَلِكَ في كُلِّ وقْتٍ مُبْتَدَأٍ ضَحِكُكم مِنهُ وهو بَعِيدٌ مِن ذَلِكَ، ولَمّا كانَ إنَّما يُورِثُ الحُزْنَ بِكَوْنِهِ (p-٨٣)نَزَلَ بِالحُزْنِ قالَ: ﴿ولا تَبْكُونَ﴾ أيْ كَما هو حَقُّ مَن يَسْمَعُهُ.
ولَمّا كانَ البُكاءُ قَدْ يَكُونُ عَلى التَّقْصِيرِ في العَمَلِ، بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ أخْطَرُ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وأنْتُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّكم في حالِ بُكائِكم ﴿سامِدُونَ﴾ أيْ دائِبُونَ في العَمَلِ جاهِدُونَ في العَمَلِ، فَإنَّ الأمْرَ جِدٌّ، فالدَّأبُ في العَمَلِ والجِدُّ فِيهِ حِينَئِذٍ عِلَّةٌ لِلْبُكاءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَدْأبُونَ في العَمَلِ فَتَبْكُونَ، وإنَّما قُلْتُ ذَلِكَ لِأنَّ (”سَمَدَ“ مَعْناهُ دَأبَ في العَمَلِ ورَفَعَ رَأْسَهُ تَكَبُّرًا وعَلا، وسَمَدَتِ الإبِلُ: جَدَّتْ في السَّيْرِ، وسارَتْ سَيْرًا شَدِيدًا، واسْمادَّ: ورِمَ، وسَمَّدَ: قامَ مُتَحَيِّرًا وحَزِنَ وسُرَّ وغَفَلَ ولَهًا وقامَ وحَصَلَ ونامَ واهْتَمَّ وتَكَبَّرَ وتَحَيَّرَ وبَطِرَ وأشِرَ، وسَمَّدَ الأرْضَ: سَهَّلَها، وأيْضًا جَعَلَ فِيها السَّمادَ، أيِ السِّرْقِينَ، والشَّعَرَ: اسْتَأْصَلَهُ، وهو لَكَ سَمْدًا أيْ سَرْمَدًا، والسَّمِيدُ: الحُوّارى)، ذَكَرَ ذَلِكَ مَبْسُوطًا القَزّازُ في جامِعِهِ وصاحِبُ القامُوسِ. فالمادَّةُ كَما تَرى تَدُورُ عَلى انْتِشارِها عَلى الدَّأبِ في العَمَلِ فَتارَةً بِذِكْرِ مَبْدَئِهِ الباعِثِ عَلَيْهِ، وتارَةً النّاشِئِ عَنْهُ، وتارَةً ما بَيْنَهُما، وهو الجِدُّ في العَمَلِ، فَيَنْطَلِقُ الِاسْمُ عَلى كُلٍّ مِن ذَلِكَ تارَةً حَقِيقَةً ومَرَّةً بِمَجازِ الأوَّلِ، وأُخْرى بِمَجازِ الكَوْنِ، فالقَصْدُ باعِثٌ، وكَذا الِاهْتِمامُ والقِيامُ ورَفْعُ الرَّأْسِ ناشِئانِ عَنْهُما، وذَلِكَ أوَّلُهُ، والسَّدَمُ بِمَعْنى الحِرْصِ والهَمِّ واللَّهَجِ بِالشَّيْءِ، والسَّدِيمُ: الضَّبابُ الرَّقِيقُ، هو مَبْدَأُ الكَشْفِ، والمُسَدَّمُ: البَعِيرُ المُهْمَلُ وما دَبِرَ ظَهْرُهُ، كَأنَّهُ مِنَ الإزالَةِ، ورَكِيَّةٌ سُدْمٌ: مُتَدَفِّقَةٌ - لِلْمُعالَجَةِ في فَتْحِها، ولِأنَّ تَدَفُّقَها دَأبٌ في العَمَلِ، وكَذا سَدَمَ البابَ أيْ رَدَمَهُ، والدَّسَمُ: الوَدَكُ، لِأنَّهُ مُنَشِّطٌ عَلى العَمَلِ ومُنْشَأٌ (p-٨٤)مِنهُ، والوَضَرُ والدَّنَسُ، ودَسَمَ المَطَرُ الأرْضَ: بَلَّها قَلِيلًا، لِأنَّهُ مَبْدَأُ الكَثِيرِ، والقارُورَةَ: سَدَّها، والبابَ: أغْلَقَهُ، لِأنَّهُ يُعالِجُ في فَتْحِهِ، والدُّسْمَةُ: غُبْرَةٌ إلى السَّوادِ - كَأنَّهُ مَبْدَأُ السَّوادِ والدَّسِيمُ لِما لَمْ يَكُنْ أبَواهُ مِن نَوْعٍ واحِدٍ - كَأنَّهُ مَبْدَأٌ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنهُما ولِأنَّهُ يَلْزَمُ الخَلْطُ في العادَةِ العِلاجَ، ومِنهُ الدُّسْمَةُ لِلرَّدِيءِ مِنَ الرِّجالِ - كَأنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ فِيهِ النَّوْعُ، ولِأنَّ نَقْصَ الشَّيْءِ عَنْ عادَتِهِ يَلْزَمُهُ العِلاجُ والفِعْلُ بِالِاخْتِيارِ، والدَّيْسَمُ: الرَّفِيقُ بِالعَمَلِ المُشْفِقُ، وأنا عَلى دَسْمٍ مِنَ الأمْرِ أيْ طَرَفٍ مِنهُ، والمَسَدُ - مُحَرَّكَةً: المِحْوَرُ مِنَ الحَدِيدِ، لِأنَّهُ آلَةُ الفَتْلِ، وحَبْلٌ مِنَ اللِّيفِ أوْ لِيفِ المُقْلِ لِأنَّهُ مَحَلُّ الدَّأبِ، والمِسادُ: نِحْيُ السَّمْنِ، ودَمَسَهُ: دَفَنَهُ، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَبْدَأً ومَقْصِدًا، ومِنهُ دَمَسَ بَيْنَهُمْ: أصْلَحَ لِأنَّهُ دَفَنَ أحْقادَهم وعالَجَ في ذَلِكَ، والدَّمْسُ: إخْفاءُ الشَّيْءِ والظَّلامُ، لِأنَّهُ مُنْشِئُ التَّعَبِ، ودَمَسَ المَوْضِعُ: دَرَسَ - لِلتَّعَبِ في مَعْرِفَتِهِ، ودَمَسَ الإهابَ: غَطّاهُ لِيُمَشِّطَ شَعَرَهُ، والدَّمْسُ: الشَّخْصُ، وبِالتَّحْرِيكِ: ما غُطِّيَ، والدُّودَمِسُ بِالضَّمِّ: حَيَّةٌ مُجْرَنْفِشَةُ الغَلاصِيمِ تَنْفُخُ فَتُحْرِقُ ما أصابَتْ بِنَفْخِها، ومِن آثارِهِ النّاشِئَةِ عَنْهُ الوَرَمُ، وكَذا القِيامُ مُتَحَيِّرًا والغَفْلَةُ والسُّرُورُ والحُزْنُ واللَّهْوُ والنَّوْمُ والكِبْرُ والتَّبَخْتُرُ والعُلُوُّ والعُتا، والسَّمِيدُ أيِ الحُوّارى، والسَّمْدُ بِمَعْنى السَّرْمَدِ: والسَّمْدُ: الهَمُّ مَعَ نَدَمٍ أوِ الغَيْظُ مَعَ حُزْنٍ، والدِّيماسُ: الكِنُّ، وما بَيْنَ ذَلِكَ سَمَّدَ الأرْضَ والشَّعْرَ والسَّيْرُ الشَّدِيدُ والجِدُّ فِيهِ، وهو نَفْسُ الدَّأبِ، وكَذا السَّدِيمُ لِلْكَثِيرِ الذِّكْرِ، وماءٌ مُسَدَّمٌ وعاشِقٌ مُسَدَّمٌ: شَدِيدُ العِشْقِ، والدَّسِيمُ: ظُلْمَةُ السَّوادِ، والدَّسِيمُ، الكَثِيرُ الذِّكْرِ، ودَسَمَ البَعِيرَ: طَلاهُ بِالحِنّاءِ - والمَسْدُ: (p-٨٥)ادْآبُ السَّيْرِ - وبِالتَّحْرِيكِ: المَضْفُورُ المُحْكَمُ الفَتْلِ، ورَجُلٌ مَمْسُودٌ: مَجْدُولُ الخَلْقِ - شُبِّهَ بِهِ - وهي بِهاءٍ، ودَمَسَ بَيْنَهُمْ: أصْلَحَ، وهو مِنَ الدَّفْنِ أيْضًا لِأنَّهُ دَفَنَ أحْقادَهم فَنُبَيِّنُ أنَّ جَعْلَ السُّمُودِ في الآيَةِ بِمَعْنى الدَّأبِ في العَمَلِ هو الأوْلى، وأنَّ كَوْنَ الجُمْلَةِ حالًا مِن جَعْلِها مَعْطُوفَةً عَلى ”تَضْحَكُونَ“ - انْتَهى واللَّهُ أعْلَمُ.
ولَمّا حَثَّ عَلى السُّمُودِ، فَسَّرَهُ مُسَبِّبًا عَنِ الِاسْتِفْهامِ ومَدْخُولِهِ قَوْلَهُ: ﴿فاسْجُدُوا﴾ أيِ اخْضَعُوا خُضُوعًا كَثِيرًا بِالسُّجُودِ الَّذِي في الصَّلاةِ ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿واعْبُدُوا﴾ أيْ بِكُلِّ أنْواعِ العِبادَةِ فَإنَّهُ ”﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ [النجم: ٢]“ عَنِ الأمْرِ بِذَلِكَ ”﴿وما غَوى﴾ [النجم: ٢]“ قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: قالَ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ: تَعَبَّدَنا رَبُّنا مُخْلِصِينَ أنْ نَكُونَ لَهُ كالعَبِيدِ وأنْ يَكُونَ لِعَبِيدِهِ كَما هو لَهُمُ - انْتَهى، ولَوْ كانَ السُّمُودُ بِمَعْنى اللَّهْوِ كانَ الأنْسَبُ تَقْدِيمَهُ عَلى ”تَبْكُونَ“ - واللَّهُ أعْلَمُ، وقَدْ ظَهَرَ أنَّ آخِرَها نَتِيجَةُ أوَّلِها، ومُفَصَّلَها ثَمَرَةُ مُوصَلِها - واللَّهُ الهادِي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences