Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Mumtahanah 60:4–9
60:4Page 549
قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٤
There has already been for you an excellent pattern1 in Abraham and those with him, when they said to their people, "Indeed, we are disassociated from you and from whatever you worship other than Allāh. We have denied you, and there has appeared between us and you animosity and hatred forever until you believe in Allāh alone" - except for the saying of Abraham to his father, "I will surely ask forgiveness for you, but I have not [power to do] for you anything against Allāh. Our Lord, upon You we have relied, and to You we have returned, and to You is the destination.
ولَمّا أبْلَغَ سُبْحانَهُ في وعْظِهِمْ في ذَلِكَ، وكانَتْ عادَتُهُ التَّرْبِيَةَ بِالماضِينَ، كانَ مَوْضِعَ تَوَقُّعِ ذَلِكَ فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّوَقُّعِ: ﴿قَدْ كانَتْ﴾ أيْ وُجِدَتْ وُجُودًا تامًّا، وكانَ تَأْنِيثُ الفِعْلِ إشارَةً إلى الرِّضا بِها ولَوْ كانَتْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ ﴿لَكُمْ﴾ أيْ [أيُّها] المُؤْمِنُونَ ﴿أُسْوَةٌ﴾ أيْ مَوْضِعُ اقْتِداءٍ وتَأْسِيَةٍ وتَسَنُّنٍ وتَشَرُّعٍ وطَرِيقَةٌ مَرْضِيَّةٌ ﴿حَسَنَةٌ﴾ يُرْغَبُ فِيها ﴿فِي إبْراهِيمَ﴾ أيْ في قَوْلِ أبِي الأنْبِياءِ ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ أيْ [مِمَّنْ] كانُوا قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ومِمَّنْ آمَنَ بِهِ في زَمانِهِ كابْنِ أخِيهِ لُوطٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم قُدْوَةُ أهْلِ الجِهادِ والهِجْرَةِ ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿قالُوا﴾ وقَدْ كانَ مَن آمَنَ بِهِ أقَلَّ مِنكم وأضْعَفَ ﴿لِقَوْمِهِمْ﴾ الكَفَرَةِ، وقَدْ كانُوا أكْثَرَ مِن عَدُوِّكم وأقْوى وكانَ لَهم فِيهِمْ أرْحامٌ وقَراباتٌ ولَهم فِيهِمْ رَجاءٌ بِالقِيامِ والمُحاوَلاتِ.
ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ مِن ضَعْفِهِمْ وقُوَّةِ قَوْمِهِمْ مُبْعِدًا لِأنْ يُبارِزُوهُمْ، أكَّدُوا قَوْلَهم فَقالُوا: ﴿إنّا﴾ أيْ مِن غَيْرِ وقْفَةٍ ولا شَكٍّ ﴿بُرَآءُ﴾ أيْ مُتَبَرِّئُونَ تَبْرِئَةً عَظِيمَةً ﴿مِنكُمْ﴾ وإنْ كُنْتُمْ أقْرَبَ النّاسِ إلَيْنا ولا ناصِرَ لَنا مِنهم غَيْرُكم. ولَمّا تَبَرَّؤُوا مِنهم أتْبَعُوهُ ما هو أعْظَمُ عِنْدَهم مِنهم وهو سَبَبُ العَداوَةِ فَقالُوا: ﴿ومِمّا تَعْبُدُونَ﴾ أيْ تُوجِدُونَ عِبادَتَهُ في وقْتٍ (p-٤٩٧)مِنَ الأوْقاتِ الماضِيَةِ المُفِيدِ التَّعْبِيرُ [عَنْها] بِالمُضارِعِ تَصْوِيرَ الحالِ أوِ الحاضِرَةِ أوِ الآتِيَةِ كائِنًا مَن كانَ لا نَخافُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لِأنَّ إلَهَنا الَّذِي قاطَعْنا كُلَّ شَيْءٍ في الِانْقِطاعِ إلَيْهِ لا يُقاوِيهِ شَيْءٌ، ولا تَقْدِرُونَ أنْتُمْ مَعَ إشْراكِكم بِهِ عَلى البَراءَةِ مِنهُ.
ولَمّا كانُوا مُشْرِكِينَ قالُوا مُسْتَثْنِينَ ومُبَيِّنِينَ لِسُفُولِ كُلِّ شَيْءٍ عَنْ مُتَعالِي مَرْتَبَةِ مَعْبُودِهِمْ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي هو كافٍ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. ولَمّا كانَتِ البَراءَةُ عَلى أنْحاءٍ كَثِيرَةٍ، بَيَّنُوا أنَّها بَراءَةُ الدِّينِ الجامِعَةُ لِكُلِّ بَراءَةٍ فَقالُوا: ﴿كَفَرْنا بِكُمْ﴾ أيْ أوْجَدْنا السَّتْرَ لِكُلِّ ما يَنْبَغِي سَتْرُهُ حالَ كَوْنِنا مُكَذِّبِينَ بِكُلِّ ما يَكُونُ مِن جِهَتِكم مِن دِينٍ وغَيْرِهِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ الإيمانُ، وهو إيقاعُ الأمانِ مِنَ التَّكْذِيبِ لِمَن يُخْبِرُنا بِسَبَبِ كُلِّ ما يُضادُّهُ مُصَدِّقِينَ بِذَلِكَ. ولَمّا كانَ المُؤْمِنُ عَلى جِبِلَّةٍ مُضادَّةٍ لِجِبِلَّةِ الكافِرِ، عَبَّرَ بِما يُفْهِمُ [أنَّ] العَداوَةَ [كانَتْ مَوْجُودَةً] ولَكِنَّها كانَتْ مَسْتُورَةً، فَقالَ دالًّا عَلى قُوَّتِها بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ: ﴿وبَدا﴾ أيْ ظَهَرَ ظُهُورًا عَظِيمًا، وعَلى عَظَمَتِها بِالدَّلالَةِ بِنَزْعِ الخافِضِ عَلى أنَّها شاحِنَةٌ لِجَمِيعِ البَيْنَيْنِ فَقالَ: ﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ أيْ في جَمْعِ الحَدِّ الفاصِلِ بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنّا وكُلِّ واحِدٍ مِنكم ﴿العَداوَةُ﴾ وهي المُبايَنَةُ في الأفْعالِ بِأنْ يَعْدُوَ كُلٌّ [عَلى] الآخَرِ ولا يَكُونُ [ذَلِكَ] (p-٤٩٨)إلّا عِنْدَما [يَسْتَخِفُّ] الغَيْظُ الإنْسانَ لِإرادَةِ أنْ يَشْفِيَ صَدْرَهُ مِن شِدَّةِ ما حَصَلَ لَهُ مِن حَرارَةِ الخَنْقِ. فالعَداوَةُ مِمّا يَمْتَدُّ فَيَكُونُ مالِئَةً لِظَرْفِها، قالَ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتازانِيُّ في تَلْوِيحِهِ عَلى تَوْضِيحِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ في أوائِلِهِ في عَلاقاتِ المَجازِ: الفِعْلُ المَنسُوبُ إلى ظَرْفِ الزَّمانِ بِواسِطَةِ تَقْدِيرِ ”فِي“ دُونَ ذِكْرِهِ يَقْتَضِي كَوْنَ الظَّرْفِ مِعْيارًا لَهُ غَيْرَ زائِدٍ عَلَيْهِ مِثْلُ صُمْتُ الشَّهْرَ، يَدُلُّ عَلى صَوْمِ جَمِيعِ أيّامِهِ بِخِلافِ صُمْتُ في الشَّهْرِ، فَإذا امْتَدَّ الفِعْلُ امْتَدَّ الظَّرْفُ لِيَكُونَ مِعْيارًا [لَهُ] فَيَصِحُّ حَمْلُ اليَوْمِ - في نَحْوِ صِرْتُ يَوْمَ كَذا - عَلى حَقِيقَتِهِ، وهو ما يَمْتَدُّ مِنَ الطُّلُوعِ إلى الغُرُوبِ، وإذا لَمْ يَمْتَدَّ الفِعْلُ - يَعْنِي مِثْلَ وُقُوعِ الطَّلاقِ - لَمْ يَمْتَدَّ الظَّرْفُ، لِأنَّ المُمْتَدَّ لا يَكُونُ مِعْيارًا لِغَيْرِ المُمْتَدِّ فَحِينَئِذٍ لا يَصِحُّ حَمْلُ اليَوْمِ عَلى النَّهارِ المُمْتَدِّ بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنْ جُزْءٍ مِنَ الزَّمانِ الَّذِي لا يُعْتَبَرُ في العُرْفِ مُمْتَدًّا، وهو الآنَ سَواءٌ كانَ مِنَ النَّهارِ أوْ مِنَ اللَّيْلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] فَإنَّ التَّوَلِّيَ عَنِ الزَّحْفِ حَرامٌ لَيْلًا كانَ أوْ نَهارًا ولِأنَّ مُطْلَقَ ”الآنَ“ جُزْءٌ مِنَ ”الآنَ“ اليَوْمِيِّ وهو جُزْءٌ مِنَ اليَوْمِ، فَيَكُونُ مُطْلَقُ ”الآنَ“ جُزْءًا مِنَ اليَوْمِ، فَتُحَقَّقُ العَلاقَةُ. (p-٤٩٩)ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِ البُغْضِ بَلْ لِتَأْدِيبٍ ونَحْوِهِ قالُوا: ﴿والبَغْضاءُ﴾ أيْ وهي المُبايَنَةُ بِالقُلُوبِ بِالبُغْضِ العَظِيمِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ سَرِيعَ الزَّوالِ قالُوا: ﴿أبَدًا﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَرْئِيًّا مِن صَلاحِ الحالِ، وكانَ قَدْ يَكُونُ لِحَظِّ نَفْسٍ بَيَّنُوا غايَتَهُ عَلى وجْهٍ عُرِفَتْ بِهِ عِلَّتُهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿حَتّى تُؤْمِنُوا﴾ أيْ تُوقِعُوا الأمانَ مِنَ التَّكْذِيبِ لِمَن أمَرَكم بِالإيمانِ وأخْبَرَكم عَنِ الرَّحْمَنِ، حالَ كَوْنِكم مُصَدِّقِينَ ومُعْتَرِفِينَ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ. ولَمّا كانُوا يُؤْمِنُونَ بِهِ مَعَ الإشْراكِ قالُوا: ﴿وحْدَهُ﴾ أيْ تَكُونُوا مُكَذِّبِينَ بِكُلِّ ما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ.
ولَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ المُخاطَبِينَ عَلى التَّأسِّي بِقَوْلِ إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ في الوَقْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ اسْتَثْنى مِنهُ فَقالَ تَأْنِيسًا لِمَن نَزَلَتِ القِصَّةُ بِسَبَبِهِ واسْتِعْطافًا لَهُ وهو حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ فَلا تَأسِّيَ لَكم بِهِ ﴿لأبِيهِ﴾ واعِدًا لَهُ قَبْلَ أنْ يُبَيِّنَ لَهُ أنَّهُ ثابِتُ العَداوَةِ لِلَّهِ تَعالى لِكَوْنِهِ مَطْبُوعًا عَلى قَلْبِهِ، فَلا صَلاحَ لَهُ، يُقالُ: إنَّ أباهُ وعَدَهُ أنَّهُ يُؤْمِنُ فاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ، أنَّهُ لا يُؤْمِنُ تَبَرَّأ مِنهُ: ﴿لأسْتَغْفِرَنَّ﴾ أيْ لَأُوجِدَنَّ طَلَبَ الغُفْرانِ مِنَ اللَّهِ ﴿لَكَ﴾ فَإنَّ هَذا الِاسْتِغْفارَ لِكافِرٍ، فَلا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَتَأسَّوْا بِهِ فِيهِ مُطْلَقًا غَيْرَ ناظِرِينَ إلى عِلْمِ أنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلى قَلْبِهِ أوْ في حَيِّزِ الرُّجُوعِ. (p-٥٠٠)ولَمّا وعَدَهُ بِالِاسْتِغْفارِ تَرْغِيبًا لَهُ، رَهَّبَهُ لِئَلّا يَتْرُكَ السَّعْيَ في النَّجاةِ بِما مَعْناهُ أنَّهُ لَيْسَ في يَدِي غَيْرُ الِاسْتِغْفارِ، فَقالَ: ﴿وما أمْلِكُ لَكَ﴾ أيْ لِكَوْنِكَ كافِرًا ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْلى المُحِيطُ بِنُعُوتِ الجَلالِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ والِاسْتِثْناءُ وقَعَ [عَلى] هَذا القَوْلِ بِقَيْدِ الِاجْتِماعِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ التَّعَرُّضُ لِلْأجْزاءِ، فَلا تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى حِيالِها مُسْتَثْناةً لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا نادى: واصَباحاهُ حِينَ أنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] كانَ يَقُولُ لِكُلِّ مَن سَمّاهُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، حَتّى قالَ في آخِرِ ذَلِكَ: «يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! سَلِينِي مِن مالِي ما شِئْتِ لا أُغْنِ عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» .
ولَمّا حَثَّهم عَلى التَّأسِّي بِقَوْلِ الخُلَّصِ، وقَدَّمَ [مِنهُ] المُجافاةَ لِأنَّها المَقْصُودَةُ، واسْتَثْنى ما لا يَنْبَغِي التَّأسِّي فِيهِ اعْتِراضًا بِهِ بَيْنَ أجْزاءِ مَقالِهِمْ بَيانًا لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِلتَّنْفِيرِ مِنهُ مِن قَوْلِهِ، أتَمَّ ما يُؤْتَسى فِيهِ فَقالَ مُبَيِّنًا أنَّهم ما أقْدَمُوا عَلى مُجافاتِهِمْ بِما قالَ إلّا وقَدْ قَرَّرُوا جَمِيعَ ما يَقُولُونَهُ ورَضُوا بِهِ دُونَ مُوادَّتِهِمْ وانْقَطَعُوا إلى اللَّهِ وحْدَهُ انْقِطاعًا تامًّا يَفْعَلُ بِهِمْ ما يَشاءُ مِن تَسْلِيطِهِمْ عَلَيْهِمْ أوْ حِمايَتِهِمْ مِنهُمْ، لَكِنَّهم سَألُوا الحِمايَةَ (p-٥٠١)لا لِذاتِها ولا لِأنْفُسِهِمْ بَلْ لِئَلّا يَزِيدَ [ذَلِكَ] أعْداءَهم ضَلالًا ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا بِتَخْلِيصِكَ لَنا مِنَ الهَلاكِ بِاتِّباعِهِمْ ﴿عَلَيْكَ﴾ أيْ لا عَلى غَيْرِكَ ﴿تَوَكَّلْنا﴾ أيْ فَعَلْنا في جَمِيعِ أُمُورِنا مَعَكَ فِعْلَ مَن يَحْمِلُها عَلى قَوِيٍّ لِيَكْفِيَهُ أمْرَها لِأنّا نَعْلَمُ أنَّكَ تَكْفِي إذا شِئْتَ كُلَّ مُلِمٍّ، وأنَّهُ لا يَذِلُّ مَن والَيْتَ ولا يَعِزُّ مَن عادَيْتَ وقَدْ عادَيْنا فِيكَ قَوْمًا عُتاةً أقْوِياءَ ونَحْنُ ضُعَفاءُ، ورَضِينا بِكُلِّ ما يَحْصُلُ لَنا مِنهم غَيْرَ أنَّ عافِيَتَكَ هي أوْسَعُ لَنا.
ولَمّا كانَ الَّذِي يَنْبَغِي لِكُلِّ أحَدٍ وإنْ كانَ مُحْسِنًا أنْ يَعُدَّ نَفْسَهُ مُقَصِّرًا شارِدًا عَنْ رَبِّهِ لِأنَّهُ لِعِظَمِ جَلالِهِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَقْدُرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وأنْ يَعْزِمَ عَلى الِاجْتِهادِ في العِبادَةِ قالُوا مُخْبِرِينَ بِذَلِكَ عادِّينَ ذَلِكَ العَزْمَ رُجُوعًا: ﴿وإلَيْكَ﴾ أيْ وحْدَكَ لا إلى غَيْرِكَ ﴿أنَبْنا﴾ أيْ رَجَعْنا بِجَمِيعِ ظَواهِرِنا وبَواطِنِنا. ولَمّا كانَ المَعْنى تَعْلِيلًا: فَإنَّهُ مِنكَ المَبْدَأُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإلَيْكَ﴾ أيْ وحْدَكَ ﴿المَصِيرُ﴾
60:5Page 549
رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٥
Our Lord, make us not [objects of] torment for the disbelievers and forgive us, our Lord. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise."
ولَمّا أخْبَرُوا بِإسْلامِهِمْ لَهُ سُبْحانَهُ وعَلَّلُوهُ بِما اقْتَضى الإحاطَةَ فاقْتَضى مَجْمُوعُ ذَلِكَ الثَّناءَ الأتَمَّ، فَلَزِمَ مِنهُ الطَّلَبُ، صَرَّحُوا بِهِ فَقالُوا داعِينَ بِإسْقاطِ الأداةِ لِلدَّلالَةِ عَلى غايَةِ قُرْبِهِ سُبْحانَهُ بِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المُرَبِّي لَنا والمُحْسِنُ إلَيْنا ﴿لا تَجْعَلْنا﴾ بِإضْعافِنا والتَّسْلِيطِ عَلَيْنا ﴿فِتْنَةً﴾ (p-٥٠٢)أيْ مَوْضِعَ اخْتِبارٍ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِأنْ يُعَذِّبُونا بِعَذابٍ يُمِيلُنا عَمّا نَحْنُ عَلَيْهِ ويُمِيلُهم عَمّا وصَلُوا إلَيْهِ بِسَبَبِ إسْلامِنا مِنَ الزَّلازِلِ بِما يُوجِبُ ذَلِكَ لَهم مِنَ اعْتِقادِ لَوْ أنَّكَ كُنْتَ راضِيًا بِدِينِنا لَكُنّا عَلى الحَقِّ وكانُوا هم عَلى الباطِلِ ما أمْكَنْتَ مِنّا، فَيَزِيدُهم ذَلِكَ طُغْيانًا ظَنًّا مِنهم أنَّهم عَلى الحَقِّ وأنّا عَلى الباطِلِ.
ولَمّا كانَ رَأْسُ مالِ المُسْلِمِ الأعْظَمُ الِاعْتِرافَ بِالتَّقْصِيرِ وإنْ بَلَغَ النِّهايَةَ في المُجاهَدَةِ فَإنَّ الإلَهَ في غايَةِ العَظَمَةِ والبُعْدِ في نِهايَةِ الضَّعْفِ، فَبُلُوغُهُ [ما يَحِقُّ لَهُ] سُبْحانَهُ لا يُمْكِنُ بِوَجْهٍ قالُوا: ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ أيِ اسْتُرْ ما عَجَزْنا فِيهِ وامْحُ عَيْنَهُ وأثَرَهُ. ولَمّا طَلَبُوا مِنهُ الحِياطَةَ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، عَلَّلُوهُ زِيادَةً في التَّضَرُّعِ والخُضُوعِ واسْتِنْجازِ المَطْلُوبِ مُكَرِّرِينَ صِفَةَ الإحْسانِ زِيادَةً في التَّرَقُّقِ والِاسْتِعْطافِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْنا، وأكَّدُوا إعْلامًا بِشِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ بِحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ واعْتِرافًا بِأنَّهم قَدْ يَفْعَلُونَ ما فِيهِ شَيْءٌ مِن تَقْصِيرٍ فَيَكُونُ مِن مِثْلِ أفْعالِ مَن [لا] يَعْرِفُهُ سُبْحانَهُ فَقالُوا: ﴿إنَّكَ أنْتَ﴾ أيْ وحْدَكَ لا غَيْرُكَ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ (p-٥٠٣)الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ في أوْفَقِ مَحالِّها فَلا يُسْتَطاعُ نَقْضُها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يُعْطى مِن أمَلِهِ فَوْقَ ما طَلَبَ.
60:6Page 550
لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦
There has certainly been for you in them an excellent pattern for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day. And whoever turns away - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
ولَمّا أتَمَّ ما حَثَّهم عَلى التَّأسِّي فِيهِ بِذِكْرِ أعْظَمِ آبائِهِمْ لِأنَّ دَواعِيَ الإنْسانِ إلى المُداراةِ عَمّا يَخافُ عَلَيْهِ مِن أقارِبِهِ وآلِهِ وجَمِيعِ أحْوالِهِ عَظِيمَةٌ جِدًّا إنْ كانَ المُدارَأُ عَظِيمًا لا سِيَّما إنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ صَداقَةٌ وبِهِ أُلْفَةٌ، فَكانَ جَدِيرًا بَعْدَ الوَعْظِ والتَّأْسِيَةِ أنْ يَبْقى عِنْدَهُ بَقايا ولا سِيَّما والنّاسُ مُتَفاوِتُونَ، مِنهم مَن يَرُدُّهُ أيْسَرُ وعْظٍ ومِنهم مَن يَحْتاجُ إلى أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، أعادَ التَّأْسِيَةَ تَأْكِيدًا لَها عَلى وجْهٍ بَلَغَ الذُّرْوَةَ مِن جَمالِ التَّرْغِيبِ وجَلالِ التَّرْهِيبِ، ولِيَكُونَ فِيها أتَمُّ دَلالَةٍ عَلى أنَّ ما بَيْنَهُما مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ المَأْمُورِ بِالتَّأسِّي بِهِ مِنَ الدُّعاءِ وغَيْرِهِ إلّا ما اسْتَثْنى لِتَشْتَدَّ الرَّغْبَةُ فِيهِ، فَقالَ مُصَدِّرًا بِما دَلَّ عَلى القَسَمِ إشارَةً إلى أنَّ مَن فَعَلَ غَيْرَ هَذا كانَ فِعْلُهُ فِعْلَ مُنْكِرٍ لِحُسْنِ هَذا التَّأسِّي، ولِذَلِكَ ذَكَرَ الفِعْلَ الَّذِي أنَّثَهُ في الأوَّلِ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ أيْ أيُّها الَّذِينَ ادَّعَوُا الإيمانَ، وقَدَّمَ الظَّرْفَ بَيانًا لِلِاهْتِمامِ بِهِ فَقالَ: ﴿فِيهِمْ﴾ أيْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وأبْدَلَ مِن ﴿لَكُمْ﴾ ما هو الفَيْصَلُ في الدَّلالَةِ عَلى الباطِلِ، فَقالَ مُشِيرًا إلى أنَّ مَن لَمْ يَتَأسَّ بِهِمْ في هَذا لَمْ يَكُنْ راجِيًا لِما ذَكَرَ: ﴿لِمَن كانَ﴾ أيْ جُبِلَ عَلى أنَّهُ ﴿يَرْجُو اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ (p-٥٠٤)المُحِيطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فَهو ذُو الجَلالِ الَّذِي يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ، والإكْرامِ الَّذِي هو جَدِيرٌ بِأنْ يُعْطِيَ جَمِيعَ ما يُسْألُهُ ﴿واليَوْمَ الآخِرَ﴾ الَّذِي يُحاسِبُ عَلى، النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ، ولا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، فَمَن لَمْ يَتَأسَّ بِهِمْ كانَ تَرْكُهُ لِلتَّأسِّي دَلِيلًا عَلى سُوءِ عَقِيدَتِهِ، فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ، فَقَدْ أُذِنَ لِإمامِ المُسْلِمِينَ إنْ عَثَرَ عَلَيْهِ في عُقُوبَتِهِ، فَإنَّ عِلْمَ الغَيْبِ الَّذِي أعْلَمْناهُ نَبِيَّنا ﷺ بِأنَّ حاطِبًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَحِيحُ العَقِيدَةِ غَيْرُ مُتَأهِّلٍ لِلْعُقُوبَةِ مُنْقَطِعٌ بِمَوْتِهِ ﷺ ولا يَبْقى إلى ما نَصَبْناهُ مِنَ الشَّعائِرِ، وأقَمْناهُ مِنَ الدَّلائِلِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن أقْبَلَ عَلى هَذا التَّأسِّي لِكَوْنِهِ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ فَلَمْ يَخْلُدْ إلى الدُّنْيا، يَتَوَلَّهُ اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ رَحِيمٌ ودُودٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ أيْ يُوقِعِ الإعْراضَ عَنْ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ مُطْلَقًا لِكَوْنِهِ أخْلَدَ إلى الدُّنْيا ولَمْ يَرَ اليَوْمَ الآخِرَ أعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ، وأشارَ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ إلّا بِمُعالَجَةِ الفِطْرَةِ الأُولى، وأكَّدَ لِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ كالمُنْكِرِ لِمَضْمُونِ الكَلامِ فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ [الكامِلَةُ] ﴿هُوَ﴾ أيْ خاصَّةً (p-٥٠٥)﴿الغَنِيُّ﴾ أيْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴿الحَمِيدُ﴾ [أيِ] الَّذِي لَهُ الحَمْدُ المُحِيطُ، لِإحاطَتِهِ بِأوْصافِ الكَمالِ في حالِ الطّاعَةِ لَهُ والمَعْصِيَةِ فَإنَّ العاصِيَ عَبْدٌ لِإرادَتِهِ، كَما أنَّ المُطِيعَ عَبْدٌ لِآمِرِهِ وإرادَتِهِ ولُطْفِهِ، فَلا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مُرادِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ خاضِعٌ لِحُكْمِهِ، وقَدْ بَيَّنَتِ الآيَةُ أدَبَ العِشْرَةِ لَمّا ألْهَبَتْ وهَيَّجَتْ عَلى المُفارَقَةِ لِلْعُصاةِ والتَّبَرُّؤِ مِنهم حِسًّا ومَعْنًى، وإظْهارِ ذَلِكَ لَهم قَوْلًا وفِعْلًا، إلى [أنْ] تَحْصُلَ التَّوْبَةُ، ومَن لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ كانَ شَرِيكًا في الفِعْلِ فَيَكُونُ شَرِيكًا في الجَزاءِ كَما ورَدَ، ثُمَّ [لا] يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وجَلِيسَهُ، فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ولَعَنَهم عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ، ومَن فَعَلَ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ كانَ فِعْلُهُ جَدِيرًا بِأنْ يَكُونَ سَبَبَ الوَصْلَةِ والقُرْبِ والمَوَدَّةِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الرَّجاءَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، والتَّوَلِّيَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ سَبَبَ السَّعادَةِ تَرْغِيبًا وسَبَبَ الشَّقاوَةِ تَرْهِيبًا.
60:7Page 550
۞ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجۡعَلَ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ عَادَيۡتُم مِّنۡهُم مَّوَدَّةٗۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٞۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧
Perhaps Allāh will put, between you and those to whom you have been enemies among them, affection. And Allāh is competent,1 and Allāh is Forgiving and Merciful.
ولَمّا أتَمَّ وعْظَهم بِما هو الأنْفَعُ والأقْرَبُ إلى صَلاحِهِمْ فَفَعَلُوا، وكانَ ذَلِكَ شاقًّا لِما جُبِلَ عَلَيْهِ البَشَرُ مِن حُبِّ ذَوِي الأرْحامِ والعَطْفِ عَلَيْهِمْ، فَتَشَوَّفَتِ النُّفُوسُ إلى تَخْفِيفٍ بِنَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ، أتْبَعَهُ التَّرْجِئَةَ فِيما قَصَدَهُ حاطِبٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِغَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَتَوَصَّلُ بِهِ فَقالَ عَلى عادَةِ المُلُوكِ في الرَّمْزِ إلى ما يُرِيدُونَهُ فَيَقْنَعُ المَوْعُودُ بِهِ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ الرَّمْزُ (p-٥٠٦)عِنْدَهُ أعْظَمَ مِنَ البَتِّ مِن غَيْرِهِمْ [لِما لَهُمْ] مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تَقْتَضِي النَّزاهَةَ عَمّا يُلِمُّ بِشائِبَةِ نَقْصٍ، وذَلِكَ أعْظَمُ في الإيمانِ بِالغَيْبِ لِأنَّ الوُعُودَ لا تَزالُ بَيْنَ خَوْفٍ ورَجاءٍ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ كانَ يَقُولُ: كَيْفَ يَكُونُ الخَلاصُ مِن مِثْلِ هَذِهِ الواقِعَةِ وقَدْ بُنِيَتْ يا رَبَّ هَذِهِ الدّارِ عَلى حِكْمَةِ الأسْبابِ: ﴿عَسى اللَّهُ﴾ أيْ أنْتُمْ جَدِيرُونَ بِأنْ تَطْمَعُوا في المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿أنْ يَجْعَلَ﴾ بِأسْبابٍ لا تَعْلَمُونَها ﴿بَيْنَكم وبَيْنَ﴾ أيْ في جَمِيعِ الحَدِّ الفاصِلِ بَيْنَ المَجْمُوعِينَ أوْ بَيْنَ كُلِّ شَخْصَيْنِ مِنَ الجَمْعَيْنِ ﴿الَّذِينَ عادَيْتُمْ﴾ أيْ بِالمُخالَفَةِ في الدِّينِ ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ عادُوكم بِما تَقَدَّمَ بِأعْيانِهِمْ مِن أهْلِ مَكَّةَ ﴿مَوَدَّةً﴾ وقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ عامَ الفَتْحِ تَحْقِيقًا لِما رَجاهُ سُبْحانَهُ، وأجْرى سُنَّتَهُ الإلَهِيَّةَ بِأنَّ مَن عادَيْتُهُ فِيهِ جَعَلَ عاقِبَةَ ذَلِكَ إلى وِلايَةٍ عَظِيمَةٍ، ومَن تَهاوَنْتُ في مُقاطَعَتِهِ فِيهِ سُبْحانَهُ أقامَهُ لَكَ ضِدًّا.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ بِكم رَفِيقٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ تَذْكِيرًا لَهم بِما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ العَظَمَةِ قَوْلَهُ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِالكَمالِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ فَهو يَقْدِرُ عَلى تَقْلِيبِ القُلُوبِ وتَيْسِيرِ العَسِيرِ، فَلَمّا تَمَّ الرَّجاءُ لَمْ يَبْقَ إلّا كَدَرُ الذَّنْبِ (p-٥٠٧)فَأتْبَعَهُ تَطْيِيبًا لِلْقُلُوبِ مِمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ بِسَبَبِهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ مَحّاءٌ لِأعْيانِ الذُّنُوبِ وآثارِها ﴿رَحِيمٌ﴾ يُكْرِمُ الخاطِئِينَ إذا أرادَ بِالتَّوْبَةِ ثُمَّ بِالجَزاءِ غايَةَ الإكْرامِ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ اسْتَعْمَلَ أبا سُفْيانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى بَعْضِ اليَمَنِ، فَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أقْبَلَ فَلَقِيَ ذا الحَجّارِ مُرْتَدًّا فَقاتَلَهُ، فَكانَ أوَّلَ مَن قاتَلَ عَلى الرِّدَّةِ،» فَتِلْكَ المَوَدَّةُ بَعْدَ المُعاداةِ.
60:8Page 550
لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨
Allāh does not forbid you from those who do not fight you because of religion and do not expel you from your homes - from being righteous toward them and acting justly toward them. Indeed, Allāh loves those who act justly.
ولَمّا تَمَّ الوَعْظُ والتَّأْسِيَةُ وتَطْبِيبُ النُّفُوسِ بِالتَّرْجِئَةِ، وكانَ وصْفُ الكُفّارِ بِالإخْراجِ لَهم مِن دِيارِهِمْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالقُوَّةِ فَيَعُمُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالفِعْلِ فَيَخُصُّ أهْلَ مَكَّةَ أوْ مَن باشَرَ الأذى الَّذِي تَسَبَّبَ عَنْهُ الخُرُوجُ مِنهُمْ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤْذِنًا بِالإشارَةِ إلى الِاقْتِصادِ في الوِلايَةِ والعَداوَةِ كَما قالَ ﷺ: ”أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما عَسى أنْ يَكُونَ بِغِيضَكَ يَوْمًا ما. وأبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا ما عَسى أنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا ما“ ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي اخْتَصَّ بِالجَلالِ والإكْرامِ ﴿عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ أيْ بِالفِعْلِ ﴿فِي الدِّينِ﴾ أيْ بِحَيْثُ تَكُونُونَ مَظْرُوفِينَ لَهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ خارِجًا عَنْهُ، (p-٥٠٨)فَأخْرَجَ ذَلِكَ القِتالَ بِسَبَبِ حَقٍّ دُنْيَوِيٍّ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالدِّينِ، وأخْرَجَ مَن لَمْ يُقاتِلْ أصْلًا كَخُزاعَةٍ والنِّساءِ، ومِن ذَلِكَ أهْلُ الذِّمَّةِ بَلِ الإحْسانُ إلَيْهِمْ مِن مَحاسِنِ الأخْلاقِ ومَعالِي الشِّيَمِ لِأنَّهم جِيرانٌ.
ولَمّا كانَ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوا لِذَلِكَ رُبَّما كانُوا قَدْ ساعَدُوا عَلى الإخْراجِ قالَ: ﴿ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ﴾ وقَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دِيارِكُمْ﴾ ولَمّا كانَ قَدْ وسَّعَ لَهم سُبْحانَهُ بِالتَّعْمِيمِ في إزالَةِ النَّهْيِ خَصَّ بِقَوْلِهِ مُبْدِلًا مِنَ ”الدِّينِ“: ﴿أنْ﴾ أيْ لا يَنْهاكم عَنْ أنْ ﴿تَبَرُّوهُمْ﴾ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ البِرِّ الظّاهِرَةِ فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ صَرِيحٍ في قَصْدِ المُوادَدَةِ ﴿وتُقْسِطُوا﴾ أيْ تَعْدِلُوا العَدْلَ الَّذِي هو في غايَةِ الِاتِّزانِ بِأنْ تُزِيلُوا القَسْطَ الَّذِي هو الجَوْرُ، وبَيَّنَ أنَّ المَعْنى: مُوصِلِينَ لِذَلِكَ الإقْساطِ ﴿إلَيْهِمْ﴾ إشارَةً إلى أنَّ فِعْلَ الإقْساطِ ضِمْنُ الِاتِّصالِ، وإلى أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّهم وإنْ تَكَفَّلُوا الإرْسالَ إلَيْهِمْ مِنَ البُعْدِ بِما أُذِنَ لَهم فِيهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ الرِّفْقِ واللَّهُ يُحِبُّ الرِّفْقَ في جَمِيعِ الأُمُورِ ويُعْطِي عَلَيْهِ ما لا يُعْطِي عَلى الخَرْقِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا دَفْعًا لِظَنِّ مَن يَرى أذى الكُفّارِ بِكُلِّ طَرِيقٍ،
﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿يُحِبُّ﴾ أيْ يَفْعَلُ فِعْلَ المُحِبِّ مَعَ ﴿المُقْسِطِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ يُزِيلُونَ الجَوْرَ ويُوقِعُونَ العَدْلَ.
60:9Page 550
إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٩
Allāh only forbids you from those who fight you because of religion and expel you from your homes and aid in your expulsion - [forbids] that you make allies1 of them. And whoever makes allies of them, then it is those who are the wrongdoers.
ولَمّا عُلِمَ الحالُ مِن هَذا وما في أوَّلِ السُّورَةِ، أتْبَعَهُ التَّصْرِيحَ بِما (p-٥٠٩)أفادَهُ مَجْمُوعًا أحْسَنَ جَمْعٍ مُصَوَّرًا أحْسَنَ تَصْوِيرٍ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ﴾ مُتَعَمِّدِينَ لِقِتالِكم كائِنِينَ ﴿فِي الدِّينِ﴾ لَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ خارِجًا عَنْهُ، لِتَكُونَ العَداوَةُ في اللَّهِ ﴿وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكُمْ﴾ أيْ بِأنْفُسِهِمْ لِبُغْضِكم ﴿وظاهَرُوا﴾ أيْ عاوَنُوا غَيْرَهم ﴿عَلى إخْراجِكُمْ﴾ ولَمّا تَناوَلَ هَذا المَقْصُودِينَ صَرِيحًا، وكانَ النَّهْيُ الَّذِي مَوْضِعُهُ الأفْعالُ قَدْ عُلِّقَ بِأعْيانِهِمْ تَأْكِيدًا لَهُ، عَرَّفَ بِالمَقْصُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ﴾ أيْ إنَّما يَنْهاكم عَنِ المَذْكُورِينَ في أنْ ﴿تَوَلَّوْهُمْ﴾ أيْ تُكَلِّفُوا فِطَرَكُمُ الأُولى أنْ تَفْعَلُوا مَعَهم جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ القَرِيبُ الحَمِيمُ الشَّفِيقُ فَتُصَرِّحُوا بِأنَّهم أوْلِياؤُكم وتُناصِرُوهم ولَوْ كانَ ذَلِكَ عَلى أدْنى الوُجُوهِ - بِما أشارَ إلَيْهِ إسْقاطُ التّاءِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن أطاعَ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهُمْ﴾ أيْ يُكَلِّفْ نَفْسَهُ الحَمْلَ عَلى غَيْرِ ما يَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى مِنَ المُنابَذَةِ، وأطْلَقَ ولَمْ يُقَيِّدْ بِـ ”مِنكُمْ“ لِيَعُمَّ المُهاجِرِينَ وغَيْرَهم والمُؤْمِنِينَ وغَيْرَهُمْ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ الَّذِينَ أبْعَدُوا عَنِ العَدْلِ ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً لا غَيْرُهُمُ العَرِيقُونَ في أنَّهُمُ ﴿الظّالِمُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في إيقاعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها كَمَن يَمْشِي في مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ بِسَبَبِ هَذا التَّوَلِّي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences