Al-Biqa'iAl‑Munafiqun · 63:1–7

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

المنافقون

Al-Munafiqun

The Hypocrites · Medinan · 11 ayahs

63:1Page 554

إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ قَالُواْ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَكَٰذِبُونَ ١

When the hypocrites come to you, [O Muḥammad], they say, "We testify that you are the Messenger of Allāh." And Allāh knows that you are His Messenger, and Allāh testifies that the hypocrites are liars.

(p-٧٣)سُورَةُ المُنافِقُونَ

مَقْصُودُها كَمالُ التَّحْذِيرِ مِمّا يَثْلِمُ الإيمانَ مِنَ الأعْمالِ الباطِنَةِ، [والتَّرْهِيبُ] مِمّا يَقْدَحُ في الإسْلامِ مِنَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ، بِمُخالَفَةِ الفِعْلِ لِلْقَوْلِ فَإنَّهُ نِفاقٌ في الجُمْلَةِ فَيُوشِكُ يَجُرُّ إلى كَمالِ النِّفاقِ فَيَخْرُجُ مِنَ الدِّينِ ويَدْخُلُ الهاوِيَةَ، لِيَكُونَ هَذا التَّحْذِيرُ سَبَبًا في صِدْقِ الأقْوالِ ثُمَّ صِدْقِ الأعْمالِ ثُمَّ صِدْقِ الأخْلاقِ ثُمَّ صِدْقِ الأحْوالِ ثُمَّ قِفِ الأنْفاسَ، فَصِدْقُ القَوْلِ [أنْ] لا يَقُولُ القائِلُ إلّا عَنْ بُرْهانٍ، وصِدْقُ العَمَلِ أنْ لا يَكُونَ لِلْبِدْعَةِ عَلَيْهِ سُلْطانٌ، وصِدْقُ الأخْلاقِ أنْ لا يُلاحَظُ ما يَبْدُو مِنهُ مِنَ الإحْسانِ بَعْدَ المُبالَغَةِ فِيهِ بِعَيْنِ النُّقْصانِ، وصِدْقُ الأحْوالِ أنْ يَكُونَ عَلى كَشْفِ وبَيانِ وصِدْقِ الأنْفاسِ أنْ لا يَتَنَفَّسَ إلّا عَنْ وُجُودٍ كالعِيانِ، وتَسْمِيَتِها بِالمُنافِقِينَ واضِحَةٌ في ذَلِكَ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ العُظْمى عِلْمًا وقُدْرَةً فَمَن زاغَ أرادَهُ ”الرَّحْمَنُ“ الَّذِي سَتَرَ بِعُمُومِ رَحْمَتِهِ مَن أرادَ مِن عِبادِهِ وفَضَحَ مَن (p-٧٤)شاءَ وإنْ دَقَّقَ مَكْرَهُ وأخْفاهُ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي وفَّقَ أهْلَ وِدِّهِ بِإتْمامِ نِعْمَتِهِ لِما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ.

* *

لَمّا نَهى سُبْحانَهُ في المُمْتَحَنَةِ عَنِ اتِّخاذِ عَدُوِّهِ ولِيًّا، وذَمَّ في الصَّفِّ عَلى المُخالَفَةِ بَيْنَ القَوْلِ والفِعْلِ، وحَذَّرَ آخِرَ الجُمْعَةِ مِنَ الإعْراضِ عَنْ حالٍ مِن أحْوالِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ مَعَ الوِفاقِ، لِأنَّ صُورَةَ ذَلِكَ كُلَّهُ صُورَةُ النِّفاقِ، قُبَّحَ في أوَّلِ هَذِهِ حالَ مَن أقْبَلَ عَلَيْهِ عَلى حالِ النِّفاقِ، لِأنَّهُ يَكُونُ كاليَهُودِ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها، واسْتَمَرَّتِ السُّورَةُ كُلُّها في ذَمِّهِمْ بِأقْبَحِ الذَّمِّ لِيَكُونَ زاجِرًا عَنْ كُلِّ ما ظاهِرُهُ نِفاقٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ﴾ أيْ يا أيُّها الرَّسُولُ المُبَشَّرُ بِهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴿المُنافِقُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في وصْفِ النِّفاقِ وهو إسْلامُ الظّاهِرِ وكُفْرُ الباطِنِ، وأغْلَبُهم مِنَ اليَهُودِ ﴿قالُوا﴾ مُؤَكِّدِينَ لِأجْلِ اسْتِشْعارِهِمْ لِتَكْذِيبِ مَن يَسْمَعُهم لِما عِنْدَهم مِنَ الِارْتِيابِ: ﴿نَشْهَدُ﴾ قالَ الحَسَنُ: هو بِمَنزِلَةِ يَمِينٍ كَأنَّهم قالُوا: نُقْسِمُ ﴿إنَّكَ﴾ - التَّأْكِيدُ لِذَلِكَ وإيهامًا لِأنَّ قُوَّةَ تَأْكِيدِهِمْ لِشِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ في مَضْمُونِ ما يَقُولُونَهُ ﴿لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي [لَهُ] الإحاطَةُ الكامِلَةُ، فَوافَقُوا الحَقَّ بِظاهِرِ أحْوالِهِمْ، وخالَفُوا بِقُلُوبِهِمْ وأفْعالِهِمْ.

(p-٧٥)ولَمّا كانَتِ الشَّهادَةُ الإخْبارَ عَنْ عِلْمِ اليَقِينِ لِأنَّها مِنَ الشُّهُودِ وهو كَمالُ الحُضُورِ وتَمامُ الِاطِّلاعِ ومُواطَأةُ القُلُوبِ لِلْألْسِنَةِ، صَدَّقَ سُبْحانَهُ المَشْهُودَ بِهِ وكَذَّبَهم في الإقْسامِ بِالشَّهادَةِ ومُواطَأةِ ألْسِنَتِهِمْ لِقُلُوبِهِمْ [فَقالَ]: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أيْ وعِلْمُهُ هو العِلْمُ في الحَقِيقَةِ، وأكَّدَهُ سُبْحانَهُ بِحَسَبِ إنْكارِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ سَواءٌ شَهِدَ المُنافِقُونَ بِذَلِكَ أمْ لَمْ يَشْهَدُوا، فالشَّهادَةُ بِذَلِكَ حَقٌّ مِمَّنْ يُطابِقُ لِسانُهُ قَلَبَهُ، وتَوَسَّطَ هَذا بَيْنَ شَهادَتِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ شَهادَتُهم مِنَ الرِّسالَةِ كَذِبٌ.

ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّ هَذا تَأْكِيدٌ لِكَلامِ المُنافِقِينَ، دَلَّ عَلى أنَّهُ تَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ كَلامِهِمْ دُونَ شَهادَتِهِمْ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿يَشْهَدُ﴾ شَهادَةً هي الشَّهادَةُ [لِأنَّها مُحِيطَةٌ] بِدَقائِقِ الظّاهِرِ والباطِنِ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في وصْفِ النِّفاقِ ﴿لَكاذِبُونَ﴾ أيْ في إخْبارِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ أنَّهم يَشْهَدُونَ لِأنَّ قُلُوبَهم لا تُطابِقُ ألْسِنَتَهم فَهم لا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ، ومِن شَرْطِ قَوْلِ الحَقِّ أنْ يَتَّصِلَ ظاهِرُهُ باطِنَهُ وسِرُّهُ بِعَلانِيَتِهِ، ومَتى تُخالِفُ ذَلِكَ فَهو كَذِبٌ، لا المُرادُ أنَّهم كاذِبُونَ في صِحَّةِ ما تَضَمَّنَتْهُ شَهادَتُهم مِن أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ (p-٧٦)والحاصِلُ أنَّ الشَّهادَةَ تَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ: صِدْقُ مَضْمُونِ الخَبَرِ والإذْعانُ لَهُ، فَصِدْقُهم في الأوَّلِ وكَذِبُهم في الثّانِي فَصارُوا بِنِفاقِهِمْ أسْفَلَ حالًا وشَرَّ مَآلًا مِنَ اليَهُودِ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لِما أعْقَبَ حالُ المُؤْمِنِينَ فِيما خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ مِمّا انْطَوَتْ عَلَيْهِ الآياتُ الثَّلاثُ إلى صَدْرِ سُورَةِ الجُمْعَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤] بِذِكْرِ حالِ مَن [لَمْ] يَنْتَفِعْ بِما حَمَلَ حَسْبَما تَقَدَّمَ، وكانَ في ذَلِكَ مِنَ المَواعِظِ والتَّنْبِيهِ ما يَنْتَفِعُ بِهِ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ، أتْبَعَ بِما هو أوْقَعُ في الغَرَضِ وأبْلَغُ في المَقْصُودِ، وهو ذِكْرُ طائِفَةٍ بَيْنَ أظْهَرُ مِن قَدَّمَ الثَّناءَ عَلَيْهِمْ ومِن أقْرانِهِمْ وأتْرابِهِمْ وأقارِبِهِمْ، تَلَبَّسَتْ في الظّاهِرِ بِالإيمانِ، وأظْهَرَتِ الِانْقِيادَ والإذْعانَ، وتَعَرَّضَتْ فَأعْرَضَتْ وتَنَصَّلَتْ فِيما وصَلَتْ، بَلْ عاقَتْها الأقْدارُ، فَعَمِيَتِ البَصائِرُ والأبْصارُ، ومِنَ المُطَّرِدِ المَعْلُومِ أنَّ اتِّعاظَ الإنْسانِ بِأقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ وبِأهْلِ زَمانِهِ أغْلَبُ مِنَ اتِّعاظِهِ بِمَن بَعُدَ عَنْهُ زَمانًا ونَسَبًا، فَأتْبَعَتْ سُورَةُ الجُمْعَةَ بِسُورَةِ المُنافِقِينَ وعْظًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِحالِ أهْلِ النِّفاقِ، وبَسَطَ مِن قِصَصِهِمْ ما يُلائِمُ ما ذَكَرْناهُ، وكانَ قِيلَ لَهُمْ: لَيْسَ مَن أظْهَرَ الِانْقِيادَ والِاسْتِجابَةَ، ثُمَّ بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ كانَ فِيما حَمَلَ كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِأعْجَبِ مِن حالِ إخْوانِكم زَمانًا وقَرابَةً، وأنْتُمْ أعْرَفُ النّاسِ (p-٧٧)بِهِمْ وأنَّهم [قَدْ] كانُوا في الجاهِلِيَّةِ مَوْصُوفِينَ بِجَوْدَةِ الرَّأْيِ وحُسْنِ النَّظَرِ

﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] قُلْتُ: وقَدْ مَرَّ في الخُطْبَةِ ما رَوَيْناهُ في مُصَنَّفِ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ مِن قَوْلِ أُناسٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الجُمْعَةِ بِسُورَةِ الجُمْعَةِ [والمُنافِقِينَ]» فَيُبَشِّرُ بِها المُؤْمِنِينَ ويُحَرِّضُهُمْ، وأمّا سُورَةُ المُنافِقِينَ فَيُوئِسُ بِها المُنافِقِينَ ويُوَبِّخُهُمْ، وهَذا نَحْوُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا - انْتَهى.

63:2Page 554

ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢

They have taken their oaths as a cover, so they averted [people] from the way of Allāh. Indeed, it was evil that they were doing.

ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّهم لَمْ يَعْتَقِدُوا ما شَهِدُوا بِهِ، وكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما الحامِلُ لَهم عَلى هَذا الكَلامِ المُؤَكَّدِ والكَذِبِ في غايَةِ القَباحَةِ لا سِيَّما عِنْدَ العَرَبِ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُسَمِّيًا شَهادَتَهم إيمانًا لِأنَّ الشَّهادَةَ تَجْرِي مَجْرى القَسَمِ في إرادَةِ التَّوْكِيدِ، ولِذَلِكَ يَتَلَقّى بِما يَتَلَقّى بِهِ القَسَمُ: ﴿اتَّخَذُوا﴾ أيْ أخَذُوا بِجُهْدِهِمْ ﴿أيْمانَهُمْ﴾ أيْ كُلَّها مِن شَهادَتِهِمْ هَذِهِ المُجْتَهِدُ في تَوْكِيدِها وكُلِّ يَمِينٍ سِواها ﴿جُنَّةً﴾ أيْ وِقايَةً تَقِيهِمُ المَكارِهَ الدُّنْيَوِيَّةَ [و]يَسْتَتِرُونَ بِها مِنها فَيَصُونُونَ بِها دِماءَهم وأمْوالَهُمْ، فاسْتَضاءُوا بِنُورِ الإجابَةِ فَلَمْ يَنْبَسِطْ عَلَيْهِمْ شُعاعُ نُورِ السَّعادَةِ فانْطَفَأ نُورُهم بِقَهْرِ الحِرْمانِ، وبَقُوا في ظُلُماتِ القِسْمَةِ السّابِقَةِ بِحُكْمِ الخِذْلانِ ﴿فَصَدُّوا﴾ أيْ فَسَبَّبَ لَهُمُ اتِّخاذُهم هَذا أنْ أعْرَضُوا بِأنْفُسِهِمْ مَعَ سُوءِ البَواطِنِ (p-٧٨)وحَرارَةِ الصُّدُورِ، وحَمَلُوا غَيْرَهم عَلى الإعْراضِ لِما يَرى مِن سَيِّئِ أحْوالِهِمْ بِتِلْكَ الظَّواهِرِ مَعَ بَقائِهِمْ عَلى ما كانُوا ألِفُوهُ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي يُزَيِّنُهُ الشَّيْطانُ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ عَنْ طَرِيقِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبادِهِ لِيَصِلُوا بِهِ إلى مَحَلِّ رِضْوانِهِ، ووَصَلُوا إلى ذَلِكَ بِخِداعِهِمْ ومَكْرِهِمْ بِجُرْأتِهِمْ عَلى الأيْمانِ الحانِثَةِ الَّتِي يَمْشُونَ حالَهم بِها لِما شَرَعَهُ اللَّهُ في هَذِهِ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ مِنَ القَناعَةِ مِنَ الحالِفِ بِيَمِينِهِ فِيما لا يَعْلَمُ إلّا مِن قِبَلِهِ.

ولَمّا كانَ ما أخْبَرَ بِهِ مِن حالِهِمْ في غايَةِ القَباحَةِ، أنْتَجَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُمْ﴾ وأكَّدَهُ لِأنَّ حالَهم بِعَجَبِهِمْ وعَجِبَ كَثِيرًا مِمَّنْ قارَبَهم ﴿ساءَ ما كانُوا﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ عَمَلَهُ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ بِما هو كالجِبِلَّةِ مِن جُرْأتِهِمْ عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ وخَلَّصَ عِبادَهُ بِالأيْمانِ الحانِثَةِ.

63:3Page 554

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٣

That is because they believed, and then they disbelieved; so their hearts were sealed over, and they do not understand.

ولَمّا كانَتِ المَعاصِي تُعْمِي القَلْبَ فَكَيْفَ بِأعْظَمِها، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ في البُعْدِ مِنَ الخَيْرِ مِنَ الكَذِبِ بِالإخْبارِ بِالشَّهادَةِ والحَلِفِ عَلى الصِّدْقِ والصَّدِّ عَنِ السَّبِيلِ والوَصْفِ لِعَمَلِهِمْ بِالسُّوءِ ﴿بِأنَّهم آمَنُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم أقَرُّوا بِالإيمانِ بِألْسِنَتِهِمْ مِن غَيْرِ مُطابِقَةٍ لِقُلُوبِهِمْ. ولَمّا كانَ الكُفْرُ مُسْتَبْعَدًا فَكَيْفَ إذا كانَ بَعْدَ الإقْرارِ، عَبَّرَ بِأداةِ البُعْدِ لِذَلِكَ ولِتَفْهَمَ الذَّمَّ عَلى التَّعْقِيبِ مِن بابِ الأوْلى، ولِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنَّ الذَّمَّ إنَّما هو عَلى تَعْقِيبِ الإيمانِ بِالكُفْرِ فَقَطْ، لا عَلى مُطْلَقِهِ، (p-٧٩)فالتَّعْبِيرُ بِثُمَّ يُفْهِمُ أنَّ مَنِ اسْتَمَرَّ طُولَ عُمْرِهِ عَلى الإيمانِ ثُمَّ كَفَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِلَحْظَةٍ كانَ لَهُ هَذا الذَّمُّ فَقالَ: ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ أيْ سِرًّا فَهابُوا النّاسَ ولَمْ يَهابُوا اللَّهَ. ولَمّا كانَ مُجَرَّدَ الطَّبْعِ عَلى القَلْبِ في غايَةِ البَشاعَةِ، كانَ مُفْهِمًا لِبَشاعَةِ ما كانَ مِنهُ مِنَ اللَّهِ مِن بابِ الأوْلى، بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ قَوْلُهُ: ﴿فَطُبِعَ﴾ أيْ فَحَصَلَ الطَّبْعُ وهو الخَتْمُ مَعَ أنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ لِأجْلِ اجْتِرائِهِمْ عَلى ما هو أكْبَرُ الكَبائِرِ عَلى وجْهِ النِّفاقِ حَتّى مُرِّنُوا عَلى الكُفْرِ واسْتَحْكَمُوا فِيهِ، وكَذَلِكَ مَن تَرَكَ الجُمْعَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ تَهاوُنًا بِها ﴿فَهُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ لا يَقَعُ لَهم فِقْهٌ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَهم لا يُمَيِّزُونَ صَوابًا مِن خَطَأٍ ولا حَقًّا مِن باطِلٍ لِأنَّ المَخْتُومَ عَلَيْهِ لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ ولا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ.

63:4Page 554

۞ وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسۡمَعۡ لِقَوۡلِهِمۡۖ كَأَنَّهُمۡ خُشُبٞ مُّسَنَّدَةٞۖ يَحۡسَبُونَ كُلَّ صَيۡحَةٍ عَلَيۡهِمۡۚ هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٤

And when you see them, their forms please you, and if they speak, you listen to their speech. [They are] as if they were pieces of wood propped up1 - they think that every shout is against them. They are the enemy, so beware of them. May Allāh destroy them; how are they deluded?

ولَمّا وصَّفَ سُبْحانَهُ بَواطِنَهم بِما زَهِدَ فِيهِمْ لِأنَّ الإنْسانَ بِعَقْلِهِ كَما أنَّ المَأْكُولَ بِشَكْلِهِ، وكانَتْ لَهم أشْكالٌ تَغُرُّ ناظِرَها لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَقُولُ: جَمالُ المَنظَرِ يَدُلُّ غالِبًا عَلى حُسْنِ المُخْبَرِ، قالَ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَهُمْ﴾ أيْ أيُّها الرَّسُولُ عَلى ما لَكَ مِنَ الفِطْنَةِ ونُفُوذِ الفِراسَةِ (p-٨٠)أوْ أيُّها الرّائِي كائِنًا مَن كانَ بِعَيْنِ البَصَرِ ﴿تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ لِضَخامَتِها وصَباحَتِها، فَإنَّ غايَتَهم كُلَّها بِصَلاحِ ظَواهِرِهِمْ وتَرْفِيهِ أنْفُسِهِمْ، فَهم أشْباحُ وقَوالِبُ لَيْسَ وراءَها ألْبابٌ وحَقائِقُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ ابْنُ أُبَيٍّ [يَعْنِي] - الَّذِي نَزَلَتِ السُّورَةُ بِسَبَبِهِ - جَسِيمًا فَصِيحًا صَحِيحًا ذَلَقَ اللِّسانِ، وقَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ في مِثْلِ صِفَتِهِ وهم رُؤَساءُ المَدِينَةِ، وكانُوا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَسْتَنِدُونَ فِيهِ ولَهم جَهارَةُ المَناظِرِ وفَصاحَةُ الألْسُنِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَن حَضَرَ يَعْجَبُونَ بِهَياكِلِهِمْ. ولَمّا وصَفَ البَواطِنَ والظَّواهِرَ، وكانَ قَوْلُهُمُ: المَرْءُ بَأصْغَرَيْهِ قَلْبِهِ ولِسانِهِ مَشْرُوطًا كَما هو ظاهِرُ العِبارَةِ بِمُطابَقَةِ اللِّسانِ لِلْقَلْبِ، قالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ الشَّكِّ إشارَةً إلى أنَّهم لا يُكَلِّمُونَهُ ﷺ إلّا اضْطِرارًا لِأنَّهم لا يُحِبُّونَ مُكالَمَتَهُ ولا باعِثَ لَهم عَلَيْها لِما عِنْدَهم مِن أمْراضِ القُلُوبِ: ﴿وإنْ يَقُولُوا﴾ أيْ يُوجَدُ مِنهم قَوْلٌ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ أيْ لِأنَّهُ يَكُونُ بِحَيْثُ يُلَذِّذُ السَّمْعَ ويَرُوقُ الفِكْرَ لِما فِيهِ مِنَ الِادِّهانِ مَعَ الفَصاحَةِ فَهو يَأْخُذُ بِمَجامِعِ القَلْبِ.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ ظاهِرِهِمْ، دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الظّاهِرَ أمْرٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وأنَّهم لَمّا وطَّنُوا أنْفُسَهم عَلى الوَقاحَةِ وخَلَعُوا لِباسَ الحَياءِ بِالكَذِبِ (p-٨١)بَذَلُوا جَمِيعَ الجُهْدِ في تَحْسِينِ القَوْلِ لِأنَّهُ لا دَرْكَ عَلَيْهِمْ فِيهِ فِيما يَحْسَبُونَ بِوَجْهٍ لِأنَّهم لا يَحْسُبُونَ لِلْآخِرَةِ حِسابًا فَقالَ: ﴿كَأنَّهُمْ﴾ أيْ في حُسْنِ ظَواهِرِهِمْ وسُوءِ بَواطِنِهِمْ وفي الجُبْنِ والخَوَرِ وعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِهِمْ في شَيْءٍ مِن فَهْمٍ أوْ ثَباتٍ فَإنَّهم لا حَقِيقَةَ لَهم ﴿خُشُبٌ﴾ جَمْعُ كَثْرَةٍ لِخَشَبَةٍ وهو دَلِيلٌ عَلى كَثْرَتِهِمْ. ولَمّا كانَ الخَشَبُ رُبَّما أطْلَقَ عَلى المَغْرُوسِ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُنَبِّهًا بِالتَّشْدِيدِ عَلى الكَثْرَةِ: ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾ أيْ قَدْ قُطِعَتْ مِن مَغارِسِها وقُشِّرَتْ وأُسْنِدَتْ إلى الجُدُرِ لِئَلّا يُفْسِدَها التُّرابُ، فَهي بَيْضٌ تُلَوِّحُ تَعَجُّبَ ناظِرِها ولا ثَباتَ لَها ولا باطِنَ بِثَمَرَةٍ ولا سَقْيَ فَلا مَدَدَ سَماوِيَّ [لَها] أصْلًا يُزَكِّيها نَوْعُ زُكاءٍ فَقَدْ فَقَدَتْ رُوحَ الإثْباتِ الَّذِي بِهِ كَمالُها كَما فَقَدَ المُنافِقُ رُوحَ الإيمانِ الَّذِي بِهِ كَمالُ النّاطِقِ وبَقاؤُهُ، فَهم في تِلْكَ الحالَةِ أشْباحٌ بِلا أرْواحٍ أجْسامٌ بِلا أحْلامٍ.

ولَمّا كانَ مَن يَقُولُ ما لا يَفْعَلُ يَصِيرُ مُتَّهَمًا لِكُلِّ مَن يُكَلِّمُهُ، لِأنَّهُ لِإخْلافِهِ لَهُ قَدْ صارَ عَدُوَّهُ فَيَتَوَهَّمُ النّاسُ كُلُّهم أعْداءً لَهُ فَيُكْسِبُهُ ذَلِكَ أشَدَّ الجُبْنِ، وذَلِكَ هو السَّبَبُ الأعْظَمُ في تَحْسِينِ قَوْلِهِ، قالَ: ﴿يَحْسَبُونَ﴾ أيْ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ وكَثْرَةِ ارْتِيابِهِمْ لِكَثْرَةِ ما يُباشِرُونَ مِن سُوءِ أعْمالِهِمْ (p-٨٢)﴿كُلَّ صَيْحَةٍ﴾ أيْ مِن نِداءِ مُنادٍ في انْفِلاتِ دابَّةٍ أوْ إنْشادِ ضالَّةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ واقِعَةٌ. ولَمّا كانَ مَن يَظُنُّ عَداوَةَ النّاسِ لَهُ يَكُونُ هو عَدُوًّا لَهُمْ، قالَ نَتِيجَةُ ما مَضى: ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿العَدُوُّ﴾ أيْ كامِلُ العَداوَةِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الإخْبارُ بِالمُفْرَدِ الَّذِي يَقَعُ عَلى الجَمْعِ دُونَ الجَمْعِ إشارَةً إلى أنَّهم - في شِدَّةِ عَداوَتِهِمْ لِلسَّلامِ وأهْلِهِ وكَمالِ قَصْدِهِمْ وشِدَّةِ سَعْيِهِمْ فِيهِ - عَلى قَلْبٍ واحِدٍ وإنْ أظْهَرُوا التَّوَدُّدَ في الكَلامِ والتَّقَرُّبَ بِهِ إلى أهْلِ الإسْلامِ، فَإنَّ ألْسِنَتَهم مَعَكم إذا لَقُوكُمْ، وقُلُوبُهم عَلَيْكم مَعَ أعْدائِكُمْ، فَهو عُيُونٌ لَهم عَلَيْكم.

ولَمّا بَيْنَ ذَلِكَ مِن سُوءِ أحْوالِهِمْ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فاحْذَرْهُمْ﴾ لِأنَّ أعْدى الأعْداءِ العَدُوُّ المَداحِي الَّذِي يُكاشِرُكَ وتَحْتَ ظُلُوعِهِ الدّاءُ الدَّوِيُّ، فَإنَّ مَنِ اسْتَشْعَرَ أنَّكَ عَدُوٌّ لَهُ بَغى لَكَ الغَوائِلَ، وأغْلَبُ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ عَلى هَذا الوَصْفِ يَكُونُ، ولَكِنَّهُ [يَكُونُ] بِلُطْفِ اللَّهِ دائِمُ الخِذْلانِ مَنكُوسًا في أكْثَرِ تَقَلُّباتِهِ بِيَدِ القَهْرِ والحِرْمانِ لِسِرِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ أحَلَّهُمُ المَلِكُ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً مَحَلَّ [مَن] يُقاتِلُهُ عَدُوٌّ قاهِرٌ لَهُ أشَدَّ مُقاتَلَةً عَلى عادَةِ الفِعْلِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ.

ولَمّا كانَ حالُهم في غايَةِ العَجَبِ في صَرْفِهِمْ عَنِ الإسْلامِ أوَّلًا (p-٨٣)بِالعَمى عَنِ الآياتِ الظّاهِراتِ، وثانِيًا عَنِ الإخْبارِ بِأسْرارِهِمْ، وخَفِيِّ مَكْرِهِمْ وأخْبارِهِمْ، وفي عَدَمِ صَرْفِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِن قُبْحِ السَّرائِرِ وسُوءِ الضَّمائِرِ بِتَعْكِيسِ مَقاصِدِهِمْ، وتَخْيِيبِ مَصادِرِهِمْ في مَكْرِهِمْ ومَوارِدِهِمْ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنّى﴾ أيْ كَيْفَ ومِن أيِّ وجْهٍ ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ يَصْرِفُهم عَنْ إدْراكِ قُبْحِ ما هم عَلَيْهِ صارِفٌ ما كائِنًا ما كانَ لِيَرْجِعُوا عَنْهُ إلى حُسْنِ الدِّينِ والأُنْسِ بِهِ وإدْراكِ بَرَكَتِهِ وعَظِيمِ أثَرِهِ.

63:5Page 555

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ يَسۡتَغۡفِرۡ لَكُمۡ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوۡاْ رُءُوسَهُمۡ وَرَأَيۡتَهُمۡ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ ٥

And when it is said to them, "Come, the Messenger of Allāh will ask forgiveness for you," they turn their heads aside and you see them evading while they are arrogant.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا عَظِيمًا قاطِعًا عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ فَيَحْتاجُ فاعِلُهُ حاجَةً شَدِيدَةً إلى التَّطْهِيرِ وهو جَدِيرٌ بِعِظَمِهِ أنْ لا يُطَهِّرَهُ غايَةَ الطُّهْرِ إلّا سُؤالُ النَّبِيِّ ﷺ وكانُوا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، دَلَّ عَلى سُوءِ بَواطِنِهِمْ وغِلْظِ أكْبادِهِمْ وأنَّهم كالخَشَبِ المُسَنَّدَةِ في أنَّهم لا ثَمَرَةَ لَهم ولا زُكاءَ أصْلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ [أيْ] مِن أيِّ قائِلٍ كانَ: ﴿تَعالَوْا﴾ أيِ ارْفَعُوا أنْفُسَكم مُجْتَهِدِينَ في ذَلِكَ بِالمَجِيءِ إلى أشْرَفِ الخَلْقِ الَّذِي لا يَزالُ مَكانُهُ عالِيًا لِعُلُوِّ مَكانَتِهِ ﴿يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أيْ يَطْلُبُ الغُفْرانَ لِأجْلِكم خاصَّةً بَعْدَ أنْ تَتَوَلَّوْا مِن ذَنْبِكم مِن أجْلِ هَذا الكَذِبِ الَّذِي أنْتُمْ مُصِرُّونَ عَلَيْهِ. ولِما تَقَدَّمَ عامِلانِ، أعْمَلَ الثّانِي مِنهُما (p-٨٤)كَما هو المُخْتارُ مِن مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ فَرَفَعَ قَوْلَهُ: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ أيْ أقْرَبِ الخَلْقِ إلى المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا شَبِيهَ لِجُودِهِ ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [أيْ فَعَلُوا] اللَّيَّ بِغايَةِ الشِّدَّةِ والكَثْرَةِ، وهو الصَّرْفُ إلى جِهَةٍ أُخْرى إعْراضًا وعُتُوًّا وإظْهارًا لِلْبُغْضِ والنَّفْرَةِ، وبالَغُوا فِيهِ مُبالَغَةً تَدُلُّ عَلى أنَّهم مَغْلُوبُونَ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ ما في بَواطِنِهِمْ مِنَ المَرَضِ ﴿ورَأيْتَهُمْ﴾ أيْ بِعَيْنِ البَصِيرَةِ ﴿يَصُدُّونَ﴾ أيْ يُعْرِضُونَ إعْراضًا قَبِيحًا عَمّا دَعَوْا إلَيْهِ مُجَدِّدِينَ لِذَلِكَ كُلَّما دَعَوْا إلَيْهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِرَأيْتَ ﴿وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ ثابِتُو الكِبَرِ عَمّا دَعَوْا إلَيْهِ وعَنْ إحْلالِ أنْفُسِهِمْ في مَحَلِّ الِاعْتِذارِ، فَهم لِشِدَّةِ غِلْظَتِهِمْ لا يُدْرِكُونَ قُبْحَ ما هم عَلَيْهِ ولا يَهْتَدُونَ إلى دَوائِهِ، وإذا أرْشَدَهم غَيْرُهم ونَبَّهَهم لا يُنَبَّهُونَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ فِيهِمْ أتاهم عَشائِرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ وقالُوا: ويْحَكُمُ افْتَضَحْتُمْ وأهْلَكْتُمْ أنْفُسَكُمْ، فائْتُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وتَوَلَّوْا إلَيْهِ واسْألُوهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَكُمْ، فَأبَوا ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، ورُوِيَ [أنَّ] ابْنَ أُبَيٍّ رَأْسُهم لَوى رَأْسَهُ وقالَ لَهُمْ: أشَرْتُمْ عَلَيَّ بِالإيمانِ فَآمَنتُ وأشَرْتُمْ عَلَيَّ بِأنْ أُعْطِيَ زَكاةَ مالِي فَفَعَلْتُ، ولَمْ يَبْقَ إلّا [أنْ] تَأْمُرُونِي بِالسُّجُودِ لِمُحَمَّدٍ.

63:6Page 555

سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ أَسۡتَغۡفَرۡتَ لَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ لَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٦

It is all the same for them whether you ask forgiveness for them or do not ask forgiveness for them; never will Allāh forgive them. Indeed, Allāh does not guide the defiantly disobedient people.

ولَمّا كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ صَلاحَهم فَهو يُحِبُّ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، ورُبَّما نَدَبَهُ إلى ذَلِكَ بَعْضُ أقارِبِهِمْ، فَكانَ (p-٨٥)اسْتِغْفارُهُ بِحَيْثُ يَسْألُ عَنْهُ، قالَ [مُنَبِّهًا] عَلى أنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِلِاسْتِغْفارِ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.

﴿سَواءٌ﴾ أيْ غَلَبَ واسْتَعْلى هَذا الِاسْتِواءَ الَّذِي عالَجُوا أنْفُسَهم عَلَيْهِ حَتّى تَخَلَّقُوا بِهِ فَصارَ مُجَرَّدًا عَنْ أدْنى مَيْلٍ وكُلْفَةٍ ﴿عَلَيْهِمْ﴾

ولَمّا كانَ قَدْ سَلَخَ في هَذا السِّياقِ عَنِ الهَمْزَةِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ كانَ مَعْنى ﴿أسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ أيْ في هَذا الوَقْتِ ﴿أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أيْ فِيهِ أوْ فِيما بَعْدَهُ - مُسْتَوٍ عِنْدَهُمُ اسْتِغْفارُكَ لَهم وتَرْكُهُ، لِأنَّهُ لا أثَرَ لَهُ عِنْدَهُمْ، ولِهَذا كانَتْ نَتِيجَتُهُ - عُقُوبَةً لَهم - النَّفْيُ المُبالَغُ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿لَهُمْ﴾ ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالِاسْتِفْهامِ بَعْدَ سَلْخِ مَعْناهُ لِلشّارَةِ إلى أنَّهم لَوْ شاهَدُوا المَلِكَ يَسْتَفْهِمُكَ عَنْ ذَلِكَ ما رَدَّهم عَنْ نِفاقِهِمْ وما زادَهم ذَلِكَ عَلى ما عِنْدَهم شَيْئًا، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ قَيَّدَ هَذِهِ الآيَةَ بِآيَةِ بَراءَةَ المُحْتَمِلَةِ لِلتَّخْيِيرِ وأنَّهُ إنْ زادَ عَلى السَّبْعِينَ كانَ الغُفْرانُ مَرْجُوًّا، فاسْتَجازَ بِذَلِكَ الصَّلاةَ عَلى ابْنِ أُبَيٍّ رَأْسِ المُنافِقِينَ والِاسْتِغْفارِ لَهُ لِما عِنْدَهُ ﷺ مِن [عَظِيمِ] الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ ومَزِيدِ الرَّحْمَةِ لَهم ولا سِيَّما مَن كانَ في عِدادِ أصْحابِهِ والأنْصارِ رَضِيَ اللَّهُ (p-٨٦)عَنْهم [بِهِ] عِنايَةً.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ لِتَعْلِيلِ المُبالَغَةِ في الإخْبارِ بَعْدَ الغُفْرانِ لَهُمْ: لِأنَّ فِسْقَهم قَدِ اسْتَحْكَمَ فَصارَ وصْفًا لَهم ثابِتًا، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ﴾ أيِ النّاسَ الَّذِي لَهم قُوَّةٌ في أنْفُسِهِمْ عَلى ما يُرِيدُونَهُ ﴿الفاسِقِينَ﴾ لِأنَّهم لا عُذْرَ لَهم في الإصْرارِ عَلى الفِسْقِ وهو المُرُوقُ مِن حِصْنِ الإسْلامِ بِخَرْقِهِ وهَتْكِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ والتَّمَرُّنِ عَلَيْهِ حَتّى اسْتَحْكَمَ فَهم راسِخُونَ في النِّفاقِ والخُرُوجِ عَنْ مَظِنَّةِ الإصْلاحِ.

63:7Page 555

هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْۗ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَفۡقَهُونَ ٧

They are the ones who say, "Do not spend on those who are with the Messenger of Allāh until they disband." And to Allāh belong the depositories of the heavens and the earth, but the hypocrites do not understand.

ولَمّا كانَ هَذا داعِيًا إلى السُّؤالِ عَنِ الأمْرِ الَّذِي فَسَقُوا بِهِ، قالَ مُبَيِّنًا لَهُ: ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةَ بَواطِنَهم ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذا القَوْلَ ولا يَزالُونَ يُجَدِّدُونَهُ لِأنَّهم كانُوا مَرْبُوطِينَ بِالأسْبابِ مَحْجُوبِينَ عَنْ شُهُودِ التَّقْدِيرِ غَيْرِ مُحَقِّقِينَ بِتَصْرِيفِ الأحْكامِ، فَأنْطَقَهم ما خامَرَ قُلُوبَهم مِن تَمَنِّي إطْفاءِ نُورِ اللَّهِ فَتَواصَوْا فِيما بَيْنَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا تُنْفِقُوا﴾ أيُّها المُخْلِصُونَ في النُّصْرَةِ ﴿عَلى مَن﴾ أيِ الَّذِينَ ﴿عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ، وهم فُقَراءُ المُهاجِرِينَ، وكَأنَّهم عَبَّرُوا بِذَلِكَ وهم [لا] يَعْتَقِدُونَهُ تَهَكُّمًا وإشارَةً إلى أنَّهُ [لَوْ ]كانَ رَسُولُهُ (p-٨٧)وهُوَ الغِنى المُطْلَقَ لَأغْنى أصْحابَهُ ولَمْ يُحْوِجْهم إلى أنْ يُنْفِقَ النّاسُ عَلَيْهِمْ، وما دَرى الأغْبِياءُ أنَّ ذَلِكَ امْتِحانٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ - فَسُبْحانَ مَن يُضِلُّ مَن يَشاءُ - حَتّى يَكُونَ كَلامُهُ أبْعَدَ شَيْءٍ عَنِ الصَّوابِ بِحَيْثُ يَعْجَبُ العاقِلُ كَيْفَ يَصْدُرُ ذَلِكَ مِن أحَدٍ، أوْ أنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ عِبارَتَهم وهو الظّاهِرُ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ عَنْهم بِذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ كَلامَهم يَؤُولُ إلى إرادَةِ ضُرٍّ مِنَ اللَّهِ مَعَهُ تَوْقِيفًا عَلى كُفْرِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أرْسَلَ رَسُولًا لا يَكِلُهُ إلى أحَدٍ بَلْ يَكْفِيهِ جَمِيعُ ما يُهِمُّهُ مِن غَيْرِ افْتِقارٍ إلى شَيْءٍ أصْلًا، فَقَدْ أرْسَلَ سُبْحانَهُ إلَيْهِ ﷺ بِمَفاتِيحِ خَزائِنِ الأرْضِ فَأباها وما كَفاهم هَذا الجُنُونُ حَتّى زادُوهُ ما دَلَّ عَلى أنَّهم ظَنُّوا أنَّ أبْوابَ الرِّزْقِ تُغْلَقُ إذا امْتَنَعَ المُنْفِقُونَ مِنَ النّاسِ عَنْ إنْفاقِهِمْ، وعَبَّرُوا بِحَرْفِ غايَةٍ لِيَكُونَ لِما بَعْدَهُ حُكْمُ ما قَبْلَهُ فَقالُوا: ﴿حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ أيْ يَتَفَرَّقُوا تَفَرُّقًا قَبِيحًا فِيهِ كَسْرٌ فَيَذْهَبُ أحَدٌ مِنهم إلى أهْلِهِ وشُغْلِهِ الَّذِي كانَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، قالَ [الحَرّالِيُّ]: ”حَتّى“ كَلِمَةٌ تُفْهِمُ غايَةً مُحَوَّطَةً يَدْخُلُ ما بَعْدَها في حُكْمِ ما قَبْلَها مُقابِلَ مَعْنى ”إلى“، وقالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: لا يَجْرِ بِها إلى آخَرَ أوْ مُتَّصِلٍ بِالآخَرِ نَحْوَ الفَجْرِ في ﴿حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] وحَتّى آخِرَ اللَّيْلِ، ولا تَقُولُوا: حَتّى نِصْفَ اللَّيْلِ، وما دَرى الأجْلافُ أنَّهم لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ (p-٨٨)أتاحَ اللَّهُ غَيْرَهم لِلنِّفاقِ، أوْ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ فَدَعا في الشَّيْءِ اليَسِيرِ فَصارَ كَثِيرًا، أوْ كانَ بِحَيْثُ لا يَنْفَدُ، [أوْ أعْطى كُلًّا يَسِيرًا مِن طَعامٍ عَلى كَيْفِيَّةٍ لا تَنْفَدُ] مَعَها كَتَمْرِ أبِي هُرَيْرَةَ وشَعِيرِ عائِشَةَ وعْكَةَ أُمِّ أيْمَنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وغَيْرِ ذَلِكَ كَما رُوِيَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، ولَكِنْ لَيْسَ لِمَن يَضِلُّ اللَّهُ مِن هادٍ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ﴾ أيْ قالُوا [ذَلِكَ] واسْتَمَرُّوا عَلى تَجْدِيدِ قَوْلِهِ والحالُ أنَّ لِلْمَلِكِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ فَهو الآمِرُ النّاهِي ﴿خَزائِنُ السَّماواتِ﴾ [أيْ كُلِّها] ﴿والأرْضِ﴾ كَذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ المَعْدُومَةِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ مَقْدِرَةِ ”إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ“ ومِنَ الأشْياءِ الَّتِي أوْجَدَها فَهو يُعْطِي مَن يَشاءُ مِنها ما يَشاءُ حَتّى مِن أيْدِيهِمْ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مَنعِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لا مِمّا في يَدِهِ ولا مِمّا في يَدِ غَيْرِهِ، ونَبَّهَ عَلى سُوءِ غَباوَتِهِمْ وأنَّهم تَقَيَّدُوا بِالوَهْمِ حَتّى سَفَلُوا عَنْ رُتْبَةِ البَهائِمِ كَما قالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ البَهائِمِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في وصْفِ النِّفاقِ.

ولَمّا كانَ ما يُساقُ إلى الخَلْقِ مِنَ الأرْزاقِ فَيَظُنُّ كَثِيرٌ مِنهم أنَّهم حَصَّلُوهُ بِقُوَّتِهِمْ، عَبَّرَ بِالفِقْهِ الأخَصِّ مِنَ العِلْمِ فَقالَ: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ (p-٨٩)لا يَتَجَدَّدُ لَهم فَهْمٌ أصْلًا لِأنَّ البَهائِمَ إذا رَأتْ شَيْئًا يَنْفَعُها يَوْمًا ما في مَكانِ طَلَبَتِهِ مَرَّةً أُخْرى، وهَؤُلاءِ رَأوْا غَيْرَ مَرَّةٍ ما أخْرَجَ اللَّهُ مِن خَوارِقِ البَرَكاتِ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ، فَمَن رَأى أنَّ رِزْقَهُ بِيَدِ الخَلْقِ فَألْهاهُ ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ حَتّى ضَيَّعَ حُقُوقَهُ وداهَنَ في دِينِهِ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ القُرْآنِ، ودَلَّ عَلى عَدَمِ فِقْهِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском