Al-Biqa'iAl‑A'raf · 7:171–177

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:171–177

7:171Page 173

۞ وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧١

And [mention] when We raised the mountain above them as if it was a dark cloud and they were certain that it would fall upon them,1 [and Allāh said], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that you might fear Allāh."

ولَمّا ذَكَرَ الكِتابُ أنَّهُ رَهَّبَهم مِن مُخالَفَتِهِ ورَغَّبَهم في مُؤالَفَتِهِ، وكانَ عَذابُ الآخِرَةِ مُسْتَقْبَلًا وغائِبًا، وكانَ ما هَذا شَأْنُهُ يُؤَثِّرُ في الجامِدِينَ، أمَرَهُ أنْ يُذَكِّرَهم بِتَرْهِيبٍ دُنْيَوِيٍّ مَضى إيقاعُهُ بِهِمْ، لِيَأْخُذُوا مَواثِيقَ الكِتابِ لِغايَةِ الجِدِّ مَعَ أنَّهُ لا يَعْلَمُهُ إلّا عُلَماؤُهُمْ، فَيَكُونُ (p-١٥٠)عِلْمُ الأُمِّيِّ لَهُ مِن أعْلامِ نُبُوَّتِهِ الظّاهِرَةِ فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ أيِ: اذْكُرْ لَهم هَذا، فَإنْ لَمْ يَتَّعِظُوا اذْكُرْ لَهم إذْ ﴿نَتَقْنا﴾ أيْ: قَلَعْنا ورَفَعْنا، [و] أتى بِنُونِ العَظَمَةِ لِزِيادَةِ التَّرْهِيبِ ﴿الجَبَلَ﴾ عَرَّفَهُ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ، [وعَبَّرَ لِدَلالَةِ لَفْظِهِ عَلى الصُّعُوبَةِ والشِّدَّةِ دُونَ الطُّورِ - كَما في البَقَرَةِ - لِأنَّ السِّياقَ لِبَيانِ نَكَدِهِمْ بِإسْراعِهِمْ في المَعاصِي الدّالَّةِ عَلى غِلَظِ القَلْبِ].

ولَمّا كانَ مُسْتَغْرِقًا لِجَمِيعِ الجِهَةِ المُوازِيَةِ لِعَساكِرِهِمْ، حَذَفَ الجارَّ فَقالَ: ﴿فَوْقَهُمْ﴾ [ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ كانَ أكْبَرَ مِنهم بِقَوْلِهِ:] ﴿كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ أيْ: سَقْفٌ، وحَقَّقَ أنَّهُ صارَ عَلَيْهِمْ مُوازِيًا لَهم مِن جِهَةِ الفَوْقِ كالسَّقْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وظَنُّوا﴾ هو عَلى حَقِيقَتِهِ ﴿أنَّهُ واقِعٌ﴾ ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ قَدْ حَقَّقَ العُلُوَّ، لَمْ يَحْتَجْ إلى حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ، فَقالَ مُشِيرًا إلى السُّرْعَةِ واللُّصُوقِ: ﴿بِهِمْ﴾ أيْ: إنْ لَمْ يَأْخُذُوا عُهُودَ التَّوْراةِ، قالُوا: ولَمّا رَأوْا ذَلِكَ خَرَّ كُلٌّ مِنهم ساجِدًا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ، وصارَ يَنْظُرُ بِعَيْنِهِ اليُمْنى إلى الجَبَلِ فَزَعًا مِن سُقُوطِهِ، وهي سُنَّةٌ لَهم في سُجُودِهِمْ إلى الآنِ، يَقُولُونَ: هَذِهِ السَّجْدَةُ الَّتِي رُفِعَتْ عَنّا بِها العُقُوبَةُ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقالُوا: أخَذْنا يا رَبِّ عُهُودَكَ، قالَ مُشِيرًا إلى عَظَمَتِهِ لِيَشْتَدَّ إقْبالُهم عَلَيْهِ إشارَةً إلى أنَّهُ عِلَّةُ رَفْعِ الجَبَلِ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا، فَهو جَدِيرٌ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ وأنْ يُعْتَقَدَ فِيهِ الكَمالُ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أيْ: عَزْمٍ عَظِيمٍ عَلى احْتِمالِ (p-١٥١)مَشاقِّهِ؛ ولَمّا كانَ الأخْذُ لِلشَّيْءِ بِقُوَّةٍ رُبَّما نَسِيَهُ في وقْتٍ، قالَ: ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ أيْ: [مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي وغَيْرِهِما] فَلا تَنْسَوْهُ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى تَقْواهُ، فَدَلَّ سُبْحانَهُ بِهَذا عَلى تَأْكِيدِ المَواثِيقِ عَلَيْهِمْ في أخْذِ جَمِيعِ ما في الكِتابِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ألّا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ولا تَكْتُمُوا شَيْئًا مِنهُ، قالُوا: ولَمّا قَرَأ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ [الألْواحَ وفِيها كِتابُ اللَّهِ لَمْ يَبْقَ عَلى الأرْضِ شَجَرٌ ولا جَبَلٌ ولا حَجَرٌ إلّا اهْتَزَّ، فَلِذَلِكَ لا تَرى يَهُودِيًّا يَسْمَعُ التَّوْراةَ إلّا اهْتَزَّ وانْقَضَّ رَأْسُهُ].

7:172Page 173

وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ ١٧٢

And [mention] when your Lord took from the children of Adam - from their loins - their descendants and made them testify of themselves, [saying to them], "Am I not your Lord?" They said, "Yes, we have testified." [This] - lest you should say on the Day of Resurrection, "Indeed, we were of this unaware."

ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ ألْزَمَهم أحْكامَ الكِتابِ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ القاهِرَةِ المُلْجِئَةِ القاسِرَةِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ المَواثِيقِ عِنْدَ أهْلِ الأخْذِ وأنَّهُ أكَّدَ عَلَيْهِمُ المَواثِيقَ في كَثِيرٍ مِن فُصُولِ الكِتابِ، وكانَ ذَلِكَ كُلُّهُ خاصًّا بِهِمْ؛ أمَرَهُ أنْ يَذْكُرَ لَهم أنَّهُ رَكَّبَ لَهم في عُمُومِ هَذا النَّوْعِ الآدَمِيِّ مِنَ العُقُولِ ونَصَبَ مِنَ الأدِلَّةِ المُوَضِّحَةِ لِلْأمْرِ إيضاحَ المَشْهُودِ لِلشّاهِدِ ما لَوْ عُذِّبَ تارِكُهُ والمُتَهاوِنُ بِهِ لَكانَ تَعْذِيبُهُ جارِيًا عَلى المَناهِجِ مُلائِمًا لِلْعُقُولِ، ولَكِنَّهُ لِسَبْقِ رَحْمَتِهِ وغَلَبَةِ رَأْفَتِهِ لَمْ يُؤاخِذْ بِذَلِكَ حَتّى ضَمَّ إلَيْهِ الرُّسُلَ، وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكُتُبَ، وأكْثَرَ فِيها مِنَ المَواثِيقِ، وزادَ في الكَشْفِ والبَيانِ، وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ، فَكَأنَّ مَن عِنْدِهِ عِلْمٌ أشَدُّ مَلامَةً مِنَ الجاهِلِ، فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ أيْ: واذْكُرْ لَهم إذْ ﴿أخَذَ﴾ أيْ: خَلَقَ بِقَوْلِهِ وقُدْرَتِهِ ﴿رَبُّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنُ (p-١٥٢)إلَيْكَ بِالتَّمْهِيدِ لِرِسالَتِكَ كَما يُؤْخَذُ القُمَّلُ بِالمُشْطِ مِنَ الرَّأْسِ.

ولَمّا كانَ السِّياقُ لَأخْذِ المَواثِيقِ والأخْذِ بِقُوَّةٍ، ذَكَرَ أخْذَ الذُّرِّيَّةِ مِن أقْوى نَوْعَيِ الآدَمِيِّ، وهُمُ الذُّكُورُ فَقالَ: ﴿مِن بَنِي آدَمَ﴾ وذَكَرَ أنَّهُ جَعَلَها مِن أمَتْنِ الأعْضاءِ فَقالَ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ كُلُّ واحِدٍ مِن ظَهْرِ أبِيهِ ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ [لَمّا] أكَّدَ عَلَيْهِمُ المَواثِيقَ وشَدَّدَها لَهم [وأمَرَهُمْ] بِالقُوَّةِ في أمْرِها، أعْطاهم مِنَ القُوَّةِ في التَّرْكِيبِ والمِزاجِ ما يَكُونُونَ بِهِ مُطِيعِينَ لِذَلِكَ، فَهو تَكْلِيفٌ بِما في الوُسْعِ، وجَعَلَ لَهم عُقُولًا عِنْدَ مَن قالَ: هو عَلى حَقِيقَتِهِ كَنَمْلَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: أوْضَحَ لَهم مِنَ البَراهِينِ مِنَ الإنْعامِ بِالعُقُولِ مَعَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما عَلى هَذا المِنوالِ الشّاهِدِ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ وتَمامِ العِلْمِ والقُدْرَةِ، ومِن إرْسالِ الرُّسُلِ المُؤَيَّدِينَ بِالمُعْجِزاتِ ما كانُوا كالشُّهُودِ بِأنَّهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ؛ [وقَدْ ذَكَرَ مَعْنى هَذا الإمامُ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ في الكَلامِ عَلى العَقْلِ مِن بابِ العِلْمِ مِنَ الإحْياءِ؛ فَإنَّهُ قالَ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ والمُرادُ إقْرارُ نُفُوسِهِمْ، لا إقْرارُ الألْسِنَةِ، فَإنَّهُمُ انْقَسَمُوا في إقْرارِ الألْسِنَةِ حَيْثُ (p-١٥٣)وُجِدَتِ الألْسِنَةُ والأشْخاصُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ النُّفُوسَ فُطِرَتْ عَلى مَعْرِفَةِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ لِقُرْبِ الِاسْتِعْدادِ لِلْإدْراكِ].

ولَمّا تَبَيَّنَ أنَّهُ فَرْدٌ لا شَرِيكَ لَهُ فَلا رادَّ لِأمْرِهِ، وأنَّهُ رَبٌّ فَلا أرْأفَ مِنهُ ولا أرْحَمَ، كانَ ذَلِكَ أدْعى إلى طاعَتِهِ خَوْفًا مِن سَطْوَتِهِ ورَجاءً لِرَحْمَتِهِ، فَكانُوا بِذَلِكَ بِمَنزِلَةِ مَن سُئِلَ عَنِ الحَقِّ فَأقَرَّ بِهِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكم بِالخَلْقِ والتَّرْبِيَةِ بِالرِّزْقِ وغَيْرِهِ ﴿قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ أيْ: كانَ عِلْمُنا بِذَلِكَ عِلْمًا شُهُودِيًّا، وذَلِكَ لِأنَّهم وصَلُوا بَعْدَ البَيانِ إلى حَدٍّ لا يَكُونُ فِيهِ الجَوابُ إلّا ذَلِكَ فَكَأنَّهم قالُوهُ؛ فَهو - واللَّهُ أعْلَمُ [مِن] وادِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] الآيَةَ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩]

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قِيلَ: دَلالَةً عَلى أنَّ المُتَقَدِّمَ إنَّما هو عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ يَجْعَلُ تَمْكِينَهم مِنَ الِاسْتِدْلالِ كالإشْهادِ، فَعَلَهُ كَراهَةَ ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: إنْ لَمْ يُنْصَبْ لَهُمُ الأدِلَّةُ ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا﴾ أيْ: وحْدانِيَّتِكَ ورُبُوبِيَّتِكَ ﴿غافِلِينَ﴾ أيْ: لِعَدَمِ الأدِلَّةِ فَلِذَلِكَ أشْرَكْنا

7:173Page 173

أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ١٧٣

Or [lest] you say, "It was only that our fathers associated [others in worship] with Allāh before, and we were but descendants after them. Then would You destroy us for what the falsifiers have done?"

﴿أوْ تَقُولُوا﴾ أيْ: لَوْ لَمْ نُرْسِلْ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ نُوجَدَ (p-١٥٤)﴿وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ فَلَمْ نَعْرِفْ لَنا مُرَبِّيًا غَيْرَهم فَكُنّا لَهم تَبَعًا فَشَغَلَنا اتِّباعُهم عَنِ النَّظَرِ ولَمْ يَأْتِنا رَسُولٌ مُنَبِّهٌ، فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ إنْكارُهم في قَوْلِهِمْ: ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ: مِن آبائِنا؛ قالَ أبُو حَيّانَ: والمَعْنى أنَّ الكَفَرَةَ لَوْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ عَهْدٌ ولا جاءَهم رَسُولٌ بِما تَضَمَّنَهُ العَهْدُ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ لَكانَتْ لَهم حُجَّتانِ: إحْداهُما: ”كُنّا غافِلِينَ“ والأُخْرى: ”كُنّا تَبَعًا لِأسْلافِنا“ فَكَيْفَ والذَّنَبُ إنَّما هو لِمَن طَرَقَ لَنا وأضَلَّنا - انْتَهى.

ومِمّا يُؤَيِّدُ مَعْنى التَّمْثِيلِ حَدِيثُ أنَسٍ في الصَّحِيحِ: «يَقُولُ اللَّهُ لِأهْوَنِ أهْلِ النّارِ عَذابًا: لَوْ أنَّ لَكَ ما في الأرْضِ مِن شَيْءٍ كُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَقَدْ سَألْتُكَ ما هو أهْوَنُ مِن هَذا وأنْتَ في صُلْبِ آدَمَ أنْ لا تُشْرِكَ شَيْئًا، فَأبَيْتَ إلّا الشِّرْكَ» وذَلِكَ لِأنَّ التَّصْرِيحَ بِالآباءِ يُنافِي كَوْنَ الإقْرارِ عَلى حَقِيقَتِهِ، والأخْذُ وهو في الصُّلْبِ إنَّما هو بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وتَقْرِيرِ الحَقِّ عَلى وجْهٍ مُهَيِّئٍ لِلِاسْتِدْلالِ بِتَرْكِيبِ العَقْلِ عَلى القانُونِ المُوصِلِ إلى المَقْصُودِ عِنْدَ التَّخَلِّي مِنَ الحُظُوظِ والشَّوائِبِ، وهَذا الَّذِي وقَعَ تَأْوِيلُ الآيَةِ بِهِ لا يُعارِضُهُ حَدِيثُ الِاسْتِنْطاقِ في عالَمِ الذَّرِّ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ؛ فَإنَّهُ رُوِيَ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا ذَكَرْتُها في كِتابِي: سِرُّ الرُّوحِ، مِنها في المُوَطَّأِ ومُسْنَدِ أحْمَدَ وإسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ ومُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيِّ وأبِي يَعْلى المَوْصِلِيِّ ومُسْتَدْرَكِ الحاكِمِ وكِتابِ المِائَتَيْنِ لِأبِي عُثْمانَ (p-١٥٥)الصّابُونِيِّ عَنْ صَحابَةٍ وتابِعِينَ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا، مِنهم عُمَرُ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو هُرَيْرَةَ وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وأبِي العالِيَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وإنَّما كانَ لا يُعارِضُهُ لِأنَّ في بَعْضِ طُرُقِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ بَعْدَ أنِ اسْتَنْطَقَهُمْ: ”فَإنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّماواتِ السَّبْعَ والأرْضِينَ السَّبْعَ، وأُشْهِدُ عَلَيْكم أباكم آدَمَ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ: إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ، فَلا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، فَإنِّي أُرْسِلُ إلَيْكم رُسُلِي يُذَكِّرُونَكم عَهْدِي ومِيثاقِي، وأُنْزِلُ عَلَيْكم كُتُبِي، فَقالُوا: نَشْهَدُ أنَّكَ رَبُّنا وإلَهُنا، لا رَبَّ لَنا غَيْرُكَ“ فالِاسْتِنْطاقُ في الحَدِيثِ عَلى بابِهِ، عِبْرَةً لِأبِينا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن حَضَرَ ذَلِكَ مِنَ الخَلْقِ، وإيقافًا لَهم عَلى بَدِيعِ قُدْرَتِهِ وعَظِيمِ عِلْمِهِ، وإشْهادُ ما أُشْهِدَ مِنَ المَخْلُوقاتِ بِمَعْنى أنَّهُ نَصَبَ فِيها مِنَ الأدِلَّةِ ما يَكُونُ إقامَةُ الحُجَّةِ بِهِ عَلَيْهِمْ بِالنَّقْضِ إنْ أشْرَكُوا كَشَهادَةِ الشّاهِدِ الَّذِي لا يُرَدُّ، ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الرِّواياتِ ما يُنافِي هَذا؛ والحاصِلُ أنَّهُ أُخِذَ عَلَيْنا عَهْدانِ: أحَدُهُما حالِيٌّ تُهْدى إلَيْهِ العُقُولُ، وهو نَصْبُ الأدِلَّةِ، والآخَرُ مَقالِيٌّ أخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، كُلُّ ذَلِكَ لِلْإعْلامِ بِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهَذا النَّوْعِ البَشَرِيِّ لِما لَهُ مِنَ الشَّرَفِ الكَرِيمِ ويُرادُ بِهِ مِن (p-١٥٦)الأمْرُ العَظِيمُ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.

7:174Page 173

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٧٤

And thus do We [explain in] detail the verses, and perhaps they will return.1

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ تَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ هَذِهِ الآياتِ: انْظُرْ كَيْفَ فَصَّلْنا هَذِهِ الآياتِ هَذِهِ التَّفاصِيلَ الفائِقَةَ وأبْرَزْناها في هَذِهِ الأسالِيبِ الرّائِقَةِ، قالَ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ البَدِيعِ الجَلِيلِ الرَّفِيعِ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ: كُلَّها لِئَلّا يُواقِعُوا ما لا يَلِيقُ بِجانِبِنا جَهْلًا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ ﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى رُجُوعُهُ عَنِ الضَّلالِ إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ الهُداةُ مِنَ الكَمالِ عَنْ قُرْبٍ إنْ حَصَلَتْ غَفْلَةٌ فَواقَعُوهُ، وذَلِكَ مِن أدِلَّةِ ﴿والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] و﴿وما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] و: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾ [الأعراف: ١٤٦]

7:175Page 173

وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ١٧٥

And recite to them, [O Muḥammad], the news of him1 to whom We gave [knowledge of] Our signs, but he detached himself from them; so Satan pursued him, and he became of the deviators.2

ولَمّا ذَكَرَ لَهم ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ في كِتابِهِمْ مِنَ المِيثاقِ الخاصِّ الَّذِي انْسَلَخُوا مِنهُ، وأتْبَعَهُ المِيثاقَ العامَّ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الأعْذارَ، أتْبَعَهُما بَيانَ ما يَعْرِفُونَهُ مِن حالِ مَنِ انْسَلَخَ مِنَ الآياتِ، فَأسْقَطَهُ اللَّهُ مِن دِيوانِ السُّعَداءِ، فَأمَرَهُ ﷺ أنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ - مَعَ الوَفاءِ بِتَبْكِيتِهِمْ - مِن أدِلَّةِ نُبُوَّتِهِ المُوجِبَةِ عَلَيْهِمُ اتِّباعَهُ، فَذَكَّرَهُ ما وقَعَ لَهُ في نَبْذِ العَهْدِ والِانْسِلاخِ مِنَ المِيثاقِ بَعْدَ أنْ كانَ قَدْ أُعْطِيَ الآياتِ وأُفْرِغَ عَلَيْهِ مِنَ الرُّوحِ فَقالَ: ﴿واتْلُ﴾ أيِ: اقْرَأْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيِ: اليَهُودِ وسائِرِ الكُفّارِ بَلِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ ﴿نَبَأ الَّذِي﴾ وعَظَّمَ ما أعْطاهُ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ ولَفْظِ الإيتاءِ بَعْدَ ما عَظَّمَ خَبَرَهُ بِلَفْظِ الإنْباءِ فَقالَ: ﴿آتَيْناهُ﴾ (p-١٥٧)ولَمّا كانَ تَعالى قَدْ أعْطاهُ مِن إجابَةِ الدُّعاءِ وصِحَّةِ الرُّؤْيا وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا شاءَ سُبْحانَهُ أمْرًا عَظِيمًا بِحَيْثُ دَلَّهُ تَعالى دَلالَةً لا شَكَّ فِيها، وكانَتِ الآياتُ كُلُّها مُتَساوِيَةَ الأقْدامِ في الدَّلالَةِ وإنْ كانَ بَعْضُها أقْوى مِن بَعْضٍ، قالَ تَعالى: ﴿آياتِنا﴾ وهو بِلْعامُ مِن غَيْرِ شَكٍّ لِلسِّباقِ واللَّحاقِ، وقِيلَ: وهو رَجُلٌ بَعَثَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَلِكِ مَدْيَنَ فَرَشاهُ فَتَبِعَ دِينَهُ فافْتُتِنَ بِهِ النّاسُ، وقِيلَ: هو «أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ ”آمَنَ شِعْرُهُ وكَفَرَ قَلْبُهُ“» قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقِيلَ: هو أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ الَّذِي سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ الفاسِقَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ كانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَأنْكَرُوهُ.

ولَمّا كانَ الَّذِي جَرَّأهم عَلى عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن إعْطاءِ الكِتابِ ظَنًّا مِنهم أنَّهُ لا يُشْقِيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، رَهَّبَهم بِبَيانِ أنَّ الَّذِي سَبَّبَ لَهُ هَذا الشَّقاءَ هو إيتاءُ الآياتِ فَقالَ: ﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾ أيْ: فارَقَها بِالكَيْلَةِ كَما تَنْسَلِخُ الحَيَّةُ مِن قِشْرِها، وذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهُ لَمّا كانَ مُجابَ الدَّعْوَةِ سَألَهُ مَلِكُ زَمانِهِ الدُّعاءَ عَلى مُوسى وقَوْمِهِ فامْتَنَعَ فَلَمْ يَزَلْ يُرَغِّبُهُ حَتّى خالَفَ أمْرَ اللَّهِ اتِّباعًا لِهَوى نَفْسِهِ، فَتَمَكَّنَ مِنهُ الشَّيْطانِ وأشارَ عَلَيْهِ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمُ النِّساءَ مُزَيَّناتٍ ويَأْمُرَهُنَّ أنْ لا يَمْتَنِعْنَ مِن أحَدٍ، فَأشْقاهُ اللَّهُ، وهَذا مَعْنى: ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: فَأدْرَكَهُ مَكْرُهُ فَصارَ قَرِينًا لَهُ (p-١٥٨)﴿فَكانَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ إدْراكِ الشَّيْطانِ لَهُ أنْ كانَ ﴿مِنَ الغاوِينَ﴾ أيِ: الضّالِّينَ الرّاكِبِينَ هَوى نُفُوسِهِمْ، وعَبَّرَ في هَذِهِ القِصَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿اتْلُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] دُونَ ﴿واسْألْهم عَنِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] نَحْوَ ما مَضى في القَرْيَةِ؛ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ مِمّا يُحِبُّونَ ذِكْرَهُ لِأنَّ سَلْخَهُ مِنَ الآياتِ كانَ لِأجْلِهِمْ، فَهو شَرَفٌ لَهُمْ، فَلَوْ سَألَهم عَنْهُ لَبادَرُوا إلى الإخْبارِ بِهِ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا فَلا تَكُونُ تِلاوَتُهُ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ لِما أُنْزِلَ في شَأْنِهِ واقِعًا مَوْقِعَ ما لَوْ أخْبَرَهم بِهِ قَبْلُ، ولَعَلَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِن هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها الِاسْتِدْلالُ عَلى كَذِبِ دَعْواهم في قَوْلِهِمْ: ﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾ [الأعراف: ١٦٩] بِما هم قائِلُونَ بِهِ، فَيَكُونُ مِن بابِ الإلْزامِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: أنْتُمْ قائِلُونَ بِأنَّ مَن أشْرَكَ لا يُغْفَرُ لَهُ لِتَرْكِهِ ما نُصِبَ لَهُ مِنَ الأدِلَّةِ حَتّى إنَّكم لَتَقُولُونَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] لِذَلِكَ، فَما لَكم تُوَسِّعُونَ المَغْفِرَةَ لَكم في تَرْكِ ما أُخِذَ عَلَيْكم بِهِ المِيثاقُ الخاصُّ وقَدْ ضَيَّقْتُمُوها عَلى غَيْرِكم في تَرْكِ ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ بِهِ المِيثاقُ العامُّ؟ ما ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدُ هَوًى، فَإنْ قُلْتُمُ: الأمْرُ في أصْلِ التَّوْحِيدِ أعْظَمُ فَلا يُقاسُ عَلَيْهِ، قِيلَ لَكُمْ: ألَيْسَ المَعْبُودُ قَدْ حَرَّمَ الجَمِيعَ؟ وعَلى التَّنَزُّلِ فَمِنَ المَسْطُورِ في كِتابِكم أمْرُ بِلْعامَ وأنَّهُ ضَلَّ، وقَدْ كانَ أعْظَمَ مِن أحْبارِكُمْ، فَإنّا آتَيْناهُ الآياتِ مِن غَيْرِ واسِطَةِ رَسُولٍ، وكانَ سَبَبُ هَلاكِهِ - كَما تَعْلَمُونَ - وخُرُوجِهِ مِن رِبْقَةِ الدِّينِ وإحْلالِهِ دَمَهُ مَشُورَتَهُ عَلى مَلِكِ زَمانِهِ بِأنْ يُرْسِلَ (p-١٥٩)النِّساءَ إلى عَسْكَرِ بَنِي إسْرائِيلَ مُتَزَيِّناتٍ غَيْرَ مُمْتَنِعاتٍ مِمَّنْ أرادَهُنَّ، وذَلِكَ مِنَ الفُرُوعِ الَّتِي هي أخَفُّ مِن بابِ الأمْوالِ، فَقَدْ بُحْتُمْ كَذِبَكم في قَوْلِكُمْ: ﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾ [الأعراف: ١٦٩] وأنَّكم لَمْ تَتَّبِعُوا فِيهِ إلّا الهَوى كَما تَبِعَهُ بِلْعامُ فانْظُرُوا ما فُعِلَ بِهِ.

7:176Page 173

وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦

And if We had willed, We could have elevated him thereby,1 but he adhered [instead] to the earth2 and followed his own desire. So his example is like that of the dog: if you chase him, he pants, or if you leave him, he [still] pants. That is the example of the people who denied Our signs.3 So relate the stories that perhaps they will give thought.

ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ مُوهِمًا لِمَن لَمْ يَرْسَخْ قَدَمُهُ في الإيمانِ أنَّ الشَّيْطانَ لَهُ تَأْثِيرٌ مُسْتَقِلٌّ في الإغْواءِ، نَفى ذَلِكَ غَيْرَةً عَلى هَذا المَقامِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿ولَوْ شِئْنا﴾ أيْ: أنْ نَرْفَعَهُ بِها عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي مَن دَنا ساحَتَها بِغَيْرِ إذْنٍ مُحِقَ ﴿لَرَفَعْناهُ﴾ أيْ: في المَنزِلَةِ رِفْعَةً دائِمَةً ﴿بِها﴾ أيِ: الآياتِ حَتّى لا يَزالَ عامِلًا بِها.

ولَمّا عَلَّقَ الأمْرَ بِالمَشِيئَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها هي السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ وأنَّ ما لَمْ يَشَأْهُ سُبْحانَهُ لا يَكُونُ، وكانَ التَّقْدِيرُ: ولَكِنّا لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ وشِئْنا لَهُ الكُفْرَ فَأخْلَدْناهُ - إلى آخِرِهِ، عَبَّرَ عَنْهُ تَعْلِيمًا لِلْأدَبِ في إسْنادِ الخَيْرِ إلى اللَّهِ والشَّرِّ إلى غَيْرِهِ وإنْ كانَ الكُلُّ خَلْقَهُ حِفْظًا - لِعُقُولِ الضُّعَفاءِ مِن إيهامِ نَقْصٍ أوْ إدْخالِ لَبْسٍ بِقَوْلِهِ مُسْنِدًا نَقْصَهُ إلَيْهِ: ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ﴾ أيْ: فَعَلَ فِعْلَ مَن أوْقَعَ الخُلْدَ - وهو الدَّوامُ - وأوْجَدَهُ ﴿إلى الأرْضِ﴾ أيْ: رَمى بِنَفْسِهِ إلى الدُّنْيا رَمْيًا، تَهالُكًا عَلى ما فِيها مِنَ المَلاذِّ الحَيَوانِيَّةِ والشَّهَواتِ النَّفْسانِيَّةِ ﴿واتَّبَعَ﴾ أيِ: اتِّباعًا شَدِيدًا (p-١٦٠)﴿هَواهُ﴾ فَأعْرَضَ عَنِ التَّمَسُّكِ بِما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الآياتِ مُقَدِّمًا لِداعِي نَفْسِهِ عَلى داعِي رُوحِهِ؛ لِأنَّ القَلْبَ الَّذِي هو نَتِيجَتُهُما في عالَمِ الأمْرِ لَهُ وجْهانِ: وجْهٌ إلى الرُّوحِ العُلْوِيِّ الرُّوحانِيِّ الَّذِي هو الأبُ، ولَهُ الذُّكُورَةُ المُناسِبَةُ لِلْعُلُوِّ؛ ووَجْهٌ إلى النَّفْسِ الَّتِي هي الرُّوحُ الحَيَوانِيُّ الَّتِي هي الأُمُّ ولَها المُناسَبَةُ لِلْأرْضِ بِالأُنُوثَةِ وبِأنَّ أصْلَها مِنَ التُّرابِ الَّذِي لَهُ الرُّسُوبُ بِوَضْعِ الجِبِلَّةِ؛ فالتَّقْدِيرُ: فَحَطَّ نَفْسَهُ حَطًّا عَظِيمًا، لِأنّا لَمْ نَشَأْ رَفْعَهُ بِما أعْطَيْناهُ مِنَ الآياتِ، وإنَّما جَعَلْناهُ وبالًا عَلَيْهِ، فَلا يَغْتَرَّ أحَدٌ بِما أُوتِيَ مِنَ المَعارِفِ، وما حازَ مِنَ المَفاخِرِ واللَّطائِفِ؛ فَإنَّ العِبْرَةَ بِالخَواتِيمِ، ولَنا بَعْدَ ذَلِكَ أنْ نَفْعَلَ ما نَشاءُ.

ولَمّا كانَ هَذا حالَهُ، تَسَبَّبَ عَنْهُ أنْ قالَ تَعالى: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أيْ: مَعَ ما أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ في اتِّباعِهِ لِمُجَرَّدِ هَواهُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ بَعْدَ الأمْرِ بِمُخالَفَةِ الهَوى ﴿كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ أيْ: في حالِ دَوامِ اللَّهْثِ.

ولَمّا كانَ [كَأنَّهُ] قِيلَ: مَثَلُهُ في أيِّ أحْوالِهِ؟ قالَ: في كَوْنِهِ ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: لِتَضْرِبَهُ ﴿يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ فَإنْ أوْجَبَ لَكَ الحَمْلُ عَلَيْهِ ظَنَّ أنَّ لَهْثَهُ لَمّا حاوَلَ مِن ذَلِكَ التَّعَبِ رَدَّكَ عَنْهُ لَهْثُهُ في الدَّعَةِ، فَتَعْلَمُ حِينَئِذِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ إلّا اتِّباعُ الهَوى، فَتابِعُ الهَوى مِثْلُ الكَلْبِ كَما بَيَّنَ، ومِثالُ هَذا المُنْسَلِخِ الجاهِلِ الَّذِي لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَتَّبِعَ غَيْرَ الهَوى؛ لِأنَّهُ يَتَّبِعُ الهَوى مَعَ إيتاءِ الآياتِ فَبَعْدَ الِانْسِلاخِ مِنها أوْلى، فَقَدْ وضَحَ تَشْبِيهُ مِثْلِهِ بِمَثَلِ الكَلْبِ، لا تَشْبِيهَ مِثْلِهِ بِالكَلْبِ؛ وهَذِهِ القِصَّةُ تَدُلُّ عَلى (p-١٦١)أنَّ مَن كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ في حَقِّهِ أكْثَرَ، كانَ بُعْدُهُ عَنِ اللَّهِ إذا أعْرَضَ عَنْهُ أعْظَمَ وأكْبَرَ.

ولَمّا تَقَرَّرَ المَثَلانِ، وكانَ كُلٌّ مِنهُما مُنْطَبِقًا عَلى حالَةِ كُلِّ مُكَذِّبٍ، كانَتِ النَّتِيجَةُ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: كُلٌّ مِنَ المَثَلَيْنِ ﴿مَثَلُ القَوْمِ﴾ أيِ: الأقْوِياءِ ما يُحاوِلُونَهُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: في أنَّ تَرْكَهم لَها إنَّما هو بِمُجَرَّدِ الهَوى؛ لِأنَّ لَها مِنَ الظُّهُورِ والعَظَمَةِ بِنِسْبَتِها إلَيْنا ما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ أيْ: فَأخْبِرِ الإخْبارَ العَظِيمَ الَّذِي تَتَبَّعْتَ بِهِ مَواقِعَ الوَقائِعِ وآثارَ الأعْيانِ حَتّى لَمْ تَدَعْ في شَيْءٍ مِنها لَبْسًا عَلى كُلِّ مَن يَسْمَعُ لَكَ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، وهو مَصْدَرُ قَصَّ الشَّيْءِ - إذا تَبِعَ أثَرَهُ واسْتَقْصى في ذَلِكَ ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى تَفَكُّرُهُ في هَذِهِ الآياتِ، فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَأْتِي بِمِثْلِها مِن غَيْرِ مُعَلِّمٍ مِنَ النّاسِ إلّا نَبِيٌّ فَيَرُدُّهم ذَلِكَ إلى الصَّوابِ حَذَرًا مِن مِثْلِ حالِ هَذا.

7:177Page 173

سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٧٧

How evil an example [is that of] the people who denied Our signs and used to wrong themselves.

ولَمّا ظَهَرَ بِهَذا أنَّ مَثَلَ الكَلْبِ الَّذِي اكْتَسَبَ مِن مَمْثُولِهِ مِنَ السُّوءِ والقَذارَةِ ما لا يَعْلَمُهُ حَقَّ عِلْمِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى مَثَلَ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ، أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ تَأْكِيدًا لِذَمِّهِمْ وزَجْرِهِمْ: ﴿ساءَ مَثَلا القَوْمُ﴾ أيْ: مَثَلَ القَوْمِ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ دَرْكٌ في فِعْلِهِمْ أنْ لا تَنَزَّلَ هَذا المَثَلُ عَلَيْهِمْ لَكانَ أعْظَمَ زاجِرًا لَهُ أدْنى مُرُوءَةٍ؛ لِأنَّهم نَزَلُوا عَمّا (p-١٦٢)لِمَن يَتْبَعُها مِنَ العَظَمَةِ إلى ما ظَهَرَ بِهَذا المَثَلِ مِنَ الخِسَّةِ، فَكَيْفَ وهم يَضُرُّونَ أنْفُسَهم بِذَلِكَ ولا يَضُرُّونَ إلّا إيّاها، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: كانَ ذَلِكَ في طَبْعِهِمْ جِبِلَّةً لَهُمْ، لا يَقْدِرُ غَيْرُ اللَّهِ عَلى تَغْيِيرِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском