Al-Biqa'iAl‑A'raf · 7:178–181

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:178–181

7:178Page 173

مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِيۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٧٨

Whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - it is those who are the losers.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَحَلَّ عَجَبٍ مِمَّنْ يَمِيلُ عَنِ المَنهَجِ بَعْدَ إيضاحِهِ هَذا الإيضاحَ الشّافِيَ، قالَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ؟ مُفَصِّلًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٦] ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ أيْ: يَخْلُقُ الهِدايَةَ في قَلْبِهِ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿فَهُوَ المُهْتَدِي﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ.

ولَمّا كانَ في سِياقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ هالِكٌ بِالفِسْقِ ونَقْضِ العَهْدِ، وحَّدَ ﴿المُهْتَدِي﴾ نَظَرًا إلى لَفْظِ: ﴿مَن﴾ وجَمَعَ الضّالَّ نَظَرًا إلى مَعْناها فَقالَ: ﴿ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ﴾ أيِ: البُعَداءُ البُغَضاءُ خاصَّةً لا غَيْرُهم ﴿الخاسِرُونَ﴾ إذْ لا فِعْلَ لِغَيْرِهِ أصْلًا، والآيَةُ مِن فَذْلَكَةِ ما مَضى، وما أحْسَنَ خَتْمَها بِالخُسْرانِ في وعْظِ مَن تَرَكَ الآخِرَةَ بِإقْبالِهِ عَلى أرْباحِ الدُّنْيا وأعْراضِها الفانِيَةِ، ثُمَّ تَعْقِيبَها بِذَرْءِ جَهَنَّمَ الَّذِينَ لا أخْسَرَ مِنهم.

ذِكْرُ قِصَّةِ بِلْعامَ مِنَ التَّوْراةِ - قالَ في السِّفْرِ الرّابِعِ مِنها بَعْدَ أنْ ساقَ قِتالَهم لِسَيْحُونَ مَلِكِ الأمُورانِيِّينَ: وفَرِقَ المُؤابِيُّونَ مِنَ الشَّعْبِ (p-١٦٣)فَرَقًا شَدِيدًا؛ لِأنَّهم رَأوْهُ شَعْبًا عَظِيمًا، فاضْطَرَبَ المُؤابِيُّونَ ورَجَفَتْ قُلُوبُهم خَوْفًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ مَلِكُ مُؤابَ لِأشْياخِ مَدْيَنَ: اعْلَمُوا أنَّ هَذا الجَمْعَ يَرْتَعِي حَرْثَنا، ولا يَدَعُ أحَدًا إلّا أهْلَكَهُ، ويَرْتَعِي كُلَّ مَن حَوْلِنا كَما يَرْتَعِي الثَّوْرُ عُشْبَ الأرْضِ، وكانَ مَلِكُ المُؤابِيِّينَ في ذَلِكَ الزَّمانِ بالاقِ بْنِ صَفُورَ، فَأرْسَلَ رُسُلًا إلى بِلْعامَ بْنِ بَعُورَ العَرّافِ المُعَبِّرِ لِلْأحْلامِ الَّذِي كانَ يَنْزِلُ عَلى شاطِئِ النَّهْرِ قَرِيبًا مِن أرْضِ بَنِي عَمُونَ لِيَدْعُوَهُ إلَيْهِ فَيَسْتَعِينُ بِهِ: أُخْبِرُكَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ شَعْبٌ مِن أرْضِ مِصْرَ، فَغَشّى وجْهَ الأرْضِ كُلَّها، وقَدْ نَزَلُوا جِبالَنا، فَأطْلُبُ إلَيْكَ أنْ تَأْتِيَ وتَلْعَنَ هَذا الشَّعْبَ لِأنَّهُ أقْوى وأعَزُّ مِنّا، لَعَلَّنا نَقْدِرُ أنْ نُحارِبَهُ ونُهْلِكَهُ عَنْ جَدِيدِ الأرْضِ، لِأنِّي عارِفٌ أنَّ الَّذِي تُبارِكُهُ هو مُبارَكٌ، والَّذِي تَلْعَنُهُ هو مَلْعُونٌ، وانْطَلَقَ أشْياخُ مُؤابَ وأشْياخُ مَدْيَنَ ومَعَهم هَدايا وجَوائِزُ، فَأتَوْا بِلْعامَ فَقالُوا لَهُ قَوْلَ بالاقَ، فَقالَ لَهُمْ: بَيِّتُوا هاهُنا لَيْلَتَكم هَذِهِ فَأخْبَرَكم بِما يَقُولُ الرَّبُّ، فَأقامَ أشْرافُ مُؤابَ عِنْدَ بِلْعامَ، فَأتى مَلَكُ اللَّهِ بِلْعامَ وقالَ لَهُ: مَنِ القَوْمُ الَّذِينَ أتَوْكَ؟ قالَ بِلْعامُ لِلْمَلاكِ: بالاقُ بْنُ صَفُورَ مَلِكُ مُؤابَ أرْسَلَ إلَيَّ وقالَ: قَدْ خَرَجَ شَعْبٌ مِن أرْضِ مِصْرَ فَمَلَأ وجْهَ الأرْضِ، فَأقْبِلْ إلَيْنا حَتّى تَلْعَنَهُ، لَعَلِّي أقْدِرُ أنْ أُجاهِدَهُ وأُهْلِكَهُ، وقالَ المَلاكُ لِبِلْعامَ: لا تَنْطَلِقْ مَعَ القَوْمِ ولا تَلْعَنِ الشَّعْبَ؛ لِأنَّهُ مُبارَكٌ، فَقالَ بِلْعامُ بُكْرَةً لِعُظَماءِ (p-١٦٤)بالاقَ: انْطَلِقُوا إلى صاحِبِكُمْ؛ لِأنَّ الرَّبَّ لَمْ يُحِبَّ أنْ يَدَعَنِي أنْطَلِقُ مَعَكُمْ، ونَهَضَ عُظَماءُ مُؤابَ فَأتَوْا بالاقَ وقالُوا لَهُ: لَمْ يَهْوَ بِلْعامُ إتْيانَكَ مَعَنا، فَعادَ بالاقُ أيْضًا فَأرْسَلَ رُسُلًا أعْظَمَ وأكْرَمَ مِنَ الأوَّلِينَ، [فَأتَوْا بِلْعامَ وقالُوا لَهُ: هَكَذا يَقُولُ بالاقُ بْنُ صَفُورَ: لا تَمْتَنِعْ أنْ تَأْتِيَنِي] لِأنِّي سَأُعَظِّمُكَ وأُكْرَمُكَ جِدًّا، وما قُلْتَ لِي مِن شَيْءٍ فَعَلْتُ، وأقْبِلْ إلَيْنا [لِتَلْعَنَ لِي] هَذا الشَّعْبَ، فَرَدَّ بِلْعامُ عَلى رُسُلِ بالاقَ قائِلًا: لَوْ أنَّ بالاقَ أعْطانِي مِلْءَ بَيْتِهِ ذَهَبًا وفِضَّةً لَمْ أقْدِرْ أنْ أتَعَدّى قَوْلَ رَبِّي وإلَهِي، ولا أحِيدَ عَنْ قَوْلٍ صَغِيرٍ ولا كَبِيرٍ مِن أقْوالِهِ، فَعَرِّجُوا أنْتُمْ أيْضًا عِنْدَنا لَيْلَتَكم هَذِهِ حَتّى أنْظُرَ ما يُخْبِرُنِي مَلاكُ اللَّهِ مِن أمْرِكُمْ، فَنَزَلَ وحْيُ اللَّهِ عَلى بِلْعامَ لَيْلًا، وقالَ لَهُ: إنْ كانَ هَؤُلاءِ القَوْمُ إنَّما أتَوْكَ لِيَدْعُوكَ فَقُمْ فانْطَلِقْ مَعَهُمْ، ولَكِنْ إيّاكَ أنْ تَعْمَلَ إلّا ما أقُولُ. فَنَهَضَ بِلْعامُ بُكْرَةً وأسْرَجَ أتانَهُ وانْطَلَقَ مَعَ عُظَماءِ مُؤابَ، فَقامَ مَلاكُ الرَّبِّ في الطَّرِيقِ لِيَكُونَ لَهُ لَدَدًا، فَرَأتِ الأتانُ مَلاكَ اللَّهِ قائِمًا في الطَّرِيقِ مُخْتَرِطًا سَيْفَهُ مُمْسِكَهُ في يَدِهِ، فَحادَتْ عَنِ الطَّرِيقِ وسارَتْ في الحَرْثِ، فَضَرَبَها بِلْعامُ لِيَرُدَّها إلى الطَّرِيقِ، فَقامَ مَلاكُ الرَّبِّ في طَرِيقٍ ضَيِّقٍ بَيْنَ كَرْمَيْنِ فَرَأتِ الأتانَةُ مَلَكَ الرَّبِّ فَزَحَمَتِ الحائِطَ وضَغَطَتْ رِجْلَ بِلْعامَ في (p-١٦٥)الحائِطِ، فَعادَ يَضْرِبُها أيْضًا، ثُمَّ عادَ مَلاكُ الرَّبِّ وقامَ في مَوْضِعٍ ضَيِّقٍ حَيْثُ لَيْسَ لَها مَوْضِعٌ تَحِيدُ [مِنهُ] يَمْنَةً ولا يُسْرَةً، فَبَصُرَتْ بِمَلاكِ الرَّبِّ ورَبَضَتْ تَحْتَ بِلْعامَ، فاشْتَدَّ غَضَبُ بِلْعامَ وضَرَبَ الأتانَ بِالعَصا، وفَتَحَ الرَّبُّ فَمَ الأتانِ وقالَتْ لِبِلْعامَ: ما الَّذِي صَنَعْتُ بِكَ حَتّى ضَرَبْتَنِي ثَلاثَ مَرّاتٍ؟ قالَ بِلْعامُ: لِأنَّكِ زَرَيْتِ بِي، ولَوْ أنَّهُ كانَ في يَدِي سَيْفٌ كُنْتُ قَدْ قَتَلْتُكِ الآنَ، فَقالَتْ: ألَسْتُ أتانَتَكَ الَّتِي تَرْكَبُنِي مُنْذُ صِباكَ إلى اليَوْمِ؟ هَلْ صَنَعْتُ مِثْلَ هَذا الصُّنْعِ قَطُّ؟ قالَ لَها: لا. وجَلّى الرَّبُّ عَنْ بَصَرِ بِلْعامَ فَرَأى مَلَكَ اللَّهِ قائِمًا في الطَّرِيقِ مُخْتَرِطًا سَيْفَهُ مُمْسَكَهُ بِيَدِهِ، فَجَثا وخَرَّ عَلى وجْهِهِ ساجِدًا، فَقالَ لَهُ مَلاكُ الرَّبِّ: ما بالُكَ ضَرَبْتَ أتانَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ أنا الَّذِي خَرَجْتُ لِأكُونَ لَكَ لَدادًا، لِأنَّكَ أخَذْتَ في طَرِيقٍ خِلافًا لِأمْرِي، فَلَمّا رَأتْنِي الأتانُ حادَتْ عَنِّي ثَلاثَ مَرّاتٍ، ولَوْ أنَّها لَمْ تَحِدْ عَنِّي كُنْتُ قَتَلْتُكَ وأبْقَيْتُ عَلَيْها، قالَ بِلْعامُ لِمَلاكِ الرَّبِّ: أسَأْتُ وأجْرَمْتُ، لَمْ أعْلَمْ أنَّكَ قائِمٌ بِإزائِي في الطَّرِيقِ، فالآنَ إنْ كانَ انْطِلاقِي مِمّا تَكْرَهُهُ رَجَعْتُ، قالَ مَلاكُ الرَّبِّ لِبِلْعامَ: انْطَلِقْ مَعَ القَوْمِ وإيّاكَ أنْ تَفْعَلَ شَيْئًا إلّا ما أقُولُ لَكَ! فانْطَلَقَ بِلْعامُ، فَسَمِعَ بالاقُ فَخَرَجَ لِيَتَلَقّاهُ وقالَ بالاقُ: لَمْ تَأْتِنِي؟ قالَ: قَدْ أتَيْتُكَ الآنَ، لَعَلَّكَ تَظُنُّ أنِّي أقْدِرُ أنْ أقُولَ شَيْئًا إلّا القَوْلَ الَّذِي (p-١٦٦)يُجْرِيهِ اللَّهُ عَلى لِسانِي بِهِ أنْطِقُ، فَلَمّا كانَ الغَدُ عَمَدَ بالاقُ إلى بِلْعامَ وأصْعَدَهُ إلى بَيْتِ بَعْلٍ الصَّنَمِ، فَرَأى مِن هُناكَ أقاصِي مَنازِلِ شَعْبِ إسْرائِيلَ، وقالَ بِلْعامُ لِبالاقَ: ابْنِي لِي هاهُنا سَبْعَةَ مَذابِحَ، وهَيِّئْ لِي سَبْعَةَ ثِيرانٍ وسَبْعَةَ كِباشٍ، وفَعَلَ بالاقُ كَما قالَ لَهُ بِلْعامُ، ورَفَعَ بالاقُ الكِباشَ والثِّيرانَ عَلى المَذْبَحِ قُرْبانًا، وقالَ بِلْعامُ لِبالاقَ: قُمْ هاهُنا عِنْدَ قَرابِينِكَ حَتّى أنْطَلِقَ [أنا، لَعَلَّ الرَّبَّ يُوحِي إلَيَّ ما أهْواهُ، وأنا مُظْهِرٌ لَكَ ما يُوحِي بِهِ، فانْطَلَقَ] فَظَهَرَ اللَّهُ وألْهَمَهُ قَوْلًا وقالَ لَهُ: انْطَلِقْ إلى بالاقَ وقُلْ لَهُ هَذا القَوْلَ، فَأتاهُ وهو قائِمٌ عِنْدَ قَرابِينِهِ وجَمِيعُ قُوّادِ مُؤابَ مَعَهُ، ورَفَعَ بِلْعامُ صَوْتَهُ بِأمْثالِهِ وقالَ: ساقَنِي بالاقُ مَلِكُ المُؤابِيِّينَ مِن أرامَ الَّتِي في المَشْرِقِ، وقالَ لِي: أقْبِلْ حَتّى تَلْعَنَ يَعْقُوبَ وتُهْلِكَ آلَ إسْرائِيلَ، فَكَيْفَ ألْعَنُهُ ولَمْ يَلْعَنْهُ اللَّهُ، وكَيْفَ أُهْلِكُهُ والرَّبُّ لا يُرِيدُ هَلاكَهُ، رَأيْتُهُ مِن رُؤُوسِ الجِبالِ، ونَظَرْتُ إلَيْهِ مِن فَوْقِ الآكامِ وإذا هو شَعْبٌ وحْدَهُ لا يُعَدُّ مَعَ الشُّعُوبِ، ومَن يَقْدِرُ يُحْصِي جَمِيعَ عَدَدِ يَعْقُوبَ، أوْ مَن يَقْدِرُ يُحْصِي عَدَدَ رُبْعِ بَنِي إسْرائِيلَ، تَمُوتُ نَفْسِي مَوْتًا ويَكُونُ آخِرِي إلى آخِرِهِمْ، قالَ بالاقُ لِبِلْعامَ: دَعْوَتُكَ لِتَلْعَنَ أعْدائِي (p-١٦٧)فَإذا أنْتَ تُبارِكُهم وتَدْعُو لَهُمْ، فَرَدَّ بِلْعامُ قائِلًا: الَّذِي يُلْهِمُنِي الرَّبُّ ويَجْرِي عَلى لِسانِي إيّاهُ أحْفَظُ، وبِهِ أنْطِقُ. قالَ لَهُ بالاقُ: مُرَّ مَعِي إلى مَوْضِعٍ آخَرَ لِنَراهم مِن هُناكَ، وإنَّما أسُوقُكَ لِتَرى آخِرَهم ولا تَراهم أجْمَعِينَ، وانْطَلَقَ بِهِ إلى حَقْلِ الرَّبِيَّةِ وأقامَهُ عَلى رَأْسِ الأكَمَةِ، وابْتَنى هُناكَ سَبْعَ مَذابِحَ، وقَرَّبَ عَلَيْها الثِّيرانَ والكِباشَ، قالَ بِلْعامُ: قِفْ هاهُنا عِنْدَ قَرابِينِكَ حَتّى أنْطَلِقَ أنا الآنَ، فانْظُرْ ما الَّذِي يُقالُ؟ وتَجَلّى الرَّبُّ عَلى بِلْعامَ وأجْرى عَلى فِيهِ قَوْلًا وقالَ لَهُ: انْطَلِقْ إلى بالاقَ فَأخْبِرْهُ بِهَذا القَوْلِ، فَأتاهُ وهو قائِمٌ عِنْدَ قَرابِينِهِ ومَعَهُ أشْرافُ مُؤابَ، فَرَفَعَ بِلْعامُ صَوْتَهُ بِأمْثالِهِ وقالَ: انْهَضْ بالاقُ واسْمَعْ قَوْلِي وأصْغِ لِشَهادَتِي يا ابْنَ صَفُورَ! اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَيْسَ مِثْلَ الرَّجُلِ يَحْلِفُ ويَكْذِبُ؛ إذا قالَ الرَّبُّ قَوْلًا فَعَلَهُ، وكَلامُهُ دائِمٌ إلى الأبَدِ، ساقَنِي لِأعُودَ وأبَرَّكَ، ولا أرُدُّ البَرَكَةَ ولا أُخالِفُ ما أُمِرْتُ بِهِ، لَسْتُ أرى في آلِ يَعْقُوبَ إثْمًا ولا غَدْرًا عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ ولا ظُلْمًا؛ لِأنَّ اللَّهَ رَبَّهُ مَعَهُ اللَّهُ الَّذِي أخْرَجَهم مِن مِصْرَ بِعِزَّةٍ وعَظْمَةٍ قَوِيَّةٍ، ولَسْتُ أرى في آلِ يَعْقُوبَ طِيرَةً، ولا حِسابَ نُجُومٍ أوْ عَرّافٍ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ، كَيْفَ أقُولُ والشَّعْبُ قائِمٌ مِثْلَ الضِّرْغامِ لا يَرْبِضُ حَتّى يَفْتَرِسَ فَرِيسَتَهُ ويَشْرَبَ دَمَ القَتْلِ، فَقالَ بالاقُ لِبِلْعامَ: أطْلُبُ أنْ لا تَلْعَنَهُ ولا تَدْعُوَ لَهُ، فَرَدَّ بِلْعامُ عَلى بالاقَ قائِلًا: ألَسْتُ قُلْتُ لَكَ: إنِّي إنَّما أنْطِقُ بِما يَقُولُ لِي الرَّبُّ، فَقالَ (p-١٦٨)بالاقُ: انْطَلِقْ بِنا إلى مَوْضِعٍ آخَرَ، لَعَلَّ اللَّهَ يَرْضى بِغَيْرِ هَذا فَتَلْعَنُهُ لِي هُناكَ، فَأصْعَدَهُ إلى رَأْسِ فَغُورَ الَّذِي بِإزاءِ إسْتِيمُونَ، فَأمَرَهُ بِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الذَّبْحِ والقُرْبانِ، فَرَأى بِلْعامُ أنَّ الرَّبَّ يُحِبُّ أنْ يَدْعُوَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَنْطَلِقْ كَما كانَ يَنْطَلِقُ في كُلِّ وقْتٍ لِيَطْلُبَ الوَحْيَ، ولَكِنْ أقْبَلَ بِوَجْهِهِ إلى البَرِّيَّةِ ومَدَّ بَصَرَهُ، فَرَأى بَنِي إسْرائِيلَ نُزُولًا قَبائِلَ قَبائِلَ فَحَلَّ عَلَيْهِ رُوحُ اللَّهِ، ورَفَعَ صَوْتَهُ بِأمْثالِهِ وقالَ: قُلْ يا بِلْعامُ بْنُ بَعُورَ، قُلْ أيُّها الرَّجُلُ الَّذِي أُجْلِيَ عَنْ بَصَرِهِ، قُلْ أيُّها الَّذِي سَمِعَ قَوْلَ اللَّهِ ورَأى رُؤْيا اللَّهِ وهو مُلْقًى وعَيْناهُ مَفْتُوحَتانِ، ما أحْسَنَ مَنزِلَكَ يا يَعْقُوبُ ومَنازِلَكَ يا إسْرائِيلُ! وخِيَمُكَ كالأدْوِيَةِ الجارِيَةِ، ومِثْلَ الفَرادِيسِ الَّتِي عَلى شاطِئِ النَّهْرِ، ومِثْلَ الجَنى الَّذِي رَكَزَهُ اللَّهُ، ومِثْلَ شَجَرِ الأرْزِ عَلى شاطِئِ النَّهْرِ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِن بَيْتِهِ وذُرِّيَّتُهُ أكْثَرُ مِنَ الماءِ الكَثِيرِ، ويَعْظُمُ عَلى المَلِكِ، وذَلِكَ بِقُوَّةِ اللَّهِ الَّذِي أخْرَجَهم مِن أرْضِ مِصْرَ بِغَيْرِ تَوَقُّفٍ رَثْما، يَأْكُلُ خَيْراتِ الشُّعُوبِ أعْدائِهِ ويَكْسِرُ عِظامَهم ويَقْطَعُ ظُهُورَهُمْ، رَتَعَ ورَبَضَ كالأسَدِ ومِثْلَ شِبْلِ اللَّيْثِ، ومَن يَقْدِرُ أنْ يَبْعَثَهُ، يُبارَكُ مُبارِكُوكَ ويُلْعَنُ لاعِنُوكَ، فاشْتَدَّ غَضَبُ بالاقَ عَلى بِلْعامَ وصَفَّقَ بِيَدَيْهِ مُتَلَهِّفًا وقالَ: دَعْوَتُكَ لِلَعْنِ أعْدائِي، فَماذا أنْتَ تُبارِكُهم وتَدْعُو لَهم ثَلاثَ مَرّاتٍ، انْصَرِفِ الآنَ إلى بِلادِكَ، قَدْ كُنْتُ (p-١٦٩)عَزَمْتُ عَلى إكْرامِكَ وإجازَتِكَ فَإذا الرَّبُّ قَدْ أحْرَمَكَ ذَلِكَ، فَرَدَّ بِلْعامُ عَلى بالاقَ قائِلًا: قَدْ كُنْتُ قُلْتُ لِرُسُلِكَ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم إلَيَّ أنَّهُ لَوْ وهَبَ لِي بالاقَ مِلْءَ بَيْتِهِ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ لَمْ أقْدِرْ أتَعَدّى عَنْ قَوْلِ الرَّبِّ، ولَكِنْ إنَّما أنْطِقُ ما يُلْهِمُنِي الرَّبُّ، فَأنا أنْطَلِقُ الآنَ إلى أرْضِي، فاسْمَعْ ما أُشِيرُ عَلَيْكَ وأُخْبِرُكَ ما يَصْنَعُ هَذا الشَّعْبُ بِشَعْبِكَ آخِرَ الأيّامِ، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ بِأمْثالِهِ وقالَ: قُلْ يا بِلْعامُ بْنُ بَعُورَ، قُلْ أيُّها الرَّجُلُ المُجَلّى عَنْ بَصَرِهِ! قُلْ أيُّها الَّذِي سَمِعَ قَوْلَ اللَّهِ وعَلِمَ عِلْمَ العَلِيِّ ورَأى رُؤْيا اللَّهِ إذْ هو مُلْقًى وعَيْناهُ مَفْتُوحَتانِ! فَإنِّي رَأيْتُهُ وإذا لَيْسَ ظُهُورُهُ الآنَ وإنْ كانَ مُتَدانِفًا، ونَظَرْتُ في أمْرِهِ وإذا لَيْسَ بِقَرِيبٍ، يُشْرِقُ نَجْمٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ، ويَقُومُ رَئِيسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ويُهْلِكُ جَبابِرَةً مِن مُؤابَ ويُبِيدُ جَمِيعَ بَنِي شِيثَ، وتُثِيرُ أدُومُ مِيراثَهُ، وساعِيرُ وِراثَةُ أعْدائِهِ يَصِيرُ لَهُ، ويَسْتَفِيدُ بَنُو إسْرائِيلَ قُوَّةً بِقُوَّتِهِ - ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ الَّذِي فِيهِ ما يَكُونُ سَبَبًا لِانْسِلاخِهِ مِنَ الآياتِ، لَكِنْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ أشارَ عَلَيْهِ بِاخْتِلاطِ نِساءِ بِلادِهِ بِبَنِي إسْرائِيلَ مُتَزَيِّناتٍ غَيْرَ مُمْتَنِعاتٍ مِمَّنْ أرادَهُنَّ مِنهم لِيَزْنُوا بِهِنَّ فَيَحِلُّ بِهِمُ الرِّجْزُ، فَوَقَعَ بِهِمْ ذَلِكَ، وهو الصَّوابُ لِأنَّهُ سَتَأْتِي الإشارَةُ إلَيْهِ في التَّوْراةِ عِنْدَ فَتْحِ مَدْيَنَ بِقَوْلِهِ: لِماذا أبْقَيْتُمْ عَلى الإثاثِ وهُنَّ كُنَّ عَثْرَةً لِبَنِي إسْرائِيلَ عَنْ قَوْلِ بِلْعامَ ومَشُورَتِهِ، (p-١٧٠)وسَيَأْتِي ذَلِكَ قَرِيبًا، وما فِيهِ مِن ذِكْرِ الوَحْيِ فَهو مَحْمُولٌ عَلى المَنامِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَلِيقُ؛ ثُمَّ قالَ: وقامَ بِلْعامُ ورَجَعَ مُنْصَرِفًا إلى بِلادِهِ وبالاقُ أيْضًا رَجَعَ إلى بَيْتِهِ، وسَكَنَ بَنُو إسْرائِيلَ شاطِيمَ، وبَدَأ الشَّعْبُ [أنْ يَسْفَحَ مَعَ بَناتِ مُؤابَ، ودَعَوْنَ الشَّعْبَ إلى ذَبائِحِ آلِهَتِهِمْ، وأكَلَ الشَّعْبُ] مِن ذَبائِحِهِمْ وسَجَدُوا لِآلِهَتِهِمْ، وكَمَّلَ بَنُو إسْرائِيلَ لِعِبادَةِ بَعْلِيُونَ الصَّنَمِ، فاشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى: اعْمَدْ إلى جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ فافْضَحْهُمْ، فَقالَ مُوسى: يَقْتُلُ كُلُّ رَجُلٍ مِنكم كُلَّ مَن أخْطَأ وسَجَدَ لِبَعْلِيُونَ، وإذا رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أتى بِجُرْأةٍ أمامَ إخْوَتِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَسْتَحِيَ، فَدَخَلَ عَلى امْرَأةٍ مَدِينِيَّةٍ ومُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ يَبْكُونَ في بابِ قُبَّةِ الآمِدِ، فَرَآهُ فِنْحاسُ بْنُ الِيعازِرَ بْنِ هارُونَ الحَبْرُ فَنَهَضَ مِنَ الجَماعَةِ غَضَبًا لِلَّهِ وأخَذَ بِيَدِهِ رُمْحًا ودَخَلَ إلى بَيْتِ الَّذِي كانا فِيهِ فَطَعَنَهُما بِالرُّمْحِ فَقَتَلَهُما، فَكُفَّ المَوْتُ الفاشِي عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ عَدَدُ الَّذِينَ ماتُوا في المَوْتِ البَغْتَةِ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ ألْفًا، وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: فِنْحاسُ صَرَفَ غَضَبِي عَنْ بَيْنِ إسْرائِيلَ وغارَ غَيْرَةً لِلَّهِ بَيْنَهم وطَهَّرَ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ اسْمُ القَتِيلِ الَّذِي قُتِلَ مَعَ المَدِينِيَّةِ زَمْرِي بْنَ سُلُو، وكانَ رَئِيسًا [فِي قَبِيلَةِ شَمْعُونَ، (p-١٧١)وكانَتِ المَرْأةُ المَدِينِيَّةُ كَزْبى بِنْتَ صُورَ، وكانَ أبُوها] مِن رُؤَساءِ أهْلِ مَدْيَنَ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ خَرَجَ رافِعًا الحَرْبَةَ إلى السَّماءِ، قَدِ اعْتَمَدَ بِمِرْفَقِهِ عَلى خاصِرَتِهِ، وأسْنَدَ الحَرْبَةَ إلى لِحْيَتِهِ، فَمِن هُنالِكَ يُعْطِي بَنُو إسْرائِيلَ ولَدَ فِنْحاسَ مِن كُلِّ ذَبِيحَةٍ القُبَّةَ والذِّراعَ واللَّحْيَ والبِكْرَ مَن كُلِّ أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّهُ كانَ بِكْرًا لِعِيزارَ بْنِ هارُونَ.

ثُمَّ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: ضَيِّقْ عَلى أهْلِ مَدْيَنَ وأهْلِكْهم كَما ضَيَّقُوا عَلَيْكم ولَحَسُوكُمْ، ثُمَّ قالَ: ثُمَّ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: إنِّي لَمُنْتَقِمٌ مِنَ المَدِينِيِّينَ ما صَنَعُوا بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ تَقْتَصُّ إلى شَعْبِكَ، ثُمَّ قالَ مُوسى لِلشَّعْبِ: يَتَسَلَّحُ مِنكم قَوْمٌ لِلْحَرْبِ لِيَنْتَقِمُوا لِلرَّبِّ مِنَ المَدِينِيِّينَ، ولِيَكُونُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، فانْتَخَبَ مُوسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ ألْفًا مِن كُلِّ سِبْطٍ، اثْنَيْ عَشَرَ أبْطالًا مُتَسَلِّحِينَ وأرْسَلَهُمْ، وصَيَّرَ قائِدَهم فِنْحاسَ بْنَ الِيعازِرَ الحَبْرَ ومَعَهُ أوْعِيَةُ القُدْسِ وقُرُونٌ يَنْفُخُ بِها، وتَقَوَّوْا عَلى مَدْيَنَ كَما أمَرَ الرَّبُّ مُوسى وقَتَلُوا كُلَّ ذَكَرٍ فِيها وقَتَلُوا مُلُوكَ مَدْيَنَ مَعَ القَتْلى، وقَتَلَ بِلْعامَ بْنَ بَعُورَ مَعَهم في الحَرْبِ، وسَبى بَنُو إسْرائِيلَ نِساءَ مَدْيَنَ وانْتَهَبُوا مَواشِيَهم وسَلَبُوا جَمِيعَ دَوابِّهِمْ وأمْوالِهِمْ وأخْرَبُوا جَمِيعَ قُرى مَساكِنِهِمْ وأتَوْا بِما انْتَهَبُوهُ إلى مُوسى، وخَرَجَ (p-١٧٢)مُوسى وجَمِيعُ عُظَماءِ الجَماعَةِ فَتَلَقَّوْهم خارِجَ العَسْكَرِ، وغَضِبَ مُوسى عَلى رُؤَساءِ الأحْبارِ ورُؤَساءِ الأُلُوفِ والمِئِينَ الَّذِي أتَوْهُ مِنَ الحَرْبِ فَقالَ لَهُمْ: لِماذا أبْقَيْتُمْ عَلى الإناثِ وهُنَّ كُنَّ عَثْرَةً لِبَنِي إسْرائِيلَ عَنْ قَوْلِ بِلْعامَ ومَشُورَتِهِ، وفَتَنُوا وغَدَرُوا وتَمَرَّدُوا عَلى الرَّبِّ في أمْرِ فَغُورَ - وفي نُسْخَةِ السَّبْعِينَ: فَإنَّ هَؤُلاءِ كُنْ شَيْئًا لِبَنِي إسْرائِيلَ لِقَوْمِ بِلْعامَ أنْ يَتَباعَدُوا ويَتَهاوَنُوا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ مِن أجْلِ فَغُورَ - فَواقَعَتِ السَّخْطَةُ جَماعَةَ الرَّبِّ [وفِي النُّسْخَةِ الأُخْرى: وتَسَلَّطَ المَوْتُ عَلى جَماعَةِ الرَّبِّ] - بَغْتَةً، فاقْتُلُوا الآنَ جَمِيعَ الذُّكُورَةِ مِنَ الصِّبْيانِ، وكُلَّ امْرَأةٍ أدْرَكَتْ وعَقَلَتْ وعَرَفَتِ الرِّجالَ فاقْتُلُوها، وأبْقُوا عَلى جَمِيعِ النِّساءِ اللَّواتِي لَمْ يَعْرِفْنَ الرِّجالَ. وأمّا أنْتُمْ فانْزِلُوا خارِجًا عَنِ العَسْكَرِ سَبْعَةَ أيّامٍ - إلى آخِرِ ما مَضى قَرِيبًا في الآصارِ.

7:179Page 174

وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٧٩

And We have certainly created for Hell many of the jinn and mankind. They have hearts with which they do not understand, they have eyes with which they do not see, and they have ears with which they do not hear. Those are like livestock; rather, they are more astray.1 It is they who are the heedless.

ولَمّا انْقَضَتْ هَذِهِ القِصَصُ فَأسْفَرَتْ عَنْ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ هالِكٌ، صَرَّحَ بِذَلِكَ فَقالَ مُقْسِمًا لِأنَّهُ لا يَكادُ يُصَدَّقُ أنَّ الإنْسانَ يَكُونُ - أضَلَّ مِنَ البَهائِمِ، عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَصْنا عَلَيْكم أخْبارَكم ذَرَأْناهم لِجَهَنَّمَ: ﴿ولَقَدْ﴾ وعِزَّتِنا وجَلالِنا ﴿ذَرَأْنا﴾ أيْ: خَلَقْنا بِعَظَمَتِنا وأنْشَأْنا وبَثَثْنا ونَشَرْنا ﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا﴾ أيْ: وألْجَأْناهم (p-١٧٣)إلَيْها ولَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهم وبَيْنَها حائِلًا.

ولَمّا كانُوا يُعَظِّمُونَ الجِنَّ ويَخافُونَهم ويَضِلُّونَ بِهِمْ، بَدَأ بِهِمْ فَقالَ: ﴿مِنَ الجِنِّ﴾ أيْ: بِنَصْبِهِمْ أنْفُسَهم آلِهَةً بِإضْلالِهِمُ الإنْسَ في تَزْيِينِ عِبادَتِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ، فَهم في الحَقِيقَةِ المَعْبُودُونَ لا الحِجارَةُ، ونَحْوَها: ﴿والإنْسِ﴾ أيْ: بِعِبادَتِهِمْ لِمَن لا يَصْلُحُ، وعُلِمَ أنَّ الآيَةَ صالِحَةٌ لِأنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها فَهي مِن فَذْلَكَةِ ما تَقَدَّمَ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم رَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِطَرِيقِ جَهَنَّمَ؟ قِيلَ: ﴿لَهُمْ﴾ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّفَكُّرِ، بَدَأ بِالقُلُوبِ فَقالَ: ﴿قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ أيِ: الفِقْهَ الَّذِي كُلِّفُوا بِهِ، وهو النَّظَرُ في أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ وثُبُوتِ النُّبُوَّةِ وما تَفَرَّعَ عَنْ ذَلِكَ، وهو الفِقْهُ المُسْعِدُ، عُدَّ غَيْرُهُ عَدَمًا لِأنَّهُ لَمْ يَنْفَعْهُمُ النَّفْعَ المَقْصُودَ في الحَقِيقَةِ، وما أحْسَنَ التَّعْبِيرَ بِالفِقْهِ في السِّياقِ إقامَةِ الأدِلَّةِ الَّتِي مِنها إرْسالُ الرُّسُلِ وإنْزالُ الكُتُبِ.

ولَمّا كانَ البَصَرُ أعَمَّ مِنَ السَّمْعِ؛ لِأنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ الصَّغِيرُ الَّذِي لا يَفْهَمُ القَوْلَ، وكَذا كُلُّ مَن في حُكْمِهِ، قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿ولَهم أعْيُنٌ﴾ ولَمّا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِما الإبْصارُ النّافِعُ في الآخِرَةِ الباقِيَةِ، نَفى إبْصارَهم وإنْ كانُوا أحَدَّ النّاسِ إبْصارًا فَقالَ: ﴿لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ أيِ: الآياتِ المَرْئِيَّةَ إبْصارَ تَفَكُّرٍ واعْتِبارٍ ﴿ولَهم آذانٌ﴾ ولَمّا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلى سَمْعِها ما يَنْفَعُهُمْ، نَفاهُ عَلى نَحْوِ ما مَضى فَقالَ: ﴿لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيِ: الآياتِ المَسْمُوعَةَ وما (p-١٧٤)يَدُلُّ عَلَيْها سَماعَ ادِّكارٍ وافْتِكارٍ، ولَمّا سُلِبَتْ عَنْهم هَذِهِ المَعانِي كانَتِ النَّتِيجَةُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: البُعَداءُ مِنَ المَعانِي الإنْسانِيَّةِ ﴿كالأنْعامِ﴾ أيْ: في عَدَمِ الفِقْهِ، ولَمّا كانُوا قَدْ زادُوا عَلى ذَلِكَ تَفَقُّدَ نَفْعِ السَّمْعِ والبَصَرِ قالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ لِأنَّهم إمّا مُعانِدٌ وإمّا جاهِلٌ بِما يَضُرُّهُ ويَنْفَعُهُ، والأنْعامُ تَهْرُبُ إذا سَمِعَتْ صَوْتًا مُنْكَرًا فَرَأتْ بِعَيْنِها أنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضُرُّها، وتَنْتَظِرُ ما يَنْفَعُها مِنَ الماءِ والمَرْعى فَتَقْصِدُهُ، والأنْعامُ لا قُدْرَةَ لَها عَلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى هَذِهِ المَدارِكِ مِنَ الفِقْهِ. وهَؤُلاءِ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى ذَلِكَ أهْمَلُوهُ [فَنَزَلُوا عَنْ رُتْبَتِها دَرَجَةً كَما أنَّ مَن طَلَبَ الكَمالَ وسَعى لَهُ سَعْيَهُ مَعَ نِزاعِ الشَّهَواتِ عَلا عَنْ دَرَجَةِ المَلائِكَةِ بِما قاسى مِنَ الجِهادِ].

ولَمّا تَشارَكُوا الأنْعامَ بِهَذِهِ في الغَفْلَةِ وزادُوا عَلَيْها، أنْتَجَ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى طَرِيقِ الحَصْرِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿هُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الغافِلُونَ﴾ لا الأنْعامُ، فَإنَّها - وإنْ كانَتْ غافِلَةً عَمّا يُرادُ بِها - غَيْرُ خالِدَةٍ في العَذابِ، فَلَمْ تُشارِكْهم في العَمى والصَّمَمِ عَمّا يَنْفَعُها ولا في الغَفْلَةِ عَنِ الخَسارَةِ الدّائِمَةِ، فَقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى تَفْضِيلِ الإنْسانِ عَلى المَلَكِ كَما اقْتَضَتْهُ سُورَةُ الزَّيْتُونِ؛ لِأنَّهُ جُعِلَ في خَلْقِهِ وسَطًا بَيْنَ المَلَكِ الَّذِي هو عَقْلٌ صِرْفٌ والحَيَوانِ الَّذِي هو شَهْوَةٌ مُجَرَّدَةٌ، فَإنْ غَلَّبَ عَقْلَهُ كانَ أعْلى بِما عالَجَهُ مِن جِهادِ الشَّهَواتِ فَكانَ فِي: ﴿أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] وإنْ غَلَبَتْ شَهْوَتُهُ كانَ أسْفَلَ مِنَ الحَيَوانِ بِما أضاعَ مِن عَقْلِهِ فَكانَ ﴿أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥]

7:180Page 174

وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٨٠

And to Allāh belong the best names, so invoke Him by them. And leave [the company of] those who practice deviation concerning His names.1 They will be recompensed for what they have been doing.

(p-١٧٥)ولَمّا أنْتَجَ هَذا أنَّ لَهُمُ الأسْماءَ السُّوأى ولِمَعْبُوداتِهِمْ أسْوَأُ مِنها، عَطَفَ عَلَيْهِ دَفْعًا لِوَهْمِ مَن يَتَوَهَّمُ بِالحُكْمِ بِالضَّلالِ والذَّرْءِ لِجَهَنَّمَ ما لا يَلِيقُ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُوجِبَ لِدُخُولِ جَهَنَّمَ الغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ودُعائِهِ - قَوْلَهُ: ﴿ولِلَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْلى المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ وحْدَهُ ﴿الأسْماءُ﴾ [ولَمّا كانَ الِاسْمُ إذا لُحِظَتْ فِيهِ المُناسَبَةُ كانَ بِمَعْنى الصِّفَةِ، أُنِّثَ في قَوْلِهِ]: ﴿الحُسْنى﴾ أيْ: كُلُّها بِاتِّصافِهِ دُونَ غَيْرِهِ بِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي كَلُّ واحِدَةٍ مِنها أحْسَنُ شَيْءٍ وأجْمَلُهُ وتَنَزُّهِهِ عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ وسِماتِ الحَدَثِ، فَكُلُّ أفْعالِهِ حِكْمَةٌ [و] إنَّما كانَ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ لِأنَّ الأشْياءَ غَيْرُهُ مُمْكِنَةٌ لِتَغَيُّرِها، وكُلُّ مُمْكِنٍ مُحْتاجٌ وأدْنى ما يَحْتاجُ إلى مُرَجِّحٍ يُرَجِّحُ وُجُودَهُ، وبِذَلِكَ نَعْلَمُ وُجُودَ المُرَجِّحِ ونَعْلَمُ أنَّ تَرْجِيحَهُ عَلى سَبِيلِ الصِّحَّةِ والِاخْتِيارِ لا الوُجُوبِ، وإلّا لَدامَ العالَمُ بِدَوامِهِ، وبِذَلِكَ ثَبَتَتْ قُدْرَتُهُ، وتَكُونُ أفْعالُهُ مُحْمَكَةً ثَبَتَ عِلْمُهُ فَثَبَتَتْ حَياتُهُ وسَمْعُهُ وبَصَرُهُ وكَلامُهُ وإرادَتُهُ ووَحْدانِيَّتُهُ، وإلّا لَوَقَعَ التَّنازُعُ فَوَقَعَ الخَلَلُ، فالعِلْمُ بِصِفاتِهِ العُلى لَيْسَ في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ بَلْ مُتَرَتِّبًا، وعُلِمَ بِهَذا أنَّ الكَمالَ لَهُ لِذاتِهِ، وأمّا غَيْرُهُ فَكَمالُهُ بِهِ وهو بِذاتِهِ غَرِقَ في بَحْرِ الفَناءِ واقِعٌ في حَضِيضِ النُّقْصانِ ﴿فادْعُوهُ﴾ أيْ: فَصِفُوهُ وسَمُّوهُ واسْألُوهُ ﴿بِها﴾ لِتَنْجُوا مِن جَهَنَّمَ وتَنالُوا كُلَّ ما تُحْمَدُ عاقِبَتُهُ؛ فَإنَّ القَلْبَ إذا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أقْبَلَ عَلى الدُّنْيا وشَهَواتِها فَوَقَعَ في نارِ الحِرْصِ وزَمْهَرِيرِ الحِرْمانِ ولا يَزالُ (p-١٧٦)فِي رَغْبَةٍ إلى رَغْبَةٍ حَتّى لا يَبْقى لَهُ مُخَلِّصٌ، وإذا أقْبَلَ عَلى الذِّكْرِ تَخَلَّصَ عَنْ نِيرانِ الآفاتِ واسْتَشْعَرَ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ حَتّى تَخَلَّصَ مِن رِقِّ الشَّهَواتِ فَيَصِيرُ حُرًّا فَيَسْعَدُ بِجَمِيعِ المُراداتِ، وكَثْرَةُ الأسْماءِ لا تَقْدَحُ في التَّوْحِيدِ بَلْ تَدُلُّ عَلى عَظِيمِ المُسَمّى.

﴿وذَرُوا﴾ أيِ: اتْرُكُوا عَلى حالَةٍ ذَرِيَّةٍ ﴿الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ أيْ: يَمِيلُونَ عَمّا حُدَّ لَهم [بِزِيادَةٍ فَيُشْبِهُوا أوْ نَقْصٍ فَيُعَطِّلُوا] ﴿فِي أسْمائِهِ﴾ أيْ: فَيُطْلِقُونَها عَلى غَيْرِهِ بِأنْ يُسَمُّوهُ إلَهًا، فَيَلْزَمُهم أنْ يُطْلِقُوا عَلَيْهِ جَمِيعَ أوْصافِ الإلَهِ. فَقَدْ ألْحَدُوا في البَعْضِ بِالفِعْلِ وفي الباقِي بِاللُّزُومِ، أوْ بِأنْ يُسَمُّوهُ بِما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ تارَةً يَكُونُ مَأْذُونًا فِيهِ في الجُمْلَةِ كالضّارِّ فَلا يَجُوزُ ذِكْرُهُ إلّا مَعَ النّافِعِ، وتارَةً لا، مِثْلَ إطْلاقِ الأبِ عَلَيْهِ والجِسْمِ، وكَذا كُلُّ ما أوْهَمَ نَقْصًا، فَلَمْ يَكُنْ أحْسَنَ، ولِوُرُودِ إطْلاقِ بَعْضِ اشْتِقاقاتِهِ عَلَيْهِ مِثْلَ عَلَمٍ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِأجْلِهِ: مُعَلِّمٌ، وكَذا لِحُبِّهِمْ لا يَجُوزُ لِأجَلِهِ أنْ يُقالَ: يا خالِقَ الدِّيدانِ والقِرَدَةِ مَثَلًا، وكَذا لا يَجُوزُ أنْ يُذْكُرَ اسْمٌ لا يَعْرِفُ الذّاكِرُ مَعْناهُ ولَوْ كانَ النّاسُ يَفْهَمُونَ مِنهُ مَدْحًا كَما يَقُولُ بَعْضُ البَدْوِ: يا أبْيَضَ الوَجْهِ! يا أبا المَكارِمِ! فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إلْحادٌ، وهَذا الفِعْلُ يُسْتَعْمَلُ مُجَرَّدًا فَيُقالُ: لَحَدَ في كَذا وألْحَدَ فِيهِ - بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو العُدُولُ عَنْ (p-١٧٧)الحَقِّ والإدْخالُ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ - نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ؛ وقالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ القَطّاعِ في كِتابِ الأفْعالِ: لَحَدَ المَيِّتَ لَحْدًا وألْحَدَهُ: شَقَّ لَهُ القَبْرَ، وإلى الشَّيْءِ وعَنْهُ وفي الدِّينِ: مالَ، وقُرِئَ بِهِما كَذَلِكَ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما يَفْعَلُ بِمَن ألْحَدَ؟ وكانَ المُرْهَبُ إيقاعَ الجَزاءِ، لا كَوْنَهُ مِن مُعَيَّنٍ، قالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ: ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿ما كانُوا﴾ أيْ: بِجِبِلّاتِهِمْ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: فَيُفْعَلُ بِهِمْ مِن أنْواعِ الإهانَةِ والعُقُوبَةِ ما يُوجِبُ وصْفَهم بِأقْبَحِ الأوْصافِ ضِدَّ ما كانُوا يَسْمَعُونَهُ في الدُّنْيا مِمَّنْ يُدانِيهِمْ.

7:181Page 174

وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَآ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٨١

And among those We created is a community1 which guides by truth and thereby establishes justice.

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْ ذَرْءِ جَهَنَّمَ مِنَ القِبْلَتَيْنِ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ حالِ الباقِينَ مِنهُما، فَقالَ مُصَرِّحًا بِالخَبَرِ عَنْهم عاطِفًا عَلى ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ [الأعراف: ١٧٩] مُشِيرًا بِمِنِ التَّبْعِيضِيَّةِ إلى قَتْلِهِمْ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أُمَّةٌ﴾ أيْ: جَماعَةٌ عَرَفَتْ مَن هو أهْلٌ لِأنْ يُؤَمَّ ويُهْتَدى بِهِ فَقَصَدَتْهُ فاقْتَبَسَتْ مِن أنْوارِهِ فَصارَتْ هي أهْلًا لِأنْ تُقْصَدُ ويُؤْتَمَّ بِها.

[ولَمّا] أفْهَمُ لَفْظُ الأُمَّةِ هَذا صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ أيِ: الثّابِتِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ ﴿وبِهِ﴾ أيِ: الحَقِّ خاصَّةً ﴿يَعْدِلُونَ﴾ (p-١٧٨)أيْ: يَجْعَلُونَ الأُمُورَ مُتَعادِلَةً، لا زِيادَةَ في شَيْءٍ مِنها عَلى ما يَنْبَغِي ولا نَقْصَ، لِأنّا وفَّقْناهم فَكَشَفْنا عَنْ بَصائِرِهِمْ حِجابَ الغَفْلَةِ الَّتِي ألْزَمْناها أُولَئِكَ، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَواهُ بَعْضُهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وأبْهَمَ الأمْرَ بَعْدَ تَعْيِينِ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمًا لَهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском