Al-Biqa'iAl‑Jinn · 72:9–21

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Jinn 72:9–21

72:9Page 572

وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن يَسۡتَمِعِ ٱلۡأٓنَ يَجِدۡ لَهُۥ شِهَابٗا رَّصَدٗا ٩

And we used to sit therein in positions for hearing,1 but whoever listens now will find a burning flame lying in wait for him.

ولَمّا أخْبَرُوا عَنْ حالِها إذْ ذاكَ لِأنَّهُ الأهَمُّ عِنْدَهُمْ، أُخْبِرُوا عَنْ حالِها قَبْلُ، فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِما لِلْإنْسِ [ مِنَ التَّكْذِيبِ -] بِوُصُولِ أحَدٍ إلى السَّماءِ: ﴿وأنّا كُنّا﴾ أيْ فِيما مَضى ﴿نَقْعُدُ مِنها﴾ أيِ السَّماءِ ﴿مَقاعِدَ﴾ أيْ كَثِيرَةً قَدْ عَلِمْناها لا حَرَسَ فِيها فَهي صالِحَةٌ ﴿لِلسَّمْعِ﴾ أيْ لِأنَّ نَسْمَعُ مِنها بَعْضَ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ المَلائِكَةُ بِما أمَرُوا بِتَدْبِيرِهِ، وقَدْ جاءَ في الخَبَرِ أنَّ صِفَةَ قُعُودِهِمْ هي أنْ يَكُونَ الواحِدُ مِنهم فَوْقَ الآخَرِ حَتّى يَصِلُوا إلى السَّماءِ، قالَ أبُو حَيّانَ: فَمَتى احْتَرَقَ الأعْلى كانَ الَّذِي تَحْتَهُ مَكانَهُ فَكانُوا يَسْتَرِقُونَ الكَلِمَةَ فَيُلْقُونَها إلى الكُهّانِ فَيَزِيدُونَ مَعَها الكَذِبَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَنَسْتَمِعَ مِنها [ فَنَسْمَعُ -] ما يُقَدَّرُ لَنا مِن غَيْرِ مانِعٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ﴾ أيْ يَجْتَهِدُ في الوُصُولِ إلى السَّمْعِ ﴿الآنَ﴾ أيْ في هَذا الوَقْتِ فِيما يَسْتَقْبِلُ أنَّهم قَسَّمُوا الزَّمانَ إلى [ ما -] كانَ مِن إطْلاقِ الِاسْتِماعِ لَهم وإلى ما صارَ إلَيْهِ الحالُ مِنَ الحِراسَةِ، وأطْلَقُوا ”الآنَ“ عَلى الثّانِي كُلَّهُ، لِأنَّهم أرادُوا وقْتَ قَوْلِهِمْ فَقَطْ (p-٤٧٨)أوْ أرادُوهُ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ ما بَعْدَهُ فَيُجَوِّزُونَ أنْ يَكُونَ الحالَ فِيهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿يَجِدْ لَهُ﴾ أيْ لِأجْلِهِ ﴿شِهابًا﴾ أيْ شُعْلَةً مِن نارٍ ساطِعَةٍ مُحْرِقَةٍ.

ولَمّا كانَ الشِّهابُ في مَعْنى الجَمْعِ لِأنَّ المُرادَ أنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ مِنها كَذَلِكَ، وصَفَهُ بِاسْمِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿رَصَدًا﴾ أيْ يَرْصُدُهُ الرّامُونَ بِهِ مِن غَيْرِ غَفْلَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى المُبالَغَةِ كَرَجُلٍ عَدْلٍ، والرَّصْدُ التَّرَقُّبُ لِأنَّهُ لَمّا كانَ لا تَأخُّرَ عَنْ رَمْيِهِ عِنْدَ الدُّنُوِّ مِنَ السَّماءِ كانَ كَأنَّهُ هو الرّاصِدُ لَهُ، المُراقِبُ لِأمْرِهِ، المُلاحِظُ الَّذِي لا فُتُورَ عِنْدَهُ [ و-] لا غَفْلَةَ بِوَجْهٍ بَلْ هو الرَّصْدُ وهو المَعْنى بِنَفْسِهِ، فَمَتى تَسَنَّمَ لِلِاسْتِماعِ رُمِيَ بِهِ فَيَمْنَعُهُ مِنَ الِاسْتِماعِ وإنْ أدْرَكَهُ أحْرَقَهُ، وأمّا السَّمْعُ فَقَدِ امْتَنَعَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]

72:10Page 572

وَأَنَّا لَا نَدۡرِيٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ أَرَادَ بِهِمۡ رَبُّهُمۡ رَشَدٗا ١٠

And we do not know [therefore] whether evil is intended for those on earth or whether their Lord intends for them a right course.

ولَمّا أُخْبِرُوا عَنْ إيمانِهِمْ أنَّهُ كانَ عَقِبَ سَماعِهِمْ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ، ثُمَّ ذَكَرُوا مَنعَهم مِنَ الِاسْتِراقِ، ذَكَرُوا أنَّهُ اشْتُبِهَ عَلَيْهِمُ المَنعُ فَلَمْ يَعْلَمُوا سِرَّهُ دَلالَةً عَلى أنَّ جَهْلَ بَعْضِ المَسائِلِ [ الفَرْعِيَّةِ -] لا يَقْدَحُ، (p-٤٧٩)ونَدْبًا إلى رَفْعِ الهِمَّةِ عَنِ الخَوْضِ في شَيْءٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وحَثًّا عَلى التَّفْوِيضِ إلى عَلّامِ الغُيُوبِ، فَبَيَّنُوا الَّذِي حَمَلَهم عَلى ضَرْبِ مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها حَتّى وجَدُوا النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ القُرْآنَ: فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَنْسُبُونَهم إلى عِلْمِ المُغَيَّباتِ وحَلِّ المُشْكِلاتِ: ﴿وأنّا لا نَدْرِي﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وإنْ دافَعْنا واجْتَهَدْنا ﴿أشَرٌّ﴾ ولَمّا كانَ المَحْذُورُ نَفْسَ الإرادَةِ الماضِيَةِ [ لا كَوْنُها مِن مَعْرُوفٍ مَعَ أنَّ الفاعِلَ مَعْرُوفٌ، وهو الفاعِلُ المُخْتارُ الَّذِي لَهُ الإرادَةُ الماضِيَةُ -] النّافِذَةُ، بَنَوْا لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُمْ: ﴿أُرِيدَ﴾ مُعَلِّمِينَ لِلْأدَبِ في أنَّ الشَّرَّ يَتَحاشى مِن إسْنادِهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ حَيْثُ لا إشْكالَ في مَعْرِفَةِ أنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِهِ ﴿بِمَن في الأرْضِ﴾ أيْ بِهَذِهِ الحِراسَةِ فَيَنْشَأُ عَنْها الغَيُّ ﴿أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْهِمُ المُدَبِّرُ لَهُمْ، بَنُوهُ لِلْفاعِلِ في جانِبِ الخَيْرِ إعْلامًا مَعَ تَعْلِيمِ الأدَبِ بِأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وإشارَةً إلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ أرادَ بِهَذا المَنعِ الخَيْرَ ﴿رَشَدًا﴾ أيْ سَدادًا فَيَنْشَأُ عَنْهُ الخَيْرُ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الشَّرِّ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى الخَيْرِ ثانِيًا، والرُّشْدُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الغِنى أوَّلًا.

72:11Page 572

وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَۖ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَدٗا ١١

And among us are the righteous, and among us are [others] not so; we were [of] divided ways.1

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ [ بِسُهُولَةِ -] إيمانِهِمْ، فَكانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ ما كانَ إلّا لِأنَّ شَأْنَهُمُ اللِّينُ، أتْبَعَهُ ما يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ خارِقَةً لِأجْلِهِ (p-٤٨٠)ﷺ كانَتْ، [ و-] لِإعْظامِهِ وإكْرامِهِ وُجِدَتْ، فَقالَ حِكايَةً عَنْهم مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ الكَلامَ السّابِقَ ظاهِرٌ في سَلامَةِ طِباعِ الكُلِّ: ﴿وأنّا مِنّا﴾ أيْ أيُّها الجِنُّ ﴿الصّالِحُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في صِفَةِ الصَّلاحِ الَّتِي هي مُهَيِّئَةٌ لِقَبُولِ كُلِّ خَيْرٍ.

ولَمّا كانَ غَيْرَ الصّالِحِ قَدْ يَكُونُ فاسِدًا بِأنْ يَكُونَ مُباشِرًا لِلْفَسادِ قاصِدًا لَهُ وقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُباشِرٍ لَهُ، قالُوا مُتَفَطِّنِينَ لِمَراتِبِ العُلُومِ والأعْمالِ المُقَرَّبَةِ والمُبْعَدَةِ: ﴿ومِنّا﴾ وبَنى الظَّرْفَ المُبْتَدَأ بِهِ لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ فَقِيلَ: ﴿دُونَ﴾ أيْ قَوْمٍ في أدْنى رُتْبَةٍ [ مِن -] ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ هَذا الوَصْفُ الشَّرِيفُ العالِي.

ولَمّا كانَ مِن دُونِ الصّالِحِ ذا أنْواعٍ كَثِيرَةٍ بِحَسَبِ قابِلِيَّتِهِ لِلْفَسادِ أوِ الصَّلاحِ وتَهَيُّئِهِ لَهُ أوْ بَعْدَهُ عَنْهُ، حُسْنُ بَيانِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿كُنّا﴾ أوْ كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ ﴿طَرائِقَ﴾ أيْ ذَوِي طُرُقِ أيِّ مَذاهِبَ ووُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وأطْلَقُوا الطُّرُقَ عَلى أصْحابِها إشارَةً إلى شِدَّةِ تَلَبُّسِهِمْ بِها.

ولَمّا كانَ الِانْفِصالُ قَدْ يَكُونُ بِأدْنى شَيْءٍ، بَيَّنَ أنَّهُ عَلى أعْلى الوُجُوهِ فَأطْلَقَ عَلَيْهِمْ نَفْسَ المُنْقَطِعِ ووَصَفَهم بِهِ فَقالَ: ﴿قِدَدًا﴾ أيْ (p-٤٨١)فِرَقًا مُتَفَرِّقَةً أهْواؤُها، جَمْعُ قِدَةٍ وهي الفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ هَواها عَلى غَيْرِ هَواهُمْ، مِنَ القَدِّ [ و-] هو القَطْعُ المُوجِبُ لِلتَّفَرُّقِ العَظِيمِ مِثْلُ السُّيُورِ الَّتِي تَقْطَعُ مِنَ الجِلْدِ وقْدٌ مِنهُ بِحَيْثُ تَصِيرُ [ كُلُّ فِرْقَةٍ -] عَلى حِدَتِها، قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: كافِرِينَ ومُسْلِمِينَ ورافِضَةٍ ومُعْتَزِلَةٍ [ و-] مُرْجِئَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِثْلُ فِرَقِ الإنْسِ.

72:12Page 572

وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعۡجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَن نُّعۡجِزَهُۥ هَرَبٗا ١٢

And we have become certain that we will never cause failure to Allāh upon earth, nor can we escape Him by flight.

ولَمّا دَلُّوا عَلى قَهْرِهِمْ عَمّا كانُوا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِن [ أمْرِ -] السَّماءِ بِما ذَكَرُوا، وعَلى قَهْرِ مُفْسِدِيهِمْ بِهَذا القُرْآنِ عَنْ كَثِيرٍ مِمّا كانُوا يَفْعَلُونَهُ بِأهْلِ الأرْضِ، فَقُهِرُوا بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ الشَّأْنِ في الحَقِيقَةِ عَنِ الخافِقِينَ فَمَنَعْنا مِنهم وحِفْظًا بِهِ، ودَلُّوا عَلى أنَّهم مَوْضِعُ القَهْرِ بِالتَّفَرُّقِ، كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ بِشُمُولِ قُدْرَتِهِ تَعالى حَتّى لا يُدْرِكَهُ طالِبٌ، ولا يَنْجُوَ مِنهُ هارِبٌ، لِما أبْدى لَهم مِن شُئُونِ عَظَمَتِهِ وقَهْرِهِ في الحِراسَةِ وغَيْرِها، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أثَرُ ذَلِكَ عِنْدَهم مِنَ الِاعْتِرافِ والإذْعانِ لِلْواحِدِ القَهّارِ، فَقالَ حاكِيًا عَنْهم ذَلِكَ نَدْبًا إلى الِاقْتِداءِ بِهِمْ في مَعْرِفَةِ النَّفْسِ بِالعِزِّ والذُّلِّ والضَّعْفِ بِالتَّفَرُّقِ والِانْقِسامِ، ومَعْرِفَةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ بِالقُدْرَةِ الكامِلَةِ والسُّلْطانِ والعَظَمَةِ بِالتَّفَرُّدِ التّامِّ الَّذِي لا يَقْبَلَ المُماثَلَةَ ولا القِسْمَةَ: ﴿وأنّا﴾ أكَّدُوا لِظَنِّ الإنْسِ في قُوَّتِهِمْ غَيْرَ ما هو لَها ﴿ظَنَنّا﴾ أطْلَقُوا الظَّنَّ عَلى العِلْمِ إشارَةً إلى أنَّ العاقِلَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَجْتَنِبَ ما يُخَيِّلُهُ ضارًّا ولَوْ بِأدْنى أنْواعِ الحِيَلِ فَكَيْفَ إذا تَيَقَّنَ (p-٤٨٢)﴿أنْ﴾ أيْ أنَّ الشَّأْنَ العَظِيمَ، وزادُوا في التَّأْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ فَقالُوا: ﴿لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ﴾ أيْ أنْ نُقاوِمَهُ إنْ أرادَ بِنا سُوءًا لِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً لِأنَّهُ واحِدٌ لا مِثْلَ لَهُ، ودَلُّوا عَلى وجْهِ [ الضَّعْفِ -] بِقَوْلِهِمْ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ كائِنِينَ فِيها مُقِيمِينَ وهي جِهَةُ السُّفْلِ المَلْزُومَةِ لِلْقَهْرِ، وذَلِكَ أقْصى جُهْدِنا فَأيْنَ نَحْنُ مِن سِعَةِ مُلْكِهِ الَّذِي هو في قَبْضَتِهِ ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿هَرَبًا﴾ أيْ ذَوِي هَرَبٍ أوْ مِن جِهَةِ الهَرَبِ، أيْ هَرَبْنا مِنَ الأرْضِ إلى غَيْرِها فَإنَّ السَّماءَ مَنَعَتْ مِنّا ولَيْسَ لَنا مُضْطَرِبٌ إلّا في قَبْضَتِهِ، فَأيْنَ أمْ إلى أيْنَ المَهْرَبُ، وقَدْ مَنَعُوا بِذَلِكَ وجْهَيِ النَّجاةِ بِاللِّقاءِ والنَّصْرِ والهَرَبِ عِنْدَ القَهْرِ.

72:13Page 572

وَأَنَّا لَمَّا سَمِعۡنَا ٱلۡهُدَىٰٓ ءَامَنَّا بِهِۦۖ فَمَن يُؤۡمِنۢ بِرَبِّهِۦ فَلَا يَخَافُ بَخۡسٗا وَلَا رَهَقٗا ١٣

And when we heard the guidance [i.e., the Qur’ān], we believed in it. And whoever believes in his Lord will not fear deprivation or burden.1

ولَمّا كانَ الظّانُّ قَدْ يُبادِرُ عَلى العَمَلِ بِمُوجِبِ ظَنِّهِ وقَدْ لا، بَيَّنُوا أنَّ مُرادَهم بِهِ العِلْمُ، وأنَّهم بادَرُوا إلى العَمَلِ بِما دَعا إلَيْهِ، فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِما لِلْجِنِّ مِنَ الإباءِ والعُسْرِ: ﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا﴾ أيْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ﴿الهُدى﴾ أيِ القُرْآنِ الَّذِي لَهُ مِنَ العَراقَةِ التّامَّةِ في صِفَةِ البَيانِ والدُّعاءِ إلى الخَيْرِ ما سَوَّغَ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ نَفْسُ الهُدى: ﴿آمَنّا بِهِ﴾ أيْ مِن غَيْرِ وقْفَةٍ أصْلًا عَمَلًا بِما لَهُ مِن هَذا الوَصْفِ العَظِيمِ.

(p-٤٨٣)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَآمَنّا بِسَبَبِ إيمانِنا الَّذِي قادَنا إلَيْهِ حَفْظُ السَّماءِ مِنَ الإيقاعِ بِهِ لِتَمامِ قُدْرَتِهِ عَلَيْنا الَّذِي هَدانا إلَيْهِ مَنَعَنا مِنَ الِاسْتِماعِ بِالحِراسَةِ، سَبَّبُوا عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهم مُعْتَرِفِينَ بِالعَجْزِ عَنْ مُقاوَمَةِ التَّهْدِيدِ مِنَ المَلِكِ طالِبِينَ التَّحَصُّنَ بِتَحْصِينِهِ والِاعْتِصامَ بِحَبْلِهِ: ﴿فَمَن يُؤْمِن﴾ أيْ يُوجِدُ حَقِيقَةَ الإيمانِ ويَسْتَمِرُّ عَلى تَجْدِيدِها كُلَّ لَحْظَةٍ.

ولَمّا فَهِمُوا أنَّ دُعاءَهُ إلَيْهِ وبَيانَهُ لِلطَّرِيقِ مَعَ قُدْرَتِهِ التّامَّةِ إنَّما هو مِن عُمُومِ لُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ، ذَكَرُوا وصْفَ الإحْسانِ لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ فَقالُوا: ﴿بِرَبِّهِ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ مِنّا ومِن غَيْرِنا.

ولَمّا كانَ المُؤْمِنُ هو المُخْتَصُّ مِن بَيْنِ الخَلْقِ بِالنَّجاةِ، أدْخَلَ الفاءَ عَلى الجَوابِ ورَفَعَهُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ وعَلى أنَّ نَجاتَهم ما لا بُدَّ مِنهُ فَقالَ: ﴿فَلا﴾ أيْ فَهو خاصَّةً [ لا -] ﴿يَخافُ﴾ أصْلًا ﴿بَخْسًا﴾ أيْ نَقْصًا وقِلَّةً وخُبْثًا ونَكِدًا في الثَّوابِ والإكْرامِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿ولا رَهَقًا﴾ أيْ مَكْرُوهًا يَلْحَقُهُ فَيَقْهَرُهُ لِأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَعَ أحَدٍ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لِيُجازى عَلَيْهِ، فَهَذا حَثٌّ لِلْمُؤْمِنِ عَلى اجْتِنابِ ذَلِكَ لِئَلّا يُجازى بِهِ، وقَدْ هَدى السِّياقُ إلى تَقْدِيرِ: ومَن يُشْرِكُ بِهِ فَلا، يَأْمَنُ مُحِقًّا ولا صَعْقًا.

(p-٤٨٤)

72:14Page 573

وَأَنَّا مِنَّا ٱلۡمُسۡلِمُونَ وَمِنَّا ٱلۡقَٰسِطُونَۖ فَمَنۡ أَسۡلَمَ فَأُوْلَٰٓئِكَ تَحَرَّوۡاْ رَشَدٗا ١٤

And among us are Muslims [in submission to Allāh], and among us are the unjust.1 And whoever has become Muslim - those have sought out the right course.

ولَمّا كانَ هَذا ظاهِرًا في أنَّهم أسْلَمُوا كُلَّهُمْ، قالُوا نافِينَ لِهَذا الظّاهِرِ مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ إسْلامَهم [ مَعَ -] شَدِيدِ نَفْرَتِهِمْ لا يَكادُ يُصَدَّقُ: ﴿وأنّا مِنّا﴾ أيْ أيُّها الجِنُّ ﴿المُسْلِمُونَ﴾ أيِ المُخْلِصُونَ في صِفَةِ الإسْلامِ لِلْهادِي فَأسْلَمُوهُ قِيادَهم فَهم عَرِيقُونَ في ذَلِكَ مُقْسِطُونَ مُسْتَقِيمُونَ، فَلا يُفارِقُونَ الدَّلِيلَ فَهم عَلى الصِّراطِ السَّوِيِّ العَدْلِ الرَّضِيِّ، ومِنّا الجافُونَ الكافِرُونَ ﴿ومِنّا القاسِطُونَ﴾ وهُمُ الجائِرُونَ عَنِ المَنهَجِ الأقْوَمِ السّاقِطُونَ في المَهامَّهْ المَجاهِلِ الَّتِي لَيْسَ بِها مُعْلِمٌ، فَهم بِرَبِّهِمْ كافِرُونَ، ومِنّا المُقْسِطُونَ، يُقالُ: قَسَطَ - إذا جارَ جَوْرًا، أسْقَطَهُ عَنْ رُتْبَةِ الإنْسانِ إلى رُتْبَةِ أدْنى الحَيَوانِ، وأقْسَطَ - إذا أزالَ الجَوْرَ فَعَدَلَ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ”المُسْلِمُونَ“ يَدُلُّ عَلى الكافِرِينَ، و”القاسِطُونَ“ يَدُلُّ عَلى المُقْسِطِينَ.

ولَمّا كانُوا قَدْ عَلِمُوا مِمّا سَمِعُوا مِنَ القُرْآنِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البَعْثِ لِلْجَزاءِ، سَبَّبُوا عَنْ هَذِهِ القِسْمَةِ قَوْلَهُمْ: ﴿فَمَن أسْلَمَ﴾ أيْ أوْقَعَ الإسْلامَ كُلَّهُ بِأنْ أسْلَمَ ظاهِرُهُ وباطِنُهُ لِلدَّلِيلِ مِنَ الجِنِّ و[ مِن -] غَيْرِهِمْ. (p-٤٨٥)ولَمّا كانَ في مَقامِ التَّرْغِيبِ في الحَقِّ، رَبَطَ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ تَسْبِيبًا عَنْهُ قَوْلُهُ مَدْحًا لَهُمْ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿تَحَرَّوْا﴾ أيْ تَوَخَّوْا وقَصَدُوا مُجْتَهِدِينَ ﴿رَشَدًا﴾ أيْ صَوابًا عَظِيمًا وسَدادًا، كانَ - لِما عِنْدَهم مِنَ النَّقائِصِ - شارِدًا عَنْهم فَعالَجُوا أنْفُسَهم حَتّى مَلَكُوهُ فَجَعَلُوهُ لَهم مَنزِلًا، مِن قَوْلِهِمُ: الحَرا - بِالقَصْرِ: أُفْحُوصُ القَطاةِ يَأْوِي إلَيْهِ الظَّبْيُ، والنّاحِيَةُ والمَوْضِعُ، وما أحَراهُ بِكَذا: ما أوْجَبَهُ لَهُ، وبِالحَرا أنْ يَكُونَ كَذا أيْ خَلِيقٌ كَوْنُهُ، وفُلانٌ حَرِيٌّ بِكَذا أيْ خَلِيقٌ، وقَدْ يَجِيءُ بِالحُرِّ - مِن غَيْرِ ياءٍ، يُرادُ بِهِ بِالجُهْدِ، وتَحَرَّيْتُ الشَّيْءَ: قَصَدْتُ ناحِيَتَهُ، فَكانَ لَهم ذَلِكَ إلى الجَنَّةِ سَبَبًا، ومِن قَسَطَ فَأُولَئِكَ ضَنُّوا [ فَنالُوا -] غَيًّا وشَطَطًا.

72:15Page 573

وَأَمَّا ٱلۡقَٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبٗا ١٥

But as for the unjust, they will be, for Hell, firewood.'

ولَمّا عَرَفُوا بِالأمْنِ الِاعْتِصامَ بِطاعَةِ اللَّهِ، نَبَّهُوا عَلى خَطَرِ التَّعَرُّضِ لِبَطْشِهِ فَقالُوا: ﴿وأمّا القاسِطُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في صِفَةِ الجَوْرِ عَنِ الصَّوابِ مِنَ الجِنِّ وغَيْرِهِمْ فَأُولَئِكَ أهْمَلُوا أنْفُسَهم فَلَمْ يَتَحَرَّوْا لَها فَضَّلُوا فَأُبْعِدُوا عَنِ المَنهَجِ فَوَقَعُوا في المَهالِكِ الَّتِي لا مَنجى مِنها: ﴿فَكانُوا﴾ بِجِبِلّاتِهِمْ ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ أيِ النّارِ البَعِيدَةِ القَعْرِ الَّتِي تَلْقاهم بِالتَّجَهُّمِ والكَراهَةِ (p-٤٨٦)والعَبُوسَةِ ﴿حَطَبًا﴾ تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَهي في اتِّقادٍ ما دامُوا أحْياءً، وهم أحْياءٌ ما دامَتْ تَتَّقِدُ لا يَمُوتُونَ فَيَسْتَرِيحُونَ ولا يَحْيَوْنَ فَيَنْتَعِشُونَ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، وهو مَنطُوقٌ لِما أوْجَبَهُ مِنَ السِّياقِ لا مَفْهُومَ: ذَكَرَ التَّحَرِّي أوَّلًا دَلِيلًا عَلى تَرْكِهِ ثانِيًا وذَكَرَ جَهَنَّمَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الجَنَّةِ أوَّلًا، وسَرَّ ذَلِكَ أنَّهم في مَقامِ التَّرْهِيبِ فَذَكَرُوا ما يُحْذَرُ، وطَوَوْا ما يَجِبُ العِلْمُ بِهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُضَيِّعُ لِأحَدٍ أجْرًا بَلْ لا يَقْتَصِرُ عَلى ما يُقابِلُ الحَسَنَةَ في العُرْفِ بَلْ لا بُدَّ أنْ يَزِيدَ عَلَيْها تِسْعَةَ أضْعافِها وعِنْدَهُ المَزِيدُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ لَنا إلّا بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

72:16Page 573

وَأَلَّوِ ٱسۡتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا ١٦

And [Allāh revealed] that if they had remained straight on the way, We would have given them abundant rain [i.e., provision]

ولَمّا رَغِبَ ورَهِبَ سُبْحانَهُ عَلى ألْسِنَةِ الجِنِّ بِما هَداهم لَهُ ونَوَّرَ قُلُوبَهم بِهِ، وكانَتِ الآيَةُ السّالِفَةُ آخِرَ ما حَكى عَنْهُمْ، وكانَ التَّقْدِيرُ: أُوحِيَ إلَيَّ أنَّ القاسِطِينَ مِن قَوْمِي وغَيْرِهِمْ لَوْ آمَنُوا فَعَلَ بِهِمْ مِنَ الخَيْرِ ما فَعَلَ بِمُؤْمِنِي الجِنِّيِّ حِينَ آمَنُوا، فَأغْناهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا بِحَلالِهِ عَنْ حَرامِهِ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ فَكَسا لَهم كُلَّ عَظْمٍ لَقُوهُ لَحْمًا أوْفَرَ ما كانَ، وأعادَ لَهم كُلَّ رَوَثٍ رَأوْهُ أحْسَنَ ما كانَ بِبَرَكَةِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأتَمُّ التَّسْلِيمِ ﴿وأنْ﴾ أيْ وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ الشَّأْنَ العَظِيمَ (p-٤٨٧)﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ أيْ طَلَبَ القاسِطُونَ مِنَ الخَلْقِ كُلِّهِمُ الجِنُّ والإنْسُ القَوْمَ وأوْجَدُوهُ، كائِنِينَ ﴿عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ [ أيِ -] الَّتِي لا طَرِيقَةَ غَيْرَها وهي الَّتِي فَهِمَها الجِنُّ مِنَ القُرْآنِ مِنَ الإسْلامِ والإقْساطِ المُؤَدِّيَةِ إلى الفَلاحِ في الدّارَيْنِ.

ولَمّا كانَ [ الماءُ -] أصْلَ كُلِّ خَيْرٍ كَما قالَ تَعالى في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١] وكانَ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ حَيٍّ وكانَ عَزِيزًا عِنْدَ العَرَبِ، قالَ مُعَظِّمًا لَهُ بِالِالتِفاتِ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ: ﴿لأسْقَيْناهُمْ﴾ أيْ جَعَلْنا لَهم بِما عِنْدَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿ماءً غَدَقًا﴾ أيْ كَثِيرًا عَظِيمًا عَظِيمَ النَّفْعِ نُكْثِرُ بِهِ الرِّزْقَ ونُزَيِّنُ بِهِ الأرْضَ ونُرْغِدُ بِهِ العَيْشَ.

72:17Page 573

لِّنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَمَن يُعۡرِضۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِۦ يَسۡلُكۡهُ عَذَابٗا صَعَدٗا ١٧

So We might test them therein. And whoever turns away from the remembrance of his Lord1 He will put into arduous punishment.

ولَمّا كانَتْ نِعَمُهُ فَضْلًا مِنهُ ولَيْسَ مُسْتَحَقَّةً عَلَيْهِ بِعِبادَةٍ ولا غَيْرِها، قالَ تَعالى مُعَرِّفًا أنَّ غايَتَها اسْتِحْقاقُ الثَّوابِ أوِ العِقابِ عَلى ما كَتَبَهُ عَلى نَفْسِهِ سُبْحانَهُ ولا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ وأنَّ جَمِيعَ ما يُعامِلُ بِهِ عِبادَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن نَفْعٍ وضُرٍّ إنَّما هو فِتْنَةٌ لَهم يَسْتَخْرِجُ ما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن حَسَنٍ أوْ قَبِيحٍ: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾ أيْ نُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ (p-٤٨٨)بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِيهِ﴾ أيْ في ذَلِكَ الماءِ الَّذِي تَكُونُ عَنْهُ أنْواعُ النِّعَمِ لِيَنْكَشِفَ حالُ الشّاكِرِ والكافِرِ، قالَ الرّازِيُّ: وهَذا بَعْدَ ما حَبَسَ عَنْهُمُ المَطَرَ سِنِينَ - انْتَهى. وقالَ غَيْرُهُ: قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أيْنَما كانَ الماءُ كانَ المالُ، وأيْنَما كانَ المالُ كانَتِ الفِتْنَةُ. وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: كانُوا سامِعِينَ مُطِيعِينَ فَفُتِحَتْ عَلَيْهِمْ كُنُوزُ كِسْرى وقَيْصَرَ فَفُتِنُوا بِها فَوَثَبُوا بِإمامِهِمْ فَقَتَلُوهُ - يَعْنِي عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعارًا لِلْعِلْمِ وأنْواعَ المَعارِفِ النّاشِئَةِ عَنِ العِباداتِ الَّتِي هي لِلنُّفُوسِ كالنُّفُوسِ لِلْأبْدانِ وتَكُونُ الفِتْنَةُ بِمَعْنى التَّخْلِيصِ مِنَ الهُمُومِ الرَّذائِلِ في الدُّنْيا والنِّقَمِ في الآخِرَةِ، مَن فَتَنْتُ الذَّهَبَ - إذا خَلَّصْتُهُ مَن غِشِّهِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن يَقْبَلُ عَلى ذِكْرِ رَبِّهِ نُنَعِّمُهُ في دارِ السَّلامِ أبَدًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُعْرِضْ﴾ أيْ إعْراضًا مُسْتَمِرًّا إلى المَوْتِ ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ أيْ مُجاوِزًا عَنْ عِبادَةِ المُحْسِنِ إلَيْهِ المُرَبِّي لَهُ الَّذِي لا إحْسانَ عِنْدَهُ مِن غَيْرِهِ ﴿نَسْلُكُهُ﴾ [الحجر: ١٢] أيْ نُدْخِلُهُ ﴿عَذابًا﴾ يَكُونُ مَطْرُفًا لَهُ كالخَيْطِ يَكُونُ في ثُقْبِ الخَرَزَةِ في غايَةِ الضِّيقِ (p-٤٨٩)﴿صَعَدًا﴾ أيْ شاقًّا شَدِيدًا يَعْلُوهُ ويَغْلِبُهُ ويَصْعَدُ عَلَيْهِ، ويَكُونُ كُلَّ يَوْمٍ أعْلى مِمّا قَبْلَهُ جَزاءً وِفاقًا، فَإنَّ الإعْراضَ كُلَّما تَمادى زَمانُهُ كانَ أقْوى مِمّا كانَ.

72:18Page 573

وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا ١٨

And [He revealed] that the masjids1 are for Allāh, so do not invoke2 with Allāh anyone.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ أوْحى إلَيَّ أنَّ الأمْرَ عَلى ما تَتَعارَفُونَهُ بَيْنَكم مِن أنَّ مَن خَدَمَ غَيْرَ سَيِّدِهِ عَذَّبَهُ أبَدًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُبَيِّنًا لِسِيرَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما يَجِبُ لَهم مِنَ الكَمالِ الَّذِي يَكُونُ بِقُوَّتَيِ العِلْمِ والعَمَلِ، والتَّكْمِيلُ الَّذِي يَكُونُ بِهِما مَعَ قُوَّةِ البَيانِ، ومَن لَمْ يَكُنْ كامِلًا لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنهُ تَكْمِيلٌ لِيَكُونَ لَهُ ولَدٌ قَلْبٌ كَما أنَّ مَن لَمْ [ يَكُنْ -] بِالِغًا لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنهُ ولَدٌ صُلْبٌ، ومُبَيِّنًا لِما يَجُوزُ عَلَيْهِمْ وما يَسْتَحِيلُ مِنهم وما لِلَّهِ تَعالى مِنَ العِنايَةِ بِشَأْنِهِمْ: ﴿وأنَّ﴾ أيْ وأوْحى إلَيَّ أنَّ ﴿المَساجِدَ﴾ أيْ مَواضِعَ السُّجُودِ مِنَ العالَمِ الآفاقِي مِنَ الأرْضِ ومِنَ العالِمِ النَّفْسِيِّ مِنَ الجَسَدِ - كَما قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وطَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ مُخْتَصَّةٌ بِالمَلِكِ الأعْظَمِ ﴿فَلا تَدْعُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ أيُّها المَخْلُوقُونَ عَلى وجْهِ العادَةِ ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ [ أيِ -] الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿أحَدًا﴾ لِأنَّ مَن تَعَبَّدَ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ في مِلْكِ سَيِّدِهِ الَّذِي [ هو -] العالَمُ الآفاقِيُّ وبِآلَةِ سَيِّدِهِ الَّذِي هو العالِمُ النَّفْسِيُّ كانَ أشَدَّ النّاسِ لَوْمًا وعُقُوبَةً فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكم أنْ يَخْلُقَ لَكم وجْهًا (p-٤٩٠)ويَدِينَ ورَجُلَيْنِ وأرْضًا تَنْتَفِعُونَ بِها وسَماءٌ تَتِمُّ نَفْعُها فَتَسْجُدُونَ بِالأعْضاءِ الَّتِي أوْجَدَها لَكم في الأرْضِ الَّتِي أمْكَنَكم مِنَ الِانْتِفاعِ بِها تَحْتَ السَّماءِ الَّتِي أتَمَّ مَنافِعَها بِها لِغَيْرِهِ فَتَكُونُونَ قَدْ صَرَفْتُمْ نِعْمَةَ السَّيِّدِ الَّتِي يَجِبُ شُكْرُهُ عَلَيْها لِغَيْرِهِ أيَفْعَلُ هَذا عاقِلٌ؟ قالَ البَغَوِيُّ: فَإنْ جُعِلَتِ المَساجِدُ مَواضِعَ الصَّلاةِ فَواحِدُها بِكَسْرِ الجِيمِ، وإنْ جَعَلْتَها الأعْضاءَ فَواحِدُها بِفَتْحِ الجِيمِ.

72:19Page 573

وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبۡدُ ٱللَّهِ يَدۡعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيۡهِ لِبَدٗا ١٩

And that when the Servant [i.e., Prophet] of Allāh stood up supplicating Him, they almost became about him a compacted mass."1

ولَمّا كانَ مَن يَدْعُو سَيِّدَهُ ويَنْقَطِعُ إلَيْهِ عامِلًا لِلْواجِبِ عَلَيْهِ اللّائِقِ بِأمْثالِهِ لا يُنْكَرُ عَلَيْهِ ولا يَعْجَبُ مِنهُ، إنَّما يَعْجَبُ مِمَّنْ دَعا غَيْرَ سَيِّدِهِ أوْ مالَ إلَيْهِ أدْنى مَيْلٍ فَيَسْألُ عَنْ سَبَبِهِ، قالَ مُعَجِّبًا مِنَ القاسِطِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ: ﴿وأنَّهُ﴾ أيْ أُوحِيَ إلَيَّ أوْ قالَ الجِنَّ لِمَن أطاعَهم مِن قَوْمِهِمْ حاكِينَ ما رَأوْا مِن صَلاتِهِ ﷺ وازْدِحامِ أصْحابِهِ عَلَيْهِ مُتَعَجِّبِينَ مِن ذَلِكَ أنَّ الشَّأْنَ أوِ القِصَّةَ العَظِيمَةَ العَجِيبَةَ ﴿لَمّا﴾ قُمْتُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيَّ - هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالعَبْدِ كَما تَقَدَّمَ مِن أنَّ مَن دَعا سَيِّدَهُ ولَوْ كانَ ذَلِكَ السَّيِّدُ أحْقَرَ المَوْجُوداتِ لا يَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ، فَكَيْفَ إذا كانَ سَيِّدُهُ مالِكَ المُلْكِ ومَلِكَ المُلُوكِ ﴿قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ أيْ عَبْدُ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الجَلالُ كُلُّهُ والجَمالُ فَلا مَوْجُودَ يُدانِيهِ بَلْ كُلُّ مَوْجُودٍ مِن فائِضِ فَضْلِهِ ﴿يَدْعُوهُ﴾ أيْ (p-٤٩١)يَدْعُو سَيِّدَهُ دُعاءَ عِبادَةٍ مِن [ حَيْثُ -] كَوْنُهُ عَبْدَهُ ومِن حَيْثُ كَوْنُ سَيِّدُهُ يَسْمَعُ مَن دَعاهُ ويُجِيبُهُ.

ولَمّا كانَ القاسِطُونَ أكْثَرَ النّاسِ [ بَلِ النّاسُ -] كُلُّهم في ذَلِكَ الزَّمانِ جِنًّا وإنْسًا، قالَ مُبَيِّنًا لِأنَّهُ يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ أنْ يُؤْذُوا ويَنْتَقِصُوا رَفْعًا لِدَرَجاتِهِمْ وتَسْلِيَةً لِوُرّاثِهِمْ وإنْ كانَتْ رُتْبَتُهم تَأْبى ذَلِكَ،

﴿كادُوا﴾ أيْ قُرْبَ القاسِطُونَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى عَبْدِ اللَّهِ ﴿لِبَدًا﴾ أيْ مُتَراكِمِينَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ مِن شِدَّةِ ازْدِحامِهِمْ حَتّى كانَ ذَلِكَ جِبِلَّةً لَهم تَعَجُّبًا مِمّا رَأوْا مِنهُ مِن عِبادَتِهِ وإرادَةً لِرَدِّهِ عَنْ ذَلِكَ، وذَلِكَ أمْرٌ لا يُعْجَبُ مِنهُ، وإنَّما العَجَبُ ما فَعَلُوا هم مِن عِبادَتِهِمْ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ومِن تَعَجُّبِهِمْ مِن عِبادَةِ عَبْدِهِ لَهُ وإخْلاصِهِ في دُعائِهِ، وهو جَمْعُ لِبَدٍ - بِكَسْرِ اللّامِ، وقُرِئَ بِضَمِّ اللّامِ جَمْعُ لُبْدَةٍ بِضَمِّها، وهي [ ما -] تَلَبَّدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.

72:20Page 573

قُلۡ إِنَّمَآ أَدۡعُواْ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٠

Say, [O Muḥammad], "I only invoke my Lord and do not associate with Him anyone."

ولَمّا اسْتَشْرَفَتْ - عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ - نَفْسَ السّامِعِ إلى قَوْلِهِ ﷺ لِمَن تَراكَمُوا عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ، اسْتَأْنَفَ الجَوابَ بِقَوْلِهِ مُبَيِّنًا لِما يَسْتَحِيلُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن دُعاءِ غَيْرِ اللَّهِ ومَن تَرَكَ الدُّعاءَ إلَيْهِ مِن مُخالَفَةِ شَيْءٍ مِن أمْرِهِ قالَ، (p-٤٩٢)أوْ لَمّا تاقَتْ نَفْسُهُ ﷺ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ إلى ما يَدْفَعُ بِهِ ما رَأى مِنهُمْ، قالَ تَعالى مُرْشِدًا لَهُ إلى ذَلِكَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِمَنِ ازْدَحَمَ عَلَيْكَ عادًّا لَهم عِدادَ الجاهِلِينَ بِما تَصْنَعُ لِأنَّهم عَمِلُوا عَمَلَ الجاهِلِ: ﴿إنَّما أدْعُو﴾ أيْ دُعاءَ العِبادَةِ ﴿رَبِّي﴾ أيِ الَّذِي أوَجَدَنِي ورَبّانِي ولا نِعْمَةَ عِنْدِي إلّا مِنهُ وحْدَهُ، لا أدْعُو غَيْرَهُ حَتّى تَعْجَبُوا مِنِّي فَتَزْدَحِمُوا عَلَيَّ والظّاهِرُ المُتَبادَرُ إلى الفَهْمِ أنَّ المَعْنى: وأُوحِيَ إلَيَّ [ أيْ -] لَمّا قُمْتُ [ في الصَّلاةِ -] أعْبُدُ اللَّهَ في بَطْنِ نَخْلَةٍ ورَآنِي الجِنُّ الَّذِينَ وجَّهَهم إبْلِيسُ نَحْوَ تِهامَةَ [ و-] سَمِعُوا القُرْآنَ ازْدَحَمُوا عَلَيَّ حَتّى كادُوا يَغْشُونَنِي ويَكُونُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ فَسَمِعُوا تَوْحِيدِي لِلَّهِ وتَمْجِيدِي لَهُ وإفْرادَهُ بِالقُدْرَةِ والعِلْمِ وجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ آمَنُوا، وقِيلَ: هو حِكايَةُ الجِنِّ لِقَوْمِهِمْ عَنْ صَلاةِ النَّبِيِّ ﷺ وفَعَلَ أصْحابُهُ وراءَهُ في تَراصِّهِمْ في صَلاتِهِمْ وحُفُوفِهِمْ بِهِ ووَعْظِهِ وتَعْلِيمِهِ لَهُمْ، ويُحْكى هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَإنَّ ذَلِكَ هَيْئَةٌ غَرِيبَةٌ، يُحْكى أنَّ مَلِكَ الفُرْسِ أرْسَلَ مَن دَخَلَ في المُسْلِمِينَ لَمّا قَصَدُوا بِلادَهُ فَكانَ مِمّا حُكِيَ لَهُ عَنْهم أنْ قالَ: إذا (p-٤٩٣)صَلُّوا صَفُّوا أنْفُسَهم صُفُوفًا ويُقَدِّمُهم رَجُلٌ يَقُومُونَ بِقِيامَةٍ ويَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ ويَقْعُدُونَ بِقُعُودِهِ ويَفْعَلُونَ كَفِعْلِهِ، لا تَخالُفَ بَيْنَهُمْ، فَلَمّا سَمِعَ المَلِكُ ذَلِكَ راعَهُ وقالَ: ما لِي ولِهَؤُلاءِ، ما لِي ولِعُمَرَ، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنْ مَكْحُولٍ أنَّهُ بَلَغَ مِن تابَعَ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ الجِنِّ سَبْعِينَ ألْفًا وفَرَغُوا عِنْدَ انْشِقاقِ الفَجْرِ.

ولَمّا كانَ الدّاعِي لِوَلِيِّ نِعْمَتِهِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أشْرَكَ غَيْرَهُ في دُعائِهِ ولَوْ بِأدْنى وُجُوهِ الإشْراكِ، ويَكُونُ الحَصْرُ بِاعْتِبارِ الأغْلَبِ فاسْتَحَقَّ الإنْكارَ [ عَلَيْهِ -] والِازْدِحامَ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَأْكِيدًا لِمَعْنى الحَصْرِ وتَحْقِيقًا لَهُ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِهِ﴾ أيِ الآنَ ولا [ في -] مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿أحَدًا﴾ مِن وُدٍّ وسُواعٍ ويَغُوثَ وغَيْرِها مِنَ الصّامِتِ والنّاطِقِ.

72:21Page 573

قُلۡ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا رَشَدٗا ٢١

Say, "Indeed, I do not possess for you [the power of] harm or right direction."

ولَمّا كانَ السّامِعُ رُبَّما قالَ: ما لَهُ هو لا يُهْلِكُهم أوْ يَدْعُو رَبَّهُ في دَفْعِ المُتَبَلَّدِينَ عَلَيْهِ عَنْهُ بِالإهْلاكِ أوِ التَّوْبَةِ والمُتابَعَةِ، أمَرَهُ بِما يُبَيِّنُ عَظَمَةَ رَبِّهِ وأنَّهُ لا يَفْعَلُ إلّا ما يُرِيدُ بِقَوْلِهِ مُبَيِّنًا أنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما يَسْتَحِيلُ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ مِن أنْ يُؤَثِّرَ في شَيْءٍ بِنَفْسِهِ أوْ يُخالِفَ رَبَّهُ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ خالَفُوكَ، وأكَّدَ (p-٤٩٤)فَطْمًا لِمَن رُبَّما اعْتَقَدَ - لِكَثْرَةِ ما يَرى مِنَ الكَراماتِ - أنَّهُ مَهْما أرادَهُ فَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ: ﴿إنِّي لا أمْلِكُ﴾ أيِ الآنَ ولا بَعْدَ ﴿لَكُمْ﴾ بِنَفْسِي مِن غَيْرِ إقْدارِ اللَّهِ لِي لِأنَّهُ لا مُؤَثِّرَ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.

ولَمّا كانَ المَقامُ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ عَنْهُ، قالَ: ﴿ضَرًّا﴾ فَأفْهَمُ ذَلِكَ ”ولا نَفْعًا ولا غَيًّا“ ﴿ولا رَشَدًا﴾ أيْ صَوابًا وسَدادًا. فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ وهو ظاهِرٌ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، قالَ أبُو حَيّانَ: فَحَذَفَ مِن كُلِّ ما يَدُلُّ مُقابِلُهُ عَلَيْهِ - انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: لا أمْلِكُ ضَرًّا لِأنِّي لا أمْلِكُ لَكم إضْلالًا ولا أمْلِكُ لَكم رَشَدًا فَلا أمْلِكُ لَكم نَفْعًا، فَإنَّهُ لا نَفْعَ في غَيْرِ الرَّشادِ، ولا ضُرَّ في غَيْرِ الضَّلالِ، فَقَبَّحَ اللَّهُ ابْنَ عَرَبِيٍّ الطّائِيِّ الَّذِي يَقُولُ في فُصُوصِهِ: إنَّ الضَّلالَ أهْدى مِنَ الهُدى، فَلا أسْخَفَ عَقْلًا مِنهُ إلّا مَن تَبِعَهُ - عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وخِزْيَهُ، فَإنْ قالُوا: إنَّهُ أرادَ غَيْرَ ما يَفْهَمُ مِن ظاهِرِ اللَّفْظِ فَقُلْ: كَذَبْتُمْ فَقَدْ بَيَّنَ مُرادَهُ إطْباقَكم عَلى الفِسْقِ والفُجُورِ لا يَكادُ يَجِدُ مِنكم مَن يَتَّهِمُ بِمَذْهَبِهِ وهو يَتَقَيَّدُ بِشَرْعٍ، ولَمْ تَخْرُجِ الآيَةُ بِهَذا عَنِ الِاحْتِباكِ، فَإنَّ ذِكْرَ الضُّرِّ أوَّلًا دَلَّ عَلى حَذْفِ النَّفْعِ ثانِيًا، وذِكْرُ الرُّشْدِ ثانِيًا دَلَّ عَلى حَذْفِ الضَّلالِ أوَّلًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском