Al-Biqa'iAl‑Anfal · 8:14–23

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:14–23

8:14Page 178

ذَٰلِكُمۡ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٤

"That [is yours], so taste it." And indeed for the disbelievers is the punishment of the Fire.

﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: هو سُبْحانَهُ بِما لَهُ مِن هَذا الوَصْفِ الهائِلِ يُذِيقُ عَدُوَّهُ مِن عَذابِهِ ما لا طاقَةٌ لَهم بِهِ ولا يَدانِ، فَيَصِيرُ لِسانُ الحالِ مُخاطِبًا لَهم نِيابَةً عَنِ المَقالِ: الأمْرُ الَّذِي حَذَّرَتْكم مِنهُ الرُّسُلُ وأتَتْكم بِهِ الكُتُبُ وكُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ بِهِ أيُّها الكَفَرَةُ هو هَذا الأمْرُ الشَّدِيدُ وقْعُهُ البَعِيدُ عَلى مَن يُنَزَّلُ عَلَيْهِ دَفْعُهُ دَهَمَكُمْ، فَما لَكم لا تُدافِعُونَهُ! كَلّا واللَّهِ شَغَلَ كُلًّا ما قابَلَهُ ولَمْ يَقْدِرْ أنْ يُزاوِلَهُ.

ولَمّا كانَ ما وقَعَ لَهم في وقْعَةِ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والقَهْرِ يَسِيرًا جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلى ما لَهم في الآخِرَةِ، سَمّاهُ ذَوْقًا لِأنَّهُ يَكُونُ بِالقَلِيلِ لِيُعْرَفَ بِهِ حالُ الكَثِيرِ فَقالَ: ﴿فَذُوقُوهُ﴾ أيْ: باشِرُوهُ قَهْرًا مُباشَرَةَ (p-٢٤٠)الذّائِقِ واعْلَمُوا أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما تَسْتَقْبِلُونَهُ كالمَذُوقِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَذُوقِ لِأجْلِهِ ﴿وأنَّ﴾ أيْ: والأمْرُ الَّذِي أتَتْكم بِهِ الرُّسُلُ والكُتُبُ أنَّ لَكم مَعَ هَذا الَّذِي ذُقْتُمُوهُ في الدُّنْيا، هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ أُظْهِرُ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: عَلى كُفْرِهِمْ وإنْ لَمْ يُظْهِرُوا المُشاقَقَةَ ﴿عَذابَ النّارِ﴾ وهو مَواقِعُكم وهو أكْبَرُ وسَتَرَوْنَ.

8:15Page 178

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ١٥

O you who have believed, when you meet those who disbelieve advancing [in battle], do not turn to them your backs [in flight].

ولَمّا قَرَّرَ إهانَتَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِما حَسَّرَ عَلَيْهِمُ القُلُوبَ، حَسُنَ أنْ يَتْبَعَ ذَلِكَ نَهْيُ مَنِ ادَّعى الإيمانَ عَنِ الفِرارِ مِنهم وتَهْدِيدُ مَن نَكَصَ عَنْهم بَعْدَ هَذا البَيانِ وهو يَدَّعِي الإيمانَ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِما أتاهم مِن عِنْدِ رَبِّهِمْ ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِآياتِ رَبِّهِمْ فَشاقِقُوهُ، وعَبَّرَ عَنْ حالِ لِقائِهِمْ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً في التَّشْبِيهِ فَقالَ: ﴿زَحْفًا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ زاحِفِينَ مُحارِبِينَ وهم مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ لا يُدْرَكُ مِن حَرَكَتِهِمْ - وإنْ كانَتْ سَرِيعَةً - إلّا مِثْلَ الزَّحْفِ ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ أيْ: هَرَبًا مِنهم وإنْ كُنْتُمْ أقَلَّ مِنهُمْ

8:16Page 178

وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦

And whoever turns his back to them on such a day, unless swerving [as a strategy] for war or joining [another] company, has certainly returned with anger [upon him] from Allāh, and his refuge is Hell - and wretched is the destination.

﴿ومَن يُوَلِّهِمْ﴾ ولَمّا كانَ الأغْلَبُ في وُقُوعِ القِتالِ النَّهارَ، وكانَ التَّوْلِيَةُ مِمّا لا يَكُونُ الظَّرْفُ مِعْيارًا لَهُ لِأنَّها مِمّا لا يَمْتَدُّ زَمَنُهُ، فالعِصْيانُ يَقَعُ بِمُجَرَّدِ الِالتِفاتِ بِقَصْدِ الفِرارِ، والتَّمادِي تَكْرِيرُ أمْثالٍ، لا شَرْطَ في صِحَّةِ (p-٢٤١)إطْلاقِ الِاسْمِ، عَبَّرَ بِاليَوْمِ، وجَرَّدَهُ عَنْ ”فِي“ نَدْبًا إلى الكَرِّ بَعْدَ الفَرِّ مَعَ عَدَمِ الِالتِباسِ، فَإنَّ الظَّرْفَ لا يَكُونُ مِعْيارًا لِلْفِعْلِ إلّا إذا كانَ مُمْتَدَّ الزَّمانِ كالصَّوْمِ فَقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: إذْ لَقِيتُمْ عَلى هَذِهِ الحالَةِ في أيِّ وقْتٍ كانَ مِن أوْقاتِ القِتالِ مِن لَيْلٍ كانَ أوْ نَهارٍ ﴿دُبُرَهُ﴾ أيْ: يَجْعَلُ ظَهْرَهُ إلَيْهِمْ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ تَوْلِيَةً لا يُرِيدُ الإقْبالَ إلى القِتالِ مِنها ﴿إلا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِ ﴿مُتَحَرِّفًا﴾ أوِ الحالُ التَّحَرُّفُ، وهو الزَّوالُ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِواءِ ﴿لِقِتالٍ﴾ أيْ: لا يَتَسَهَّلُ لَهُ إلّا بِذَلِكَ يُخَيَّلُ إلى عَدُوِّهِ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ خِداعًا لَهُ ثُمَّ يَكُرُّ عَلَيْهِ ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا﴾ أيْ: مُتَنَقِّلًا مِن حَيِّزٍ إلى آخَرَ ومُتَنَحِّيًا ﴿إلى فِئَةٍ﴾ أيْ: جَماعَةٍ أُخْرى مِن أهْلِ حِزْبِهِ هم أهْلٌ لِأنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ أوْ يُعِينَهم.

ولَمّا كانَ هَذا مَحَلَّ تَوَقُّعِ السّامِعِ لِلْجَوابِ وتَفْرِيغِ ذِهْنِهِ لَهُ، أجابَ رابِطًا بِالفاءِ إعْلامًا بِأنَّ الفِعْلَ المُحْدَثَ عَنْهُ سَبَبٌ لِهَذا الجَزاءِ فَقالَ: ﴿فَقَدْ باءَ﴾ أيْ: رَجَعَ ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: الحائِزِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: تَتَجَهَّمُهُ كَما أنَّهُ هابَ تَجَهُّمَ الكُفّارِ ولِقاءَ الوُجُوهِ العابِسَةِ بِوَجْهٍ كالِحٍ عابِسٍ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ هَذا إذا لَمْ يَزِدِ الكُفّارُ عَنْ (p-٢٤٢)الضِّعْفِ - كَما سَيَأْتِي النَّصُّ بِهِ.

8:17Page 179

فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٧

And you did not kill them, but it was Allāh who killed them.1 And you threw not, [O Muḥammad], when you threw, but it was Allāh who threw2 that He might test the believers with a good test.3 Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

ولَمّا تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ، عَلَّلَهُ بِتَقْرِيرِ عِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ، وأنَّ النَّصْرَ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِهِ، فَمَن صَحَّ إيمانُهُ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَنِ امْتِثالِ أوامِرِهِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ تَحْرِيمِهِ الفِرارَ وإنْ كانَ العَدُوُّ كَثِيرًا، تَذْكِيرًا بِما صَنَعَ لَهم في بَدْرٍ، لِيُجْرِيَهم عَلى مِثْلِ ذَلِكَ، ومَنعًا لَهم مِنَ الإعْجابِ بِما كانَ عَلى أيْدِيهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الخَوارِقِ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ أيْ: حَلَّ عَلى المُدْبِرِ الغَضَبُ لِأنَّهُ تَبَيَّنَ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنَّهُ تَعالى لا يَأْمُرُ أحَدًا إلّا بِما هو قادِرٌ سُبْحانَهُ عَلى تَطْوِيقِهِ لَهُ؛ فَإنَّهُ قَدْ وضَحَ مِمّا يَجْرِي عَلى قَوانِينِ العَوائِدِ أنَّكم لَمْ تَقْتُلُوا قَتْلى بَدْرٍ وإنْ تَعاطَيْتُمْ أسْبابَ قَتْلِهِمْ، لِأنَّكم لَمْ تُدْخِلُوا قُلُوبَ ذَلِكَ الجَيْشِ العَظِيمِ الرُّعْبَ الَّذِي كانَ سَبَبَ هَزِيمَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ سَبَبَ قَتْلِ مَن قَتَلْتُمْ، لِضَعْفِكم عَنْ مُقاوَمَتِهِمْ في العادَةِ، وفِيهِ مَعَ ذَلِكَ زَجْرٌ لَهم عَنْ أنْ يَقُولَ أحَدٌ مِنهم عَلى وجْهِ الِافْتِخارِ: قَتَلْتُ كَذا وكَذا رَجُلًا وفَعَلْتُ كَذا.

﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَلا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مُرادِهِ ﴿قَتَلَهُمْ﴾ أيْ: بِأنْ هَزَمَهم لَكم لَمّا رَأوُا المَلائِكَةَ وامْتَلَأتْ أعْيُنُهم مِنَ التُّرابِ الَّذِي رَماهم بِهِ ﷺ وقُلُوبُهم جَزَعًا حَتّى تَمَكَّنْتُمْ مِن قَتْلِهِمْ خَرْقَ عادَةٍ كانَ وعَدَكم بِها، فَصَدَقَ مَقالُهُ وتَمَّتْ أفْعالُهُ.

ولَمّا رَدَّ ما باشَرُوهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، أتْبَعَهُ ما باشَرَهُ نَبِيُّهُ ﷺ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ ﷺ «لَمّا رَأى قُرَيْشًا مُقْبِلَةً قالَ: اللَّهُمَّ! هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أقْبَلَتْ بِخُيَلائِها وفَخْرِها تُحادُّكَ وتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، فَقالَ (p-٢٤٣)جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: خُذْ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فارْمِهِمْ بِها، فَفَعَلَ فَمَلَأتْ أعْيُنَهم فانْهَزَمُوا فَقالَ: ﴿وما رَمَيْتَ﴾» أيْ: يا سَيِّدَ المُؤْمِنِينَ الرَّمْلَ في أعْيُنِ الكُفّارِ ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ أيْ: أوْقَعَتْ صُورَةَ قَذْفِهِ مِن كَفِّكَ؛ لِأنَّ هَذا الأثَرَ الَّذِي وُجِدَ عَنْ رَمْيِكَ خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَمِنَ الواضِحِ أنَّهُ لَيْسَ فِعْلَكَ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ كَوْنِهِ لَمْ يَقُلْ: فَلَمْ تَقْتُلُوهم إذْ قَتَلْتُمُوهُمْ؛ لِأنَّ زُهُوقَ النَّفْسِ عَنِ الجِراحِ المُثْخِنِ هو العادَةُ، فَهُمُ الَّذِينَ قَتَلُوهم حِينَ باشَرُوا ضَرْبَهُمْ، فَلا يَصِحُّ: فَلَمْ تَقْتُلُوهم حَتّى قَتَلْتُمُوهُمْ، والمَنفِيُّ إنَّما هو السَّبَبُ المُتَقَدِّمُ عَلى القَتْلِ المُمْكِنِ مِنَ القَتْلِ، وهو تَسْكِينُ قُلُوبِهِمُ النّاشِئُ عِنْدَ إقْدامِهِمْ وإرْعابُ الكُفّارِ النّاشِئُ عِنْدَ ضَعْفِهِمْ وانْهِزامِهِمُ المُمْكِنِ مِنهُمْ، فالمَنفِيُّ عَنْهُمُ البِدايَةُ والمَنفِيُّ عَنْهُ ﷺ الغايَةُ، أوْ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمّا باشَرَتْ قَتْلَ بَعْضِهِمْ صَحَّ أنْ يَنْفِيَ عَنْهم قَتْلَ المَجْمُوعِ مُطْلَقًا، أوْ أنَّهم لَمّا افْتَخَرَ بَعْضُهم بِقَتْلِ مَن قَتَلَ نَفاهُ سُبْحانَهُ عَنْهم مُطْلَقًا؛ لِأنَّ مُباشَرَتَهم لِقَتْلِ مَن قُتِلَ في جَنْبِ ما أعَدَّ لَهم مِنَ الأسْبابِ وأيَّدَهم بِهِ مِنَ الجُنُودِ عَدَمٌ، وأمّا النَّبِيُّ ﷺ فَإنَّهُ فَعَلَ ما أُمِرَ بِهِ مِن رَمْيِ الرَّمْلِ ولَمْ يُعِدْ فِعْلَهُ ولا ذَكَرَهُ، فَأثْبَتَهُ سُبْحانَهُ لَهُ مَعَ نَفْيِ تَأْثِيرِهِ عَنْهُ وإثْباتِهِ لِمَن إلَيْهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ تَأْدِيبًا مِنهُ سُبْحانَهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، أيْ: لا يَنْظُرُ أحَدٌ إلى شَيْءٍ مِن طاعَتِهِ، فَإنّا قَدْ نَفَيْنا هَذا الفِعْلَ العَظِيمَ عَنْ أكْمَلِ الخَلْقِ مَعَ أنَّهُ عالِمٌ مُقِرٌّ بِأنَّهُ مِنّا فَلْيَحْذَرِ الَّذِي يَرى لَهُ فِعْلًا مِن عَظِيمِ سَطَواتِنا، ولَكِنْ لِيَنْسُبْ جَمِيعَ أفْعالِهِ الحَسَنَةِ إلى اللَّهِ تَعالى كَما نُسِبَ الرَّمْيُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ (p-٢٤٤)أيِ: الَّذِي لا رادَّ لِأمْرِهِ ﴿رَمى﴾ لِأنَّهُ الَّذِي أوْصَلَ أثَرَهُ بِما كانَ هازِمًا لِلْكُفّارِ، فَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِيُبْلِيَ الكُفّارَ مِنهُ بِأيْدِي مَن أرادَ مِن عِبادِهِ بَلاءَ عاقِبَتِهِ سَيِّئَةً ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الإيمانِ ﴿مِنهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿بَلاءً حَسَنًا﴾ أيْ: مِنَ النَّصْرِ والغَنِيمَةِ والأجْرِ، ومادَّةُ بَلاءٍ يائِيَّةٌ أوْ واوِيَّةٌ بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ تَدُورُ عَلى الخَلْطَةِ، وتارَةً تَكُونُ مُطْلَقَةً نَحْوَ أبْلاهُ عُذْرًا، وتارَةً بِكَثْرَةِ ومُحاوَلَةٍ وعَناءٍ وهو أغْلَبُ أحْوالِ المادَّةِ، وتارَةً تَكُونُ لِلِامْتِحانِ وأُخْرى لِغَيْرِهِ، وما أُبالِيهِ بالَةً - أظُنُّهُ مِنَ البالِ الَّذِي هو الخاطِرُ فَهو مِن بَوَلَ لا بَلَوَ، أجْوَفٌ لا مِن ذَواتِ الأرْبَعَةِ، ومَعْناهُ: ما أُفاعِلُهُ بِالبالِ، أيْ: ما أكْتَرِثُ بِهِ فَما أصْرِفُ خاطِرِي إلى مُخالَطَةِ أحْوالِهِ حَيْثُ يَصْرِفُ خاطِرَهُ إلَيَّ؛ أيْ: ما أُفَكِّرُ في أمْرِهِ لِهَوانِهِ عَلَيَّ وسَيَأْتِي بَسْطُ مَعانِي المادَّةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ [يوسف: ٥٠] وهَذِهِ المادَّةُ مَعْناها ضِدُّ الدَّعَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ يَلْزَمُها شَغْلُ الخاطِرِ الَّذِي عَنْهُ يَنْشَأُ التَّعَبُ بِمُدافِعَةِ المُلابِسِ، والدَّعَةُ يَلْزَمُها هُدُوءُ السِّرِّ وفَراغُ البالِ الَّذِي هو مَنشَأُ الرّاحَةِ، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الإمْكانِ مِن إذْلالِ الكُفّارِ لِيُخالِطَهم مِن شُؤُونِهِ ما يَكُونُ لَهم في مُدافَعَتِهِ عاقِبَةٌ سَيِّئَةٌ، ولِيُخالِطَ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ ما يَكُونُ لَهم في مُزاوَلَتِهِ عاقِبَةٌ حَسَنَةٌ بَلْ أحْسَنُ مِنَ الرّاحَةِ؛ لِأنَّهُ يُفْضِي بِهِمْ (p-٢٤٥)إلى راحَةٍ دائِمَةٍ، والدَّعَةُ تُفْضِي إلى تَعَبٍ طَوِيلٍ. واللَّهُ مُوَفِّقٌ.

ولَمّا ثَبَتَ بِما مَضى أنَّ لَهُ تَعالى الأفْعالَ العَظِيمَةَ والبَطْشاتِ الجَسِيمَةَ. ودَلَّتْ أقْوالُ مَن قالَ مِنَ المُؤْمِنِينَ: إنّا لَمْ نَتَأهَّبْ لِلِقاءِ ذاتِ الشَّوْكَةِ، عَلى ضَعْفِ العَزائِمِ؛ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿سَمِيعٌ﴾ أيْ: لِأقْوالِكم مِنَ الِاسْتِعانَةِ في المَعُونَةِ عَلى النُّصْرَةِ وغَيْرِها ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِعَزائِمِكم وإنْ لَمْ تَتَكَلَّمُوا بِها، فَهو يُجازِي المُؤْمِنَ عَلى حَسَبِ إيمانِهِ والكافِرَ عَلى ما يُبْدِي ويُخْفِي مِن كُفْرانِهِ، الأمْرُ

8:18Page 179

ذَٰلِكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٨

That [is so], and [also] that Allāh will weaken the plot of the disbelievers.

﴿ذَلِكُمْ﴾ العَظِيمُ الشَّأْنِ البَعِيدُ المُتَناوَلِ الَّذِي أمَرَكم فِيهِ بِأوامِرِهِ ونَهاكم بِهِ عَنْ مَناهِيهِ وأبْلاكم فِيهِ البَلاءَ الحَسَنَ، وأراكم بِأعْيُنِكم تَوْهِينَهُ لِهَذِهِ الطّائِفَةِ الَّتِي قَصَدَتْكم وأنْتُمْ عِنْدَها أكَلَةُ جَزُورٍ وعُصْفُورٌ بَيْنَ يَدَيْ صُقُورٍ، وبَيَّنَ لَكم مِن عِلَلِ ذَلِكَ وعَجائِبِ مَقْدُورِهِ ما لَمْ يَبْقَ مَعَهُ عُذْرٌ لِمُؤْمِنٍ، فالزَمُوا طاعَتَهُ وسابِقُوا في طاعَةِ رَسُولِهِ ولا تَنْظُرُوا في عاقِبَةِ شَيْءٍ مِمّا يَأْمُرُ بِهِ، فَإنَّهُ ما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى بَلْ إنَّما يَأْمُرُ عَنّا، ونَحْنُ لَمْ نَأْمُرْ بِشَيْءٍ إلّا بَعْدَ تَدْبِيرِهِ عَلى أحْكَمِ الوُجُوهِ وأتْقَنِها ﴿وأنَّ﴾ أيْ: والأمْرُ أيْضًا أنَّ ﴿اللَّهَ﴾ أيِ: الحاوِي لِجَمِيعِ صِفاتِ العِزِّ والعَظَمَةِ ﴿مُوهِنُ﴾ أيْ: مُضْعِفٌ إضْعافًا شَدِيدًا ثابِتًا دائِمًا أبَدًا ﴿كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الكُفْرِ جَمِيعِهِمْ، فَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ وإنْ نالَكم قَرْحٌ فَإنّا نَجْعَلُهُ لَكم تَطْهِيرًا ولِلْكافِرِينَ تَدْمِيرًا والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى، فَنُطْلِعُكم عَلى عَوْراتِهِمْ ونُلْقِي الرُّعْبَ (p-٢٤٦)فِي قُلُوبِهِمْ ونُفَرِّقُ كَلِمَتَهم ونَنْقُضُ ما أبْرَمُوا.

8:19Page 179

إِن تَسۡتَفۡتِحُواْ فَقَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡفَتۡحُۖ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدۡ وَلَن تُغۡنِيَ عَنكُمۡ فِئَتُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَوۡ كَثُرَتۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٩

If you [disbelievers] seek the decision [i.e., victory] - the decision [i.e., defeat] has come to you. And if you desist [from hostilities], it is best for you; but if you return [to war], We will return, and never will you be availed by your [large] company at all, even if it should increase; and [that is] because Allāh is with the believers.

ولَمّا تَضَمَّنَ ذَلِكَ إيقاعَ الإهانَةِ بِالكُفّارِ بِهَذِهِ الوَقْعَةِ، والوَعْدَ بِإلْزامِهِمُ الإهانَةَ فِيما يَأْتِي، كانَ ذَلِكَ مُفَصِّلًا لِلِالتِفاتِ إلى تَهْدِيدِهِمْ في قالَبِ اسْتِجْلائِهِمْ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ وتَفْخِيمِ أمْرِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ أيْ: تَسْألُوا الفَتْحَ أيُّها الكُفّارُ بَعْدَ هَذا اليَوْمِ كَما اسْتَفْتَحْتُمْ في هَذِهِ الوَقْعَةِ عِنْدَ أخْذِكم أسْتارَ الكَعْبَةِ وقْتَ خُرُوجِكم بِقَوْلِكُمُ: اللَّهُمَّ انْصُرْ أهْدى الحِزْبَيْنِ، وأكْرَمَ الجُنْدَيْنِ، وأعْلى الفِئَتَيْنِ، وأفْضَلَ الدِّينَيْنِ، ووَقْتَ تَرائِي الجَمْعَيْنِ؛ بِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ: اللَّهُمَّ أقْطَعُنا لِلرَّحِمِ وآتانا بِما لا يَعْلَمُ فَأحِنْهُ الغَداةَ؛ أتاكُمُ الفَتْحُ كَما أتاكم في هَذا اليَوْمِ ﴿فَقَدْ جاءَكُمُ﴾ أيْ: في هَذا اليَوْمِ بِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ ﴿الفَتْحُ﴾ أيِ: الَّذِي اسْتَفْتَحْتُمْ لَهُ لِأنَّهم أهْدى الفِئَتَيْنِ وأكْرَمُ الطّائِفَتَيْنِ ﴿وإنْ تَنْتَهُوا﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الأقْوالِ والأفْعالِ المُتَضَمِّنَةِ لِلشَّكِّ أوِ العِنادِ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وقَدْ رَأيْتُمْ دَلائِلَ ذَلِكَ ﴿وإنْ تَعُودُوا﴾ أيْ: إلى المُغالَبَةِ لِأنَّكم لَمْ تَنْتَهُوا ﴿نَعُدْ﴾ أيْ: إلى خِذْلانِكم ﴿ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ﴾ أيْ: أبَدًا ﴿فِئَتُكُمْ﴾ أيْ: جَماعَتُكُمُ الَّتِي تَرْجِعُونَ إلَيْها لِلِاعْتِزازِ بِها ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: مِنَ الإغْناءِ ﴿ولَوْ كَثُرَتْ﴾ لِأنَّ اللَّهَ عَلى الكافِرِينَ ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ، ولَعَلَّهُ عَبَرَ المُسْتَقْبَلَ في الشَّرْطِ والماضِي في الجَزاءِ (p-٢٤٧)إشارَةً إلى أنَّكُمُ اسْتَفْتَحْتُمْ في بَدْرٍ وجاءَكم مِنَ الفَتْحِ ما رَأيْتُمْ، فَإنْ كانَ أعْجَبَكم فالزَمُوهُ في المُسْتَقْبَلِ، فَإنِّي لا أجِيئُكم أبَدًا ما دُمْتُمْ عَلى حالِكم إلّا بِما جِئْتُكم بِهِ يَوْمَئِذٍ، والفَتْحُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النَّصْرِ فَيَكُونُ تَهَكُّمًا بِهِمْ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى القَضاءِ.

8:20Page 179

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَأَنتُمۡ تَسۡمَعُونَ ٢٠

O you who have believed, obey Allāh and His Messenger and do not turn from him while you hear [his order].

ولَمّا كانَ سَبَبُ ما أحَلَّهُ بِالكُفّارِ - مِنَ الإعْراضِ عَنْ إجابَتِهِمْ فِيما قَصَدُوا مِن دُعائِهِمْ ومِن خِذْلانِهِمْ في هَذِهِ الوَقْعَةِ وإيجابِ مِثْلِ ذَلِكَ لَهم أبَدًا - هو عِصْيانُهُمُ الرَّسُولَ وتَوَلِّيهِمْ عَنْ قَبُولِ ما يَسْمَعُونَهُ مِنهُ مِنَ الرُّوحِ؛ حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن مِثْلِ حالِهِمْ بِالتَّمادِي في التَّنازُعِ في الغَنِيمَةِ أوْ غَيْرِها فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: ادَّعَوْا ذَلِكَ ﴿أطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العِزِّ والعَظَمَةِ ﴿ورَسُولَهُ﴾ تَصْدِيقًا لِدَعْواكُمُ الإيمانَ.

ولَمّا كانَتْ طاعَةُ الرَّسُولِ هي طاعَةُ اللَّهِ لِأنَّهُ إنَّما يَدْعُوهُ إلَيْهِ وإنَّما خُلُقُهُ القُرْآنُ، وحَّدَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ﴿ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أيْ: عَنِ الرَّسُولِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، في أمْرٍ مِنَ الأوامِرِ مِنَ الجِهادِ وغَيْرِهِ، مِنَ الغَنائِمِ وغَيْرِها، خَفَّ أوْ ثَقُلَ، سَهُلَ أوْ صَعُبَ ﴿وأنْتُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم ﴿تَسْمَعُونَ﴾ أيْ: لَكم سَمْعٌ لِما يَقُولُهُ، أوْ وأنْتُمْ تُصَدِّقُونَهُ؛ لِأنَّ ارْتِكابَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ يُكَذِّبُ دَعْوى الإيمانِ ويَنْطَبِقُ عَلى أحْوالِ الكُفّارِ، وإلى ذَلِكَ إشارَةٌ بِقَوْلِهِ:

8:21Page 179

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٢١

And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.

﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ أيْ: بِآذانِنا ﴿وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: لا يَسْتَجِيبُونَ فَكَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا، لِما انْتَفَتْ (p-٢٤٨)الثَّمَرَةُ عُدَّ المُثْمِرُ عَدَمًا.

8:22Page 179

۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ٢٢

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are the deaf and dumb who do not use reason [i.e., the disbelievers].

ولَمّا كانَتْ حالُ مَن هَذا شَأْنُهُ مُشابِهَةً لِحالِ الأصَمِّ في عَدَمِ السَّماعِ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِهِ، والأبْكَمِ في عَدَمِ كَلامِهِ لِعَدَمِ تَكَلُّمِهِ بِما يَنْفَعُ، والعادِمِ لِلْعَقْلِ في عَدَمِ عَقْلِهِ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِ بِهِ، قالَ مُعَلِّلًا لِهَذا النَّهْيِ مُعَبِّرًا بِأنْسَبِ الأشْياءِ لِما وصَفَهم بِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ﴾ أيِ: الَّتِي تَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ، جَعَلَهم مِن جِنْسِ الحَشَراتِ أوِ البَهائِمِ ثُمَّ جَعَلَهم شَرَّها.

ولَمّا كانَ لَهم مَن يَفْضُلُهُمْ، وكانَتِ العِبْرَةُ بِما عِنْدَهُ سُبْحانَهُ، قالَ تَعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ مِن إحاطَةِ العِلْمِ والقُدْرَةِ وغَيْرِها ﴿الصُّمُّ البُكْمُ﴾ أيِ: الطُّرْشُ الخُرْسُ طَرَشًا وخَرَسًا بالِغَيْنِ ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم عَقْلٌ، ومَن لَمْ يَنْتَفِعْ بِسَماعِ الدّاعِي كانَ كَذَلِكَ.

8:23Page 179

وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمۡ خَيۡرٗا لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣

Had Allāh known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما دَعا السّامِعَ إلى أنْ يَقُولَ: ما لِلْقادِرِ لَمْ يَقْبَلْ بِمَن هَذا شَأْنُهُ إلى الخَيْرِ؟ أجابَ بِأنَّهُ جَبَلَهم مِن أوَّلِ الأمْرِ - ولَهُ أنْ يَفْعَلَ في مِلْكِهِ ومُلْكِهِ ما يُرِيدُ - جِبِلَّةً عَرِيقَةً في الفَسادِ، وجَعَلَ جَواهِرَهم شِرِّيرَةً كَجَوْهَرِ العَقْرَبِ الَّتِي لا تَقْبَلُ التَّأْدِيبَ بِوَجْهٍ ولا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا لَسِبَتْهُ، فَعَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِمْ فَتَرَكَهم عَلى ما عَلِمَ مِنهم ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أيْ: قَبُولًا لِلْخَيْرِ ﴿لأسْمَعَهُمْ﴾ أيْ: إسْماعًا هو الإسْماعُ، وهو ما تَعْقُبُهُ الإجابَةُ المُسْتَمِرَّةُ. (p-٢٤٩)ولَمّا كانَ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى مُحِيطًا، وجَبَ أنْ يَعْلَمَ كُلَّ ما كانَ حاصِلًا، فَكانَ عَدَمُ عِلْمِهِ بِوُجُودِ الشَّيْءِ مِن لَوازِمِ عَدَمِهِ، فَلا جَرَمَ كانَ التَّقْدِيرُ هُنا: ولَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِمْ خَيْرًا، بَلْ عَلِمَ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِمْ فَلَمْ يُسْمِعْهم هَذا الإسْماعَ ﴿ولَوْ أسْمَعَهُمْ﴾ وهم عَلى هَذِهِ الحالَةِ مِن عَدَمِ القابِلِيَّةِ لِلْخَيْرِ إسْماعًا قَسَرَهم فِيهِ عَلى الإجابَةِ ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: بَعْدَ إجابَتِهِمْ ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: ثابِتٌ إعْراضُهم مُرْتَدِّينَ عَلى أعْقابِهِمْ، ولَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلى إجابَتِهِمْ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن مُلاءَمَةِ الشَّرِّ ومُباعَدَةِ الخَيْرِ، فَلَمْ يُرِيدُوا الإسْلامَ وأهْلَهُ بَعْدَ إقْبالِهِمْ إلّا وهْنًا، وكَما كانَ لِأهْلِ الرِّدَّةِ الَّذِينَ قُتِلُوا مُرْتَدِّينَ بَعْدَ أنْ كانُوا دَخَلُوا في الإسْلامِ خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ ورَغْبَةً في المالِ وهو مِن وادِي ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] فَإنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى أرْبَعَةُ أقْسامٍ: جُمْلَةُ المَوْجُوداتِ، وجُمْلَةُ المَعْدُوماتِ، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَوْجُوداتِ لَوْ كانَ مَعْدُومًا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَعْدُوماتِ لَوْ كانَ مَوْجُودًا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، والقِسْمانِ الأوَّلانِ عِلْمٌ بِالواقِعِ، والآخَرانِ عِلْمٌ بِالقَدَرِ، والآيَةُ مِنَ القِسْمِ الأخِيرِ، ولَعَمْرِي إنّا دُفِعْنا إلى زَمانٍ أغْلَبُ مَن فِيهِ عَلى قَرِيبٍ مِن هَذا الأمْرِ، أجْرَأُ النّاسِ عَلى الباطِلِ، وأثْبَتُهم في المُصاوَلَةِ فِيهِ، وأوْسَعُهم حَبْلًا في التَّوْصِيلِ إلَيْهِ، وأجْبَنُهم عِنْدَ الدَّعْوَةِ (p-٢٥٠)إلى الحَقِّ، وأسْرَعُهم نُكُوصًا عِنْدَ الإقْدامِ بَعْدَ جُهْدٍ عَلَيْهِ، وألْكَنُهم عِنْدَ الجِدالِ لَهُ، فَصارَ ما كانَ مُقَدَّرًا مَفْرُوضًا حاصِلًا ومَوْجُودًا، وكَلِمَةُ: ”لَوْ“ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هي الَّتِي يُعَلَّقُ بِها أمْرٌ عَلى آخَرَ هو بِضِدِّهِ أوْلى فَيَكُونُ المُرادُ أنَّ المُعَلَّقَ وهو الثّانِي مَوْجُودٌ دائِمًا مِثْلَ قَوْلِ عَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ! لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، فالمُرادُ هُنا عَلى هَذا أنَّهم إذا كانُوا يَتَوَلَّوْنَ مَعَ الإسْماعِ والإجابَةِ، فَتَوَلِّيهِمْ مَعَ عَدَمِهِما أوْلى - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الرّازِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِها مِن أنِ الجُزْأيْنِ بَعْدَها مَنفَيّانِ، وانْتِفاءُ التَّوَلِّي إنَّما يَكُونُ خَيْرًا إذا نَشَأ عَنِ الإسْماعِ المُتَرَتِّبِ عَلى عِلْمِ الخَيْرِ فِيهِمْ، وأمّا عَدَمُهُ لِعَدَمِ إسْماعِهِمُ الإسْماعَ المَوْصُوفَ لِأنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِمْ فَلَيْسَ مِنَ الخَيْرِ في شَيْءٍ بَلْ هو شَرٌّ مَحْضٌ، التَّوَلِّي المَنفِيُّ عَنْهم لَيْسَ هو المَوْجُودَ مِنهُمْ، بَلْ هو النّاشِئُ عَنِ الإسْماعِ المَوْصُوفِ فَلا يُناقِضُ ادِّعاؤُهُ تَحَقُّقَ عِنادِهِمْ وعَدَمَ انْقِيادِهِمْ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ المَنفِيَّ إنَّما هو زِيادَةُ التَّوَلِّي النّاشِئَةُ عَنِ الإسْماعِ، فالمَعْنى: ولَوْ أسْمَعَهم لَزادُوا إعْراضًا، فالمَنفِيُّ في هَذا السِّياقِ تِلْكَ الزِّيادَةُ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском