Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
'Abasa 80:25–42
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ النَّظَرَ إلى صَنائِعِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ. وكانَتْ أفْعالُ الإنْسانِ وأقْوالُهُ في تَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ أفْعالَ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ الصُّنْعِ، قالَ سُبْحانَهُ مُفَصِّلًا لِما يَشْتَرِكُ في عِلْمِهِ الخاصِّ والعامِّ مِن صَنائِعِهِ في الطَّعامِ، مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّكْذِيبَ بِالبَعْثِ يَسْتَلْزِمُ التَّكْذِيبَ بِإبْداعِ النَّباتِ وإعادَتِهِ، وذَلِكَ في أُسْلُوبٍ مُبَيِّنٍ أنَّ الإنْسانَ مُحْتاجٌ إلى جَمِيعِ ما في الوُجُودِ، ولَوْ نَقَصَ مِنهُ شَيْءٌ اخْتَلَّ أمْرُهُ، وبَدَأ أوَّلًا بِالسَّماوِيِّ لِأنَّهُ أشْرَفُ، وبِالماءِ الَّذِي هو حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ، تَنْبِيهًا لَهُ عَلى ابْتِداءِ خَلْقِهِ: ﴿أنّا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿صَبَبْنا الماءَ﴾ أيِ الَّذِي جَعَلْنا مِنهُ (p-٢٦٥)كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴿صَبًّا﴾ وثَنّى بِالأرْضِ الَّتِي هي كالأُنْثى بِالنِّسْبَةِ إلى السَّماءِ فَقالَ:
80:26Page 585
ثُمَّ شَقَقۡنَا ٱلۡأَرۡضَ شَقّٗا ٢٦
Then We broke open the earth, splitting [it with sprouts],
﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن إنْزالِ الماءِ، وفاوَتْنا بَيْنَها في البِلادِ والنَّباتِ ﴿شَقَقْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿الأرْضَ﴾ بِالنَّباتِ الَّذِي هو في غايَةِ الضَّعْفِ عَنْ شِقِّ أصْعَبِ الأشْياءِ فَكَيْفَ بِالأرْضِ اليابِسَةِ المُتَكَزِّرَةِ جِدًّا عِنْدَ مُخالَطَةِ الماءِ، وحَقَّقَ المَعْنى فَقالَ: ﴿شَقًّا﴾
ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ الشَّقِّ ما هو كالتَّفْسِيرِ لَهُ مُبَيِّنًا الِاحْتِياجَ إلى النَّباتِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ أيْ أطْلَعَنا عَلى وجْهِ الِاتِّصالِ المُوجِبِ لِلتَّغَذِّي والنُّمُوِّ ﴿فِيها﴾ بِسَبَبِ الشَّقِّ ﴿حَبًّا﴾ أيْ لِاقْتِياتِ الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والرُّزِّ وغَيْرِها.
ولَمّا كانَ الحَبُّ قُوتًا فَبَدَأ بِهِ لِأنَّهُ الأصْلُ في القِوامِ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو فاكِهَةٌ وقُوتٌ فَقالَ: ﴿وعِنَبًا﴾ هو فاكِهَةٌ في حالٍ عِنَبِيَّتِهِ وقُوتٍ بِاتِّخاذِهِ زَبِيبًا ودَبَسًا وخَلًّا. ولَمّا كانَ لِذَلِكَ في بَيانِ عَجائِبِ الصُّنْعِ لِيَدُلَّ عَلى القُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَيَدُلُّ [عَلى - ] القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ فَذَكَرَ ما إنْ أخَذَ مِن مَنبَتِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَسَدَّ، وإنْ تَرَكَ اشْتَدَّ وصَلُحَ لِلِادِّخارِ، واتَّبَعَهُ ما إنْ تُرِكَ عَلى أصْلِهِ فَسَدَ، وإنْ أُخِذَ [وعُولِجَ - ] - صَلُحَ (p-٢٦٦)لِلِادِّخارِ، أتْبَعَهُ [ ما لا يَصْلُحُ - ] لِلِادِّخارِ بِوَجْهٍ فَقالَ: ﴿وقَضْبًا﴾ وهو الرَّطْبُ مِنَ البَقْلِ وغَيْرِهِ، وهو يَزِيدُ عَلى الماضِيَيْنِ بِأنَّهُ فِيهِ ما هو دَواءٌ نافِعٌ وسُمٌّ ناقِعٌ، وبِأنَّهُ يَقْطَعُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى فَيَخْلُفُ، سُمِّيَ بِمَصْدَرٍ قَضَبَهُ - إذا قَطَعَهُ بِحَصْدٍ أوْ قَلْعٍ.
ولَمّا ذَكَرَ ما لا يَصْلُحُ أنْ يُؤْكَلَ إلّا رَطْبًا مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، أتْبَعَهُ ما لا يَفْسَدُ بِحالٍ لا عَلى أُمِّهِ ولا بَعْدَ القِطافِ [ ويَصْلُحُ بَعْدَ القِطافِ - ] فَيُؤْكَلُ أوْ يُعْصَرُ، فَيَكُونُ لَهُ دُهْنٌ لِلِاسْتِصْباحِ والادِّهانِ والِائْتِدامِ، وفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِلْعِظامِ والأعْصابِ ولا يُفْسِدُهُ الماءُ بِوَجْهٍ كَما أنَّ العِنَبَ يُعْصَرُ فَيَكُونُ مِنهُ دَبَسٌ وخَلٌّ وغَيْرُهُما، ومَتى خالَطَهُ الماءُ فَسَدَ، [فَقالَ- ]: ﴿وزَيْتُونًا﴾ يَكُونُ فِيهِ مَعَ ما مَضى حَرافَةٌ وغَضاضَةٌ فِيها إصْلاحُ المِزاجِ. ولَمّا ذَكَرَ ما لا يُفْسَدُ وشَجَرُهُ يَصْبِرُ عَلى البَرْدِ، أتْبَعَهُ ما هو كالعِنَبِ يُؤْكَلُ عَلى أُمِّهِ ويُقْطَعُ فَيُدَّخَرُ، فَهو جامِعٌ بَيْنَ التَّحَلِّي والتَّحَمُّضِ بِالخَلِّ والتَّفَكُّهِ والتَّقَوِّي والتَّداوِي لِلسُّمِّ النّاقِعِ والسِّحْرِ الصّارِعِ مِن عَجْوَةِ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن ثَمَرَةٍ وشَجَرَةٍ، ولا يَصْبِرُ شَجَرُهُ عَلى البَرْدِ فَقالَ: ﴿ونَخْلا﴾ وكُلٌّ مِن هَذِهِ الأشْجارِ مُخالِفٌ لِلْآخَرِ في الشَّكْلِ والحَمْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ المُوافَقَةِ في الأرْضِ والسَّقْيِ.
(p-٢٦٧)ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ مِنَ الأقْواتِ والفَواكِهِ لِكَثْرَةِ مَنافِعِها، وكانَتِ البَساتِينُ تَجْمَعُها وغَيْرُها مَعَ ما لَها مِن بَهْجَةِ العَيْنِ وسُرُورِ النَّفْسِ وبَسْطِ الخاطِرِ وشَرْحِ القَلْبِ قالَ: ﴿وحَدائِقَ﴾ جَمْعُ حَدِيقَةٍ وهي الرَّوْضَةُ ذاتُ النَّخْلِ والشَّجَرِ، أوْ كُلُّ ما أحاطَ بِهِ [البِناءُ - ] وهي تَجْمَعُ ذَلِكَ [كُلَّهُ - ] ﴿غُلْبًا﴾ جَمْعُ غَلْباءَ - بِفَتْحِ الغَيْنِ والمَدِّ، وهي الحَدِيقَةُ ذاتُ أشْجارٍ كَثِيرَةٍ عِظامٍ غِلاظٍ طِوالٍ مُلْتَفَّةِ الأغْصانِ مُتَكاثِفَةٍ [مُتَكاثِرَةٍ- ]، مُسْتَعارٌ مِن وصْفِ الرِّقابِ، يُقالُ: غَلَبَ فُلانٌ - كَفَرِحَ أيْ غَلُظَ عُنُقُهُ، والغَلْباءُ أيْضًا مِنَ القَبائِلِ العَزِيزَةِ المُمْتَنِعَةِ، ومِنَ الهِضابِ المُشْرِفَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ ما يُتَفَكَّهُ ويُدَّخَرُ جَمَعَ فَقالَ: ﴿وفاكِهَةً﴾ أيْ ثَمَرَةً رَطْبَةً يُتَفَكَّهُ بِها كالخَوْخِ والعِنَبِ والتِّينِ والتُّفّاحِ والكُمِّثْرى والبُرْقُوقِ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَصْلُحَ فَيُدَّخَرَ ومِمّا لا يُمْكِنُ. ولَمّا ذَكَرَ فاكِهَةَ النّاسِ، ذَكَرَ فاكِهَةَ بَقِيَّةِ الحَيَوانِ فَقالَ: ﴿وأبًّا﴾ أيْ ومَرْعًى ونَباتًا وعُشْبًا وكَلَأً ما دامَ رَطْبًا يَقْصِدُ، مِن أبَّ الشَّيْءُ - إذا أمَّهُ.
80:32Page 585
مَّتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ ٣٢
[As] enjoyment [i.e., provision] for you and your grazing livestock.
ولَمّا جَمَعَ ما يُقْتاتُ وما يُتَفَكَّهُ، فَدَلَّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى تَمامِ القُدْرَةِ، ذَكَرَ بِالنِّعْمَةِ فِيهِ قارِعًا بِأُسْلُوبِ الخِطابِ لِتَعْمِيمِ الأفْرادِ بَعْدَ سِياقِ (p-٢٦٨)العِتابِ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ الكُلَّ عاجِزُونَ عَنِ الوَفاءِ بِالشُّكْرِ فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلَيْهِ الكُفْرُ فَقالَ: ﴿مَتاعًا﴾ وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ. ولَمّا ذَكَرَ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ وما يُعْلَفُ لِلدَّوابِّ، وكانَ السِّياقُ هُنا لِطَعامِ الإنْسانِ، قالَ مُقَدِّمًا ضَمِيرَهُمْ: ﴿لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ بِخِلافِ ما في السَّجْدَةِ وقَدْ مَضى، والأنْعامُ بِها يَكُونُ تَمامَ الصَّلاحِ لِلْإنْسانِ بِما لَهُ فِيها مِنَ النِّعَمِ بِالرُّكُوبِ والأكْلِ والشُّرْبِ والكِسْوَةِ والجَمالِ وسائِرِ المَنافِعِ، وذَكَرَ هَذا ذِكْرًا ظاهِرًا مُشِيرًا إلى المَعادِنِ لِأنَّ مِنها ما لا يَتِمُّ ما مَضى إلّا بِهِ، وهي آلاتُ الزَّرْعِ والحَصْدِ والطَّبْخِ والعَجْنِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمَلائِكَةُ المُدَبِّرَةُ لِما صَرَفَها اللَّهُ فِيهِ مِن ذَلِكَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الوُجُودَ كُلَّهُ خُلِقَ لِأجْلِ مَنافِعِ الإنْسانِ لِيَشْكُرَ لا لِيَكْفُرَ، ودَلَّتِ القُدْرَةُ عَلى ذَلِكَ قَطْعًا عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ.
ولَمّا ذَكَرَ عَجائِبَ الصُّنْعِ في الطَّعامِ، وكانَ ذَلِكَ يُقْطَفُ فَيَعُودُ لا سِيَّما المَرْعى فَإنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِ الخَرِيفُ فَيُنَشَّفُ ثُمَّ يُتَحَطَّمُ مِنَ الرِّياحِ ويَتَفَرَّقُ في الأرْضِ ثُمَّ يَصِيرُ تُرابًا ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ المَطَرَ فَيَجْمَعُهُ مِنَ الأرْضِ بَعْدَ أنْ صارَ تُرابًا ثُمَّ يُنْبِتُهُ كَما كانَ، وكانَ ذَلِكَ مِثْلَ إحْياءِ المَوْتى سَواءً، فَتَحَقَّقَ لِذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ الإنْشارِ بَعْدَ الإقْبارِ، وكانَ (p-٢٦٩)ذَلِكَ أيْضًا مُذَكِّرًا بِأمْرِ أبِينا آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أمَرَهُ اللَّهُ بِالأكْلِ مِنَ الجَنَّةِ إلّا مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهاهُ عَنْها، فَلَمّا أكَلَ مِنها أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ فَسَجَنَهُ في دارٍ لَيْسَتْ بِجَنَّةٍ ولا نارٍ ولا غَيْرِهِما بَلْ هي مِن مُمْتَزِجِ الدّارَيْنِ وكالبَرْزَخِ بَيْنَهُما، فِيها ما يُذَكِّرُ بِهَذِهِ وما يُذَكِّرُ بِتِلْكَ، وفِيها أمْثِلَةٌ المُوجَداتِ كُلِّها، قالَ مُسَبِّبًا عَمّا ثَبَتَ بِهِ الإحْياءُ لِلْبَعْثِ إلى المَحْشَرِ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحَقُّقِ لِأنَّ السّاعَةَ مِمَّنْ لا بُدَّ مِنهُ ولا مَحِيدَ عَنْهُ لِأنَّها سِرُّ الكَوْنِ فَإنَّ فِيها حِسابَ الَّذِينَ اسْتَخْلَفُوا في هَذا الوُجُودِ وأُفِيضَتْ عَلَيْهِمُ النِّعَمُ الَّتِي أوْدَعَها فِيهِ، وأشارَ إلى أنَّهم عاجِزُونَ عَنِ القِيامِ بِشُكْرِها، وكَثِيرٌ مِنهم - بَلْ أكْثَرُهم - زادَ عَلى ذَلِكَ بِكُفْرِها، فَأوْجَبَ ذَلِكَ - ولا بُدَّ - حِسابُهم عَلى ما فَعَلُوا فِيما اسْتَخْلَفُوا فِيهِ واسْتَرْعَوْهُ كَما هي عادَةُ كُلِّ مُسْتَرْعٍ ومُسْتَخْلَفٍ: ﴿فَإذا جاءَتِ﴾ أيْ كانَتْ ووُجِدَتْ لِأنَّ كُلَّ ما هو كائِنٌ كَأنَّهُ لاقِيكَ وجاءَ [إلَيْكَ - ] ﴿الصّاخَّةُ﴾ أيِ الصَّرْخَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي يُبالِغُ في إسْماعِ الأسْماعِ بِها حَتّى تَكادَ تَصِمُّها لِشِدَّتِها، وكَأنَّها تَطْعَنُ فِيها لِقُوَّةِ وقْعَتِها وعَظِيمِ وجَبْتِها، وتَضْطَرُّ الآذانُ إلى أنْ تُصِيخَ إلَيْها [أيْ - ] تَسْمَعُ، وهي مِن أسْماءِ القِيامَةِ، وأصْلُ الصَّخِّ: الضَّرْبُ بِشَيْءٍ صُلْبٍ عَلى مُصْمَتٍ.
(p-٢٧٠)ولَمّا كانَ وصْفُها بِما يَقَعُ فِيها أهْيَبُ، قالَ مُبَدِّلًا مِن ”إذا“ ما يَدُلُّ عَلى جَوابِها مِن نَحْوِ: اشْتَغَلَ كُلٌّ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَراغُ ما لِغَيْرِهِ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ﴾ أيِ الَّذِي هو أعْظَمُ الخَلْقِ مُرُوءَةً: ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْفِرارِ، قَدَّمَ أدْناهم رُتْبَةً في الحُبِّ والذَّبِّ فَأدْناهم عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي، وأخَّرَ الأوْجَبَ في ذَلِكَ فالأوْجَبُ بِخِلافِ ما في ”سَألَ“ كَما مَضى فَقالَ: ﴿مِن أخِيهِ﴾ لِأنَّهُ يَأْلَفُهُ صَغِيرًا وقَدْ يَرْكَنُ إلَيْهِ كَبِيرًا مَعَ طُولِ الصَّحابَةِ وشِدَّةِ القُرْبِ في القَرابَةِ فَيَكُونُ عِنْدَهُ في غايَةِ العِزَّةِ.
ولَمّا كانَتِ الأُمُّ مُشارِكَةً لَهُ في الإلْفِ، ويَلْزَمُ مِن حِمايَتِها أكْثَرُ مِمّا يَلْزَمُ الأخُ وهو لَها آلَفُ وإلَيْها أحَنُّ وعَلَيْها أرَقُّ وأعْطَفُ قالَ ﴿وأُمِّهِ﴾ ولَمّا كانَ الأبُ أعْظَمَ مِنها في الإلْفِ لِأنَّهُ أقْرَبُ في النَّوْعِ ولِلْوَلَدِ عَلَيْهِ مِنَ العاطِفَةِ لِما لَهُ مِن مَزِيدِ النَّفْعِ أكْثَرَ مِمَّنْ قَبْلَهُ قالَ: ﴿وأبِيهِ﴾
ولَمّا كانَتِ الزَّوْجَةُ الَّتِي هي أهْلٌ لِأنْ تَصْحَبَ ألْصَقَ بِالفُؤادِ وأعْرَقَ في الوِدادِ، وكانَ الإنْسانُ أذَبَّ عَنْها عِنْدَ الِاشْتِدادِ، قالَ: ﴿وصاحِبَتِهِ﴾ ولَعَلَّهُ أفْرَدَها إشارَةً إلى أنَّها عِنْدَهُ في الدَّرَجَةِ العُلْيا مِنَ المَوَدَّةِ بِحَيْثُ لا يَأْلَفُ غَيْرَها.
ولَمّا كانَ لِلْوالِدِ إلى الوَلَدِ مِنَ المَحَبَّةِ والعاطِفَةِ [والإباحَةِ - ] (p-٢٧١)بِالسِّرِّ والمُشاوَرَةِ في الأمْرِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ يَضِيعُ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وعُمْرُهُ قالَ: ﴿وبَنِيهِ﴾ وإنِ اجْتَمَعَ فِيها الصَّغِيرُ الَّذِي هو عَلَيْهِ أشْفَقُ والكَبِيرُ الَّذِي هو في [قَلْبِهِ - ] أجَلُّ وفي عَيْنِهِ أنْبَلُ ومِن بَيْنِهِما مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى.
80:37Page 585
لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ يَوۡمَئِذٖ شَأۡنٞ يُغۡنِيهِ ٣٧
For every man, that Day, will be a matter adequate for him.1
ولَمّا ذَكَرَ فِرارَهُ الَّذِي مَنَعَهُ قَرارُهُ، عَلَّلَهُ فَقالَ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ﴾ أيْ وإنْ كانَ أعْظَمَ النّاسِ مُرُوءَةً ﴿مِنهم يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ [إذْ - ] تَكُونُ هَذِهِ الدَّواهِي العِظامُ والشَّدائِدُ والآلامُ ﴿شَأْنٌ﴾ أيْ أمْرٌ بَلِيغٌ عَظِيمٌ ﴿يُغْنِيهِ﴾ أيْ يَكْفِيهِ - في الِاهْتِمامِ بِحَيْثُ لا يَدْعُ لَهُ حِصَّةً يُمْكِنُهُ صَرْفَها إلى غَيْرِهِ ويُوجِبُ لَهُ لُزُومَ المَعْنى، وهو المَنزِلُ - الَّذِي يُرْضِيهِ مَعَ أنَّهُ يَعْلَمُ [أنَّهُ - ] يُتْبِعُونَهُ ويَخافُ أنْ يُطالِبُوهُ لِما هم فِيهِ مِنَ الكَرْبِ بِما لَعَلَّهُ قَصَّرَ فِيهِ مِن حُقُوقِهِمْ.
ولَمّا ذَكَرَ اليَوْمَ، قَسَّمَ أهْلَهُ إلى القِسْمَيْنِ المَقْصُودَيْنِ بِالتَّذْكِرَةِ أوَّلَ السُّورَةِ، فَقالَ دالًّا عَلى البَواطِنِ بِأشْرَفِ الظَّواهِرِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ كانَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الفِرارِ وغَيْرِهِ ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ أيْ بَيْضٌ مُضِيئَةٌ بِالإشْراقِ والِاسْتِنارَةِ، مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ - إذا أشْرَقَ واسْتَنارَ
﴿ضاحِكَةٌ﴾ لِما عَلِمَتْ مِن سَعادَتِها ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أيْ طالِبَةٌ لِلْبَشَرِ وهو (p-٢٧٢)تَغَيُّرُ البَشَرَةِ مِنَ السُّرُورِ ومُوجِدَةٌ لِذَلِكَ، وهي بَيْضاءُ نَيِّرَةٌ بِما يَرى مِن تَبْشِيرِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ بِما كانَتْ فِيهِ في الدُّنْيا مِن عُبُوسِ الوُجُوهِ وتَغَيُّرِها وشُحُوبِها مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى وما يَظْهَرُ مِن جَلالِهِ في السّاعَةِ كابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي كانَ يَحْمِلُهُ خَوْفُ السّاعَةِ عَلى حَمْلِ الرّايَةِ في أشَدِّ الحُرُوبِ كَيَوْمِ القادِسِيَّةِ والثَّباتِ بِها حَتّى يَكُونَ كالعَمُودِ، لا يَزُولُ عَنْ مَرْكَزِهِ أصْلًا لِيُرْضِيَ المَعْبُودَ.
80:40Page 585
وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ عَلَيۡهَا غَبَرَةٞ ٤٠
And [other] faces, that Day, will have upon them dust.
ولَمّا ذَكَرَ أهْلُ السَّعادَةِ الَّذِينَ هُمُ المُقْبِلُونَ عَلى الخَيْرِ المُصابُونَ في أنْفُسِهِمْ بِما يُكَفِّرُ سَيِّئاتِهِمْ ويُعْلِي دَرَجاتِهِمْ، ذَكَرَ أضْدادَهم فَقالَ تَعالى: ﴿ووُجُوهٌ﴾ وأكَّدَ بِإعادَةِ الظَّرْفِ لِإزالَةِ الشُّبْهَةِ فَقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [أيْ - ] إذْ وجَدَ ما ذَكَرَ ﴿عَلَيْها﴾ أيْ مُلاصَقَةً لَها مَعَ الغَلَبَةِ والعُلُوِّ ﴿غَبَرَةٌ﴾ أيِ ارْبِدادٍ وكَأنَّهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ كَأنَّهُ قَدْ عَلاها غُبارٌ وهي عابِسَةٌ حَذِرَةٌ وجِلَةٌ مُنْذَعِرَةٌ، وذَلِكَ مِمّا يَلْحَقُها مِنَ المَشَقّاتِ وكَثْرَةِ الزِّحامِ مَعَ رُعْبِ الفُؤادِ، وتَذَكُّرِ ما هي صائِرَةٌ إلَيْهِ مِنَ الأنْكادِ الشِّدادِ
﴿تَرْهَقُها﴾ أيْ تَغْشاها وتَقْهَرُها وتَعْلُوها ﴿قَتَرَةٌ﴾ أيْ كَدَوْرَةٍ وسَوادٍ وظُلْمَةٍ ضِدَّ الإسْفارِ فَهي باكِيَةٌ عابِسَةٌ مِمّا كانَتْ فِيهِ في الدُّنْيا (p-٢٧٣)مِنَ الفَرَحِ واللَّعِبِ والضَّحِكِ والأمْنِ مِنَ العَذابِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الإسْفارِ والبِشْرِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ والذُّعْرِ ثانِيًا، وذِكْرُ الغَبَرَةِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى البَياصِ والنُّورِ أوَّلًا، وسِرُّ ذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ دَلِيلَ الرّاحَةِ ودَلِيلَ التَّعَبِ لِظُهُورِهِما تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا.
80:42Page 585
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَفَرَةُ ٱلۡفَجَرَةُ ٤٢
Those are the disbelievers, the wicked ones.
ولَمّا كانَ هَذا الأمْرُ هائِلًا، وكانَ الفاجِرُ، لِما عَلى قَلْبِهِ مِنَ الرَّيْنِ ولَهُ مِنَ القَساوَةِ، قَلِيلُ الخَوْفِ مِنَ الأجَلِ عَدِيمُ الفِكْرِ فِيما يَأْتِي بِهِ غَدُ لِما غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّهْوَتَيْنِ: السَّبْعِيَّةِ والبَهِيمِيَّةِ بِخِلافِ المُتَّقِي في كُلِّ ذَلِكَ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ زِيادَةً في التَّهْوِيلِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغْضاءُ ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً لا غَيْرُهم ﴿الكَفَرَةُ﴾ أيِ الَّذِينَ سَتَرُوا دَلائِلَ الإيمانِ ﴿الفَجَرَةُ﴾ أيِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَنْ دائِرَةِ الشَّرْعِ خُرُوجًا فاحِشًا حَتّى كانُوا عَرِيقِينَ في ذَلِكَ الكُفْرِ والفُجُورِ، وهم في الأغْلَبِ المُتْرَفُونَ الَّذِينَ يَحْمِلُهم غِناهم عَلى التَّكَبُّرِ والأشَرِ والبَطَرِ، فَلِجَمْعِهِمْ بَيْنَ الكُفْرِ والفُجُورِ جَمَعَ لَهم بَيْنَ الغَبَرَةِ والقَتَرَةِ، كَما يَكُونُ لِلزُّنُوجِ مِنَ البِقاعَةِ إذا عَلا وُجُوهَهم غُبارٌ ووَسَخٌ، فَقَدْ عادَ آخِرُها عَلى أوَّلِها فِيمَن يَسْتَحِقُّ الإعْراضَ عَنْهُ ومَن يَسْتَحِقُّ الإقْبالَ عَلَيْهِ - واللَّهُ الهادِي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences