Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:6–15
9:6Page 187
وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ ٦
And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allāh [i.e., the Qur’ān]. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.
ولَمّا سَدَّ عَلَيْهِمْ طَرِيقَ مُخالَطَتِهِمْ ما لَمْ يَتَّصِفُوا بِالتَّوْبَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالشَّهِيدَيْنِ المَذْكُورَيْنِ سَدًّا مُطْلَقًا، وفَتَحَهُ عِنْدَ الِاتِّصافِ بِها فَتْحًا مُطْلَقًا، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ طَرِيقًا آخَرَ وسَطًا مُقَيَّدًا فَقالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أمَرْناكم بِقِتالِهِمْ ﴿اسْتَجارَكَ﴾ أيْ: طَلَبَ أنْ تُعامِلَهُ في الإكْرامِ مُعامَلَةَ الجارِ بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ السِّياحَةِ ﴿فَأجِرْهُ﴾ أيْ: فَآمِنهُ ودافِعْ عَنْهُ مَن يَقْصِدُهُ بِسُوءٍ ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ بِسَماعِ التِّلاوَةِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ، فَيَعْلَمُ بِذَلِكَ ما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ المَحاسِنِ ويَتَحَقَّقُ أنَّهُ لَيْسَ كَلامَ الخَلْقِ. ولَمّا ذَكَرَ إجارَتَهُ، وكانَ لَهُ بَعْدَها تَوْبَةٌ وإصْرارٌ. وكانَ حالُ التّائِبِ قَدْ ذُكِرَ، بَيَّنَ ما يُفْعَلُ بِهِ إنْ أصَرَّ فَقالَ: ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ﴾ أيْ: إنْ أرادَ الِانْصِرافَ ولَمْ يُسْلِمْ ﴿مَأْمَنَهُ﴾ أيِ المَوْضِعَ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ ثُمَّ قاتِلْهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ المَأْمَنَ إنْ شِئْتَ مِن غَيْرِ (p-٣٨٣)غَدْرٍ ولا خِيانَةٍ؛ قالَ الحَسَنُ: هي مُحْكَمَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما يُبَيِّنُ غَدْرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمْ﴾ أيِ: الأمْرُ بِالإجارَةِ لِلْغَرَضِ المَذْكُورِ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا عِلْمَ لَهُمْ؛ لِأنَّهُ لا عَهْدَ لَهم بِنُبُوَّةٍ ولا رِسالَةٍ ولا كِتابٍ، فَإذا عَلِمُوا أوْشَكَ أنْ يَنْفَعَهُمُ العِلْمُ.
9:7Page 188
كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧
How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allāh and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Ḥarām? So as long as they are upright toward you,1 be upright toward them. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].
ولَمّا كانَ الأمْرُ بِالنَّبْذِ مَظِنَّةً لِأنْ يُعْجَبَ مِنهُ، عَجَّبَ فَقالَ: فَمَن يَتَعَجَّبُ مِنهُ؟ وأنْكَرَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أيْ: أهْلِ العَراقَةِ في الشِّرْكِ الَّذِينَ تُوجِبُ عَراقَتُهم فِيهِ ومَحَبَّتُهم لِظُهُورِهِ نَكْثَ العَهْدِ الَّذِي لا أقْبَحَ مِنهُ عِنْدَ العَرَبِ ولا أشْنَعَ ﴿عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ، فَهو لا يُحِبُّ النَّقْضَ مِن أوْلِيائِهِ فَكَيْفَ بِهِ مِن أعْدائِهِ ﴿وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ أيِ: الَّذِي هو أكْمَلُ الخَلْقِ وأوْفاهم وأحْفَظُهم لِلْعُهُودِ وأرْعاهم فَهم أضْدادُهُ فَأعْمالُهم أضْدادُ أعْمالِهِ، وقَدْ بَدا مِنهُمُ الغَدْرُ.
ولَمّا كانَ اسْتِفْهامُ الإنْكارِ في مَعْنى النَّفْيِ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ أيْ: مِنهم كَما تَقَدَّمَ ﴿عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيِ: الحَرَمِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، وهَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُتَقَدِّمَ مِن ﴿الَّذِينَ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] (p-٣٨٤)قالَ البَغَوِيُّ؛ قالَ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ وابْنُ إسْحاقَ: هم مِن قَبائِلِ بَكْرٍ: بَنُو خُزَيْمَةَ وبَنُو مُدْلِجٍ وبَنُو ضَمْرَةَ وبَنُو الدِّيلِ وهُمُ الَّذِينَ كانُوا قَدْ دَخَلُوا في عَهْدِ قُرَيْشٍ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، فَلَمْ يَكُنْ نَقَضَ العَهْدَ إلّا قُرَيْشٌ وبَنُو الدِّيلِ مِن بَنِي بَكْرٍ فَأمَرَ بِإتْمامِ العَهْدِ لِمَن لَمْ يَنْقَضِ، ولَمّا اسْتَثْنى، بَيَّنَ حُكْمَ المُسْتَثْنى فَقالَ: ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكُمْ﴾ أيْ: رَكِبُوا الطَّرِيقَ الأقْوَمَ في الوَفاءِ بِعَهْدِهِمْ ﴿فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ والقَوْلُ في ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ بِالجَلالِ والجَمالِ ﴿يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ كَما سَبَقَ.
9:8Page 188
كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨
How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.
ولَمّا أنْكَرَ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ غَيْرِ المُسْتَثْنَيْنَ عَهْدٌ، بَيَّنَ السَّبَبَ المُوجِبِ لِلنِّكارِ مُكَرِّرًا أداةَ الإنْكارِ تَأْكِيدًا لِلْمَعْنى فَقالَ: ﴿كَيْفَ﴾ أيْ: يَكُونُ لَهم عَهْدٌ ثابِتٌ ﴿وإنْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم مُضْمِرُونَ لَكُمُ الغَدْرَ والخِيانَةَ فَهم إنْ ﴿يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: إنْ يَعْلُ أمْرٌ لَهم عَلى أمْرِكم بِأنْ يَظْفَرُوا بِكم بَعْدَ العَهْدِ والمِيثاقِ ﴿لا يَرْقُبُوا﴾ أيْ: لا يَنْظُرُوا ويَرْعَوْا ﴿فِيكُمْ﴾ أيْ: في أذاكم بِكُلِّ جَلِيلٍ وحَقِيرٍ ﴿إلا﴾ أيْ: قَرابَةً مُحَقَّقَةً ﴿ولا ذِمَّةً﴾ أيْ: عَهْدًا، يَعْنِي أنَّ الأمْرَ المُبِيحَ لِلنَّبْذِ خَوْفُ الخِيانَةِ، وعَلّامُ الغُيُوبِ يُخْبِرُكم أنَّهم في غايَةِ الخِيانَةِ لَكُمْ، والإلُّ هَذا: القُرابَةُ - وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والمادَّةُ تَدُورُ عَلى الألَّةِ وهي حَرْبَةٌ في نَصْلِها (p-٣٨٥)عَرْضٌ، ويَلْزَمُها الصَّفاءُ والرِّقَّةُ والبَرِيقُ، ويُشَبَّهُ بِهِ الإسْراعُ في العَدْوِ، والثَّباتُ في نَفْسِها، ومِنهُ القَرابَةُ والعَهْدُ والتَّغَيُّرُ في وصْفِها، ومِنهُ تَغَيُّرُ رائِحَةِ الإناءِ وفَسادُ الأسْنانِ والصَّوْتِ، ومِنهُ الأنِينُ والجُؤارُ في الدُّعاءِ مَعَ البُكاءِ وخَرِيرِ الماءِ والطَّعْنِ والقَهْرِ، ومِنهُ: إنَّ هَذا - أيْ: كَلامُ مُسَيْلِمَةَ - ما يَخْرُجُ مِن إلٍّ، أيْ: مِن رُبُوبِيَّةٍ، وفي إلِّ اللَّهِ، أيْ: قُدْرَتِهِ وإلَهِيَّتِهِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِأنْ يُقالَ: قَدْ أكَّدُوا لَنا الأيْمانَ وأوْثَقُوا العُهُودَ، ولَمْ يَدْعُوا بابًا مِن أبْوابِ الِاسْتِعْطافِ، قالَ مُعَلِّلًا لِما مَضى مُجِيبًا لِمَنِ اسْتَبْعَدَهُ: ﴿يُرْضُونَكُمْ﴾ وعَبَّرَ بِأقْصى ما يُمْكِنُ الكَلامُ بِهِ مِنَ القُلُوبِ تَحْقِيقًا لِأنَّهم لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ شَيْءٌ مِنهُ فَقالَ: ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ: بِذَلِكَ التَّأْكِيدِ، وصَرَّحَ بِالمَقْصُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ أيِ: العَمَلَ بِما أبْدَتْهُ ألْسِنَتُهُمْ، وقَلِيلٌ مِنهم مَن يَحْمِلُهُ الخَوْفُ ونَحْوُهُ عَلى الثَّباتِ أوْ يَرْجِعُ عَنِ الفِسْقِ ويُؤْمِنُ ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ أيْ: راسِخُو الأقْدامِ في الفِسْقِ خارِجُونَ - لِمُخالَفَةِ الفِعْلِ لِلْقَوْلِ - عَمّا تُرِيدُونَهُ، وإذا نَقَضَ الأكْثَرُ اضْطُرَّ الأقَلُّ إلى مُوافَقَتِهِمْ.
9:9Page 188
ٱشۡتَرَوۡاْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلٗا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩
They have exchanged the signs of Allāh for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.
ولَمّا دامَ ما تَرى مِن كَشْفِ سَرائِرِهِمْ، شَرَعَ سُبْحانَهُ يُقِيمُ لَهُمُ الدَّلِيلَ عَلى فِسْقِهِمْ وخِيانَتِهِمْ بِتَذْكِيرِهِمْ ما بَدا مِن بَعْضِهِمْ مِنَ النَّقْضِ بَعْدَ أنْ أثْبَتَ فِيما مَضى أنَّهم شَرْعٌ واحِدٌ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، وفِيما يَأْتِي أنَّهم بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِما يُفِيدُ أنَّهم تَمَكَّنُوا مِن ضِدِّ (p-٣٨٦)الإيمانِ تَمَكُّنًا صارَ بِهِ كَأنَّهُ في حَوْزَتِهِمْ: ﴿اشْتَرَوْا﴾ أيْ: لَجُّوا في أهْوِيَتِهِمْ بَعْدَ قِيامِ الدَّلِيلِ الَّذِي لا يَشُكُّونَ فِيهِ فَأخَذُوا ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا شَيْءَ مِثْلُهُ في جَلالٍ ولا جَمالٍ عَلى ما لَها مِنَ العِظَمِ في أنْفُسِها وبِإضافَتِها إلَيْهِ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ مِن أعْراضِ الدُّنْيا فَرَضُوا بِها مَعَ مُصاحَبَةِ الكُفْرِ، وذَلِكَ أنَّ أبا سُفْيانَ أطْعَمَهم أكْلَةً فَنَقَضُوا بِها عُهُودَهم ﴿فَصَدُّوا﴾ أيْ: فَسَبَّبَ لَهم ذَلِكَ وأدّاهم إلى أنْ صَدُّوا ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: مَن يُرِيدُ السَّيْرَ عَلَيْهِ ومَنَعُوا مِنَ الدُّخُولِ في الدِّينِ أنْفُسَهم ومَن قَدَرُوا عَلى مَنعِهِ.
ولَمّا دَلَّ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن فَسادِ قُلُوبِهِمْ، اسْتَأْنَفَ بَيانَ ما اسْتَحَقُّوهُ مِن عَظِيمِ الذَّمِّ بِقَوْلِهِ مُعَجِّبًا مِنهُمْ: ﴿إنَّهم ساءَ ما﴾ وبَيَّنَ عَراقَتَهم في القَبائِحِ وأنَّها في جِبِلَّتِهِمْ بِذِكْرِ الكَوْنِ فَقالَ: ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ عَمَلَهُ في كُلِّ وقْتٍ، وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يُشِيرُ بِهَذا إلى ما فَعَلَتْ عَضَلٌ والقارَةُ بِعاصِمِ بْنِ ثابِتٍ وخُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ، ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والبُخارِيُّ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، كُلٌّ يَزِيدُ عَلى صاحِبِهِ وقَدْ جَمَعْتُ بَيْنَ حَدِيثِيهِما «أنَّهُ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أُحُدٍ رَهْطٌ مِن عَضَلٍ والقارَةِ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ فِينا إسْلامًا فابْعَثْ مَعَنا نَفَرًا مِن أصْحابِكَ يُفَقِّهُونَنا في الدِّينِ ويُقْرِئُونَنا القُرْآنَ ويُعْلِّمُونَنا شَرائِعَ الإسْلامِ (p-٣٨٧)فَبَعَثَ مَعَهم نَفَرًا سِتَّةً - وقالَ البُخارِيُّ: عَشَرَةً - وأمَّرَ عَلَيْهِمْ عاصِمَ بْنَ ثابِتٍ فَخَرَجَ مَعَهُمْ، حَتّى إذا كانُوا بِالرَّجِيعِ -ماءٌ لِهُذَيْلٍ- غَدَرُوا بِهِمْ فاسْتَصْرَخُوا عَلَيْهِمْ هُذَيْلًا، فَلَمّا أتَوْهم أخَذُوا أسْيافَهم لِيُقاتِلُوهُمْ، فَقالُوا: إنّا واللَّهِ لا نُرِيدُ قَتْلَكُمْ، ولَكِنّا نُرِيدُ أنْ نُصِيبَ بِكم شَيْئًا مِن أهْلِ مَكَّةَ، ولَكِنَّ عَهْدَ اللَّهِ ومِيثاقَهُ أنْ لا نَقْتُلَ مِنكم أحَدًا، فَأمّا عاصِمٌ فَلَمْ يَقْبَلْ وقاتَلَ حَتّى قُتِلَ هو وناسٌ مِن أصْحابِهِ، ونَزَلَ مِنهم ثَلاثَةُ نَفَرٍ عَلى العَهْدِ والمِيثاقِ، فَلَمّا اسْتَمْكَنُوا مِنهم أطْلَقُوا أوْتارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهم بِها، فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: هَذا أوَّلُ الغَدْرِ، واللَّهِ لا أصْحَبُكُمْ، إنَّ لِي بِهَؤُلاءِ أُسْوَةً - يُرِيدُ القَتْلى، فَجَرَّرُوهُ وعالَجُوهُ فَأبى أنْ يَصْحَبَهم فَقَتَلُوهُ؛ فانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وزَيْدِ بْنِ الدَّثِنَةِ حَتّى باعُوهُما بِمَكَّةَ فَقَتَلُوهُما».
وقِصَّةُ «العُرَنِيِّينَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأظْهَرُوا الإسْلامَ ثُمَّ خَرَجُوا إلى لَقاحِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَتَلُوا الرّاعِيَ واسْتاقُوا اللَّقاحَ بَعْدَ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ في آثارِهِمْ فَقَتَلَهُمْ؛» وفي تارِيخِ ابْنِ الفُراتِ عَنِ القُتَبِيِّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَوْسَجَةَ البَجَلِيَّ إلى بَنِي حارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ قُرْطٍ بِكِتابٍ فَرَقَعُوا دَلْوَهم بِالكِتابِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ما لَهُمْ! أذْهَبَ اللَّهُ عُقُولَهُمْ، فَهم أهْلُ رِعْدَةٍ وكَلامٍ مُخْتَلِطٍ؛ ولَمّا خَرَجَ أهْلُ مَكَّةَ بَعْدَ أنْ عامَلَهم ﷺ بِغايَةِ (p-٣٨٨)الإحْسانِ أعْتَقَهم وعَفا عَنْهم بَعْدَ تِلْكَ الحُرُوبِ والأذى في المُبالَغَةِ في النِّكاياتِ الَّتِي لا يَعْفُو عَنْ مِثْلِها إلّا الأنْبِياءُ، خَرَجُوا مَعَهُ إلى حُنَيْنٍ غَيْرَ مُرِيدِينَ لِنَصْرِهِ ولا مُحِبِّينَ لِعُلُوِّ أمْرِهِ، بَلْ هُمُ الَّذِينَ انْهَزَمُوا بِالنّاسِ» - كَما نَقَلَهُ البَغَوِيُّ عَنْ قَتادَةَ؛ وقالَ أبُو حَيّانَ ويُقالُ: إنَّ الطُّلَقاءَ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَرُّوا وقَصَدُوا إلْقاءَ الهَزِيمَةِ في المُسْلِمِينَ وبَلَغَ فَلُّهم مَكَّةَ. انْتَهى.
وقالَ الواقِدِيُّ: وخَرَجَ رِجالُ مَكَّةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَتَغادَرْ مِنهم أحَدٌ عَلى غَيْرِ دِينٍ رُكْبانًا ومُشاةً، يَنْظُرُونَ لِمَن تَكُونُ الدّائِرَةُ فَيُصِيبُونَ مِنَ الغَنائِمِ، ولا يَكْرَهُونَ أنْ تَكُونَ الصَّدْمَةُ بِمُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، وقالَ هو وغَيْرُهُ: فَلَمّا كانَتِ الهَزِيمَةُ حَيْثُ كانَتْ والدّائِرَةُ عَلى المُسْلِمِينَ تَكَلَّمَ قَوْمٌ بِما في أنْفُسِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والضَّغَنِ والغِشِّ، وذَكَرُوا أنَّهُ عَزَمَ ناسٌ مِنهم عَلى قَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ ولَكِنَّ اللَّهَ مَنَعَهُ مِنهم.
هَذا بَعْضُ ما غَدَرَ فِيهِ كُفّارُ العَرَبِ، وأمّا اليَهُودُ فَكُلُّهم نَقْضٌ: بَنُو قَيْنُقاعَ ثُمَّ النَّضِيرُ ثُمَّ قُرَيْظَةُ ثُمَّ أهْلُ خَيْبَرَ، حَتّى كانَ ذَلِكَ سَبَبَ إخْراجِهِمْ مِنها وإجْلائِهِمْ إلى بِلادِ الشّامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهم قَدْ تَبَيَّنَ لَهم مِثْلَ الصُّبْحِ جَمِيعًا ما أخْبَرَهم بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمّا لَمْ يَرْجِعُوا لِمُجَرَّدِ أهْوائِهِمْ كانُوا قَدِ اشْتَرَوْا بِذَلِكَ ثَمَنًا قَلِيلًا، وهو (p-٣٨٩)التَّمَتُّعُ بِما هم فِيهِ مُدَّةَ حَياتِهِمْ عَلى ما صارُوا إلَيْهِ مِن سُفُولِ الكَلِمَةِ وإدْبارِ الأمْرِ، فَمَن قادَهُ هَواهُ إلى تَرْكِ السَّعادَةِ العُظْمى لِهَذا العَرَضِ الزّائِلِ اليَسِيرِ كانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلى شَيْءٍ لِأنَّهُ رَهِينَةُ داعِي الهَوى وأمْرِ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ ما بَدَأ بِنَفْسِهِ فَغَدَرَ بِها وغَشَّها غَيْرَ ناظِرٍ في مَصْلَحَةٍ ولا مُفَكِّرٍ في عاقِبَةٍ.
9:10Page 188
لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ ١٠
They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى بِعَراقَتِهِمْ في الفِسْقِ دَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ خِيانَتَهم لَيْسَتْ خاصَّةً بِالمُخاطَبِينَ، بَلْ عامَّةٌ لِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَتِهِمْ مِنَ الإيمانِ، فَمَدارُ خِيانَتِهِمْ عَلى الوَصْفِ، فَقالَ: ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلا﴾ أيْ: قَرابَةً وأصْلًا جَيِّدًا ثابِتًا ﴿ولا ذِمَّةً﴾ أيْ: عَهْدًا أكِيدًا ﴿وأُولَئِكَ﴾ أيِ: البُعَداءُ مِن كُلِّ خَيْرٍ ﴿هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً لِتَناهِي عُدْوانِهِمْ ﴿المُعْتَدُونَ﴾ أيْ: عادَتُهُمُ المُبالَغَةُ في حَمْلِ أنْفُسِهِمْ عَلى أنْ يَعْدُوا الحُدُودَ لِعَدَمِ ما يَرُدُّهم عَنْ ذَلِكَ مِن وازِعٍ إلَهِيٍّ ورادِعٍ شَرْعِيٍّ كَما فَعَلَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ بِأهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ مَعَ أنَّهم في جِوارِ عَمِّهِ وكانَ مِن خَبَرِهِمْ «أنَّ عَمَّهُ أبا بَراءٍ عامِرَ بْنَ مالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ مُلاعِبَ الأسِنَّةِ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: لَوْ بَعَثْتَ رِجالًا مِن أصْحابِكَ إلى أهْلِ نَجْدٍ رَجَوْتُ أنْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنِّي أخْشى عَلَيْهِمْ أهْلَ نَجْدٍ، قالَ أبُو بَراءٍ: أنا لَهم جارٌ. فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو أخا بَنِي ساعِدَةَ المُعَنَّقَ لِيَمُوتَ في سَبْعِينَ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ (p-٣٩٠)مِن خِيارِ المُسْلِمِينَ، فَما نَزَلُوا بِئْرَ مَعُونَةَ بَعَثُوا حَرامَ بْنَ مِلْحانَ بِكِتابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ فَلَمْ يَنْظُرْ في كِتابِهِ وعَدا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ اسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ بَنِي عامِرٍ فَأبَوْا وقالُوا: لَنْ نُخْفِرَ أبا بَراءٍ، فاسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ قَبائِلَ مِن بَنِي سُلَيْمٍ: عُصَيَّةَ ورِعْلًا وذَكْوانَ فَقَتَلُوهم فَلَمْ يُفْلِتْ مِنهم إلّا ثَلاثَةُ نَفَرٍ؛ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ أحَدُهُمْ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ودَعا عَلى قَتَلَتِهِمْ شَهْرًا؛» قالَ البَغَوِيُّ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ أهْلَ الطّائِفِ أمَدُّوهم - يَعْنِي قُرَيْشًا - بِالأمْوالِ لِيُقَوُّوهم عَلى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَهَذا الَّذِي أحْكَمَهُ تَعالى مِن نَبْذِ العَهْدِ نَظَرٌ لِلدِّينِ؛ لِأنَّهُ نَظَرَ لِجَمِيعِ أهْلِهِ الَّذِينَ لا يُوجَدُ إلّا بِهِمْ.
9:11Page 188
فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١١
But if they repent, establish prayer, and give zakāh, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.
ولَمّا بَيَّنَ ما أوْجَبَ بُعْدَهم مِنهم ومُعاداتَهم لَهُمْ، بَيَّنَ ما يَصِيرُونَ بِهِ أهْلًا فَقالَ: ﴿فَإنْ تابُوا﴾ أيْ: بِالإيمانِ بِسَبَبِ ما أبْدَيْتُمْ لَهم مِنَ الغِلْظَةِ ﴿وأقامُوا﴾ أيْ: أيَّدُوا ذَلِكَ بِأنْ أقامُوا ﴿الصَّلاةَ﴾ أيْ: بِجَمِيعِ حُدُودِها ﴿وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ أيْ: كَما حَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ أيْ: هُمْ، وبَيَّنَ أنَّها لَيْسَتْ أُخُوَّةَ النَّسَبِ فَقالَ: ﴿فِي الدِّينِ﴾ لَهم ما لَكم وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْكُمْ، فَلا تَعْرِضُوا لَهم بِما يَكْرَهُونَهُ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ بَعْثًا وتَحْرِيضًا عَلى تَأمُّلِ ما فَصَّلَ: قَدْ فَصَّلْنا لَكم (p-٣٩١)أمْرَهم في هَذِهِ الآياتِ تَفْصِيلًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ونُفَصِّلُ﴾ أيْ: في كُلِّ أمْرٍ يَحْتاجُونَ جَمِيعَ ﴿الآياتِ﴾ وعَظَّمَ هَذِهِ الآياتِ وحَثَّهم عَلى تَدَبُّرِها بِقَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: صارَ العِلْمُ لَهم صِفَةً فَلَهم مَلَكَةٌ يَتَصَرَّفُونَ بِها في أُصُولِهِ وفُرُوعِهِ، لا يَغْتَرُّونَ بِمُجَرَّدِ كَلامٍ مِن شَأْنِهِ الرَّداءَةُ والمُخالَفَةُ بَيْنَ القَوْلِ والعَمَلِ، والِاعْتِراضُ بِهَذا بَيْنَ هَذِهِ الجُمَلِ المُتَلاحِمَةِ إشارَةٌ إلى عِظَمِ الأمْرِ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ، وتَحْرِيضٌ عَلى إنْعامِ النَّظَرِ فِيهِ لِيُعْلَمَ أنَّ مَدُخُولَهُ جَلِيلُ الأمْرِ عَظِيمُ القَدْرِ؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ تَكْرارٌ.
9:12Page 188
وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ ١٢
And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then combat the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.
ولَمّا بَيَّنَ السَّبَبَ المُوجِبَ لِمُجازاتِهِمْ بِجِنْسِ عَمَلِهِمْ، وهو البَراءَةُ مِنهم وما يَتْبَعُ ذَلِكَ إلى أنْ خَتَمَ بِتَقْدِيرِ تَوْبَتِهِمْ، رَجَعَ إلى قَسِيمِ قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكُمْ﴾ [التوبة: ٧] فَقالَ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ أيِ الَّتِي حَلَفُوها لَكُمْ؛ ولَمّا كانَ النَّقْضُ ضارًّا وإنْ قَصُرَ زَمَنُهُ، أتى بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ أيِ: الَّذِي عَقَدُوهُ ﴿وطَعَنُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا الطَّعْنَ ﴿فِي دِينِكُمْ﴾ أيْ: بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ.
ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ لا يَسْتَقِلُّ بِهِ في الأغْلَبِ إلّا الرُّؤَساءُ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا﴾ ووُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَحْرِيضًا عَلى قِتالِهِمْ وإشارَةً إلى أنَّهم ما نَكَثُوا وأقْدَمُوا عَلى هُجْنَةِ الكَذِبِ ولَمْ يَسْتَهْجِنُوا الخُرُوجَ عَنْ عاداتِ الكِرامِ إلّا وقَدْ رَسَخُوا في الكُفْرِ فَقالَ: ﴿أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ ثُمَّ أشارَ - بِقَوْلِهِ: مُعَلِّلًا لِجَوازِ المُقاتَلَةِ: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ إلى أنَّ (p-٣٩٢)ذَلِكَ ولَوْ فَعَلَهُ الأتْباعُ ولَمْ يَكُفَّهُمُ الرُّؤَساءُ فَهو عَنْ تَمالٍ مِنهم فابْدَؤُوا بِالرُّؤُوسِ فاقْطَعُوها تَنْقَطِعِ الأذْنابُ، وقِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِالكَسْرِ مَعْناها: لا أمانَ لَهم لِأنَّهم قَدْ نَقَضُوا العَهْدَ المُوجِبَ لَهُ بِما وقَعَ مِنهُمْ، ومَن طَعَنَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ في الإسْلامِ طَعْنًا ظاهِرًا جازَ قَتْلُهُ؛ فَإنَّ العَهْدَ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ أنْ لا يَطْعَنَ، ثُمَّ عَلَّلَ المُقاتَلَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيِ: اجْعَلُوا قَصْدَكم لِقِتالِهِمْ أنْ يَكُونَ حالُهم حالَ مَن يَنْتَهِي عَنْ غَيِّهِ بِما يَرى مِنكم مِن صادِقِ الجِدِّ بِماضِي الحَدِّ، رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ما بَقِيَ مِن أصْحابِ هَذِهِ الآيَةِ إلّا ثَلاثَةٌ ولا مِنَ المُنافِقِينَ إلّا أرْبَعَةٌ أحَدُهم شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ الماءَ البارِدَ لَما وجَدَ بَرْدَهُ.
9:13Page 188
أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣
Would you not fight against a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allāh has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.
ولَمّا نَفى أيْمانَهم بِنَفْيِ إيمانِهِمْ، شَرَعَ يُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ بِأُمُورٍ ارْتَكَبُوها، كُلٌّ مِنها بِسَبَبٍ باعِثٍ عَلى الإقْدامِ عَلَيْهِمْ، ويَحُثُّ عَلى قِتالِهِمْ في صُورَةِ تَعْجِيبٍ مِمَّنْ يَتَوانى فِيهِ فَقالَ: ﴿ألا﴾ وهو حَرْفُ عَرْضٍ، ومَعْناهُ هُنا الحَضُّ لِدُخُولِ هَمْزَةِ الإنْكارِ عَلى النّافِي فَنَفَتْهُ فَصارَ مَدْخُولُها مُثْبَتًا عَلى سَبِيلِ الحَثِّ عَلَيْهِ فَهو أبْلَغُ مِمّا لَوْ أُثْبِتَ بِغَيْرِ هَذا الأُسْلُوبِ ﴿تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ أيْ: وإنْ كانُوا ذَوِي مَنَعَةٍ عَظِيمَةٍ ﴿نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ أيْ: في قِصَّةِ عاصِمٍ وأصْحابِهِ والمُنْذِرِ وأصْحابِهِ والإعانَةِ عَلى خُزاعَةَ وغَيْرِ ذَلِكَ، (p-٣٩٣)فَكانَ النَّكْثُ لَهم عادَةً وخُلُقًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قِتالَ النّاكِثِينَ أوْلى مِن قِتالِ غَيْرِهِمْ لِيَكُونَ ذَلِكَ زاجِرًا عَنِ النَّقْضِ، وكانَتْ قِصَّةُ خُزاعَةَ أنَّهُ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَناةَ بْنِ كِنانَةَ قَتْلٌ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَتْ خُزاعَةُ قَدْ دَخَلَتْ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ لِما كانَ لَهم فِيهِ مِنَ المَحَبَّةِ مِن مُسْلِمِهِمْ وكافِرِهِمْ لِما بَيْنَهم مِنَ الحِلْفِ - كَما تَقَدَّمَ آخِرَ الأنْفالِ، ودَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ في عَهْدِ قُرَيْشٍ فَمَرَّتْ عَلى ذَلِكَ مُدَّةٌ، ثُمَّ إنَّ أنَسَ بْنَ زَنِيمٍ الدِّيلِيَّ هَجا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَهُ غُلامٌ مِن خُزاعَةَ فَوَقَعَ بِهِ فَشَجَّهُ فَخَرَجَ إلى قَوْمِهِ فَأراهم شَجَّتْهُ فَثارَ الشَّرُّ مَعَ ما كانَ بَيْنَهُمْ، وما تَطْلُبُ بَنُو بَكْرٍ مِن خُزاعَةَ مِن دِمائِها، فَكَلَّمَتْ بَنُو نُفاثَةَ مِن بَنِي بَكْرٍ أشْرافِ قُرَيْشٍ فَوَجَدُوا القَوْمَ إلى ذَلِكَ سِراعًا فَأعانُوهم بِالسِّلاحِ والكُراعِ والرِّجالِ، فَخَرَجَ نَوْفَلُ بْنُ مُعاوِيَةَ الدِّيلِيُّ وهو يَوْمَئِذٍ قائِدُهُمْ؛ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ولَيْسَ كُلُّ بَنِي بَكْرٍ بايَعَهُ - وقالَ الواقِدِيُّ: واعْتَزَلَتْ بَنُو مُدْلِجٍ فَلَمْ يَنْقَضُوا العَهْدَ - حَتّى بَيْتُ خُزاعَةَ وهم عَلى الوَتِيرِ ماءٍ لَهُمْ، فَأصابُوا مِنهم رَجُلًا وتَجاوَزُوا واقْتَتَلُوا وقاتَلَ مَعَهم (p-٣٩٤)مِن قُرَيْشٍ مَن قاتَلَ بِاللَّيْلِ مُسْتَخْفِيًا مُتَنَكِّرِينَ مُنْتَقِبِينَ: صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ ومِكْرَزُ بْنُ حَفْصِ بْنِ الأخْيَفِ وحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ العُزّى وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ وأجْلَبُوا مَعَهم أرِقّاءَهُمْ، وكانَتْ خُزاعَةُ آمِنَةً لِمَكانِ العَهْدِ والمُوادَعَةِ.
ولَمّا ذَكَّرَهم بِمُطْلَقِ نَكْثِهِمْ في حَقِّهِمْ عامَّةً، وذَكَّرَهم بِما خَصُّوا بِهِ سَيِّدَهم بَلْ سَيِّدَ الخَلْقِ كُلِّهِمْ فَقالَ: ﴿وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ في عُمْرَةِ القَضاءِ، بَلْ أمَرُوهُ بِالخُرُوجِ عِنْدَ انْقِضاءِ الثَّلاثَةِ الأيّامِ وألَحُّوا في ذَلِكَ وهو وإنْ كانَ قاضاهم عَلى ذَلِكَ، لَكِنْ قَدْ نَقَلَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ في قِصَّةِ النِّداءِ بِسُورَةِ بَراءَةَ أنَّهُ كانَ في القَضِيَّةِ والعَهْدِ الَّذِي كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم أنْ لا يُمْنَعَ مِنَ البَيْتِ أحَدٌ جاءَهُ زائِرًا، ولَعَلَّهم هَمُّوا بِإخْراجِهِ قَبْلَ الثَّلاثَةِ الأيّامِ لِما داخَلَهم مِنَ الحَسَدِ عِنْدَما عايَنُوا مِن نَشاطِ أصْحابِهِ وكَثْرَتِهِمْ وحُسْنِ حالِهِمْ، وذَلِكَ غَيْرُ بَعِيدٍ مِن أفْعالِهِمْ، وإظْهارِهِمُ التَّبَرُّؤَ بِهِ ﷺ حَتّى اجْتَرَؤُوا - وهو أعْلى الخَلْقِ مِقْدارًا، وأظْهَرُهم هَيْئَةً وأنْوارًا وأطْهَرُهم رُسُومًا وآثارًا - عَلى الإلْحاحِ عَلَيْهِ في الخُرُوجِ مِن بَلَدِ آبائِهِ وأجْدادِهِ الَّذِينَ هم أحَقُّهم بِها ومَسْقَطُ رَأْسِهِ ومَوْضِعُ مَرْباهُ، ولَكِنْ لَمْ أراهُ مُصَرِّحًا بِهِ، وهو عِنْدِي عَلى ما فِيهِ أوْلى مِمّا ذَكَرُوهُ مِنَ الهَمِّ بِإخْراجِهِ عِنْدَ الهِجْرَةِ عَلى ما لا يَخْفى، أوْ يَكُونُ (p-٣٩٥)المُرادُ ما هَمَّ بِهِ ابْنُ أُبَيٍّ المُنافِقُ ومَن تابَعَهُ مِن أصْحابِهِ مِن إخْراجِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ حَيْثُ قالَ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] بَعْدَ إعْطائِهِمُ العُهُودَ عَلى الإيواءِ والنُّصْرَةِ والإسْلامِ، وذَلِكَ لِتَذْكِيرِ المُؤْمِنِينَ بِمُسارَعَتِهِمْ إلى النَّقْضِ بَعْدَ أنْ أثْبَتَ أنَّهم في الِالتِحامِ في كَيْدِ الإسْلامِ كالجَسَدِ الواحِدِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: إذا تَرَكَ هَؤُلاءِ إيمانَهم فَأُولَئِكَ أحْرى أنْ يَنْقُضُوا أيْمانَهُمْ، وهو بَعْثٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى التَّبَرُّؤِ مِنَ الكافِرِينَ مُنافِقِينَ كانُوا أوْ مُجاهِرِينَ مُقارِبِينَ أوْ مُباعَدِينَ.
ولَمّا ذَكَرَهم بِالخِيانَةِ عامَّةً وخاصَّةً، أتْبَعَها ما حَقَّقَها بِالقِتالِ فَقالَ: ﴿وهم بَدَءُوكُمْ﴾ أيْ: بِتَطابُقٍ مِن ضَمائِرِهِمْ وظَواهِرِهِمْ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ: بِالقِتالِ والصَّدِّ في الحُدَيْبِيَةِ بَعْدَ إخْبارِكم إيّاهم بِأنَّكم لَمْ تَجِيئُوا لِلْقِتالِ وأنَّكم ما جِئْتُمْ إلّا زُوّارًا لِلْبَيْتِ الحَرامِ الَّذِي النّاسُ فِيهِ سَواءٌ وأنْتُمْ أحَقُّ بِهِ مِنهُمْ، وذَلِكَ أوَّلُ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذا الثّانِي مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ٨٣] وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِأوَّلِ مَرَّةٍ قِتالُهم خُزاعَةَ، وهو واضِحٌ لِأنَّهُ بَعْدَ عَقْدِ الصُّلْحِ، وقِيلَ: في بَدْرٍ بَعْدَ ما سَلِمَتْ عِيرُهم وقالُوا: لا نَرْجِعُ حَتّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُطْلَقُ القِتالِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ جاءَهم بِالكِتابِ المُنِيرِ ودَعاهم بِغايَةِ اللِّينِ، وتَحَدّاهم بِهِ عِنْدَ التَّكْذِيبِ، فَعَدَلُوا عَنْ ذَلِكَ إلى القِتالِ فَهم (p-٣٩٦)البادِئُونَ والبادِئُ أظْلَمُ.
ولَمّا أمَرَهم بِالقِتالِ وكانَ مَكْرُها إلى النُّفُوسِ عَلى كُلِّ حالٍ شَرَعَ يُبَيِّنُ الأسْبابَ الحامِلَةَ عَلى التَّوانِي عَنْ قِتالِهِمْ، وحَصَرَها في الخَشْيَةِ والعاطِفَةِ، وقَسَّمَ العاطِفَةَ إلى ما سَبَبُهُ القُرْبُ في مَحاسِنِ الأفْعالِ وإلى ما سَبَبُهُ القُرْبُ في النَّسَبِ والصِّهْرِ، ونَقْضِ الكُلِّ وبَيَّنَ أنَّهُ لا شَيْءَ مِنها يَصْلُحُ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَقالَ بادِئًا بِالخَشْيَةِ لِأنَّها السَّبَبُ الأعْظَمُ في تَرْكِ المُصادَمَةِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُوَبِّخًا لَهم لِيَكُونَ أبْلَغَ في الحَثِّ عَلى قِتالِهِمْ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ التَّوانِيَ عَنْهم مُصَحِّحٌ لِلْوَصْفِ بِالجُبْنِ ورَقَةِ الدِّينِ: ﴿أتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أيْ: أتَخافُونَ أنْ يَظْفَرُوا بِكم في القِتالِ بِأنْ يَكُونُوا عَلى باطِلِهِمْ أشَدَّ مِنكم عَلى حَقِّكم ﴿فاللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ مَجامِعُ العَظَمَةِ ﴿أحَقُّ﴾ أيْ: مِنهم ﴿أنْ تَخْشَوْهُ﴾ أيْ: بِأنْ يَكُونَ مَخْشِيًّا لَكم لِما تَعْلَمُونَ مِن قُدْرَتِهِ في أخْذِهِ لِمَن خالَفَهُ ولَوْ بَعْدَ طُولِ الأناةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: فَإنَّ مَن صَدَّقَ بِأنَّهُ الواحِدُ الَّذِي تَفَرَّدَ بِصِفاتِ العَظَمَةِ لَمْ يَنْظُرْ إلى غَيْرِ هَيْبَتِهِ.
9:14Page 189
قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ ١٤
Fight them; Allāh will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts [i.e., desires] of a believing people
ولَمّا بَكَّتَ في التَّوانِي عَنْهُمْ، وعَدَهم بِما يُزِيلُ خَشْيَتَهم مِنهُمْ، بَلْ يُوجِبُ إقْدامَهم عَلَيْهِمْ ورَغْبَتَهم فِيهِمْ، فَقالَ مُصَرِّحًا بِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ فِي: ﴿ألا تُقاتِلُونَ﴾ [التوبة: ١٣] مِنَ الأمْرِ: ﴿قاتِلُوهُمْ﴾ أيْ: لِلَّهِ لا لِغَرَضٍ غَيْرِهِ ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي أنْتُمْ مُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِصِفاتِ الجَلالِ (p-٣٩٧)والجَمالِ ﴿بِأيْدِيكُمْ﴾ أيْ: بِأنْ تَقْتُلُوهم وتَأْسِرُوهم وتَهْزِمُوهم ﴿ويُخْزِهِمْ﴾ أيْ: بِالذُّلِّ في الدُّنْيا والفَضِيحَةِ والعَذابِ في الأُخْرى.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَوْلًا لا يَقْتَضِي النَّصْرَ الَّذِي هو عُلُوُّ العاقِبَةِ قالَ: ﴿ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: فَتُرْضُوا رَبَّكم بِذَلِكَ لِإذْلالِهِ مَن يُعادِيهِ بِكُمْ؛ ولَمّا كانَ نَكالُهم بِما ذُكِرَ يُثْمِرُ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ سُرُورًا لَهم فِيهِ حَظٌّ، بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يُؤَثِّرُ في العَمَلِ بَعْدَ ثَباتِهِ عَلى أساسِ الإخْلاصِ فَقالَ: ﴿ويَشْفِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ ﴿صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: راسِخِينَ في الإيمانِ، أسْلَفُوا إلَيْهِمْ مَساوِئَ أوْجَبَتْ ضَغائِنَ وإحَنًا كَخُزاعَةَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أعانُوا عَلَيْهِ أوْ أساؤُوا إلَيْهِ.
9:15Page 189
وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٥
And remove the fury in their [i.e., the believers'] hearts. And Allāh turns in forgiveness to whom He wills; and Allāh is Knowing and Wise.
ولَمّا كانَ الشِّفاءُ قَدْ لا يُرادُ بِهِ الكَمالُ، أتْبَعَهُ تَحْقِيقًا لِكَمالِهِ قَوْلَهُ: ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: يُثْبِتْ بِها مِنَ اللَّذَّةِ ضِدَّ ما لَقَوْهُ مِنهم مَنِ المَكْرُوهِ، ويَنْفِي عَنْها مِنَ الألَمِ بِفِعْلِ مَن يُرِيدُ سُبْحانَهُ مِن أعْدائِهِمْ وذُلِّ الباقِينَ ما كانَ قَدْ بَرَّحَ بِها، ولَقَدْ وفى سُبْحانَهُ بِما وعَدَ بِهِ، فَكانَتِ الآيَةُ مِن ظَواهِرِ الدَّلائِلِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: قاتِلُوهم فَإنَّكم إنْ قاتَلْتُمُوهم كانَ كَذا، عَطَفَ سُبْحانَهُ عَلى أصْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْلَهُ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مِنهم فَيَصِيرُوا إخْوانًا لَكم أوْلِياءَ، والمَعْنى: قاتِلُوهم يَكُنِ القِتالُ سَبَبًا لِهَذِهِ الخَمْسَةِ الأشْياءِ، وأمّا التَّوْبَةُ فَتارَةً (p-٣٩٨)تُسَبَّبُ عَنْهُ وتارَةً عَنْ غَيْرِهِ، ولِأجْلِ احْتِمالِ تَسَبُّبِها عَنْهُ قُرِئَ شاذًّا بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ الواوَ لِلصَّرْفِ؛ ولَمّا كانَ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الوَعْدُ الصّادِقُ يَدُورُ عَلى القُدْرَةِ والعِلْمِ، وكانَ العِلْمُ يَسْتَلْزِمُ القُدْرَةَ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِكُلِّ شَيْءٍ وبِمَن يَصْلُحُ لِلتَّوْبَةِ ومَن لا يَصْلُحُ وما في قُلُوبِكم مِنَ الإقْدامِ والإحْجامِ لَوْ بَرَزَ إلى الخارِجِ كَيْفَ كانَ يَكُونُ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: أحْكَمَ جَمِيعَ أُمُورِهِ، ولَمْ يُعَلِّقِ الأحْكامَ الشَّرْعِيَّةَ مِن أفْعالِكُمُ الكَسْبِيَّةِ إلّا بِما تَعَلَّقَ العِلْمُ بِهِ في حالِ ظُهُورِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences