Al-Biqa'iAt‑Tawbah · 9:69–75

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:69–75, continued

«ووَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى سِقايَةِ زَمْزَمَ وقَدْ صَنَعَ العَبّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أحْواضًا مِن شَرابِ فَضِيخِ التَّمْرِ والمُسْلِمُونَ يَرِدُونَ عَلَيْهِ وقَدْ خاضُوا فِيهِ بِأيْدِيهِمْ، فَأهْوى النَّبِيُّ ﷺ يَشْرَبُ مِن شَرابِهِمْ، فَقالَ لَهُ العَبّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ألا نَسْقِيكَ مِن شَرابٍ لَنا في أسْقِيَةٍ؟ فَقالَ ﷺ: ”أشْرَبُ مِن هَذِهِ ألْتَمِسُ بَرَكَةَ أيْدِي المُسْلِمِينَ“، فَشَرِبَ مِنهُ ﷺ». فَصاحِبُ القُرْآنِ يَعْبُدُ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَلْبِهِ وجِسْمِهِ لا يَقْتَصِرُ عَلى ظاهِرٍ دُونَ باطِنٍ، ولا عَلى باطِنٍ دُونَ ظاهِرٍ، ولا عَلى أوَّلٍ دُونٍ آخِرٍ ولا عَلى آخِرٍ دُونَ أوَّلٍ؛ قالَ ﷺ ”أُمَّتِي كالمَطَرِ لا يُدْرى أوَّلُهُ خَيْرٌ أمْ آخِرُهُ“ فَمَن حَقِّ القارِئِ أنَّ يَعْتَبِرَ القُرْآنَ نَفْسَهُ ويَلْحَظَ مَواضِعَ مَذامِّهِ لِلْفَرْقِ ويَزِنَ بِهِ أحْوالَ نَفْسِهِ مِن هَذِهِ الأدْيانِ (p-٥٣٨)السِّتَّةِ في هَذِهِ الأُمَّةِ، وأمّا وجْهُ وُقُوعِ النِّفاقِ وأحْوالِ المُنافِقِينَ فَهي داهِيَةُ القُرّاءِ وآفَةُ الخَلِيفَةِ؛ قالَ ﷺ «أكْثَرُ مُنافِقِي أُمَّتِي قُرّاؤُها» وقالَ بَعْضُ كِبارِ التّابِعِينَ: أدْرَكْتُ سَبْعِينَ مِمَّنْ رَأى النَّبِيَّ ﷺ كُلُّهم يَخافُ النِّفاقَ عَلى نَفْسِهِ. وأصْلُ مَداخِلِهِ عَلى الخَلْقِ مِن إيثارِ حُرْمَةِ الخَلْقِ عَلى حُرْمَةِ الحَقِّ جَهْلًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ واغْتِرارًا بِالنّاسِ، فَلْيَزُمْ لِذَلِكَ مُحاسَنَةُ أُولِي البِرِّ والصِّدْقِ ظاهِرًا ويَكْرَهُهم بِقَلْبِهِ باطِنًا، ويَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الذَّبْذَبَةِ بَيْنَ الحالَيْنِ ما وصَفَ اللَّهُ تَعالى مِن أحْوالِهِمْ وما بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن عَلاماتِهِمْ حَتّى قالَ ﷺ: «بَيْنَنا وبَيْنَ المُنافِقِينَ شُهُودُ العَتَمَةِ والصُّبْحِ لا يَسْتَطِيعُونَهُما» وكَما قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلا وهم كارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤] يَنْظُرُ المُنافِقُ إلى ما يَسْتَسْقِطُ بِهِ فَضائِلَ أهْلِ الفَضْلِ ويَتَعامى عَنْ مَحاسِنِهِمْ، كَما رُوِيَ أنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ التّارِكَ لِحَسَنَةِ المُؤْمِنِ الآخِذِ لِسَيِّئَتِهِ، والمُؤْمِنُ الصّادِقُ يَتَغافَلُ عَنْ مَساوِئِ أهْلِ المَساوِئِ فَكَيْفَ بِمَعايِبِ أهْلِ المَحاسِنِ! ومِن أظْهَرِ عَلاماتِ المُنافِقِ تَبَرُّمُهُ بِأعْمالِ الصّادِقِ كَما ذُكِرَ، ما كانَ مُؤْمِنٌ فِيما مَضى ولا مُؤْمِنٌ فِيما بَقِيَ إلّا وإلى جَنْبِهِ مُنافِقٌ يَكْرَهُ عَمَلَهُ، وعَنْ ذَلِكَ المُنافِقِ غَمّازٌ لَمّازٌ بَخِيلٌ جَبانٌ مُرْتاعٌ، مُسْتَثْقِلٌ في مَجامِعِ الخَيْرِ أجْنَبِيٌّ مِنها، مُسْتَخِفٌّ في مَواطِنِ الشَّرِّ مُتَقَدِّمٌ فِيها، طَلْقُ اللِّسانِ بِالغِيبَةِ والبُهْتانِ، ثَقِيلُ اللِّسانِ عَنْ مُداوَمَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، عَمٍّ عَنْ ذِكْرِ (p-٥٣٩)اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في كُلِّ حالٍ، ناظِرٌ إلى النّاسِ بِكُلِّ وجْهٍ، وهو مَعَ ذَلِكَ يُصانِعُهم ولا يُصادِقُهُمْ، يَأْخُذُ مِنَ الدِّينِ ما يَنْفَعُهُ في الدُّنْيا ولا يَأْخُذُ ما يَنْفَعُ في العُقْبى، ويَجْتَنِبُ في الدِّينِ ما يَضُرُّ في الدُّنْيا ولا يَجْتَنِبُ ما يَضُرُّ في العُقْبى مِمّا لا يَضُرُّ في الدُّنْيا، فَهَذا وجْهٌ مِن وُقُوعِ شِياعِ النِّفاقِ في هَذِهِ الأُمَّةِ، فَلِذَلِكَ مِنَّ حَقِّ القارِئِ أنْ يَسْتَشْعِرَ مَواقِعَ أيِ القُرْآنِ مِن نَفْسِهِ في ذاتِ قَلْبِهِ وفي أحْوالِ نَفْسِهِ وأعْمالِ بَدَنِهِ وفي سِرِّهِ مَعَ رَبِّهِ وفي عَلانِيَتِهِ مَعَ خَلْقِهِ؛ فَإنَّهُ بِذَلِكَ يَجِدُ القُرْآنَ كُلَّهُ مُنْطَبِقًا عَلَيْهِ خاصًّا بِهِ حَتّى كَأنَّ جَمِيعَهُ لَمْ يَنْزِلْ إلّا إلَيْهِ حَتّى إذا رَغِبَ في أمْرٍ رَغَّبَ هو فِيهِ مِن وجْهٍ ولا يَقُولُ: هَذا إنَّما أُنْزِلَ في كَذا، وإذا رَهِبَ القُرْآنَ مِن أمْرٍ رَهِبَهُ مِن وجْهٍ ما، وإذا أعْلى فَكَذَلِكَ وإذا أسْفَلَ فَكَذَلِكَ، ولا يَقُولُ: هَذا إنَّما أُنْزِلَ في كَذا حَتّى يَجِدَ لِكُلِّ القُرْآنِ مَوْقِعًا في عَمَلِهِ أيَّ عَمَلٍ كانَ ومَحَلًّا في نَفْسِهِ أيَّ حالٍ كانَ ومُشْعِرًا لِقَلْبِهِ أيَّ مَلْحَظٍ كانَ، فَيَسْتَمِعُ القُرْآنَ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إلَيْهِ بِلا واسِطَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُوشِكُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَقْشَعِرُّ لَهُ جَلْدُهُ ابْتِداءً ثُمَّ تَلِينُ لَهُ جِلْدُهُ وقَلْبُهُ انْتِهاءً، ورُبَّما يَجِدُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى نَفْحَ رَحْمَةٍ يَفْتَحُ لَهُ بابًا إلى التَّخَلُّقِ بِالقُرْآنِ أُسْوَةً بِالنَّبِيِّ ﷺ، «سُئِلَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنْ خُلِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ». وبِذَلِكَ هو ذُو الخُلُقِ العَظِيمِ - واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ. انْتَهى.

9:70Page 198

أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٧٠

Has there not reached them the news of those before them - the people of Noah and [the tribes of] ʿAad and Thamūd and the people of Abraham and the companions [i.e., dwellers] of Madyan and the towns overturned?1 Their messengers came to them with clear proofs. And Allāh would never have wronged them, but they were wronging themselves.

(p-٥٤٠)ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ تَشابُهَهم في التَّمَتُّعِ بِالعاجِلِ، وخَتَمَها بِهَذا الخِتامِ المُؤْذِنِ بِالِانْتِقامِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِتَخْوِيفِهِمْ مِن مُشابَهَتِهِمْ فِيما حَلَّ بِطَوائِفَ مِنهم مُلْتَفِتًا إلى مَقامِ الغَيْبَةِ لِأنَّهُ أوْقَعُ في الهَيْبَةِ، فَقالَ مُقَرِّرًا لِخَسارَتِهِمْ: ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الأخابِثَ مِن أهْلِ النِّفاقِ ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: خَبَرُهُمُ العَظِيمُ الَّذِي هو جَدِيرٌ بِالبَحْثِ عَنْهُ لِيُعْمَلَ بِما يَقْتَضِيهِ حِينَ عَصَوْا رُسُلَنا؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أيْ: في طُولِ أعْمارِهِمْ وامْتِدادِ آثارِهِمْ وطِيبِ قَرارِهِمْ بِحُسْنِ التَّمَتُّعِ في أرْضِهِمْ ودِيارِهِمْ، أهْلَكَهم بِالطُّوفانِ، لَمْ يَبْقَ مِن عُصاتِهِمْ إنْسانٌ، وعَطَفَ عَلى قَوْمِ القَبِيلَةِ فَقالَ: ﴿وعادٍ﴾ أيْ: في قُوَّةِ أبْدانِهِمْ وعَظِيمِ شَأْنِهِمْ ومَصانِعِهِمْ وبُنْيانِهِمْ وتَجَبُّرِهم في عَظِيمِ سُلْطانِهِمْ، أهْلَكَهم بِالرِّيحِ الصَّرْصَرِ، لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ كَفَرَ مِنهم بَشَرٌ ﴿وثَمُودَ﴾ أيْ: في تَمَكُّنِهِمْ مِن بِلادِ الحَجَرِ عَرْضِها وطُولِها، جِبالِها وسُهُولِها، أُهْلِكُوا بِالرَّجْفَةِ لَمْ يَبْقَ مِنَ الكُفّارِ مِنهم دَيّارٌ ﴿وقَوْمِ إبْراهِيمَ﴾ أيْ: في مُلْكِ جَمِيعِ الأرْضِ بِطُولِها والعَرْضِ، سَلَبَ اللَّهُ مِنهُمُ المُلْكَ بَعْدَ شَدِيدِ الهَلَكِ ﴿وأصْحابِ مَدْيَنَ﴾ أيْ: في جَمْعِ الأمْوالِ ومَدِّ الآمالِ إلى أخْذِها مِن حَرامٍ وحَلالٍ ونَقْصِ المِيزانِ والمِكْيالِ فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالنَّكالِ ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ أيْ: في إعْراضِهِمْ عَنْ صِيانَةِ أعْراضِهِمْ في اتِّباعِ لَذائِذِ أغْراضِهِمْ، فَأثْمَرَ لَهم فِعْلُهم بَعْدَ الخَسْفِ عُمُومَ انْقِراضِهِمْ. (p-٥٤١)ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما نَبَأُهُمْ؟ قالَ: ﴿أتَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ أيْ: أتى كُلَّ أمَةٍ مِنهم رَسُولُها ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ جِدًّا بِسَبَبِ أنَّهُمُ ارْتَكَبُوا مِنَ القَبائِحِ ما أوْجَبَ دَمارَهم ﴿فَما﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ ”ما“ ﴿كانَ اللَّهُ﴾ أيْ: مَعَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ مُرِيدًا ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ: لِأنْ يَفْعَلَ بِهِمْ في الإهْلاكِ قَبْلَ الإنْذارِ وإنارَةِ البَيِّناتِ فِعْلَ مَن تَعُدُّونَهُ فِيما بَيْنَكم ظالِمًا، ولَكِنَّهُ أرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ فَكَذَّبُوا ما أتَوْهم بِهِ مِنَ البَيِّناتِ، فَصارَ العالِمُ بِحالِهِمْ إذا سَمِعَ بِهَلاكِهِمْ وبِزَوالِهِمْ يَقُولُ: ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ﴿ولَكِنْ كانُوا﴾ أيْ: دائِمًا في طُولِ أعْمارِهِمْ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: غَيْرَها ﴿يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: بِفِعْلِ ما يُسَبِّبُ هَلاكَها، فَإنْ لَمْ تَرْجِعُوا أنْتُمْ فَنَحْنُ نُحَذِّرُكم مِثْلَ عَذابِهِمْ، ولَعَلَّهُ خَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الأُمَمِ لِما عِنْدَ العَرَبِ مِن أخْبارِهِمْ وقُرْبِ دِيارِهِمْ مِن دِيارِهِمْ مَعَ أنَّهم كانُوا أكْثَرَ الأُمَمِ عَدَدًا، وأنْبِياؤُهم أعْظَمَ الأنْبِياءِ - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ أبُو حَيّانَ. ولَعَلَّهُ قَدَّمَ أصْحابَ مَدْيَنَ عَلى قَوْمِ لُوطٍ وهم بَعْدَهم في الزَّمانِ لِأنَّ هَذا في شَأْنِ مَن وُصِفُوا بِأنَّهم لَمْ يَجِدُوا ما يَحْمِيهِمْ مِمّا هم فِيهِ مِنَ العَذابِ بِمُشاهَدَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِن مَلْجَأٍ أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلً كَما أنَّ مِن قَبْلِ المُؤْتَفِكاتِ جَمَعَهم هَذا الوَصْفُ، فَقَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَمْنَعْهم لَمّا أتاهُمُ الماءُ مَعْقِلٌ مَنِيعٌ ولا جَبَلٌ رَفِيعٌ مَعَ أنَّهُ يُقالُ: إنَّهم هُمُ الَّذِينَ بَنَوُا الأهْراماتِ، مِنها ما هو بِالحِجارَةِ لِيَمْنَعَهم مِنَ الحادِثِ الَّذِي (p-٥٤٢)هُدِّدُوا بِهِ إنْ كانَ ماءً، ومِنها ما هو بِالطُّوبِ الَّتِي لِتَحْمِيَهم مِنهُ إنْ كانَ نارًا، وعادٌ لَمّا أتَتْهُمُ الرِّيحُ بادَرُوا إلى البُيُوتِ فَقَلَعَتِ الأبْوابَ وصَرَعَتْهم في أجْوافِ بُيُوتِهِمْ، ولَمْ يُغْنِهِمْ ما كانُوا يَبْنُونَ مِنَ المَصانِعِ المُتْقَنَةِ والقُصُورِ المُشَيَّدَةِ والحُصُونِ المُمَنَّعَةِ، وحالُ ثَمُودَ مَعْرُوفٌ في تَوَسُّعِهِمْ في البُيُوتِ جِبالًا وسُهُولًا فَما مَنَعَتْهم مِنَ الصَّيْحَةِ الَّتِي أعْقَبَتِ الرَّجْفَةَ، وقَوْمُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَنَوُا الصَّرْحَ، ارْتِفاعُهُ خَمْسَةُ آلافِ ذِراعٍ أوْ فَرْسَخانِ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ نَمْرُودُ كَما زَعَمَ - إلى السَّماءِ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ، ألْقَتِ الرِّيحُ رَأْسَهُ في البَحْرِ وخَرَّ عَلَيْهِمُ الباقِي وهم تَحْتَهُ، وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وأصْحابُ مَدْيَنَ لَمّا أتاهُمُ العَذابُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ لَمْ تُغْنِ عَنْهم مَدِينَتُهُمْ، وإنْ كانُوا هم أصْحابَ الأيْكَةِ فَإنَّهم لَمّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الحُرُّ يَوْمَ الظُّلَّةِ قَصَدُوا المَغاراتِ فَوَجَدُوها أحَرَّ مِن وجْهِ الأرْضِ فَخَرَجُوا مِنها هارِبِينَ، فَجَمَعَتْهُمُ الظُّلَّةُ بِنَسِيمٍ بارِدٍ خَيَّلَتْهُ إلَيْهِمْ ولَبَّسَتْ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا تَحْتَها أحْرَقَتْهم نارُها وبَقِيَ عَلَيْهِمْ عارُها، وأمّا قَوْمُ لُوطٍ فَأتاهُمُ الأمْرُ بَغْتَةً، لَمْ يَشْعُرُوا حَتّى قَلَبَتْ مَدائِنَهم بَعْدَ أنْ رُفِعَتْ إلى عَنانِ السَّماءِ، وأُتْبِعَتْ حِجارَةَ الكِبْرِيتِ تَضْطَرِمُ نارًا، ولَعَلَّهُ خَصَّ قَوْمَ لُوطٍ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ مَن لَيْسَ لَهُ هَذا الوَصْفُ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَمُرُّونَ عَلى مَواضِعِ مَدائِنِهِمْ ويُشاهِدُونَها، وعَبَّرَ عَنْهم بِالمُؤْتَفِكاتِ لِأنَّ القِصَصَ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ مَبْنى أمْرِهِمْ عَلى الكَذِبِ وصَرْفِ الأُمُورِ (p-٥٤٣)عَنْ ظَواهِرِها وتَقْلِيبِها عَنْ وُجُوهِها، فالمَعْنى أنَّ أُولَئِكَ لَمّا قَلَبُوا فِعْلَ النِّكاحِ عَنْ وجْهِهِ عُوقِبُوا بِقَلْبِ مَدائِنِهِمْ، فَهَؤُلاءِ جَدِيرُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ العُقُوبَةِ لِقَلْبِ القَوْلِ عَنْ وجْهِهِ، ومادَّةُ ”إفْكٍ“ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى القَلْبِ، فَإذا كافَأْتَ الرَّجُلَ فَكَأنَّكَ قَلَبْتَ فِعْلَهُ فَرَدَّدَتْهُ إلَيْهِ وصَرَفْتَهُ عَنْكَ، وأكافُ الدّابَّةِ شُبِّهَ بِالإناءِ المَقْلُوبِ، والكَذِبُ صَرْفُ الكَلامِ عَنْ وجْهِهِ فَهو إفْكٌ لِذَلِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

9:71Page 198

وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٧١

The believing men and believing women are allies of one another. They enjoin what is right and forbid what is wrong and establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. Those - Allāh will have mercy upon them. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ المُنافِقِينَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ وما تَوَعَّدَهم بِهِ وما اسْتَتْبَعَهُ مِن تَهْدِيدِهِمْ بِإهْلاكِ مَن شابَهُوهُ، وخَتَمَ بِما سَبَّبَ هَلاكَهم مِن إصْرارِهِمْ وعَدَمِ اعْتِبارِهِمْ، عَطَفَ بِبَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ تَرْغِيبًا في التَّوْبَةِ طَعَمًا في مِثْلِ حالِهِمْ فَقالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والمُؤْمِناتُ﴾ أيْ: بِما جاءَهم عَنْ رَبِّهِمْ ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مِن، كَما قالَ في المُنافِقِينَ: مِن ﴿بَعْضٍ﴾ دَلالَةً عَلى أنَّ أحَدًا مِنهم لَمْ يُقَلِّدْ أحَدًا في أصْلِ الإيمانِ ولا وافَقَهُ بِحُكْمِ الهَوى، بَلْ كُلُّهم مُصَوِّبُونَ بِالذّاتِ وبِالقَصْدِ الأوَّلِ إلى اتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالدَّلِيلِ القَطْعِيِّ عَلى حَسَبِ فَهْمِ كُلِّ أحَدٍ مِنهُمْ، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ إيمانِهِمْ ورُسُوخِهِمْ في تَسْلِيمِهِمْ وإذْعانِهِمْ؛ ثُمَّ بَيَّنَ وِلايَتَهَمُ بِأنَّهم يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن سِواهم كالجَسَدِ الواحِدِ إذا اشْتَكى مِنهُ عُضْوٌ تَداعى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بِالحُمّى والسَّهَرِ فَقالَ: ﴿يَأْمُرُونَ﴾ أيْ: كُلُّهم عَلى وجْهِ التَّعاضُدِ والتَّناصُرِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ وهو كُلُّ ما عَرَفَهُ الشَّرْعُ وأجازَهُ ﴿ويَنْهَوْنَ﴾ (p-٥٤٤)أيْ: كَذَلِكَ ﴿عَنِ المُنْكَرِ﴾ لا يُحابُونَ أحَدًا.

ولَمّا ذَكَرَ الدَّلِيلَ القَطْعِيَّ عَلى صِحَّةِ الإيمانِ، أتْبَعَهُ أفْضَلَ العِباداتِ فَقالَ: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ أيْ: يُوجِدُونَها عَلى صِفَةٍ تَقْتَضِي قِيامَها بِجَمِيعِ أرْكانِها وشُرُوطِها وحُدُودِها مُراقَبَةً لِرَبِّهِمْ واسْتِعانَةً بِذَلِكَ عَلى جَمِيعِ ما يَنُوبُهم ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ: مُواساةً مِنهم لِفُقَرائِهِمْ صِلَةً لِلْخَلائِقِ بَعْدَ خِدْمَةِ الخالِقِ، وذَلِكَ مُوازٍ لِقَوْلِهِ: في المُنافِقِينَ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ولَمّا خَصَّ أُمَّهاتِ الدِّينِ عَمَّ بَيانًا لِأنَّهم لا يَنْسَوْنَ اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ بَلْ يَذْكُرُونَهُ في كُلِّ حالٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي لا مَلِكَ سِواهُ ﴿ورَسُولَهُ﴾ إشارَةً إلى حُسْنِ سِيرَتِهِمْ وجَمِيلِ عِشْرَتِهِمْ.

ولَمّا ذَكَرَ مَكارِمَ أفْعالِهِمْ، أتْبَعَهُ حُسْنَ مَآلِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: العُظَماءُ الشَّأْنِ ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ، وهَذا مَعَ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ مُوازٍ لِقَوْلِهِ: في المُنافِقِينَ ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وهو إشارَةٌ إلى أنَّ الطَّرِيقَ وعْرٌ والأمْرُ شَدِيدٌ عَسِرٌ، فالسّائِرُ مُضْطَرٌّ إلى الرَّحْمَةِ، وهي المُعامَلَةُ بَعْدَ الغُفْرانِ بِالإكْرامِ، لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى قَطْعِ مَفاوِزِ الطَّرِيقِ إلّا بِها، ولا وُصُولَ لَهُ أصْلًا مِن غَيْرِ سَبَبِها.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ مَبْنِيٌّ عَلى المُوالاةِ وكانَتِ المُوالاةُ فَقِيرَةً إلى الإعانَةِ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ (p-٥٤٥)﴿عَزِيزٌ﴾ أيْ: غالِبٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ بِوَجْهٍ، فَهو قادِرٌ عَلى نَصْرِ مَن يُوالِي حِزْبَهُ وأنْ يُنِيلَهُ مِن ثَمَراتِ الرَّحْمَةِ ما يُرِيدُ مِن غَيْرِ أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى أنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِ ما يُحْكِمُهُ وحَلِّ ما يُبْرِمُهُ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَزالُونَ مَنصُورِينَ عَلى كُلِّ مُفْسِدٍ ما دامُوا عَلى هَذِهِ الخِلالِ مِنَ المُوالاةِ وما مَعَها مِن حَمِيدِ الخِصالِ.

9:72Page 198

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٧٢

Allāh has promised the believing men and believing women gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence; but approval from Allāh is greater. It is that which is the great attainment.

ولَمّا خَتَمَ الآيَةَ بِوَصْفِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ المُناسِبِ لِافْتِتاحِها بِالمُوالاةِ وتَعْقِيبِها بِآيَةِ الجِهادِ، وذَلِكَ بَعْدَ الوَعْدِ بِالرَّحْمَةِ إجْمالًا، أتْبَعَها بِما هو أشَدُّ التِئامًا بِها بَيانًا لِلرَّحْمَةِ وتَفْصِيلًا لَها تَرْغِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ ما رامَهُ المُنافِقُونَ بِنِفاقِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا، وزادَهم بِأنَّهُ دائِمٌ، وأخْبَرَ بِأنَّ ذَلِكَ هو الفَوْزُ لا غَيْرُهُ فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ أيِ الصّادِقُ الوَعْدِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في التَّصْدِيقِ بِكُلِّ ما أتاهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: فَهي لا تَزالُ خَضِرَةً ذاتَ بَهْجَةٍ نَضِرَةٍ؛ ولَمّا كانَ النَّعِيمُ لا يَكْمُلُ إلّا بِالدَّوامِ، قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ كانَتِ الجِنانُ لا تَرُوقُ إلّا بِالمَنازِلِ والدُّورِ الفَسِيحَةِ والمَعازِلِ قالَ: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ ولَمّا كانَ بَعْضُ الجَنانِ أعْلى مِن بَعْضٍ، وكانَ أعْلاها ما شُرِّفَ بِوَصْفِ العِنْدِيَّةِ المُؤْذِنِ بِالقُرْبِ مِن بِنائِهِ مِمّا يُؤَكِّدُ مَعْنى الدَّوامِ، قالَ: ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ أيْ: إقامَةً دائِمَةً وهَناءً وصِحَّةَ جِسْمٍ وطِيبَ مَقَرٍّ ومَوْطِنٍ ومَنبَتٍ، (p-٥٤٦)وذَلِكَ كَما قالَ في حَقِّ أضْدادِهِمْ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨] وما أنْسَبَ ذِكْرُ هَذِهِ الجَنَّةِ في سِياقِ التَّعْبِيرِ بِالوَصْفِ المُؤْذِنِ بِالرُّسُوخِ؛ فَإنَّهُ ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّها خاصَّةٌ بِالنَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَصْفُو عَنِ الكَدَرِ مَعَ تَجْوِيزِ نَوْعٍ مِنَ الغَضَبِ قالَ مُبْتَدِئًا إشارَةً إلى أنْهى التَّعْظِيمِ: ﴿ورِضْوانٌ﴾ أيْ: رِضًى لا يَبْلُغُهُ وصْفُ واصِفٍ بِما تُشِيرُ إلَيْهِ صِيغَةُ المُبالَغَةِ ولَوْ كانَ عَلى أدْنى الوُجُوهِ بِما أفادَهُ التَّنْوِينُ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ عِنْدَهم ﴿أكْبَرُ﴾ أيْ: مُطْلَقًا، فَهو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ لِأنَّ رِضاهُ سَبَبُ كُلِّ فَوْزٍ، ولا يَقَعُ السُّرُورُ الَّذِي هو أعْظَمُ النَّعِيمِ إلّا بِرِضى السَّيِّدِ، وإذا كانَ القَلِيلُ مِنهُ أكْبَرَ فَما ظَنُّكَ بِالكَثِيرِ.

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ عَلى أحْسَنِ مُقابَلَةٍ بِما وصَفَ بِهِ أضْدادَهُمْ، قالَ يَصِفُهُ زِيادَةً في التَّرْغِيبِ فِيهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ العالِي الرُّتْبَةِ ﴿هُوَ﴾ أيْ: خاصَّةً لا غَيْرُهُ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيِ: الَّذِي يُسْتَصْغَرُ دُونَهُ كُلُّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وفي كَوْنِ ذَلِكَ وعْدًا لِمَنِ اتَّصَفَ لِأجْلِ ما اتَّصَفَ بِهِ تَرْغِيبٌ في الجِهادِ المَأْمُورِ بِهِ بَعْدَها لِكَوْنِهِ مِن أفْرادِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ والدّاعِي الأعْظَمِ إلى المُوالاةِ.

9:73Page 199

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٣

O Prophet, fight against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.

ولَمّا ثَبَتَتْ مُوالاةُ المُؤْمِنِينَ ومُقاطَعَتُهم لِلْمُنافِقِينَ والكافِرِينَ، وكانَ ما مَضى مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ كافِيًا في الإنابَةِ، وكانَ مَن لَمْ يَرْجِعْ (p-٥٤٧)بِذَلِكَ عَظِيمَ الطُّغْيانِ غَرِيقًا في الكُفْرانِ، أتْبَعَ ذَلِكَ الأمْرَ بِجِهادِهِمْ بِما يَلِيقُ بِعِنادِهِمْ فَقالَ آمِرًا لِأعْظَمِ المُتَّصِفِينَ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ مُفَخِّمًا لِمِقْدارِهِ بِأجَلِّ أفْرادِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ أيِ: العالِي المِقْدارِ بِما لا يَزالُ يَتَجَدَّدُ لَهُ مِنّا مِنَ الأنْباءِ وفِينا مِنَ المَعارِفِ؛ ولَمّا كانَ الجِهادُ أعْرَفَ في المُصارَحِينَ، وكانُوا أوْلى بِهِ لِشِدَّةِ شَكائِمِهِمْ وقُوَّةِ نُفُوسِهِمْ وعَزائِمِهِمْ بَدَأ بِهِمْ فَقالَ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ﴾ أيِ: المُجاهِرِينَ ﴿والمُنافِقِينَ﴾ أيِ: المُسائِرِينَ كُلًّا بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ السَّيْفِ واللِّسانِ.

ولَمّا كانَ ﷺ مَطْبُوعًا عَلى الرِّفْقِ مُوصًى بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: في الجَهادَيْنِ ولا تُعامِلْهم بِمِثْلِ ما عامَلْتَهم بِهِ مِنَ اللِّينِ عِنْدَ اسْتِئْذانِهِمْ في العُقُودِ، وهَذا بِخِلافِ ما مَضى في وعِيدِ المُنافِقِينَ حَيْثُ قَدَّمَهم فَقالَ: ﴿المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ﴾ [التوبة: ٦٨] فَقَدَّمَ في كُلِّ سِياقٍ الألْيَقَ بِهِ؛ ولَمّا كانَ المَعْنى: فَإنَّكَ ظاهِرٌ عَلَيْهِمْ وقاهِرٌ لَهم وهم طَعامُ السَّيْفِ وطَوْعُ العَصا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَأْواهُمْ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ ﴿جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾

9:74Page 199

يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٧٤

They swear by Allāh that they did not say [anything against the Prophet (ﷺ)] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islām and planned that which they were not to attain.1 And they were not resentful except [for the fact] that Allāh and His Messenger had enriched them of His bounty.2 So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allāh will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.

ولَمّا أتى بِالدَّلِيلِ العامِّ عَلى إجْرامِهِمْ، أتْبَعَهُ الدَّلِيلَ الخاصَّ عَلَيْهِ وهو أيْضًا دَلِيلٌ عَلى دَلِيلٍ فَقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا شَيْءَ أعْظَمُ مِنهُ قَدْرًا ﴿ما قالُوا﴾ أيْ: ما وقَعَ مِنهم قَوْلٌ، فَقَصَرَ الفِعْلَ تَعْمِيمًا لِلْمَفْعُولِ إعْلامًا بِأنَّهم مَهْما عُنِّفُوا عَلى قَوْلٍ كائِنًا ما كانَ بادَرُوا إلى الحَلِفِ عَلى نَفْيِهِ كَذِبًا لِأنَّهم مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ فَتَطَبَّعُوا بِأعْلى الكَذِبِ (p-٥٤٨)ومَرَنُوا عَلى سَيِّئِ الأخْلاقِ، فَصارَ حاصِلُ هَذا أنَّهم أُطْمِعُوا في العَفْوِ وحُذِّرُوا مِن عَذابِ الباقِينَ بِسَبَبِ إجْرامِهِمْ لِأنَّهم يَأْمُرُونَ بِالمُنْكِرِ وما يُلائِمُهُ مُقْتَفِينَ آثارَ مَن قَبْلَهم في الِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ غَيْرَ مُقْلِعِينَ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ أنْ يُصِيبَهم بِمِثْلِ ما أصابَهم ولا رَجاءَ لَهُ أنْ يُنِيلَهم مِمّا أعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مُجْتَرِئِينَ عَلى الأيْمانِ الباطِلَةِ بِأعْظَمِ الحَلِفِ عَلى أيِّ شَيْءٍ فَرَضَ سَواءٌ كانَ يَسْتَحِقُّ اليَمِينَ أوْ لا غَيْرَ خائِفِينَ مِنَ اللَّهِ أنْ يَهْتُكُهم كَما هَتَكَ غَيْرَهم مِمَّنْ فَعَلَ مِثْلَ أفْعالِهِمْ؛ ثُمَّ دَلَّ عَلى عَظِيمِ إجْرامِهِمْ وما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] - الآيَةَ. مِن كَبائِرِ آثامِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ واقِعَةً مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلْآيَةِ الَّتِي قَبْلَها بِأنَّهم يُقَدِّمُونَ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الجِهادَ والغِلْظَةَ والنّارَ مِنَ الحَلِفِ كَذِبًا عَلى نَفْيِ كُلِّ ما يُنْقَلُ عَنْهُمُ اسْتِخْفافًا بِاللَّهِ وبِأسْمائِهِ ”﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦]“ فَتَكُونُ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: أمّا جِهادُ الكُفّارِ فالأمْرُ فِيهِ واضِحٌ، وأمّا المُنافِقُونَ فَكَيْفَ يُجاهِدُونَ وهم يَتَّكِلُونَ بِلَفْظِ الإيمانِ ويُظْهِرُونَ أفْعالَ أهْلِ الإسْلامِ فَقالَ: لِأنَّهم يَحْلِفُونَ ﴿ولَقَدْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم كاذِبُونَ لَقَدْ ﴿قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ أيِ: الَّذِي لا أكْبَرَ في الكُفْرِ مِنهُ، وهي تَكْذِيبُ النَّبِيِّ ﷺ.

ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ لِصِنْفٍ يُجَدِّدُونَ الِاسْتِخْفافَ بِاللَّهِ تَعالى (p-٥٤٩)بِما دَلَّ عَلَيْهِ المُضارِعُ كُلَّ وقْتٍ، دَلَّ عَلى أنَّ إقْرارَهم بِالإيمانِ كَذِبٌ وأفْعالَهم صُوَرٌ لا حَقائِقَ لَها، فَعَبَّرَ بِالإسْلامِ فَقالَ: ﴿وكَفَرُوا﴾ أيِ: أظْهَرُوا الكُفْرَ ﴿بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ أيْ: بِما ظَهَرَ مِن أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، وذَلِكَ غايَةُ الفُجُورِ؛ ولَمّا كانَ أعْلى شَغَفِ الإنْسانِ بِشَيْءٍ أنْ تُحَدِّثَهُ نَفْسُهُ فِيهِ بِما لا يَصِلُ إلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ضَرْبًا مِنَ الهَوَسِ قالَ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ أيْ: مِن قَتْلِ الرَّسُولِ ﷺ أوْ إخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ أنْواعِ الكُفْرِ القَوْلِ والفِعْلِ والِاعْتِقادِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ”مَأْواهم“ والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: يَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ حالِفِينَ بِاللَّهِ: ما قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ، ولَقَدْ قالُوها، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]

ولَمّا بَيَّنَ مِن أحْوالِهِمُ الَّتِي لا يَحْمِلُ عَلى فِعْلِها إلّا أمْرٌ عَظِيمٌ، قالَ: ﴿وما﴾ أيْ: قالُوا وفَعَلُوا والحالُ أنَّهم ما ﴿نَقَمُوا﴾ أيْ: كَرِهُوا شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي أتَتْهم مِنَ اللَّهِ ﴿إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ وهو غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴿ورَسُولُهُ﴾ أيِ: الَّذِي هو أحَقُّ الخَلْقِ بِأنْ يَحُوزَ عَظَمَةَ الإضافَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكانَ أذاهم هَذا النَّبِيَّ ﷺ وهَمَّهم بِقَتْلِهِ مَعَ إعْطائِهِ لَهم ما أغْناهم بِخِلافِ الآيَةِ السّابِقَةِ، فَكانَ الأقْعَدُ في ذَمِّهِمْ تَأْخِيرَ قَوْلِهِ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ فَهو (p-٥٥٠)مِن بابِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ.

ولَمّا نَبَّهَ عَلى أنَّ هَذِهِ المَساوِئَ قابَلُوا بِها المُحْسِنَ إلَيْهِمْ، رَغَّبَهم بِأنَّهُ قابِلُ المَتابِ عَلَيْهِمْ، ورَهَّبَهم بِأنَّهُ لا مَرَدَّ لِما يُرِيدُ مِنَ العَذابِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَتُوبُوا﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ جَدِيرًا بِأنْ يَشْتَدَّ تَشَوَّفُ السّامِعِ إلى مَعْرِفَةِ حالِهِمْ فِيهِ، حَذَفَ نُونَ الكَوْنِ اخْتِصارًا تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿يَكُ﴾ أيْ: ذَلِكَ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ مِن إصْرارِهِمْ.

ولَمّا كانَ لِلنُّفُوسِ مِن أصْلِ الفِطْرَةِ الأُولى داعِيَةٌ شَدِيدَةٌ إلى المَتابِ، وكانَ القُرْآنُ في وعْظِهِ زاجِرًا مَقْبُولَ العِتابِ عَظِيمَ الأخْذِ بِالقُلُوبِ والعَطْفِ لِلْألْبابِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ فَقالَ: ﴿وإنْ يَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: يُكَلِّفُوا أنْفُسَهُمُ الإعْراضَ عَنِ المَتابِ ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا بِحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: لا صَبْرَ لَهم عَلَيْهِ ﴿فِي الدُّنْيا﴾ أيْ: بِما هم فِيهِ مِنَ الخَوْفِ والخِزْيِ والكُلَفِ وغَيْرِها ﴿والآخِرَةِ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الأكْبَرِ الَّذِي لا خَلاصَ لَهم مِنهُ ﴿وما لَهم في الأرْضِ﴾ أيِ: الَّتِي لا يَعْرِفُونَ غَيْرَها لِسُفُولِ هِمَمِهِمْ ﴿مِن ولِيٍّ﴾ أيْ: يَتَوَلّى أُمُورَهم فَيُصْلِحُ ما أفْسَدَ العَذابُ مِنهم أوْ يَشْفَعُ لَهم ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ أيْ: يُنْقِذُهُمْ؛ وأمّا السَّماءُ فَهم أقَلُّ مِن أنْ (p-٥٥١)يَطْمَعُوا مِنها بِشَيْءٍ ناصِرٍ أوْ غَيْرِهِ وأغْلَظُ أكْبادًا مِن أنْ يَرْتَقِيَ فِكْرُهم إلى ما لَها مِنَ العَجائِبِ وما بِها مِنَ الجُنُودِ؛ وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ جالِسًا في ظِلِّ شَجَرَةٍ فَقالَ: سَيَأْتِيكم إنْسانٌ يَنْظُرُ إلَيْكم بِعَيْنَيْ شَيْطانٍ، فَإذا جاءَ فَلا تُكَلِّمُوهُ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ طَلَعَ رَجُلٌ أرْزَقُ فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ؟ فانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَجاءَ بِأصْحابِهِ فَحَلَفُوا بِاللَّهِ ما قالُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ؛» وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في الجُلّاسِ بْنِ سُوَيْدٍ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ ذاتَ يَوْمٍ بِتَبُوكَ فَذَكَرَ المُنافِقِينَ فَسَمّاهم رِجْسًا وعابَهم فَقالَ الجُلّاسُ: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدًا صادِقًا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَسَمِعَهُ عامِرُ بْنُ قَيْسٍ فَقالَ: أجَلْ، إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ وأنْتُمْ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَلَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ أتاهُ عامِرُ بْنُ قَيْسٍ فَأخْبَرَهُ بِما قالَهُ الجُلّاسُ، فَقالَ الجُلّاسُ: كَذَبَ عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ! فَأمَرَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَحْلِفا عِنْدَ المِنبَرِ فَقامَ الجُلّاسُ عِنْدَ المِنبَرِ بَعْدَ العَصْرِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ما قالَهُ ولَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ عامِرٌ، وقامَ عامِرٌ فَحَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو لَقَدْ قالَهُ وما كَذَبْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَ عامِرٌ (p-٥٥٢)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ فَقالَ: اللَّهُمَّ! أنْزِلْ عَلى نَبِيِّكَ تَصْدِيقَ الصّادِقِ مِنّا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ والمُؤْمِنُونَ: آمِينَ! فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ أنْ يَتَفَرَّقا بِهَذِهِ الآيَةِ حَتّى بَلَغَ: ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ﴾ أيِ: التَّوْبُ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ فَقامَ الجُلّاسُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أسْمَعُ اللَّهَ قَدْ عَرَضَ عَلَيَّ التَّوْبَةَ، صَدَقَ عامِرُ بْنُ قَيْسٍ فِيما قالَهُ، لَقَدْ قُلْتُهُ، وأنا أسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأتُوبُ إلَيْهِ، فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ مِنهُ ثُمَّ تابَ وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ».

ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ كُلُّ ذَلِكَ سَبَبًا لَها كَما تَقَدَّمَ ويَأْتِي، والأوْفَقُ لَها في السَّبَبِيَّةِ الخَبَرُ الأوَّلُ لِلتَّعْبِيرِ في الكُفْرِ بِ: ”ألْ“ المُؤْذِنَةِ بِالكَمالِ، ومَن شَتَمَ نَبِيَّنا ﷺ فَقَدِ ارْتَكَبَ كُلَّ كُفْرٍ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ المُسِرِّ لِلْكُفْرِ المُظْهِرِ لِلْإيمانِ - كَما قالَ أبُو حَيّانَ وقالَ: وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ، وقالَ مالِكٌ: لا تُقْبَلُ، فَإنْ جاءَ تائِبًا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ يُعْثَرَ عَلَيْهِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ.

9:75Page 199

۞ وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥

And among them are those who made a covenant with Allāh, [saying], "If He should give us from His bounty, we will surely spend in charity, and we will surely be among the righteous."

ولَمّا أقامَ سُبْحانَهُ الدَّلِيلَ عَلى ما ذُكِرَ بِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي خَتَمَها بِأنَّهُ أغْناهم مِن فَضْلِهِ، أتْبَعَها بِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْها وعَلى أنَّهم يَقْبِضُونَ أيْدِيَهم وعَلى اجْتِرائِهِمْ عَلى أقْبَحِ الكَذِبِ فَقالَ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ ﴿لَئِنْ آتانا﴾ أيْ: مِن خَيْرِ ما عِنْدَهُ، واعْتِرافٌ بِأنَّهُ (p-٥٥٣)لا حَقَّ لِأحَدٍ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن تِجارَةٍ أوْ غَنِيمَةٍ أوْ زِراعَةٍ أوْ غَيْرِها، وأكَّدَ لِأنَّهُ كاذِبٌ يَظُنُّ أنَّ النّاسَ يُكَذِّبُونَهُ، وهَكَذا كُلُّ كاذِبٍ فَقالَ: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ أيْ: مِمّا آتانا مِن غَيْرِ رِياءٍ - بِما يُشِيرُ إلَيْهِ الإدْغامُ ﴿ولَنَكُونَنَّ﴾ أيْ: كَوْنًا هو الدّالُّ عَلى أنّا مَجْبُولُونَ عَلى الخَيْرِ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: لِكُلِّ خَيْرٍ نُنْدَبُ إلَيْهِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском