Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
التين
At-Tin
The Fig · Meccan · 8 ayahs
(p-١٣٠)سُورَةُ التِّينِ. مَقْصُودُها
[سِرٌّ] مَقْصُودُ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١] وذَلِكَ هو إثْباتُ القُدْرَةِ الكامِلَةِ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِاسْمِها، فَإنَّ في خَلْقِ التِّينِ والزَّيْتُونِ مِنَ الغَرائِبِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وكَذا فِيما أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ مِنَ النُّبُوّاتِ، وضَمِّ القَسَمِ إلى المُقْسَمِ عَلَيْهِ وهو الإنْسانُ، الَّذِي هو أعْجَبُ ما في الأكْوانِ، [واضِحٌ] في ذَلِكَ ”بِسْمِ اللَّهِ“ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا نَعْبُدُ إلّا إيّاهُ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَتِهِ إيجادَهُ وبَيانَهُ جَمِيعَ خَلْقِهِ أسْفَلَهُ وأعْلاهُ [وأدْناهُ] وأقْصاهُ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ مِن بَيْنِهِمْ أهْلَ وِدِّهِ بِما يَرْضاهُ، وأرْدى مَن عَداهم وأشْقاهُ.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى [فِي] تِلْكَ السُّورَةِ أكْمَلَ خَلْقِهِ وما كَمَّلَهُ بِهِ، [و] خَتَمَها بِالأمْرِ بِتَخْصِيصِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالرَّغْبَةِ إلَيْهِ، فَكانَ (ﷺ يَقُومُ حَتّى تَوَرَّمَ قَدَماهُ ويَبْذُلَ الجُهْدَ لِمَوْلاهُ في [كُلِّ] ما يَرْضاهُ، ذَكَرَ في هَذِهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما جَعَلَ ذاتَهُ (p-١٣١)أكْمَلَ ذَواتِ المَخْلُوقاتِ، خَصَّهُ بِأنْ جَعَلَ نَوْعَهُ (ﷺ أكْمَل الأنْواعِ وهو الإنْسانُ، وأصْلُهُ أعْظَمُ الأُصُولِ هو إبْراهِيمُ (ﷺ، وبَلَدَهُ أفْضَلَ البِلادِ وهي مَكَّةُ، و[أنَّ] مَن عاداهُ بِمُنابَذَةِ شَرْعِهِ أسْفَلَ الخَلْقِ، وأنَّ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَمامَ القُدْرَةِ، وهو فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ، يُعْلِي مَن يَشاءُ ويَسْفُلُ مَن يَشاءُ، فَمَنزِلَتُها مِن آخِرِ تِلْكَ مَنزِلَةَ العِلَّةِ مِنَ المَعْلُولِ، وأقْسَمَ فِيها بِأشْياءَ أشارَ بِها إلى شَرَفِها في أنْفُسِها وفي عَجِيبِ صُنْعِها وشَرَفِ البِقاعِ الَّتِي يَكُونُ بِها إيماءً إلى ما شَرَّفَها بِهِ مِمّا أظْهَرَ بِها مِنَ الخَيْرِ والبَرَكاتِ بِسُكْنى الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، والصّالِحِينَ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ فَكانَتْ مُهاجِرَ إبْراهِيمَ ومَوْلِدَ عِيسى وأكْثَرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَنشَأهُمْ، وكانَ مِنها مَظْهَرُ نُبُوَّةِ مُوسى، ومَظْهَرُ نُبُوَّةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ووَلَدِهِ خاتَمِ الأنْبِياءِ الكِرامِ، عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَكانَ البَيْتِ الَّذِي هو قَواتِمُ لِلنّاسِ، وهُدًى لِلْعالَمِينَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإشاراتِ الظّاهِراتِ والدَّلالاتِ الواضِحاتِ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ، لِأنَّهُ يُعْلِي مَن يَشاءُ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ مِنَ البِقاعِ وغَيْرِها عَلى أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ويَسْفُلُ مَن يَشاءُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ.
(p-١٣٢)وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَر بْنُ الزُّبَيْرِ: هَذِهِ سُورَةُ مُوَضِّحَةٌ ومُتَمِّمَةٌ لِلْمَقْصُودِ في السُّورَتَيْنِ قَبْلَها، فَبانَ لَكَ أنَّ الصُّورَةَ الإنْسانِيَّةَ بِظاهِرِ الأمْرِ - مِمّا [هِيَ] عَلَيْهِ مِنَ التَّرْتِيبِ والإتْقانِ - قَدْ كانَتْ تَقْتَضِي الِاتِّفاقَ بِظاهِرِ ارْتِباطِ الكَمالِ [بِها] مِن حَيْثُ إلَهًا في أحْسَنِ تَقْوِيمِ، والِافْتِراقُ يَبْعُدُ في الظّاهِرِ، فَكَيْفَ افْتَرَقَ الحُكْمُ واخْتَلَفَ السُّلُوكُ، فَمَن صاعَدَ بِالِاسْتِيضاحِ والِامْتِثالِ، ونازَلَ أسْفَلَ سافِلِينَ فَضْلًا عَنْ تَرَقِّي بَعْضِ دَرَجاتِ الكَمالِ، فَإذًا لَيْسَ يَرْقى مِن خَصَّ بِمَزِيَّةِ التَّقْرِيبِ إلّا لِأنَّهُ نُودِيَ مِن قَرِيبٍ فَأسْرَعَ في إجابَةِ مُنادِيهِ وأصاخَ، وما اعْتَلَّ بِحادِيهِ فَسَلْ مِن واضِحاتِ السَّبِيلِ ما رَسَمَ لَهُ، وبَنى [عَلى] ما كَتَبَ لَهُ مِن ذَلِكَ عَمَلَهُ ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣] فَعَلى العاقِلِ المُنْصِفِ في نَفْسِهِ أنْ يَعْلَمَ أنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ فَيَضْرَعُ إلى خالِقِهِ في طَلَبِ الإخْلاصِ «مَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ» فَأوْضَحَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أنَّ ما أعْطى اللَّهُ نَبِيَّهُ (ﷺ وخَصَّهُ بِهِ مِن ضُرُوبِ الكَراماتِ وابْتَدَأهُ مِن عَظِيمِ الآلاءِ مِمّا تَضَمَّنَتْهُ السُّورَتانِ إلى ما مَنَحَهُ مِن خَيْرِ الدّارِينَ وما تَضْمَّنَهُ. قَسَمَهُ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ ما ودَّعَهُ ولا قَلاهُ مِنَ المُلاطَفَةِ والتَّأْنِيسِ ودَلائِلِ الحُبِّ والتَّقْرِيبِ - كُلُّ ذَلِكَ فَضْلًا مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وإحْسانًا لا لِعَمَلِ (p-١٣٣)تَقَدُّمٍ يَسْتَوْجِبُ ذَلِكَ أوْ بَعْضَهُ، ولَوْ تَقَدَّمَ عَمْلٌ لَمْ يَقَعْ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، وتَوْفِيقِهِ وإرادَتِهِ، ولا يَسْتَوْجِبُ أحَدٌ عَلَيْهِ شَيْئًا، وإنَّما هو فَضْلُهُ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَبِّهًا عَلى ما وقَعَ الإيماءُ إلى بَعْضِهِ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] ومَعَ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهُ وُقُوعُ صُورَتِهِ الظّاهِرَةِ في عالَمِ الشَّهادَةِ عَلى أكْمَلِ خَلْقٍ ولِأتَمَّ وضْعٍ بَلْ إذا لَمْ يَصْحَبْهُ [تَوْفِيقٌ] وسَبَقَتْهُ سَعادَةٌ مِن خالِقِهِ ولَمْ يُجْعَلْ لَهُ نُورٌ يَمْشِي بِهِ لَمْ يَرَ غَيْرَ نَفْسِهِ ولا عَرَفَ إلّا أبْناءَ جِنْسِهِ، فَقَصَرَ نَظَرَهُ عَلى أوَّلِ ما شاهَدَ، ووَقَفَ عِنْدَ ما عايَنَ مِن غَيْرِ اعْتِيادٍ يَحُدُّهُ إلى تَحَقُّقِ مَآلِهِ وتَبَيُّنِ جُحالِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، فَلَمّا قَصَرَ وما أبْصَرَ اعْتَقَدَ لِنَفْسِهِ الكَمالَ، وعَمِيَ عَنِ المُبْتَدَأِ والمَآلِ، فَصارَ أسْفَلَ سافِلِينَ حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالآياتِ نَظَرُهُ، ولا عَرَفَ حَقِيقَةَ خَبَرِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٦] فَهُمُ الَّذِينَ هَداهم رَبُّهم [ ﴿بِإيمانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] ] فَجَرَوْا بِسَبَبِهِ مِن خَلْقِهِ في [أحْسَنِ] تَقْوِيمٍ واسْتَوْضَحُوا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، واسْتُبْصَرُوا فَأبْصَرُوا، ونَظَرُوا فاعْتَبَرُوا. وقالُوا: رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا، فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [انْتَهى].
(p-١٣٤)
* *
ولَمّا كانَ التِّينُ أحْسَنَ الفَواكِهِ تَقْوِيمًا فِيما ذَكَرُوا مِن فَضِيلَتِهِ، وهو - مَعَ كَوْنِهِ فاكِهَةً شَهِيَّةً حُلْوَةً جِدًّا - غِذاءٌ يُقِيمُ الصُّلْبَ وقُوتٌ كالبُرِّ [و] سَرِيعُ الهَضْمِ، ودَواءٌ كَثِيرُ النَّفْعِ يُوَلِّدُ دَمًا صالِحًا ويَنْفَعُ الرِّئَةَ والكُلى ويَلِينُ الطَّبْعَ ويُحَلِّلُ البَلْغَمَ ويُزِيلُ رَمْلَ المَثانَةِ ويَفْتَحَ سَدَدَ الكَبِدِ والطِّحالَ، فَكانَ جامِعًا لِجَمِيعِ مَنافِعِ المُتَناوِلاتِ مِنَ الغِذاءِ والتَّفَكُّهِ والتَّحَلِّي والتَّداوِي، فَهو كامِلٌ في مَجْمُوعِ ما هو فِيهِ مِن لَذَّةِ طَعْمِهِ وكَثْرَةِ نَفْعِهِ، وكَوْنِهِ كَفاكِهَةِ الجَنَّةِ بِلا شائِبَةٍ تَعُوقُ عَنْ أكْلِهِ مَن صِنْوانٍ يَتْعَبُ أوْ نَوى يُرْمى، مَعَ أنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ رَطْبًا ويابِسًا، وهو مَعَ ذَلِكَ في سُرْعَةِ فَسادِهِ وسُوءِ تَغَيُّرِهِ أسْفَلَها رُتْبَةً وأرْدَؤُها مَغَبَّةً، فَهو كالفِطْرَةِ الأُولى [فِي] مَبْدَئِهِ سُهُولَةً وحُسْنًا وقَبُولًا لِكُلٍّ مِنَ الإصْلاحِ والتَّغَيُّرِ، كَآخِرِ الهَرَمِ عِنْدَ نِهايَتِهِ في عَظِيمِ تَغَيُّرِهِ بِحَيْثُ [إنَّهُ] لا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنهُ إذا تَغَيَّرَ، وغَيْرُهُ مِنَ الفَواكِهِ إذا فَسَدَ جانِبٌ مِنهُ بَقِيَ آخَرُ، فَكانَ في هَذا كالقِسْمِ لِلسّافِلِ مِنَ الإنْسانِ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ فَقالَ: ﴿والتِّينِ﴾ بادِئًا بِهِ لِأنَّ القَسَمَ المُشارَ بِهِ إلَيْهِ أكْثَرُ، فالِاهْتِمامُ بِهِ أكْبَرُ.
ولَمّا كانَ الزَّيْتُونُ في [عَدَمِ] فَسادٍ يَطْرُقُهُ أوْ تَغَيُّرِ يَلْحَقُهُ، وفِيهِ الدُّسُومَةُ والحَرافَةُ والمَرارَةُ، وهو إدامٌ ودَواءٌ مَعَ تَهَيُّئِهِ لِلنَّفْعِ (p-١٣٥)بِكُلِّ حالٍ في أكْلِهِ بَعْدَ تَزْيِيتِهِ والتَّنْوِيرِ بِدَهْنِهِ والِادِّهانِ بِهِ لِإزالَةِ الشَّعَثِ وتَنْعِيمِ البَشْرَةِ وتَقْوِيَةِ العَظْمِ وشَدِّ العَصَبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ مَعَ لَدْنِهِ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِن فَضائِلِهِ الجَمَّةِ كالمُؤْمِنِ [تَلاهُ بِهِ] فَقالَ: ﴿والزَّيْتُونِ﴾
ولَمّا كانَ [مَعَ] ذَلِكَ مُشارًا بِهِما إلى مَواضِعِ نَباتِهِما وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ مِن جَمِيعِ بِلادِ الشّامِ إيماءً إلى مَن كانَ بِها مِنَ الأنْبِياءِ والتّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ لا سِيَّما إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي كانَتْ مُهاجِرَهُ فَأحْياها اللَّهُ تَعالى بِعِبادِهِ وتَرَدَّدَ المَلائِكَةُ إلَيْهِ بِالوَحْيِ ومِن بَعْدِهِ أوْلادُهُ الَّذِينَ طَهَّرَها اللَّهُ بِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ وأنارَها بِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ، وخَتَمَهم بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أحَدُ أُولِي العَزْمِ المُشَرَّفِ بِكَوْنِهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلى نَبِيِّنا أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، وكانَتِ الكِنايَةُ بِالشَّجَرَتَيْنِ عَنِ البَلَدِ المُرادِ بِهِ سُكّانُهُ أبْلَغَ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالمُرادِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، ساقَهُ عَلى هَذا المَنهَجِ العَزِيزِ، ولَمْ يَبْقَ مِمَّنْ لَمْ يَسْكُنْها مِن أشْرافِهِمْ إلّا مُوسى وهارُونُ وإسْماعِيلُ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأشارَ إلى الأوَّلَيْنِ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِما يَدُلُّ عَلى أحْسَنِ التَّقْوِيمِ [لِأنَّ] الطُّورَ الجَبَلُ ذُو النَّبْتِ مِنَ النَّجْمِ والشَّجَرِ [المُثْمِرِ] وغَيْرِهِ: ﴿وطُورِ﴾ أيْ جَبَلُ المَكانِ [المُسَمّى] بِهَذا الِاسْمِ.
(p-١٣٦)ولَمّا كانَ الكَلامُ في التَّقْوِيمِ، كانَ المُناسِبُ لَهُ صُورَةَ جَمْعِ السَّلامَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿سِينِينَ﴾ أيْ وما كانَ بِالجَبَلِ ذِي النَّبْتِ الحَسَنِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن لَذِيذِ المُناجاةِ وعَجائِبِ المُواعَدَةِ وحِكَمِ الكَلامِ مَعَ أنَّ فِيهِ [مِنَ] الأشْجارِ والأماكِنِ ما يَكُنْ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، وفِيهِ لِخُلُوِّهِ وحُسْنِهِ وعُلُوِّهِ جَمْعُ الخاطِرِ لِلْمُتَفَرِّدِ وطُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ لِلتَّخَلِّي لِلْعِبادَةِ والتَّحَصُّنِ مِمّا يَخْشى لِعُلُوِّهِ وصُعُوبَتِهِ، وفِيهِ ما يَصْلُحُ لِلزَّرْعِ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ، وفِيهِ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ والدَّوابُّ مَعَ الماءِ العَذْبِ والفَناءِ الرَّحْبِ والمَنظَرِ الأنِيقِ، وسِنِينَ وسَيْناءَ - اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي هَذا الجَبَلُ بِهِ، وأشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى الأخِيرَيْنِ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خِتامًا لِلْقَسَمِ بِأكْمَلِ المُقَسَمِ بِهِ كَما جَعَلَ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ [الَّذِي] هو خِتامُ الرُّسُلِ أكْمَلَ النَّوْعِ [المُقْسَمِ] لِأجْلِهِ لِيَكُونَ في البَدْءِ بِما يَرِدُ بَعْدَ حُسْنِ التَّقْوِيمِ إلى الفَسادِ والخَتْمِ بِما هو أشْرَفُ المَذْكُورِينَ بِكُلِّ اعْتِبارِ طِباقٍ حازَ أعْلى الأسْرارِ:
﴿وهَذا البَلَدِ﴾ أيْ مَكَّةُ، صَرَّحَ هُنا بِهَذَيْنَ المَكانَيْنِ تَرْشِيحًا لِأنَّ المُرادَ (p-١٣٧)بِالأوَّلَيْنِ مَواضِعُ نَبْتِهِما مَعَ تِلْكَ الإشارَةِ اللَّطِيفَةِ بِذِكْرِ اسْمَيْهِما إلى مُناسَبَتِهِما لِلْمُقْسَمِ مِن أجْلِهِ ﴿الأمِينِ﴾ [أيِ] الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ مَن حَلَّ بِهِ مِنَ البَشَرِ والطَّيْرِ والوَحْشِ، فَكانَ بِذَلِكَ كالرَّجُلِ الأمِينِ الَّذِي يَأْتَمِنُهُ آخَرُ عَلى نَفْسِهِ وما يَعِزُّ عَلَيْهِ فَيُؤَدِّيهِ إلَيْهِ ويُوَقِّرُهُ عَلَيْهِ، وأمانَتُهُ شامِلَةٌ لِكُلِّ ما يَخْشى حَتّى الفَقْرُ والعَيْلَةُ والجُوعُ وتَغَيُّرُ الدِّينِ بَعْدَ تُقَرِّرِهِ مَعَ أنَّ بِهِ البَيْتَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ هُدًى لِلْعالَمِينَ وقِيامًا لِلنّاسِ فَهو مَدارُ الدِّينِ والدُّنْيا، وكانَ بِهِ مِنَ الأسْرارِ بِالوَحْيِ وآثارِهِ ما لَمْ يَكُنْ في بَلَدٍ مِنَ البِلادِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى كَما جَعَلَ النَّبِيَّ المَبْعُوثَ مِنهُ في [آخِرِ] الزَّمانِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ جَعَلَهُ في أحْسَنِ تَقْوِيمِ البُلْدانِ إذْ كانَ آمِنًا مِن غَيْرِ مَلِكٍ [مَرْهُوبٍ -] والنّاسُ يُتَخَطَّفُونَ مِن حَوْلِهِ، وهو مَحَلُّ الأُنْسِ بِالنّاسِ كَما أنَّ الَّذِي قَبْلَهُ مَحَلُّ الأُنْسِ بِالِانْفِرادِ، وهو مَجْمَعُ المَرافِقِ ومَعْدِنُ المَنافِعِ ومَحِلُّ ذَوِي الوَجاهَةِ دِينًا ودُنْيا، ومَحَلُّ الرِّفْعَةِ والمَناصِبِ مَعَ ما حازَهُ المَكانانِ مَن تَنَزُّلِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وإشْراقِ الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ الدِّينِيَّةِ فِيهِما، وفي ذَلِكَ تَخْوِيفٌ [لَهُمْ] بِأنَّهم إنْ لَمْ يَرْجِعُوا عَنْ غَيِّهِمْ أخافَهُ إخافَةً لَمْ يُخِفْها [بَلَدًا] مِن بِلادِ العَرَبِ (p-١٣٨)فَيَكُونُونَ بِذَلِكَ قَدْ رُدُّوا أسْفَلَ سافِلِينَ في البَلَدِ، كَما رُدُّوا في الأخْلاقِ بِالشِّقاقِ واللِّدادِ.
95:4Page 597
لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ ٤
We have certainly created man in the best of stature;1
ولَمّا كانَ هَذا القَسَمُ مَعَ كَوْنِهِ جامِعًا لِبَدائِعِ المَصْنُوعاتِ الَّتِي هي [لِما ذُكِرَ] مِن حُكْمِها دالَّةً عَلى كَمالِ عِلْمِ خالِقِها وتَمامِ قُدْرَتِهِ جامِعًا لِأكْثَرِ الَّذِينَ آمَنُوا، وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَوْنِهِ أباهم مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ بِالأرْضِ المُقَدَّسَةِ مِنَ القُدْسِ ومَكَّةَ، فَتُوقِعُ أكْمَلَ الخَلْقِ وأفْطَنَهُمُ المُخاطَبُ بِهَذا الذِّكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ عِلْمًا مِنهُ بِبُلُوغِ القَسَمِ إلى غايَتِهِ واسْتِوائِهِ عَلى نِهايَتِهِ، أُجِيبُ بِقَوْلِهِ تَعالى مُحَقِّقًا: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا﴾ أيْ قَدَرْنا وأوْجَدْنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الباهِرَةِ والعِزَّةِ الغالِبَةِ القاهِرَةِ ﴿الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ الشَّهْوَةَ والعَقْلَ وفِيهِ الأُنْسُ بِنَفْسِهِ ما يُنْسِيهِ أكْثَرَ مُهِمِّهِ، ولِهَذا قالَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ
﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] لِأنَّهم عَلِمُوا [أنَّهُ] إذا جُمِعَ الغَضَبُ والشَّهْوَةُ إلى العَقْلِ جاءَتِ المُنازَعَةُ فَيَتَوَلَّدُ الفَسادُ مِنَ الشَّهْوَةِ والسَّفْكِ مِنَ الغَضَبِ ﴿فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أيْ كائِنٍ مِنّا رُوحًا وعَقْلًا أوْ أعَمَّ مِن ذَلِكَ بِما جَعَلَنا لَهُ مِن حُسْنِ الخَلْقِ (p-١٣٩)والخُلُقِ بِما خَصَّ بِهِ مِنَ انْتِصابِ القامَةِ وحُسْنِ الصُّورَةِ واجْتِماعِ خَواصِّ الكائِناتِ ونَظائِرِ سائِرِ المُمْكِناتِ بَعْدَ ما شارَكَ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ السَّمْعِ والبَصَرِ والذَّوْقِ واللَّمْسِ والشَّمِّ الجَوارِحِ الَّتِي هَيَّأتْهُ لِما خُلِقَ لَهُ حَتّى قِيلَ إنَّهُ العالَمُ الأصْغَرُ كَما مَضى بَسْطُ ذَلِكَ في سُورَةِ الشَّمْسِ، ثُمَّ مَيَّزْناهُ بِما أوْدَعْناهُ فِيهِ بِما جَعَلْناهُ عَلَيْهِ مِنَ الفِطْرَةِ الأُولى الَّتِي لا تَبْدِيلَ لَها مِنَ الطَّبْعِ الأوَّلِ السَّلِيمِ الَّذِي هَيَّأْناهُ بِهِ وقَوَّيْناهُ بِقُدْرَتِنا لِقَبُولِ الحَقِّ، وبِمِثْلِ ما قُلْتُهُ في حَمْلِ الآيَةِ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى قالَ الأصْفَهانِيُّ في تَفْسِيرِ ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في البَقَرَةِ، [و] قالَ ابْنُ بُرْجانَ هُنا: مَفْطُورٌ عَلى فِطْرَةِ الإسْلامِ الدِّينِ القَيِّمِ، ثُمَّ لَمّا مَنَحْناهُ بِهِ مِنَ العَقْلِ المُدْرِكِ القَوِيمِ، فَكَما جَعَلْنا لَهُ شَكْلًا يُمَيِّزُهُ عَنْ سائِرِ الحَيَوانِ مَنَحْناهُ عَقْلًا يَهْدِيهِ إلى العُرُوجِ عَنْ دَرْكِ النِّيرانِ إلى دُرْجِ الجِنانِ بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ البالِغَةِ نِهايَةَ الإحْسانِ، بِدَلِيلِ مَن فِيهِ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أكْمَلُهم [ مُحَمَّدٌ ] عَلى جَمِيعِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ والتَّحِيَّةِ والإكْرامِ والتّابِعِينَ لَهُ بِإحْسانٍ الَّذِينَ مَلَئُوا الأرْضَ عِلْمًا وحِكْمَةً ونُورًا، قالَ البَغْوِيُّ: خَلَقَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدِيدَ القامَةِ يَتَناوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ مُزَيَّنًا (p-١٤٠)بِالعَقْلِ والتَّمْيِيزِ - انْتَهى، والعَقْلُ هو المَقْصُودُ في الحَقِيقَةِ مِنَ الإنْسانِ لِأنَّ مِن أسْمائِهِ اللُّبَّ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَقْصُودَ مِن [كُلِّ] شَيْءٍ لُبَّهُ وهو الشَّرْعُ كَما مَضى في آخِرِ النِّساءِ، والظّاهِرُ أنَّ عُقُولَ النّاسِ بِحَسَبِ الخَلْقِ مُتَقارِبَةٌ و[أنَّها] إنَّما تَفاوَتَتْ بِحَسَبِ الجِبِلَّةِ فَبَعْضُهم جَعَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى عُنْصُرَهُ وجِبِلَّتَهُ في غايَةِ الفَسادِ فَلا تَزالُ جِبِلَّتُهُ تُرْدِي عَلى عَقْلِهِ فَيَتَناقَصُ إلى أنْ يَصِيرَ إلى أسُوءِ الأحْوالِ، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، وبَعْضُهم يَصْرِفُ عَقْلَهُ بِحَسَبِ ما هَيَّأهُ اللَّهُ لَهُ إلى ما يُنْجِيهِ، وبَعْضُهم يَصْرِفُهُ لِذَلِكَ إلى ما يُرْدِيهِ، لِأنَّكَ تَجِدُ أعْقَلَ النّاسِ في شَيْءٍ وأُعَرَفَهم بِهِ أشَدَّهم بَلادَةً في شَيْءٍ آخَرَ، وأغْباهم في شَيْءٍ أذْكاهم في شَيْءٍ آخَرَ - فاعْتَبَرَ ذَلِكَ، وبِذَلِكَ انْتَظَمَ أمْرُ الخَلْقِ في أمْرِ مَعاشِهِمْ بِالعُلُومِ والصَّنائِعِ والأحْوالِ - واللَّهُ الهادِي، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ التَّرْكِيبِ والصُّورَةِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ في شَيْءٍ مِنهُما لَكانَ هو الأحْسَنُ لَأنَّ كُلَّ صِفَةٍ يَشْتَرِكُ فِيها الخَلْقُ والحَقُّ فالمُبالَغَةُ لِلْحَقِّ كالعالِمِ والأعْلَمِ والكَرِيمِ والأكْرَمِ - قالَهُ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وصِيغَةُ ”أفْعَلُ“ لا تَدُلُّ عَلى ما قالَهُ الزَّنادِقَةُ، وإنَّ عُزِيَ ذَلِكَ (p-١٤١)إلى بَعْضِ الأكابِرِ مِن قَوْلِهِمْ: لَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ، لِأنَّ الدَّرَجَةَ الواحِدَةَ تَتَفاوَتُ إلى ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ كَتَفاوُتِ أفْرادِ الإنْسانِ في صُوَرِهِ وألْوانِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أكْوانِهِ وبَدِيعِ شَأْنِهِ، وقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ في تَصْنِيفِ مُفْرَدٍ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ سَمَّيْتُهُ: تَهْدِيمُ الأرْكانِ مَن ”لَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ“، [وأوْضَحْتُهُ غايَةَ الإيضاحِ والبَيانِ، وجَرَتْ فِيهِ فِتَنٌ تُصِمُّ الآذانَ، ونَصَرَ اللَّهُ الحَقَّ بِمُوافَقَةِ الأعْيانِ، وقَهَرَ أهْلَ الطُّغْيانِ، ثُمَّ أرْدَفْتُهُ بِكِتابِ ”دَلالَةِ البُرْهانِ عَلى أنَّ في الإمْكانِ أبْدَعَ مِمّا كانَ] ثُمَّ شُفِيَتِ الأسْقامُ، ودُمِغَتِ الأخْصامُ، وخَسَأْتِ الأوْهامُ، بِالقَوْلِ الفارِقِ بَيْنَ الصّادِقِ والمُنافِقِ، وهو نَحْوُ ورَقَتَيْنِ في غايَةِ الإبْداعِ في قَطْعِ النِّزاعِ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ صِيغَةُ أفْعَلَ مُفِيدَةً [بِالنِّسْبَةِ] إلى شَيْءٍ أرادَهُ اللَّهُ بِحَيْثُ أنْ نَتَفَطَّنَ لَهُ [نَحْنُ] لِأنَّ مِنَ المُجْمَعِ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ وصَرَّحَ بِهِ الأشْعَرِيُّ وغَيْرُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كُتُبِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا تَتَناهى مَقْدُوراتُهُ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بِما صَرَّحَ بِهِ الأشْعَرِيُّ وأكْثَرُ في الإمامِ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ في كُتُبِهِ الإحْياءُ وغَيْرُهُ ولا سِيَّما كِتابُهُ“ تَهافُتُ الفَلاسِفَةِ "وبَيَّنَ أنَّ هَذا مِن قَواعِدِهِمْ لِنَفْيِهِمْ صِفَةَ الإرادَةِ وقَوْلِهِمْ بِأنَّ فِعْلَهُ بِالذّاتِ، وبَيَّنَ فَسادَ ذَلِكَ، (p-١٤٢)وأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى اخْتِراعِ [عالَمٍ] آخَرَ وثالِثٍ مُتَفاوِتَةٍ بِالصِّغَرِ والكِبَرِ، وعَلى كُلِّ مُمْكِنٍ، وعَرَفَ أنَّ المُمْكِنَ هو المَقْدُورُ عَلَيْهِ، وأنَّهُ يَرْجِعُ إلى المَقْدُورِ عَلَيْهِ أيْضًا مُمْكِنٌ، وعُرِفَ المُمْتَنِعِ بِأنَّهُ إثْباتُ الشَّيْءِ مَعَ نَفْيِهِ، وإثْباتُ الأخَصِّ مَعَ نَفْيِ الأعَمِّ، وإثْباتُ الِاثْنَيْنِ مَعَ نَفْيِ الواحِدِ، وقالَ: وما لا يَرْجِعُ إلى ذَلِكَ فَهو مُمْكِنٌ، فَدَخَلَ فِيهِ عالَمٌ أبْدَعُ مِن هَذا العالَمِ - واللَّهُ المُوَفَّقُ لِما يُرِيدُ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَعَ هَذِهِ المَحاسِنِ قَدْ سَلَّطَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِ شَهَواتٍ وهَيَّأ طَبْعَهُ لِرَذائِلَ وأخْلاقَ دَنِيئاتٍ، وأهْوِيَةٍ وحُظُوظٍ لِلْأنْفُسِ مُمِيلاتٍ، وكانَ أكْثَرُ الخَلْقِ بِها هالِكًا لِتَتَبَيَّنَ قُدْرَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، لَمْ يَسْتَثْنِ بَلْ حَكَمَ عَلى الجِنْسِ كُلِّهِ بِها كَما حَكَمَ عَلَيْهِ بِالتَّقْوِيمِ، فَقالَ تَعالى دالًّا بِأداةِ التَّراخِي عَلى أنَّ اعْوِجاجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ العَقْلِ الرَّصِينِ والذِّهْنِ الصّافِي المُسْتَنِيرِ في غايَةِ البُعْدِ لَوْلا القُدْرَةُ الباهِرَةُ والقُوَّةُ القاسِرَةُ القاهِرَةُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ والعِلْمِ الشّامِلِ، فَعَطَّلَ مَنافِعَ ما خَلَقْناهُ لَهُ فَضَيَّعَ نَفْسَهُ وفَوَّتَ أسْبابَ سَعادَتِهِ ونَكَّسْناهُ نَحْنُ في خَلْقِهِ، فَصارَ بِالأمْرَيْنِ في خُلُقِهِ وخَلْقِهِ نَفْسًا وهَوًى أوْ أعَمُّ (p-١٤٣)مِن ذَلِكَ بِالنَّكْسِ ﴿أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أيْ إلى ما تَحْتَ رُتْبَةِ الجَماداتِ المُسْتَقْذِراتِ، فَصارَ يَعْمَلُ الأعْمالَ السَّيِّئاتِ المُقْتَضِيَةَ بَعْدَ حُسْنِ الجَمْعِ لِغايَةِ الشَّتاتِ، أمّا رَدُّهُ في خُلُقِهِ فَبِأنْ سَلَّطْنا عَلَيْهِ الشَّهَواتِ الَّتِي رَكَّبْناها في النُّفُوسِ، وجَعَلْناها داعِيَةً إلى كُلِّ بُؤْسٍ، فَغَلَبَتْ عَلى عَقْلِهِ فَأعْمَتْهُ حَتّى أوْرَدَتْهُ المَوارِدَ، وأوْقَعَتْهُ في المُهاوِي والمَعاطِبِ، حَتّى أنَّهُ لَيَرْكَبُ كَثِيرًا مِن أُمُورِهِ وهو قاطِعٌ بِأنَّهُ باطِلٌ شَنِيعٌ، لا يُقْدِمُ عَلى مِثْلِهِ عاقِلٌ، فَصارَ يَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ ما [هُوَ] دُونَ البَشَرِ بَلْ ومُطْلَقُ الحَيَوانِ مِمّا لا ضُرَّ فِيهِ ولا نَفْعَ، وصارَ يَرْكَبُ الظُّلْمَ والعُدْوانَ والإفْكَ والبُهْتانَ، وما لا يُحْصى بِالعَدِّ مِن أنْواعِ الفَواحِشِ والعِصْيانِ، ويَظْلِمُ أبْناءَ جِنْسِهِ وغَيْرِهِمْ، ويَجْتَهِدُ في الفُجُورِ، ويَتَصَرَّفُ بِما لا يَشُكُّ هو في أنَّهُ لا يُقِرُّهُ عَلَيْهِ مَن لَهُ أدْنى نَظَرٍ مِمَّنْ يُلْزِمُهُ أمْرَهُ ويَعْنِيهِ شَأْنَهُ، فَصارَ بِذَلِكَ أحَطَّ رُتْبَةً مِنَ البَهائِمِ بَلْ مِن أدْنى الحَشَراتِ المُسْتَقْذَراتِ لِأنَّها وإنْ كانَتْ لَها شَهَواتٌ إلّا أنَّها لَيْسَ لَها عَقْلٌ تُغَطِّيهِ بِها وتَطْمِسُ نُورَهُ بِظَلامِها، فَلا تُنْسَبُ إلى أنَّها فَوَّتَتْ شَيْئًا لِعَدَمِ تَكْلِيفِها لِعَدَمِ العَقْلِ المُوجِبِ لِلشَّرَفِ، وأمّا هو فاسْتَعْمَلَ ما خَلَقْناهُ لَهُ مِنَ الآلاتِ، وما فَضَّلْناهُ بِهِ مِنَ الكَمالاتِ، (p-١٤٤)فِي غَيْرِ ما خَلَقْناهُ لَهُ فاسْتَحَقَّ العَذابَ المُهِينَ، ثُمَّ يَمُوتُ مِن غَيْرِ مُجازاةٍ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أوْ عَلى كَثِيرٍ مِنهُ، فَلا بُدَّ في الحِكْمَةِ حِينَئِذٍ مِن بَعْثِهِ، ولَهُ بَعْدَ البَعْثِ عِنْدَ رَبِّهِ عَلى ذَلِكَ عَذابٌ مُقِيمٌ، وأمّا في خُلُقِهِ فَبِالهَرَمِ حَتّى صارَ بَعْدَ تِلْكَ القُوى ضَعِيفًا، وبَعْدَ ذَلِكَ العِزِّ ذَلِيلًا مُهِينًا، وبَعْدَ ذَلِكَ العِلْمِ الغَزِيرِ والفِكْرِ المُنِيرِ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، وصارَ يَسْتَقْذِرُهُ ويُنْكِرُهُ مَن كانَ يَأْلَفُهُ ويَسْتَعْطِرُهُ، وقالَ ابْنُ بُرْجانَ: أمّا رَدُّهُ في طَرِيقِ الدِّيانَةِ فَبِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وأمّا فِيما سَبِيلُهُ الجَزاءُ فَبِالمَسْخِ في دارِ البَرْزَخِ وتَحْوِيلِ صُورَتِهِ إلى ما غَلَبَ عَلَيْهِ خِلْقَتُهُ وعَمَلُهُ في الدُّنْيا مِنَ الدَّوابِّ والهَوامِّ والبَهائِمِ، وفي الآخِرَةِ تَزْرَقُّ عَيْناهُ ويُشَوَّهُ خَلْقُهُ، وقالَ الإمامُ أبُو العَبّاسِ الإقْلِيشِيُّ في شَرْحِ ”المُقَدَّمِ المُؤَخَّرِ“ مِن شَرْحِهِ لِلسَّماءِ الحُسْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ.
أيِ الإنْسانُ - أوَّلًا في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَكَّبَهُ في هَذا الجِسْمِ الَّذِي يَجْذِبُهُ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ، فَإنَّ قَدَّمَ عَقْلَهُ عَلى هَواهُ صَعِدَ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، وكانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ المُقَدَّمِينَ، وإنَّ قَدَّمَ هَواهُ هَبَطَ إلى إدْراكِ الجَحِيمِ، وكانَ مِنَ المُبْعَدِينَ المُؤَخَّرِينَ.
95:6Page 597
إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ٦
Except for those who believe and do righteous deeds, for they will have a reward uninterrupted.
(p-١٤٥)ولَمّا حَكَمَ بِهَذا الرَّدِّ عَلى جَمِيعِ النَّوْعِ إشارَةً إلى كَثْرَةِ المُتَّصِفِ بِهِ مِنهُمْ، وكانَ الصّالِحُ قَلِيلًا جِدًّا، جَعَلَهُ مَحَطَّ الِاسْتِثْناءِ فَقالَ: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ فَكانُوا [مِن] ذَوِي البَصائِرِ والمَعارِفِ، فَغَلَبْنا بِلُطْفِنا عُقُولَهم بِما دَعَتْ إلَيْهِ وأعانَتْ عَلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى عَلى شَهَواتِهِمْ، وحَمَيْناهم مِن أرْذَلِ العُمْرِ، فَكانُوا [كُلَّما] زِدْناهم سِنًّا زِدْنا أنْوارَ عُقُولِهِمْ ونَقَصْنا نارَ شَهَواتِهِمْ بِما أضْعَفْنا مِن إحْكامِ طَبائِعِهِمْ وتَعَلُّقِهِمْ بِهَذا العالَمِ، وأحْكَمْنا مِن مَدارِكِ أنْوارِ الحَقِّ وإشْراقاتِهِ مِنهُمْ، وأعْظَمْنا مِن قُوى أرْواحِهِمْ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَدَّعِي الإيمانَ كاذِبًا قالَ: ﴿وعَمِلُوا﴾ أيْ تَصْدِيقًا لِدَعْواهُمُ الإيمانَ ﴿الصّالِحاتِ﴾ أيْ مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ثابِتَةَ الأرْكانِ عَلى أساسِ الإيمانِ، مُحْكَمَةً بِما آتَيْناهم مِنَ العِلْمِ غايَةَ الإحْكامِ، مُتْقَنَةً غايَةَ الإتْقانِ، فَإنّا حَفِظْناهم - وقَلِيلٌ ما هم - بِما كَمَّلْناهم بِهِ وشَرَّفْناهم عَلى جَمِيعِ الحَيَواناتِ وسائِرِ مَن سِواهم فَلَمْ نُمَكِّنْ مِنهُمُ الشَّهَواتِ ولا غَيْرَها، وأقَمْناهم عَلى ما اقْتَضاهُ مِنهاجُ العَقْلِ، فَتَبِعُوا الرُّسُلَ بِسَبَبِ إبْقائِنا لَهم عَلى الفِطْرَةِ الأوْلى في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، لَمْ يُدَنِّسْ مَحْياها بِشَهْوَةٍ ولا حَظٍّ ولا هَوًى، فَسَهُلَ انْقِيادُهُمْ، فَأدّاهم ذَلِكَ إلى العَدْلِ (p-١٤٦)والنَّصَفَةِ والإحْسانِ، وجَمِيعِ مَكارِمِ الأخْلاقِ ومَعالِي الأُمُورِ، ولَمْ يَزِيغُوا عَنْ [مِنهاجِ] الرُّسُلِ في قَوْلٍ ولا عَمَلٍ، فالآيَةُ [كَما تَرى] مِنَ الِاحْتِباكِ: حُذِفَ أوَّلًا بِما أفْهَمْتُهُ الآيَةُ عَمَلَ السَّيِّئاتِ، وثانِيًا الإبْقاءُ عَلى أصْلِ الخَلْقِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى، لِيَكُونَ نَظْمُها في الأصْلِ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] بِعَمَلِ السَّيِّئاتِ فَلَهُ عَلى ذَلِكَ عَذابٌ مُهِينٌ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَإنّا أبْقَيْناهم عَلى الفِطْرَةِ الأُولى في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِمَدْحِ المُؤْمِنِينَ، حَسُنَ أنْ يُعِدَّ أعْمالَهُمُ الَّتِي تَفْضُلُ عَلَيْهِمْ بِها سَبَبًا كَما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الثَّوابِ فَقالَ: ﴿فَلَهُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ كانَ لَهم في الدّارَيْنِ عَلى ما وُفِّقُوا لَهُ مِمّا يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿أجْرٌ﴾ أيْ عَظِيمٍ جِدًّا وهو مَعَ ذَلِكَ ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ مَقْطُوعٍ أوْ يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ حَتّى في حالَةِ المَرَضِ والهَرَمِ [لِكَوْنِهِمْ] سَعَوْا في مَرْضاةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَزَمُوا عَزْمًا صادِقًا أنَّهم لا يُنْقَصُونَ مِن أعْمالِ البِرِّ ذَرَّةً ولَوْ عاشُوا مَدى الدَّهْرِ، وذَلِكَ الأجْرُ جَزاءً لِأعْمالِهِمْ فَضْلًا مِنهُ بِالأصْلِ والفَرْعِ حَتّى أنَّهم إذا عَجَزُوا بِالهَرَمِ كَتَبَ لَهم أجْرَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ في حالِ الصِّحَّةِ، ولِمَن تابَعَ هَواهُ في السُّفُولِ عَذابٌ عَظِيمٌ لِأنَّهُ رُدَّ أسْفَلَ سافِلِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences