Al-Biqa'iAli 'Imran · 3:27–31

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:27–31

3:27Page 53

تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢٧

You cause the night to enter the day, and You cause the day to enter the night; and You bring the living out of the dead, and You bring the dead out of the living. And You give provision to whom You will without account [i.e., limit or measure]."

فَلَمّا ثَبَتَتْ خُصُوصِيَّتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِصِفَةِ القُدْرَةِ عَلى الوَجْهِ (p-٣١٨)الأعَمِّ ذَكَرَ بَعْضَ ما تَحْتَ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَدْخُلْ شَيْءٌ مِنهُ تَحْتَ قُدْرَةِ غَيْرِهِ فَقالَ: - وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً تَقَلُّباتٍ نَفْسانِيَّةً في العالِمِ القائِمِ الآدَمِيِّ اتَّصَلَ بِها ذِكْرُ تَقَلُّباتٍ في العالَمِ الدّائِرِ لِيُؤْخَذَ لِكُلٍّ مِنها اعْتِبارٌ مِنَ الآخَرِ. ولَمّا ظَهَرَ في هَذِهِ الآيَةِ افْتِراقُ النَّزْعِ والإيتاءِ والإعْزازِ والإذْلالِ أبْدى في الآيَةِ التّالِيَةِ تَوالُجَ بَعْضِها في بَعْضٍ لِيُؤْذِنَ بِوُلُوجِ العِزِّ في الذُّلِّ والذُّلِّ في العِزِّ، والإيتاءِ في النَّزْعِ والنَّزْعِ في الإيتاءِ، وتَوالُجِ المُفْتَرِقاتِ والمُتَقابِلاتِ بَعْضِها في بَعْضٍ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُتَضَمِّنَةً لِبَيانِ الإحْكامِ والتَّشابُهِ في مَنزِلِ الكِتابِ بِحُكْمِ الفُرْقانِ أظْهَرَ تَعالى في آياتِها ما أحْكَمَ وبَيَّنَ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ وما التَبَسَ وأوْلَجَ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ، فَكانَ مِن مُحْكَمِ آيَةٍ في الكائِنِ القائِمِ الآدَمِيِّ ما تَضَمَّنَهُ إيتاءُ المُلْكِ ونَزْعُهُ والإعْزازُ والإذْلالُ، وكانَ مِنَ الاشْتِباهِ إيلاجُ العِزِّ في الذُّلِّ وإيلاجُ الذُّلِّ في العِزِّ، فَلَمّا صَرَّحَ بِالإحْكامِ بِبَيانِ الطَّرَفَيْنِ في الكائِنِ القائِمِ الآدَمِيِّ، وضَمَّنَ الخِطابَ اشْتِباهَهُ في ذِكْرِ العِزِّ والذُّلِّ صَرَّحَ بِهِ في آيَةِ الكَوْنِ الدّائِرِ، فَذَكَرَ آيَةَ الآفاقِ وهو اللَّيْلُ والنَّهارُ بِما يُعايَنُ فِيها مِنَ التَّوالُجِ حَيْثُ ظَهَرَ ذَلِكَ فِيها وخَفِيَ في تَوالُجِ أحْوالِ الكائِنِ القائِمِ، لِأنَّ الإحْكامَ والِاشْتِباهَ (p-٣١٩)مُتَرادٌّ بَيْنَ الآيَتَيْنِ: آيَةِ الكائِنِ القائِمِ الآدَمِيِّ وآيَةِ الكَوْنِ الدّائِرِ العَرْشِيِّ، فَما وقَعَ اشْتِباهُهُ في أحَدِهِما ظَهَرَ إحْكامُهُ في الآخَرِ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿تُولِجُ﴾ مِنَ الوُلُوجِ، وهو الدُّخُولُ في الشَّيْءِ السّاتِرِ لِجُمْلَةِ الدّاخِلِ ﴿اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ فِيهِ تَفْصِيلٌ مِن مَضاءِ قُدْرَتِهِ، فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى يَجْعَلُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَقابِلَيْنِ بِطانَةً لِلْآخَرِ والِجًا فِيهِ عَلى وجْهٍ لا يَصِلُ إلَيْهِ مَنالُ العُقُولِ لِما في المَعْقُولِ مِنَ افْتِراقِ المُتَقابِلاتِ، فَكانَ في القُدْرَةِ إيلاجُ المُتَقابِلاتِ بَعْضِها في بَعْضٍ وإيداعُ بَعْضِها في بَعْضٍ عَلى وجْهٍ لا يَتَكَيَّفُ بِمَعْقُولٍ ولا يُنالُ بِفِكْرٍ. انْتَهى.

﴿وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ تُدْخِلُ كُلًّا مِنهُما في الآخَرِ بَعْدَ ظُهُورِهِ حَتّى يَذْهَبَ فِيهِ فَيَخْفى ولا يَبْقى لَهُ أثَرٌ. قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا جَعَلَ المُتَعاقِبَيْنِ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مُتَوالِجَيْنِ جَعَلَ المُتَباطِنَيْنِ مِنَ الحَيِّ والمَيِّتِ مُخْرَجَيْنِ، فَما ظَهَرَ فِيهِ المَوْتُ بَطَنَتْ فِيهِ الحَياةُ، وما ظَهَرَتْ فِيهِ الحَياةُ بَطَنَ فِيهِ المَوْتُ؛ انْتَهى. فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ﴾ أيْ مِنَ النَّباتِ والحَيَوانِ ﴿مِنَ المَيِّتِ﴾ مِنهُما ﴿وتُخْرِجُ (p-٣٢٠)المَيِّتَ﴾ مِنهُما ﴿مِنَ الحَيِّ﴾ مِنهُما كَذَلِكَ.

قالَ الحَرالِّيُّ: فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتُهُ في الكائِنِ القائِمِ وفي الكَوْنِ الدّائِرِ، فَأمّا في الكَوْنِ الدّائِرِ فَبِإخْراجِ حَيِّ الشَّجَرِ والنَّجْمِ مِن مَواتِ البَذْرِ والعَجَمِ، وبِظُهُورِهِ في العِيانِ كانَ أحْكَمَ في البَيانِ مِمّا يَقَعُ في الكائِنِ القائِمِ، كَذَلِكَ الكائِنُ القائِمُ يَخْرُجُ الحَيُّ المُؤْمِنُ المُوقِنُ مِنَ المَيِّتِ الكافِرِ الجاهِلِ

﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] ويَخْرُجُ الكافِرُ الآبِي مِنَ المُؤْمِنِ الرّاحِمِ ﴿يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] أظْهَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذَلِكَ وُجُوهَ الإحْكامِ والِاشْتِباهِ في آيَتَيْ خَلْقِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ آيَةً عَلى ما في أمْرِهِ، ولِيَشِفَّ ذَلِكَ عَمّا يَظْهَرُ مِن أمْرِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى مَن شاءَ مِن عِبادِهِ كَما أظْهَرَ في مَلائِكَتِهِ وأنْبِيائِهِ، وكَما خَصَّصَ بِما شاءَ مِن إظْهارِ عَظِيمِ أمْرِهِ في المَثَلَيْنِ الأعْظَمَيْنِ: مَثَلِ آدَمَ وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ لِبَيانِ الأمْرِ فِيما اشْتَبَهَ عَلى مَنِ التَبَسَ عَلَيْهِ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، (p-٣٢١)فَهُوَ تَعالى أظْهَرَ مِن مَواتِ الإنْسانِيَّةِ ما شاءَ مِنَ الإحْياءِ بِإذْنِهِ، وأظْهَرَ في آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما شاءَ مِن عِلْمِهِ حِينَ عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها كَذَلِكَ أظْهَرَ في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما شاءَ مِن قُدْرَتِهِ كَما أظْهَرَ في الخَلْقِ ما شاءَ مِن مُلْكِهِ، فَمَلَّكَ مَن شاءَ ونَزَعَ المُلْكَ مِمَّنْ شاءَ، وأعَزَّ مَن شاءَ وأذَلَّ مَن شاءَ، وأظْهَرَ بِالنَّهارِ ما شاءَ وطَمَسَ بِاللَّيْلِ ما شاءَ، وأوْلَجَ المُتَقابِلَيْنِ بَعْضَهُما في بَعْضٍ وأخْرَجَ المُتَباطِنَيْنِ بَعْضَهُما مِن بَعْضٍ. انْتَهى.

ولَمّا بَدَأ الآيَةَ سُبْحانَهُ وتَعالى مِمّا يَقْتَضِي التَّرْغِيبَ بِما هو مَحَطُّ أحْوالِ الأنْفُسِ مِنَ المُلْكِ وأنْواعِ الخَيْرِ خَتَمَها بِمِثْلِ ذَلِكَ مِمّا لا يَقُومُ المُلْكُ ولا يَطِيبُ العَيْشُ إلّا بِهِ فَقالَ: ﴿وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ﴾ قَوِيًّا كانَ أوْ ضَعِيفًا ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ تُعْطِيهِ عَطاءً واسِعًا جِدًّا مُتَّصِلًا مِن غَيْرِ تَضْيِيقٍ ولا عُسْرٍ، كَما فَعَلَ بِأوَّلِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى ما كانُوا فِيهِ مِنَ القِلَّةِ والضَّعْفِ حَيْثُ أبادَ بِهِمُ الأكاسِرَةَ والقَياصِرَةَ وآتاهم كُنُوزَهم وأخْدَمَهم أبْناءَهم وأحَلَّهم دِيارَهم. وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذا الإحْكامَ والِاشْتِباهَ في أمْرِ العِلْيَةِ مِنَ الخَلْقِ أهْلِ شَرَفِ المُلْكِ وأهْلِ عِزَّةِ الدِّينِ خَتَمَ الخِطابَ بِأمْرِ الرِّزْقِ الَّذِي هو (p-٣٢٢)تَتِمَّةُ الخَلْقِ، وفِيهِ مِنَ الإحْكامِ والِاشْتِباهِ نَحْوُ ما في الإيتاءِ والنَّزْعِ ولِما فِيهِ مِنَ الوَزْنِ والإيتاءِ بِقَدْرٍ خَتَمَ بِأعَزِّيهِ وهو الإرْزاقُ الَّذِي لا يَقَعُ عَلى وزْنٍ ولا يَكُونُ بِحِسابٍ، وفِيهِ إشْعارٌ بِالإرْزاقِ الخَتْمِيِّ الَّذِي يَكُونُ في آخِرِ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ لِلَّذِينَ يُؤْتِيهِمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ما شاءَ مِن مُلْكِهِ وعِزِّهِ وسَعَةِ رِزْقِهِ بِغَيْرِ حِسابٍ، فَكَما خَتَمَ المُلْكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِمُلْكِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [ص: ٣٩] كَذَلِكَ يَخْتِمُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِأنْ يَرْزُقَهم بِغَيْرِ حِسابٍ حِينَ تُلْقِي الأرْضُ بَرَكاتِها وتَتَطَهَّرُ مِن فِتْنَتِها، فَتَقَعُ المُكْنَةُ في خَتْمِ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ بِالهِدايَةِ والهُدْنَةِ كَما انْقَضَتْ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِالمُلْكِ والقُوَّةِ. انْتَهى.

3:28Page 53

لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨

Let not believers take disbelievers as allies [i.e., supporters or protectors] rather than believers. And whoever [of you] does that has nothing [i.e., no association] with Allāh, except when taking precaution against them in prudence.1 And Allāh warns you of Himself, and to Allāh is the [final] destination.

ولَمّا بانَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ لا شَيْءَ في يَدِ غَيْرِهِ، واقْتَضى ذَلِكَ قَصْرَ الهِمَمِ عَلَيْهِ، وكانَ نَصارى نَجْرانَ إنَّما دامُوا عَلى مُوالاةِ مُلُوكِ الرُّومِ لِمَحْضِ الدُّنْيا مَعَ العِلْمِ بِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن مُداناةِ مِثْلِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ كَما وقَعَ لِحاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِمّا قَصَّ في سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا تَجْتَمِعُ (p-٣٢٣)مُوالاةُ المُؤْمِنِينَ ومُوالاةُ الكافِرِينَ في قَلْبٍ إلّا أوْشَكَتْ إحْداهُما أنْ تَغْلِبَ عَلى الأُخْرى فَتَنْزِعَها، فَقالَ تَعالى مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ سائِقًا مَساقَ النَّتِيجَةِ لِما قَبْلَهُ - وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ مَضْمُونُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بُشْرى لِخُصُوصِ هَذِهِ الأُمَّةِ وعُمُومِها بِالعِزِّ والمُلْكِ وخَتْمِ الرِّزْقِ الَّذِي لا حِسابَ فِيهِ كانَ مِنَ الحَقِّ أنْ تَظْهَرَ عَلى المُبَشَّرِينَ عِزَّةُ البُشْرى فَلا يَتَوَلَّوْا غَيْرَهُ، ولَمّا قَبَضَ ما بِأيْدِي الخَلْقِ إلَيْهِ في إيتاءِ المُلْكِ ونَزْعِهِ والإعْزازِ والإذْلالِ، وأظْهَرَ إحاطَةَ قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وإقامَةَ امْتِحانِهِ بِما أوْلَجَ وأخْرَجَ، وأنْبَأ عَنْ إطْلاقِ حَدِّ العَدِّ عَنْ أرْزاقِهِ فَسَدَّ عَلى النَّفْسِ الأبْوابَ الَّتِي مِنها تَتَوَهَّمُ الحاجَةَ إلى الخَلْقِ؛ نَهى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانَتْ لَهم عادَةٌ بِمُباطَنَةِ بَعْضِ كَفَرَةِ أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ومَن شَمِلَهُ وصْفُ الكُفْرِ أنْ يَجْرُوا عَلى عادَتِهِمْ في مُوالاتِهِمْ ومُصافاتِهِمْ والحَدِيثِ مَعَهُمْ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يُفاوِضُونَهم بِصَفاءٍ، والكافِرُونَ يَتَسَمَّعُونَ ويَأْخُذُونَ مِنهم بِدَغَلٍ ونِفاقٍ عَلَيْهِمْ كَما قالَ تَعالى

﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] فَنَهاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا غابَ عَنْهم خِبْرَتُهُ وطَيَّتُهُ فَقالَ تَعالى: (p-٣٢٤)﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ الرّاسِخُونَ في الإيمانِ وعَبَّرَ في أضْدادِهِمْ بِالوَصْفِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ ذَلِكَ في كُلِّ مَن تَلَبَّسَ بِكُفْرٍ في وقْتٍ ما فَقالَ:﴿الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى أنَّ وِلايَةَ أوْلِيائِهِ مِن وِلايَتِهِ، وأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ إنَّما هو الوِلايَةُ الَّتِي قَدْ تُوهِنُ الرُّكُونَ إلى المُؤْمِنِينَ لِأنَّ في ذَلِكَ - كَما قالَ الحَرالِّيُّ - تَبْعِيدَ القَرِيبِ وتَقْرِيبَ البَعِيدِ، والمُؤْمِنُ أوْلى بِالمُؤْمِنِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» فَأقْواهم لَهُ رُكْنٌ، وضَعِيفُهم مُسْتَنِدٌ لِذَلِكَ الرُّكْنِ القَوِيِّ، فَإذا والاهُ قَوِيَ بِهِ مِمّا يُباطِنُهُ ويُصافِيهِ، وإذا اتَّخَذَ الكافِرَ ولِيًّا مِن دُونِ مُؤْمِنِهِ القَوِيِّ رُبَّما تَداعى ضَعْفُهُ في إيمانِهِمْ إلى ما يُنازِعُهُ فِيهِ مِن مُلابَسَةِ أحْوالِ الكافِرِينَ، كَما أنَّهم لَمّا أصاخُوا إلَيْهِمْ إصاخَةً أوْقَعُوا بَيْنَهم سِبابَ الجاهِلِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] وكَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩] ولَمْ يَمْنَعْ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن صِلَةِ أرْحامِ مَن لَهم مِنَ الكافِرِينَ، ولا مِن خِلْطَتِهِمْ في أمْرِ الدُّنْيا فِيما يَجْرِي مَجْرى المُعامَلَةِ مِنَ البَيْعِ والشَّرْيِ (p-٣٢٥)والأخْذِ والعَطاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِيُوالُوا في الدِّينِ أهْلَ الدِّينِ، ولا يَضُرُّهم أنْ يُبارُوا مَن لَمْ يُحارِبْهم مِنَ الكافِرِينَ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن تَوَلّاهم وُكِلَ إلَيْهِمْ وكانَ في عِدادِهِمْ، لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الرّاسِخِينَ في صِفَةِ الإيمانِ عَطَفَ عَلَيْهِ تَرْهِيبًا لِمَن قَدْ تَتَقاصَرُ هِمَّتُهُ فَيَرْضى بِمَنزِلَةِ ما دُونَ الرُّسُوخِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيْ هَذا الأمْرَ البَعِيدَ مِن أفْعالِ ذَوِي الهِمَمِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ في عِدادِ الأعْداءِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ومَعَ رَفْعِ هَذا الحِجابِ الَّذِي كانَ مَسْدُولًا عَلى أكْثَرِ الخَلْقِ ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ فَلا كُفْؤَ لَهُ ﴿فِي شَيْءٍ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَفي إفْهامِهِ أنَّ مَن تَمَسَّكَ بِوِلايَةِ المُؤْمِنِينَ فَهو مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ بِما هو مُتَمَسِّكٌ بِعِنانِ مَن هو لَهُ وسِيلَةٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الَّذِينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ مِنَ النّاسِ القَوِيُّ والضَّعِيفُ والشَّدِيدُ واللَّيِّنُ نَظَرَ إلى أهْلِ الضَّعْفِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَوَسَّعَ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ أيْ إلّا أنْ تَخافُوا مِنهم أمْرًا خَطِرًا مَجْزُومًا بِهِ، لا كَما خافَهُ نَصارى نَجْرانَ وتَوَهَّمَهُ حاطِبٌ، فَحِينَئِذٍ يُباحُ إظْهارُ المُوالاةِ (p-٣٢٦)وإنْ كانَتْ دَرَجَةَ مَن تَصَلَّبَ في مُكاشَرَتِهِمْ وتَعَزَّزَ لِمُكابَرَتِهِمْ ومُكاثَرَتِهِمْ، وإنْ قَطَعَ أعْظَمُ فَإيّاكم أنْ تَرْكَنُوا إلَيْهِمْ! فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُحَذِّرُكم إقْبالَكم عَلى عَدُوِّهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِإعْراضِهِ عَنْكم ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿نَفْسَهُ﴾ فَإنَّهُ عالِمٌ بِما تَفْعَلُونَهُ. وهو الحَكَمُ في الدُّنْيا كَما تَرَوْنَ مِن إذْلالِهِ العَزِيزَ وإعْزازِهِ الذَّلِيلَ، وهَذا المُحَذَّرُ مِنهُ وهو نَفْسُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى - كَما قالَ الحَرالِّيُّ - مَجْمُوعُ أسْماءِ تَعالِيهِ المُقابَلَةِ بِأسْماءِ أوْصافِهِمُ الَّتِي مَجْمُوعُها أنْفُسُهم. ومَوْجُودُ النَّفْسِ ما تَنَفَّسَ، وإنْ كانَتْ أنْفُسُ الخَلْقِ تَنَفَّسُ عَلى ما دُونَها إلى حَدِّ مُسْتَطاعِها، فَكانَ ما حَذَّرَهُ اللَّهُ مِن نَفْسِهِ أوْلى وأحَقَّ بِالنَّفاسَةِ في تَعالِي أوْصافِهِ وأسْمائِهِ أنْ تُنَفَّسَ عَلى مَن يُغْنِيهِ فَلا يَسْتَغْنِي، ويَكْفِيهِ فَلا يَكْتَفِي ويُرِيهِ مَصارِفَ سَدِّ خَلّاتِهِ وحاجاتِهِ فَلا يَنْصَرِفُ إلَيْها ولا يَتَوَجَّهُ نَحْوَها، فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى يُعَذِّبُ مَن تَعَرَّفَ لَهُ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ أشَدَّ مِن عَذابِ مَن يَتَعَرَّفُ لَهُ بِآياتِهِ فَلا يَعْتَبِرُ بِها، بِما أنَّ كُلَّ ما أبْداهُ مِن نَفْسِهِ بِلا واسِطَةٍ فَهو أعْظَمُ مِمّا أبْداهُ بِالواسِطَةِ مِن نَعِيمٍ وعَذابٍ، فَلا أعْظَمَ مِن نَعِيمِ مَن تَعَرَّفَ لَهُ بِنَفْسِهِ فَعَرَفَهُ، ولا أشَدَّ مِن عَذابِ مَن تَعَرَّفَ لَهُ بِنَفْسِهِ فَأنْكَرَهُ - انْتَهى. (p-٣٢٧)ولَمّا كانَتْ مَصائِبُ الدُّنْيا قَدْ تُسْتَهانُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى عاطِفًا عَلى نَحْوِ ما تَقْدِيرُهُ: فَمِنَ اللَّهِ المَبْدَأُ: - وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ الزّائِلُ أبَدًا مُؤْذِنًا بِتَرْكِ الِاعْتِمادِ عَلَيْهِ أقامَ تَعالى عَلى المُتَمَسِّكِ بِما دُونَهُ حُجَّةً بِزَوالِهِ، فَلا يَسْتَطِيعُ الثَّباتَ عَلَيْهِ عِنْدَ ما تَنالُهُ الإزالَةُ والإذْهابُ، ويَصِيرُ الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ، فَأعْلَمَ أنَّ المَصِيرَ المُطْلَقَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَمَن تَعَرَّفَ إلَيْهِ فَعَرَفَهُ نالَ أعْظَمَ النَّعِيمِ، ومَن تَعَرَّفَ إلَيْهِ فَأنْكَرَهُ نالَ أشَدَّ الجَحِيمِ - انْتَهى؛ فَقالَ -: ﴿وإلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿المَصِيرُ﴾ أيْ وإنْ طالَ إمْلاؤُهُ لِمَن أعْرَضَ عَنْهُ فَيُوشِكُ أنْ يَنْتَقِمَ مِنهُ.

3:29Page 53

قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٩

Say, "Whether you conceal what is in your breasts or reveal it, Allāh knows it. And He knows that which is in the heavens and that which is on the earth. And Allāh is over all things competent.

ولَمّا كانَتِ المُوالاةُ بِالباطِنِ المَنهِيُّ عَنْها مُطْلَقًا ودائِمًا قَدْ تُفْعَلُ ويُدَّعى نَفْيُها لِخَفائِها أمَرَهُ ﷺ بِتَحْذِيرِهِمْ مِن مُوالاةِ أعْدائِهِ عَلى وجْهِ النِّفاقِ أوْ غَيْرِهِ فَقالَ: - وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ حَقِيقَةُ ما نَهى عَنْهُ في الوِلايَةِ والتُّقاةِ أمْرًا باطِنًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِعْلٌ ظاهِرٌ فَوَقَعَ التَّحْذِيرُ فِيهِ عَلى الفِعْلِ كَرَّرَ فِيهِ التَّحْذِيرَ عَلى ما وراءَ الفِعْلِ مِمّا في الصُّدُورِ ونَبَّهَ فِيهِ عَلى مَنالِ العِلْمِ خُفْيَةً، فَإنَّهُ قَدْ يُتْرَكُ الشَّيْءُ فِعْلًا (p-٣٢٨)ولا تَتْرُكُ النَّفْسُ الغَيَّةُ صَغْوًا ونُزُوعًا إلَيْهِ في أوْقاتٍ، وكَرَّرَ في خَتْمِهِ التَّحْذِيرَ لِيَتَثَنّى التَّحْذِيرانِ تَرَقِّيًا مِنَ الظّاهِرِ في الفِعْلِ إلى باطِنِ الحِمايَةِ في العِلْمِ كَما تَثَنّى الأمْرانِ في الظّاهِرِ والباطِنِ، وكانَ في إجْراءِ هَذا الخِطابِ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ بِما أنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم يَلْزَمُهُمُ الاقْتِداءُ بِهِ فِيما لَمْ يُبادِرُوا إلى أخْذِهِ مِنَ اللَّهِ في خِطابِهِ الَّذِي عَرَّضَ بِهِ نَحْوَهُمُ؛ انْتَهى. فَقالَ تَعالى -: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا﴾ أيْ يا أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ قُدْرَةً وعِلْمًا، ثُمَّ قالَ عاطِفًا عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ الَّتِي هي مَقُولُ القَوْلِ إرادَةَ التَّعْمِيمِ: ﴿ويَعْلَمُ ما﴾ أيْ جَمِيعَ ما ﴿فِي السَّماواتِ﴾ ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَطْبُوعًا عَلى ظَنِّ أنَّهُ إذا أخْفى شَيْئًا في نَفْسِهِ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ أكَّدَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ وجَمِيعَ ما ﴿فِي الأرْضِ﴾ ظاهِرًا كانَ أوْ باطِنًا.

ولَمّا كانَ ذُو العِلْمِ لا يَكْمُلُ إلّا بِالقُدْرَةِ، وكانَ يَلْزَمُ مِن تَمامِ العِلْمِ شُمُولُ القُدْرَةِ - كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بُرْهانُهُ في سُورَةِ طَهَ - كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ (p-٣٢٩)مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِن نَمَطِ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] مَعَ ذِكْرِ التَّصْوِيرِ كَيْفَ يَشاءُ والخَتْمِ بِوَصْفَيِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ، وقَدْ دَلَّ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالتَّفَرُّدِ بِصِفَتَيِ العِلْمِ والقُدْرَةِ عَلى التَّفَرُّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ.

3:30Page 54

يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٣٠

The Day every soul will find what it has done of good present [before it] and what it has done of evil, it will wish that between itself and that [evil] was a great distance. And Allāh warns you of Himself, and Allāh is Kind to [His] servants."

ولَمّا تَمَّ الوَصْفُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ بَعْدَ التَّحْذِيرِ مِن سَطَواتِهِ ذَكَرَ يَوْمَ المَصِيرِ المُحَذَّرَ مِنهُ، المُحْصى فِيهِ كُلُّ كَبِيرٍ وصَغِيرٍ، المُعامَلَ فِيهِ كُلُّ عامِلٍ بِما يَلِيقُ بِهِ، الَّذِي يَتِمُّ فِيهِ انْكِشافُ الأوْصافِ لِكُلِّ ذَكِيٍّ وغَبِيٍّ فَقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ﴾ وهو مَعْمُولٌ لِعامِلٍ مِن مَعْنى ”يُحَذِّرُ“ ﴿تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ والَّذِي يُرْشِدُ إلى تَعْيِينِ تَقْدِيرِ هَذا العامِلِ - إذا جُعِلَ العامِلُ مُقَدَّرًا - قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ سابِقًا لَها ولاحِقًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”يَوْمٍ“ في قَوْلِهِ

﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] وتَكُونَ فَتْحَتُهُ لِلْبِناءِ لِإضافَتِهِ إلى الجُمْلَةِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، والمُرادُ بِالنَّفْسِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - المُكَلَّفَةُ ﴿ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ أيْ لا نَقْصَ فِيهِ ولا زِيادَةَ، بِأمْرِ القاهِرِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ حاضِرًا مُلازِمًا، فَما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ (p-٣٣٠)تَوَدُّ أنَّها لا تُفارِقُهُ ولا يَنْقُصُ مِنهُ شَيْءٌ [ وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ ] أيْ تُحِبُّ حُبًّا شَدِيدًا ﴿لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ﴾ أيْ ذَلِكَ العَمَلِ السُّوءِ ﴿أمَدًا﴾ أيْ زَمانًا. قالَ الحَرالِّيُّ: وأصْلُهُ مِقْدارُ ما يَسْتَوْفِي جُهْدَ الفَرَسِ مِنَ الجَرْيِ، فَهو مِقْدارُ ما يَسْتَوْفِي ظُهُورَ ما في التَّقْدِيرِ إلى وفاءِ كِيانِهِ ﴿بَعِيدًا﴾ مِنَ البُعْدِ، وهو مُنْقَطَعُ الوَصْلَةِ في حِسٍّ أوْ مَعْنىً. انْتَهى. فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ إحْضارَ الخَيْرِ دَلالَةً عَلى حُضُورِ السُّوءِ، ووَدَّ بَعْدَ السُّوءِ دَلالَةً عَلى ودِّ لُزُومِ الخَيْرِ.

ولَمّا ذَكَرَ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ كانَ كَأنَّهُ قالَ: فاتَّقُوهُ فَإنَّ اللَّهَ يُحَذِّرُكُمُوهُ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ الَّتِي لا يُحاطُ بِها ﴿نَفْسَهُ﴾ فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنْتَقِمٌ مِمَّنْ تَعَدّى طَوْرَهُ ونَسِيَ أنَّهُ عَبْدٌ، قالَ الحَرالِّيُّ: أنْ تَكُونَ لَكم أنْفُسٌ فَتَجِدَ ما عَمِلَتْ، ويُلْزِمَها وطْأةَ هَذِهِ المُؤاخَذَةِ، بَلِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَبْرَأ العَبْدُ مِن نَفْسِهِ تَبْرِئَتَهُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ إرادَةٌ، وأنْ يُلاحِظَ عِلْمَ اللَّهِ وقُدْرَتَهَ في كُلِّيَّةِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ وظاهِرِ الكَوْنِ وباطِنِهِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ تَكْرِيرُ التَّحْذِيرِ قَدْ يُنَفِّرُ بَيَّنَ أنَّ تَحْذِيرَهُ لِلِاسْتِعْطافِ، (p-٣٣١)فَإنَّهُ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبَعْثِ الدُّعاةِ والتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّرْهِيبِ مِنَ المَعْصِيَةِ المُسَبَّبِ عَنْهُ سَعادَةُ الدّارَيْنِ، فَهو مِن رَأْفَتِهِ بِالمُحَذَّرِينَ فَقالَ بانِيًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ويَعِدُكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَضْلَهُ ويُبَشِّرُكم بِهِ لِرَأْفَتِهِ بِكُمْ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ الَّذِي لَهُ وحْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَكانَ هَذا التَّحْذِيرُ الخاتِمُ ابْتِدائِيًّا، والتَّحْذِيرُ السّابِقُ انْتِهائِيًّا، فَكانَ هَذا رَأْفَةً سابِقَةً، وكانَ الأوَّلُ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلى الفِعْلِ تَحْذِيرًا لاحِقًا مُتَّصِلًا بِالمَصِيرِ إلى اللَّهِ، وهَذا الخاتِمُ مُبْتَدَأً بِالرَّأْفَةِ مِنَ اللَّهِ.

والرَّأْفَةُ - يَقُولُ أهْلُ المَعانِي - هي أرَقُّ الرَّحْمَةِ، والَّذِي يُفْصِحُ عَنِ المَعْنى - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - أنَّها عَطْفُ العاطِفِ عَلى مَن يَجِدُ عِنْدَهُ مِنهُ وصْلَةً، فَهي رَحْمَةُ ذِي الصِّلَةِ بِالرّاحِمِ، فَمَن تَحَقَّقَ أنَّ الأمْرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وجَدَ رِفْقَهُ وفَضْلَهُ ورَحْمَتَهُ عَلَيْهِ لِما بَرِئَ مِن دَعْوى شَيْءٍ مِن نِسْبَةِ الخَيْرِ إلى نَفْسِهِ، فَأحَبَّهُ لِذَلِكَ، قِيلَ لِأعْرابِيٍّ: إنَّكَ تَمُوتُ وتُبْعَثُ وتَرْجِعُ إلى اللَّهِ؟ فَقالَ: أتُهَدِّدُونَنِي بِمَن لَمْ أرَ الخَيْرَ قَطُّ إلّا مِنهُ فَلِذَلِكَ إذا تَحَقَّقَ العَبْدُ ذَلِكَ مِن رَبِّهِ أحَبَّهُ بِما وحَّدَهُ وبِما وجَدَهُ (p-٣٣٢)فِي العاجِلَةِ فَحَماهُ أنْ يَجِدَ عَمَلَ نَفْسِهِ في الآجِلَةِ. انْتَهى.

وقَدْ عُلِمَ أنَّ الآيَةَ مِنَ الاحْتِباكِ: التَّحْذِيرُ أوَّلًا دالٌّ عَلى الوَعْدِ بِالخَيْرِ ثانِيًا، والرَّأْفَةُ ثانِيًا دالَّةٌ عَلى الِانْتِقامِ أوَّلًا - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.

3:31Page 54

قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١

Say, [O Muḥammad], "If you should love Allāh, then follow me, [so] Allāh will love you and forgive you your sins. And Allāh is Forgiving and Merciful."

ولَمّا فَطَمَهم سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ ظاهِرًا وباطِنًا بِما اقْتَضى القَصْرَ عَلى مُوالاةِ أهْلِ اللَّهِ لِنَفْيِهِ مِن تَوَلِّي الكُفْرِ عَنْ أنْ يَكُونَ في شَيْءٍ مِنَ اللَّهِ، وكانَ الإنْسانُ رُبَّما والى الكافِرَ وهو يَدَّعِي مَحَبَّةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وخَتَمَ بِرَأْفَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِعِبادِهِ، وكانَتِ الرَّأْفَةُ قَدْ تَكُونُ عَنِ المَحَبَّةِ المُوجِبَةِ لِلْقُرْبِ، فَكانَ الإخْبارُ بِها رُبَّما دَعا إلى الِاتِّكالِ، ووَقَعَ لِأجْلِهِ الِاشْتِباهُ في الحِزْبَيْنِ، جَعَلَ لِذَلِكَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلامَةً فَقالَ: - وقالالحَرالِّيُّ: لَمّا كانَ أعْظَمُ ما يَتَرامى إلَيْهِ مَقاماتُ السّالِكِينَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى القاصِدِينَ إلَيْهِ مِن مَبْدَإ حالِ الذِّكْرِ الَّذِي هو مُنْتَهى المَقاماتِ العَشْرِ المُتَرَتِّبَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ﴾ [الأحزاب: ٣٥] مَحَبَّةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِما أنَّ المَحَبَّةَ وصْلَةٌ خَفِيَّةٌ يَعْرِفُ الحاسُّ بِها كُنْهَها، أقامَ سُبْحانَهُ وتَعالى الحُجَّةَ عَلى المُتَرامِينَ لِدَعْوى القُرْبِ مِنَ اللَّهِ والِادِّعاءِ في أصْلِ ما يَصِلُ إلَيْهِ القَوْلُ مِن مَحَبَّتِهِ بِما (p-٣٣٣)أنْبَأهم أنَّ مَنِ انْتَهى إلى أنْ يُحِبَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى فَلْيَتَّبِعْ هَذا النَّبِيَّ الَّذِي أحَبَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَمَنِ اتَّبَعَهُ أحَبَّهُ اللَّهُ، فَقامَتْ بِذَلِكَ الحُجَّةُ عَلى كُلِّ قاصِدٍ وسالِكٍ ومُتَقَرِّبٍ، فَإنَّ نِهايَةَ الخَلْقِ أنْ يُحِبُّوا اللَّهَ، وعِنايَةَ الحَقِّ أنْ يُحِبَّ العَبْدَ، فَرَدَّ سُبْحانَهُ وتَعالى جَمِيعَ مَن أحاطَ بِهِ الِاصْطِفاءُ والِاجْتِباءُ والِاخْتِصاصُ، ووَجَّهَهم إلى وُجْهَةِ الِاتِّباعِ لِحَبِيبِهِ الَّذِي أحَبَّهُ، كَما قالَ ﷺ ”لَوْ أنَّ مُوسى بَيْنَ أظْهُرِكم ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي“ وإذا كانَ ذَلِكَ في مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ في المُنْتَحِلِينَ لِمِلَّتِهِ ألْزَمَ بِما هم مُتَّبِعُونَ لِمُتَّبَعِهِ عِنْدَهُمْ، وأصْلُ ذَلِكَ أنَّهُ ﷺ لَمّا كانَ المَبْدَأ في الأبَدِ وجَبَ أنْ يَكُونَ النِّهايَةَ في المَعادِ، فَألْزَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الخَلِيقَةِ مِمَّنْ أحَبَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يَتَّبِعُوهُ، وأجْرى ذَلِكَ عَلى لِسانٍ إشْعارًا بِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والوُصُولِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن حَيْثُ إنَّهُ نَبِيُّ البُشْرى، ولِيَكُونَ ذَلِكَ أكْظَمَ لِمَن أبى اتِّباعَهُ - انْتَهى، فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ مُخْلِصِينَ في حُبِّهِ لِاعْتِقادِ أنَّهُ عَلى غايَةِ الكَمالِ، فَإنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ (p-٣٣٤)﴿فاتَّبِعُونِي﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: قَدْ فَسَّرَ ﷺ ظاهِرَ اتِّباعِهِ فَقالَ ”فِي البِرِّ“ وأصْلُ حَقِيقَتِهِ الإيمانُ بِاللَّهِ والإيثارُ لِعِبادِهِ، والتَّقْوى وهي مِلاكُ الأمْرِ وأصْلُ الخَيْرِ، وهي اطِّراحُ اسْتِغْناءِ العَبْدِ بِشَيْءٍ مِن شَأْنِهِ، لا مِن مِلْكٍ ولا مِن مُلْكٍ ولا مِن فِعْلٍ ولا مِن وصْفٍ ولا مِن ذاتٍ حَتّى يَكُونَ عِنْدَهُ كَما هو عِنْدَ رَبِّهِ في أزَلِهِ قَبْلَ أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا لِنَفْسِهِ لِيَكُونَ أمْرُهُ كُلُّهُ بِرَبِّهِ في وُجُودِهِ كَما كانَ أمْرُهُ بِرَبِّهِ قَبْلَ وُجُودِهِ لِنَفْسِهِ، وقَدْ فُسِّرَ حَقُّ التُّقاةِ الَّتِي هي غايَةُ التَّقْوى بِأنْ يَكُونَ العَبْدُ يَشْكُرُ فَلا يَكْفُرُ، ويَذْكُرُ فَلا يَنْسى، ويُطِيعُ فَلا يَعْصِي. انْتَهى.

قالَ الإمامُ: المَحَبَّةُ تُوجِبُ الإقْبالَ بِالكُلِّيَّةِ عَلى المَحْبُوبِ والإعْراضَ عَنْ غَيْرِهِ. انْتَهى. فَمَنِ ادَّعى مَحَبَّتَهُ وخالَفَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهو كَذّابٌ، وكِتابُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى يُكَذِّبُهُ ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى والصِّفاتُ العُلى حُبًّا ظَهَرَتْ أماراتُهُ بِما أعْلَمَ بِهِ الفَكُّ، فَإنَّ الأمْرَ المُنَجِّيَ غايَةَ النَّجاةِ إنَّما هو مَحَبَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْعَبْدِ، لا مَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ، فَإنَّهُ رُبَّما كانَتْ لَهُ حالَةٌ (p-٣٣٥)يَظُنُّ بِها أنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ والواقِعُ أنَّهُ لَيْسَ كَما ظَنَّ لِكَوْنِهِ يَعْمَلُ بِما يُسْخِطُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والأمارَةُ الصَّحِيحَةُ لِذَلِكَ رَدُّ الأمْرِ كُلِّهِ إلى اللَّهِ، وحِينَئِذٍ يَفْعَلُ اللَّهُ مَعَ العَبْدِ فِعْلَ المُحِبِّ مِن حُسْنِ الثَّناءِ والإكْرامِ بِالثَّوابِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَإنَّ مَن رَدَّ الأمانَةَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أحَبَّهُ اللَّهُ فَكانَ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ ويَدَهُ ورِجْلَهُ، وإذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا أراحَهُ وأنْقَذَهُ مِن مَنالِهِ في أنْ يَكُونَ هو يُحِبُّ اللَّهَ، فَمَن أحَبَّ اللَّهَ ولِهَ، ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ سَكَنَ في ابْتِداءِ عِنايَتِهِ وثَبَّتَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. انْتَهى. فَقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى أنَّ الدَّلالَةَ النّاشِئَةَ عَنِ الرَّأْفَةِ مِنَ الإكْرامِ بِالنِّعَمِ مِنَ الهِدايَةِ بِالبَيانِ والإبْلاغِ في الإحْسانِ عامَّةٌ لِلْمَحْبُوبِ وغَيْرِهِ، وأنَّ الدَّلِيلَ عَلى المَحَبَّةِ الإلَهِيَّةِ هو الِاتِّباعُ الدّاعِي «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ فَأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاوَةِ» «ما تَقَرَّبَ المُتَقَرِّبُونَ إلَيَّ بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِمْ، ولا يَزالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ» .

ولَمّا كانَ الدِّينُ شَدِيدًا لَنْ يُشادَّهُ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ، لِما عَلَيْهِ العَبْدُ مِنَ العَجْزِ والمَعْبُودُ مِن عَظِيمِ الأمْرِ أتْبَعَ ذَلِكَ الإعْلامَ بِأنَّهُ مَعَ (p-٣٣٦)إيصالِ الثَّوابِ يَرْفَعُ العِقابَ فَقالَ - وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ مِن آيَةِ حُبِّ اللَّهِ لَهُ ﷺ ما أنْزَلَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] أجْرى لِمَن أحَبَّهُ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ حَظًّا مِنهُ في قَوْلِهِ -: ﴿ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ أيْ مُطْلَقًا، وذَنْبَ كُلِّ عَبْدٍ بِحَسَبِهِ، لِأنَّ أصْلَ مَعْنى الذَّنْبِ أدْنى مَقامِ العَبْدِ، فَكُلُّ ذِي مَقامٍ أعْلاهُ حَسَنَتُهُ وأدْناهُ ذَنْبُهُ، ولِذَلِكَ في كُلِّ مَقامٍ تَوْبَةٌ، حَتّى تَقَعَ التَّوْبَةُ مِنَ التَّوْبَةِ فَيَكْمُلَ الوُجُودُ والشُّهُودُ.

ولَمّا كانَ هَذا الأمْرُ مِن أخَصِّ ما يَقَعُ، وكانَ مِمّا دُونَهُ مَقاماتُ خَواصِّ الخَلْقِ فِيما بَيْنَ إسْلامِهِمْ إلى مَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى خَتَمَ تَعالى بِما يُفْهِمُ أحْوالَ ما يَرْجِعُ إلى مَن دُونَ هَذا الكَمالِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ لِمَن لَمْ يَنْتَهِ لِرُتْبَةِ حُبِّ اللَّهِ لَهُ بِما يَقَعُ في أثْناءِ أحْوالِهِ مِن مُوجِبِ المَغْفِرَةِ واسْتِدْعاءِ الرَّحْمَةِ حَيْثُ لَمْ يَصِلْ إلى المَحَبَّةِ، فَمَرْحُومٌ بَعْدَ مَغْفِرَةٍ وهو القاصِدُ، ومَغْفُورٌ بَعْدَ مَحَبَّةٍ وهو الواصِلُ. انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском