Al-Biqa'iAl‑Ahzab · 33:36–44

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:36–44

33:36Page 423

وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ٣٦

It is not for a believing man or a believing woman, when Allāh and His Messenger have decided a matter, that they should [thereafter] have any choice about their affair. And whoever disobeys Allāh and His Messenger has certainly strayed into clear error.

ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] - الآيَةُ، فَعُلِمَ قَطْعًا أنَّهُ تَسَبَّبَ عَنْها ما تَقْدِيرُهُ: وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ لِأنْ يَكُونَ لَهُ ولِيٌّ غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ، فَطَوى ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ، واسْتَدَلَّ عَلى مَضْمُونِ الآيَةِ وما قَبْلَها بِقِصَّةِ الأحْزابِ، وأتْبَعَها نَتِيجَةَ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَ تَأْدِيبَ الأزْواجِ لَهُ ﷺ وتَهْذِيبِهِنَّ لِأجْلِهِ وتَطْهِيرِ أهْلِ بَيْتِهِ وتَكْرِيمِهِمْ حَتّى خَتَمَ سُبْحانَهُ بِالصِّفاتِ العَشْرِ الَّتِي بَدَأها بِالإسْلامِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الإباءِ، وخَتَمَها بِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يَكُونُ مِلْءَ القَلْبِ والفَمِ وهو داعٍ إلى مِثْلِ ذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَبُ الإسْلامِ، عَطَفَ عَلى مُسَبَّبِ آيَةِ الوِلايَةِ ما يَقْتَضِيهِ كَثْرَةُ الذِّكْرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ﴾ .

ولَمّا كانَ الإيمانُ قَدْ يُدْعى كَذِبًا لِخَفاءٍ بِهِ، قالَ: ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾ أيْ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وزَيْدٍ وغَيْرِهِما ﴿ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ مِن زَيْنَبَ وغَيْرِها، فَعَلَّقَ الأمْرَ بِالإيمانِ إعْلامًا بِأنَّ مَنِ اعْتَرَضَ غَيْرُ مُؤْمِنٍ وإنْ أظْهَرَ الإيمانَ بِلِسانِهِ ﴿إذا قَضى اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا يَنْبَغِي (p-٣٥٥)لِعاقِلٍ التَّوَقُّفُ في أمْرِهِ ﴿ورَسُولُهُ﴾ الَّذِي لا يُعْرَفُ قَضاؤُهُ إلّا بِهِ ﴿أمْرًا﴾ أيْ أيَّ أمْرٍ كانَ.

ولَمّا كانَ المُرادُ كُلَّ مُؤْمِنٍ، والعِبارَةُ صالِحَةٌ لَهُ، وكانَ النَّفْيُ عَنِ المَجْمُوعِ كُلِّهِ نَفْيًا عَمّا قَلَّ عَنْهُ مِن بابِ الأوْلى، قالَ: ”أنْ تَكُونَ“ أيْ كَوْنًا راسِخًا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالفَوْقانِيَّةِ، وفي غايَةِ الرُّسُوخِ عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ بِالتَّحْتانِيَّةِ ﴿لَهُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الخِيَرَةُ﴾ مَصْدَرٌ مِن تَخَيَّرَ كالطِّيَرَةِ مِن تَطَيَّرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ ﴿مِن أمْرِهِمْ﴾ أيِ الخاصِّ بِهِمْ بِاسْتِخارَةٍ لِلَّهِ ولا بِغَيْرِها لِيَفْعَلُوا خِلافَ ذَلِكَ القَضاءِ، فَإنَّ المُرادَ بِالِاسْتِخارَةِ ظَنُّ ما اخْتارَهُ اللَّهُ، وإخْبارُ النَّبِيِّ ﷺ قَطْعِيُّ الدَّلالَةِ عَلى [ما] اخْتارَهُ اللَّهُ تَعالى، وفي هَذا عِتابٌ لِزَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَلى تَعْلِيقِ الإجابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ ما خَطَبَها لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ عَلى الِاسْتِخارَةِ، وعَلى كَراهَتِها عِنْدَ ما خَطَبَها لِزَيْدٍ مَوْلاهُ، ولَكِنَّها لَمّا قَدَّمَتْ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ خَيَّرَتْهُ ﷺ في تَزْوِيجِها مِن زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَلى خِيَرَتِها، عَوَّضَها اللَّهُ أنْ صَيَّرَها لِنَبِيِّهِ ﷺ ومَعَهُ في الجَنَّةِ في أعْلى الدَّرَجاتِ، فالخِيَرَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، فَمَن فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ عَصى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ (p-٣٥٦)عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومِن عَصاهُ عَصى اللَّهَ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ إلّا عَنْهُ ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿ورَسُولُهُ﴾ أيْ [الَّذِي] مَعْصِيَتُهُ مَعْصِيَتُهُ لِكَوْنِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَلْقِ في بَيانِ ما أُرْسِلَ بِهِ إلَيْهِمْ ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ وأكَّدَهُ المَصْدَرُ فَقالَ: ﴿ضَلالا﴾ وزادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُبِينًا﴾ أيْ لا خَفاءَ بِهِ، فالواجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يَكُونَ مَعَهُ ﷺ في كُلِّ ما يَخْتارُهُ وإنْ كانَ فِيهِ أعْظَمُ المَشَقّاتِ عَلَيْهِ تَخَلُّفًا بِقَوْلِ الشّاعِرِ حَيْثُ قالَ:

؎وقَفَ الهَوى بِي حَيْثُ أنْتَ فَلَيْسَ لِي ∗∗∗ مُتَأخَّرٌ عَنْهُ ولا مُتَقَدَّمُ

؎وأهَنْتَنِي فَأهَنْتُ نَفْسِي عامِدًا ∗∗∗ ∗∗∗ ما مَن يَهُونُ عَلَيْكَ مِمَّنْ يُكْرَمُ

33:37Page 423

وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَيۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا ٣٧

And [remember, O Muḥammad], when you said to the one on whom Allāh bestowed favor and you bestowed favor,1 "Keep your wife and fear Allāh," while you concealed within yourself that which Allāh is to disclose.2 And you feared the people,3 while Allāh has more right that you fear Him.4 So when Zayd had no longer any need for her, We married her to you in order that there not be upon the believers any discomfort [i.e., guilt] concerning the wives of their claimed [i.e., adopted] sons when they no longer have need of them. And ever is the command [i.e., decree] of Allāh accomplished.

ولَمّا كانَ قَدْ أخْبَرَهُ سُبْحانَهُ - كَما رَواهُ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَلِيِّ ابْنِ جُدْعانَ عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - أنَّ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها سَتَكُونُ مِن أزْواجِهِ وأنَّ زَيْدًا سَيُطَلِّقُها، وأخْفى في نَفْسِهِ ذَلِكَ تَكَرُّمًا وخَشْيَةً مِن قالَةِ النّاسِ أنَّهُ يُرِيدُ نِكاحَ زَوْجَةِ ابْنِهِ، وكانَ في إظْهارِ ذَلِكَ أعْلامٌ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، وكانَ مَبْنى أمْرِ الرِّسالَةِ عَلى إبْلاغِ النّاسِ ما أعْلَمَ [اللَّهُ] بِهِ أحَبُّوهُ (p-٣٥٧)أوْ كَرِهُوهُ، وأنْ لا يُراعِيَ غَيْرَهُ، ولا يَلْتَفِتَ إلى سِواهُ وإنْ كانَ في ذَلِكَ خَوْفُ ذَهابِ النَّفْسِ، فَإنَّهُ كافٍ مَن أرادَ بِعِزَّتِهِ، ومُتْقِنٌ مَن أرادَ بِحِكْمَتِهِ، كَما أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ [بِهِ] مِنَ النَّبِيِّينَ كُلِّهِمْ ومِن مُحَمَّدٍ ونُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ فَكانَ مِنَ المَعْلُومِ [أنَّ] التَّقْدِيرَ: اذْكُرْ ما أخَذْنا مِنكَ ومِنَ النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ عَلى إبْلاغِ كُلِّ شَيْءٍ أخْبَرْناكم بِهِ ولَمْ نَنْهَكم مِن إفْشائِهِ وما أخَذْنا عَلى الخَلْقِ في كُلٍّ مِن طاعَتِكَ ومَعْصِيَتِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ تَقُولُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الأكْمَلَ يُعاتِبُ عَلى بَعْضِ الكَمالاتِ لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ عَنْها وتَحَلِّيهِ بِأكْمَلَ مِنها مِن بابِ ”حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ“، وبَيَّنَ شَرَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ كُلُّ كَمالٍ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ بِالإسْلامِ وتَوَلِّي نَبِيَّهُ ﷺ إيّاهُ بَعْدَ الإيجادِ والتَّرْبِيَةِ، وبَيَّنَ مَنزِلَتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أيْ بِالعِتْقِ والتَّبَنِّي حِينَ اسْتَشارَكَ في فِراقِ زَوْجِهِ الَّذِي أخْبَرَكَ اللَّهُ أنَّهُ يُفارِقُها وتَصِيرُ زَوْجَتَكَ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ أيْ زَيْنَبَ ﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ [أيْ] الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ في جَمِيعِ أمْرِكَ لا سِيَّما ما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِها ولا تَغْبِنْها بِقَوْلِكَ: إنَّها تَتَرَفَّعُ عَلَيَّ - ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿وتُخْفِي﴾ أيْ والحالُ أنَّكَ تُخْفِي، أيْ تَقُولُ لَهُ مُخْفِيًا ﴿فِي نَفْسِكَ﴾ أيْ مِمّا أخْبَرَكَ اللَّهُ مِن أنَّها سَتَصِيرُ إحْدى زَوْجاتِكَ عَنْ (p-٣٥٨)طَلاقِ زَيْدٍ ﴿ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ أيْ بِحَمْلِ زَيْدٍ عَلى تَطْلِيقِها وإنْ أمَرْتَهُ أنْتَ بِإمْساكِها وتَزْوِيجِكَ بِها وأمْرِكَ بِالدُّخُولِ عَلَيْها، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ما أخْفى غَيْرَ ما أعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أنَّها سَتَصِيرُ زَوْجَتَهُ عَنْ طَلاقِ زَيْدٍ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ما أبْدى غَيْرَ ذَلِكَ ولَوْ أخْفى غَيْرَهُ لَأبْداهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ، رَوى البُخارِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

ولَمّا ذَكَرَ إخْفاءَهُ ذَلِكَ، ذَكَرَ عِلَّتَهُ فَقالَ عاطِفًا عَلى ”تُخْفِي“: ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ أيْ [مِن] أنْ تُخْبِرَ بِما أخْبَرَكَ اللَّهُ بِهِ فَيُصَوِّبُوا إلَيْكَ مُرْجَماتِ الظُّنُونَ لا سِيَّما اليَهُودُ والمُنافِقُونَ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ الَّذِي لا شَيْءَ أعْظَمُ مِنهُ ﴿أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ولا تَجْمَعُ خَشْيَةَ النّاسِ مَعَ خَشْيَتِهِ في أنْ تُؤَخِّرَ شَيْئًا أخْبَرَكَ بِهِ لِشَيْءٍ يَشُقُّ عَلَيْكَ حَتّى يَفْرُقَ لَكَ فِيهِ أمْرٌ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: لَوْ كَتَمَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ.

ولَمّا عَلِمَ مِن هَذا أنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَهُ بِأنْ زَيْدًا سَيُطَلِّقُها وأنَّها سَتَصِيرُ زَوْجًا لَهُ مِن طَلاقِ زَيْدٍ إيّاها، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ عاطِفًا عَلَيْهِ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ أيْ حاجَةً مِن زَواجِها والدُّخُولِ بِها، (p-٣٥٩)وذَلِكَ بِانْقِضاءِ عِدَّتِها مِنهُ لِأنَّهُ بِهِ يُعْرَفُ أنَّهُ لا حاجَةَ لَهُ فِيها، وأنَّهُ قَدْ تَقاصَرَتْ عَنْها هِمَّتُهُ، وطابَتْ عَنْها نَفْسُها، وإلّا لَراجَعَها ﴿زَوَّجْناكَها﴾ ولَمْ نُحْوِجْكَ إلى ولِيٍّ مِنَ الخَلْقِ يَعْقِدُ لَكَ عَلَيْها، تَشْرِيفًا لَكَ ولَها، بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي خَرَقْنا بِها عَوائِدَ الخَلْقِ حَتّى أذْعَنَ لِذَلِكَ كُلُّ مَن عَلِمَ بِهِ، وسَرَّتْ بِهِ جَمِيعُ النُّفُوسِ، ولَمْ يَقْدِرْ مُنافِقٌ ولا غَيْرُهُ عَلى الخَوْضِ في ذَلِكَ بِبِنْتِ شَفَةٍ مِمّا يُوهِنُهُ ويُؤَثِّرُ فِيهِ، رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [لِزَيْدٍ]: اذْهَبْ فاذْكُرْها عَلَيَّ، فانْطَلَقَ زَيْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتّى أتاها وهي تُخَمِّرُ عَجِينَها، قالَ: فَلَمّا رَأيْتُها عَظُمَتْ في صَدْرِي حَتّى ما أسْتَطِيعُ أنْ أنْظُرَ إلَيْها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَها، فَوَلَّيْتُها ظَهْرِي ونَكَصْتُ عَلى عَقِبِي فَقُلْتُ: يا زَيْنَبُ! إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُكِ، قالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُوامِرَ رَبِّي، فَقامَتْ إلى مَسْجِدِها ونَزَلَ القُرْآنُ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ قالَ: ولَقَدْ رَأيْتُنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أطْعَمَنا الخُبْزَ واللَّحْمَ حَتّى امْتَدَّ النَّهارُ فَخَرَجَ النّاسُ وبَقِيَ رِجالٌ يَتَحَدَّثُونَ» فَذَكَرَهُ، سَيَأْتِي. وقالَ البَغَوِيُّ: (p-٣٦٠)قالَ الشَّعْبِيُّ: «كانَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها تَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنِّي لِأدِلُّ عَلَيْكَ بِثَلاثٍ ما مِن نِسائِكِ امْرَأةٌ تَدِلُّ بِهِنَّ: جَدِّي وجَدُّكَ واحِدٌ، وأنِّي أنْكَحَنِيكَ اللَّهُ في السَّماءِ، وأنَّ السَّفِيرَ لَجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ».

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ التَّزْوِيجَ عَلى ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ، ذَكَرَ عِلَّتِهِ [دالًّا عَلى أنَّ الأصْلَ مُشارَكَةُ الأُمَّةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ في الأحْكامِ وأنْ لا خُصُوصِيَّةَ إلّا بِدَلِيلٍ] فَقالَ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ أزالَتْ عَراقَتُهم في الإيمانِ حُظُوظَهم ﴿حَرَجٌ﴾ أيْ ضِيقٍ ﴿فِي أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ تَبَنَّوْا بِهِمْ وأجْرَوْهم في تَحْرِيمِ أزْواجِهِمْ مَجْرى أزْواجِ البَنِينَ [عَلى الحَقِيقَةِ] ﴿إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ أيْ حاجَةً بِالدُّخُولِ بِهِنَّ ثُمَّ الطَّلاقِ وانْقِضاءِ العِدَّةِ.

ولَمّا عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّ ناسًا يَقُولُونَ في هَذِهِ الواقِعَةِ أقْوالًا شَتّى، دَلَّ عَلى ما قالَهُ زَيْنُ العابِدِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ [مِنَ] الحُكْمِ بِتَزَوِيجِها وإنْ كَرِهْتَ وتَرَكْتَ إظْهارَ ما أخْبَرَكَ اللَّهُ بِهِ كَراهِيَةً لِسُوءِ القالَةِ واسْتِحْياءً مِن ذَلِكَ، وكَذا كُلُّ أمْرٍ يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ ﴿مَفْعُولا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ لا رادَّ لِأمْرِهِ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.

33:38Page 423

مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا ٣٨

There is not to be upon the Prophet any discomfort concerning that which Allāh has imposed upon him.1 [This is] the established way of Allāh with those [prophets] who have passed on before. And ever is the command of Allāh a destiny decreed.

(p-٣٦١)ولَمّا أنْتَجَ هَذا التَّسْهِيلَ لِما كانَ اسْتَصْعَبَهُ ﷺ والتَّأْمِينَ مِمّا كانَ خافَهُ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا رَدًّا عَلى مَن يَظُنُّ خِلافَ ذَلِكَ: ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ﴾ أيِ الَّذِي مَنزِلَتُهُ مِنَ اللَّهِ الِاطِّلاعُ عَلى ما لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ الخَلْقِ ﴿مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ﴾ أيْ قَدَّرَ ﴿اللَّهُ﴾ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ وأوْجَبَهُ ﴿لَهُ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا حَرَجٌ في ذَلِكَ، فَكَيْفَ بِرَأْسِ المُؤْمِنِينَ، فَصارَ مَنفِيًّا عَنْهُ الحَرَجُ مَرَّتَيْنِ خُصُوصًا بَعْدَ عُمُومٍ تَشْرِيفًا لَهُ وتَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ.

ولَمّا كانَ مِمّا يُهَوِّنُ الأُمُورَ الصِّعابَ المُشارَكَةُ فِيها فَكَيْفَ إذا كانَتِ المُشارَكَةُ مِنَ الأكابِرِ، قالَ واضِعًا الِاسْمَ مَوْضِعَ مَصْدَرِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أيْ سِنَّ المَلِكُ الَّذِي إذا سَنَّ شَيْئًا أتْقَنَهُ بِما لَهُ مِنَ العِزَّةِ والحِكْمَةِ فَلَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِنهُ ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ وكَأنَّهُ أرادَ أنْ يَكُونَ أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْلى مُرادٍ بِهَذا، تَبْكِيتًا لِمُلْبِسِي أتْباعِهِمْ فَأدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِنَ الأنْبِياءِ الأقْدَمِينَ في إباحَةِ التَّوْسِيعِ في النِّكاحِ لَهُمْ، وهو تَكْذِيبٌ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أنْكَرُوا ذَلِكَ، وإظْهارٌ لِتَلْبِيسِهِمْ.

ولَمّا كانَ المُرادُ بِالنِّسْبَةِ الطَّرِيقَ الَّتِي قَضاها وشَرَعَها قالَ مُعْلِمًا (p-٣٦٢)بِأنَّ هَذا الزَّواجَ كانَ أمْرًا لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ لِإرادَتِهِ لَهُ في الأزَلِ فَلا يَعْتَرِضُ فِيهِ مُعْتَرِضٌ بِبِنْتِ شَفَةٍ يَحِلُّ بِهِ ما يَحِلُّ بِمَنِ اعْتَرَضَ عَلى أوامِرِ المَلِكِ، ولِأجْلِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الإعْلامِ [اعْتَرَضَ بِهِ بَيْنَ الصِّفَةِ] والمَوْصُوفِ فَقالَ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ قَضاءُ المَلِكِ الأعْظَمِ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ مِن كُلِّ ما يَسْتَحِقُّ أنْ يَأْمُرَ بِهِ ويَهْدِيَ إلَيْهِ ويَحُثَّ عَلَيْهِ، وعَبَّرَ عَنِ السُّنَّةِ بِالأمْرِ تَأْكِيدًا لِأنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ ﴿قَدَرًا﴾ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَقْدُورًا﴾ أيْ لا خُلْفَ فِيهِ، ولا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ في حِينِهِ الَّذِي حَكَمَ بِكَوْنِهِ فِيهِ، وهو مُؤَيَّدٌ أيْضًا لِقَوْلِ زَيْنِ العابِدِينَ

33:39Page 423

ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٣٩

[Allāh praises] those who convey the messages of Allāh1 and fear Him and do not fear anyone but Allāh. And sufficient is Allāh as Accountant.

وكَذا قَوْلُهُ تَعالى واصِفًا لِلَّذِينِ خَلَوْا: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ﴾ أيْ إلى أُمَمِهِمْ ﴿رِسالاتِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ سَواءً كانَتْ في نِكاحٍ أوْ غَيْرِهِ شَقَّتْ أوْ لا ﴿ويَخْشَوْنَهُ﴾ أيْ فَيُخْبِرُونَ بِكُلِّ ما أخْبَرَهم بِهِ ولَمْ يَمْنَعْهم مِن إفْشائِهِ، ولَوَّحَ بَعْدَ التَّصْرِيحِ في قَوْلِهِ ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا﴾ قَلَّ أوْ جَلَّ ﴿إلا اللَّهَ﴾ لِأنَّهُ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ.

ولَمّا كانَ الخَوْفُ مِنَ المَلِكِ العَدْلِ إنَّما هو مِن حِسابِهِ كانَ التَّقْدِيرُ: فَيَخافُونَ حِسابَهُ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿حَسِيبًا﴾ أيْ مُجازِيًا لِكُلِّ أحَدٍ بِما عَمِلَ وبالِغًا في حِسابِهِ الغايَةَ القُصْوى، وكافِيًا مَن أرادَ كِفايَتَهُ كُلَّ مَن أرادَهُ بِسُوءٍ.

33:40Page 423

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٤٠

Muḥammad is not the father of [any] one of your men, but [he is] the Messenger of Allāh and seal [i.e., last] of the prophets. And ever is Allāh, of all things, Knowing.

(p-٣٦٣)ولَمّا أفادَ هَذا كُلَّهُ أنَّ الدَّعِيَّ لَيْسَ ابْنًا، وكانُوا قَدْ قالُوا لَمّا تَزَوَّجَ زَيْنَبَ كَما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: تَزَوَّجَ حَلِيلَةَ ابْنِهِ، أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ عَلى وجْهٍ هو مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ وأعْظَمُ دَلائِلَ الرِّسالَةِ فَقالَ: ﴿ما كانَ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ مُطْلَقِ كَوْنِ ﴿مُحَمَّدٌ﴾ أيْ عَلى كَثْرَةِ نِسائِهِ وأوْلادِهِ ﴿أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ لا مَجازًا بِالتَّبَنِّي ولا حَقِيقَةَ بِالوِلادَةِ، لِيَثْبُتَ بِذَلِكَ أنْ تَحْرُمَ عَلَيْهِ زَوْجَةُ الِابْنِ، ولَمْ يَقُلْ: مِن بَنِيكُمْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهو سَنَةُ خَمْسٍ وما داناها - ابْنٌ، ذَكَرَ لِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ أنَّهُ سَيُولَدُ لَهُ ابْنُهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَعَ ما كانَ قَبْلَهُ مِنَ البَنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغْ أحَدٌ مِنهُمُ الحُلُمَ - عَلى جَمِيعِهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ولَمّا [كانَ] بَيْنَ كَوْنِهِ ﷺ أبًا لِأحَدٍ مِنَ الرِّجالِ حَقِيقَةً وبَيْنَ كَوْنِهِ خاتَمًا مُنافاةٌ قالَ: ﴿ولَكِنْ﴾ كانَ في عِلْمِ اللَّهِ غَيْبًا وشَهادَةً أنَّهُ ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي كُلُّ مَن سِواهُ عَبْدُهُ، فَبَيْنَكم وبَيْنَ رَسُولِهِ مِن جِهَةِ مُطْلَقِ الرِّسالَةِ أُبُوَّةً وبُنُوَّةً مَجازِيَّةً، أمّا مِن جِهَتِهِ فَبِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ والتَّرْبِيَةِ والنَّصِيحَةِ مِن غَيْرِ أنْ تُحَرِّمَ (p-٣٦٤)عَلَيْهِ تِلْكَ البُنُوَّةُ شَيْئًا مِن نِسائِكم وإلّا لَمْ يَكُنْ لِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ مَزِيَّةٌ، وأمّا مِن جِهَتِكم فَبِوُجُوبِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ والطّاعَةِ وحُرْمَةِ الأزْواجِ، وأمّا كَوْنُ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ الَّذِي لا أعْظَمُ [مِنهُ] فَهو مُقْتَضٍ لِأنْ يُبْلِغَ النّاسُ عَنْهُ جَمِيعَ ما أمَرَهُ بِهِ، وقَدْ بَلَغَكم قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] ووَظِيفَةُ الشَّرِيفَةِ مُقْتَضِيَةٌ لِأنْ يَكُونَ أوَّلَ مُؤْتَمِرٍ بِهَذا الأمْرِ، فَهو لا يَدْعُو أحَدًا مِن رِجالِكم بَعْدَ هَذا ابْنَهُ.

ولَمّا لَمْ يَكُنْ مُطْلَقُ النُّبُوَّةِ ولا مُطْلَقُ الرِّسالَةِ مُنافِيًا لِأُبُوَّةِ الرِّجالِ قالَ: ﴿وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أيْ لِأنَّ رِسالَتَهُ عامَّةٌ ونَبُّوتَهُ مَعَها إعْجازُ القُرْآنِ، فَلا حاجَةَ مَعَ ذَلِكَ إلى اسْتِنْباءٍ ولا إرْسالٍ، فَلا يُولَدُ بَعْدَهُ مَن يَكُونُ نَبِيًّا، وذَلِكَ مُقْتَضٍ لِئَلّا يَبْلُغَ لَهُ ولَدٌ [يُولَدُ مِنهُ] مَبْلَغَ الرِّجالِ، ولَوْ قُضِيَ أنْ يَكُونَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ لَما كانَ إلّا مِن نَسْلِهِ إكْرامًا لَهُ [لِأنَّهُ أعْلى النَّبِيِّينَ رُتْبَةً وأعْظَمُ شَرَفًا، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ كَرامَةٌ إلّا ولَهُ مِثْلُها أوْ أعْظَمُ مِنها، ولَوْ صارَ أحَدٌ مِن ولَدِهِ رَجُلًا لَكانَ نَبِيًّا بَعْدَ ظُهُورِ نُبُوَّتِهِ، وقَدْ قَضى اللَّهُ ألّا يَكُونَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ إكْرامًا لَهُ]، رَوى أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في ابْنِهِ إبْراهِيمَ: ”لَوْ عاشَ لَكانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا“»، ولِلْبُخارِيِّ نَحْوُهُ عَنِ (p-٣٦٥)البَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ولِلْبُخارِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ أبِي أوْفى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ قَضى أنْ يَكُونَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيٌّ لَعاشَ ابْنُهُ، ولَكِنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ. والحاصِلُ أنَّهُ لا يَأْتِي بَعْدَهُ نَبِيٌّ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ مُطْلَقًا ولا يَتَجَدَّدُ بَعْدَهُ أيْضًا اسْتِنْباءُ نَبِيٍّ مُطْلَقًا، فَقَدْ آلَ الأمْرُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ما كانَ مُحَمَّدٌ بِحَيْثُ يَتَجَدَّدُ بَعْدَهُ نُبُوَّةٌ بِرِسالَةٍ ولا غَيْرِها ولَكِنَّهُ [كانَ] - مَعَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - خِتامًا لِلنُّبُوَّةِ غَيْرَ أنَّهُ سِيقَ عَلى الوَجْهِ المُعْجِزِ لِما تَقَدَّمَ مِنَ النُّكَتِ وغَيْرِها، وهَذِهِ الآيَةُ مُثْبِتَةٌ لِكَوْنِهِ خاتَمًا عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأعْظَمِهِ، وذَلِكَ أنَّها في سِياقِ الإنْكارِ لِأنْ يَكُونَ بَنِيهِ أحَدٌ مِن رِجالِهِمْ بُنُوَّةً حَقِيقِيَّةً أوْ مَجازِيَّةً بِغَيْرِ جِهَةِ [الإدْلاءِ بِأُنْثى أوْ] كَوْنِهِ رَسُولًا وخاتَمًا، صَوْنًا لِمَقامِ النُّبُوَّةِ أنْ يَتَجَدَّدَ بَعْدَهُ لِأحَدٍ لِأنَّهُ لَوْ كانَ [ذَلِكَ] بَشَرٌ لَمْ يَكُنْ إلّا ولَدًا لَهُ، وإنَّما أُوثِرَتْ إماتَةُ أوْلادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَأْثِيرُ قَلْبِهِ الشَّرِيفِ [بِها] إعْلاءً لِمَقامِهِ أنْ يَتَسَنَّمَهُ أحَدٌ كائِنًا مَن كانَ، وذَلِكَ لِأنَّ فائِدَةَ إتْيانِ النَّبِيِّ تَتْمِيمَ شَيْءٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ مِن قَبْلِهِ، وقَدْ حَصَلَ بِهِ ﷺ التَّمامُ فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ مَرامٌ «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ» وأمّا (p-٣٦٦)تَجْدِيدُ ما وهى بِما أحْدَثَهُ بَعْضُ الفَسَقَةِ فالعُلَماءُ كافُّونَ فِيهِ لِوُجُودِ ما خُصَّ بِهِ ﷺ مِن هَذا القُرْآنِ المُعْجِزِ الَّذِي مَن سَمِعَهُ فَكَأنَّما سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، لِوُقُوعِ التَّحَقُّقِ والقَطْعِ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ غَيْرُهُ أنْ يَقُولَ شَيْئًا مِنهُ، فَمَهْما حَصَلَ ذُهُولٌ عَنْ ذَلِكَ قَرَّرَهُ مَن يُرِيدُ اللَّهُ مِنَ العُلَماءِ، فَيَعُودُ الِاسْتِبْصارُ [كَما رُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ] «عُلَماءُ أُمَّتِي كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ» وأمّا إتْيانُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ تَجْدِيدِ المَهْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِجَمِيعِ ما وهَنَ مِن أرْكانِ المَكارِمِ فَلِأجْلِ فِتْنَةِ الدَّجّالِ ثُمَّ طامَّةُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يَسْتَقِلُّ بِأعْبائِهِ غَيْرُ نَبِيٍّ، وما أحْسَنَ ما نُقِلَ عَنْ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في مَرْثِيَّتِهِ لِإبْراهِيمَ ابْنِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ قالَ:

؎مَضى ابْنُكَ مَحْمُودَ العَواقِبِ لَمْ يُشَبْ ∗∗∗ بِعَيْبٍ ولَمْ يَذْمُمْ بِقَوْلٍ ولا فِعْلِ

؎رَأى أنَّهُ إنْ عاشَ ساواكَ في العُلا ∗∗∗ ∗∗∗ فَآثَرَ أنْ يَبْقى وحِيدًا بِلا مِثْلِ

وقالَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في آخِرِ كِتابِهِ الِاقْتِصادِ: إنَّ الأُمَّةَ فَهِمَتْ مِن هَذا اللَّفْظِ - أيْ لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ - ومِن قَرائِنِ أحْوالِهِ ﷺ أنَّهُ أفْهَمَ عَدَمَ نَبِيٍّ بَعْدَهُ أبَدًا، وعَدَمَ رَسُولٍ بَعْدَهُ أبَدًا، وأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَأْوِيلٌ ولا تَخْصِيصٌ، وقالَ: إنَّ مَن أوَّلَهُ بِتَخْصِيصِ النَّبِيِّينَ (p-٣٦٧)بِأُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ونَحْوِ هَذا فَكَلامُهُ مِن أنْواعِ الهَذَيانِ، لا يَمْنَعُ الحُكْمَ بِتَكْفِيرِهِ، لِأنَّهُ مُكَذِّبٌ بِهَذا النَّصِّ الَّذِي أجْمَعَ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُؤَوَّلٍ ولا مَخْصُوصٍ هَذا كَلامُهُ في كِتابِ الِاقْتِصادِ، نَقَلْتُهُ مِنهُ بِغَيْرِ واسِطَةٍ ولا تَقْلِيدٍ، فَإيّاكَ أنْ تُصْغِيَ إلى مَن نَقَلَ عَنْهُ غَيْرَ هَذا، فَإنَّهُ تَحْرِيفٌ يُحاشِي حُجَّةَ الإسْلامِ عَنْهُ:

؎وكَمْ مِن عائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا ∗∗∗ وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ

وقَدْ بانَ بِهَذا أنَّ إتْيانَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [غَيْرُ] قادِحٍ في هَذا النَّصِّ، فَإنَّهُ مِن أُمَّتِهِ ﷺ المُقَرِّرِينَ لِشَرِيعَتِهِ، وهو قَدْ كانَ نَبِيًّا قَبْلَهُ لَمْ يَسْتَجْدِ لَهُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ، [فَلَمْ يَكُنْ] ذَلِكَ قادِحًا في الخَتْمِ وهو مُثْبِتٌ لِشَرَفِ نَبِيِّنًا ﷺ، ولَوْلا هو لَما وُجِدَ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ شَرَفٌ إلّا ولَهُ ﷺ مِثْلُهُ أوْ أعْلى مِنهُ، وقَدْ كانَتِ الأنْبِياءُ تَأْتِي مُقَرِّرَةً لِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُجَدِّدَةً لَها، فَكانَ المُقَرِّرُ لِشَرِيعَةِ نَبِيِّنا ﷺ المُتَّبِعِ لِمِلَّتِهِ مَن كانَ ناسِخًا لِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ولَمّا كانَ المَقامُ في هَذا البَتِّ بِأنَّهُ لا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ يَصِيرُ رَجُلًا مَقامَ إحاطَةِ العِلْمِ، كانَ التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أحاطَ عِلْمًا بِأنَّهُ عَلى كَثْرَةِ نِسائِهِ وتَعَدُّدِ أوْلادِهِ لا يُولَدُ لَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ فَيَصِيرُ رَجُلًا ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ [أيْ] الَّذِي لَهُ كُلُّ صِفَةِ كَمالٍ أزَلًا وأبَدًا ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (p-٣٦٨)مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿عَلِيمًا﴾ فَيَعْلَمُ مَن يَلِيقُ بِالخَتْمِ ومَن يَلِيقُ بِالبَدْءِ، قالَ الأُسْتاذُ ولِيُّ الدِّينِ المَلَوِيُّ في كِتابِهِ حِصْنِ النُّفُوسِ في سُؤالِ القَبْرِ: واخْتِصاصُهُ ﷺ بِالأحْمَدِيَّةِ والمُحَمَّدِيَّةِ عِلْمًا وصِفَةَ بُرْهانٍ جَلِيٍّ عَلى خَتْمِهِ إذِ الحَمْدُ مَقْرُونٌ بِانْقِضاءِ الأُمُورِ مَشْرُوعٌ [عِنْدَهُ] وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وقَدْ بَيَّنَ السُّهَيْلِيُّ هَذا في سُورَةِ الحَوارِيِّينَ مِن كِتابِ الإعْلامِ. انْتَهى. وقَدْ بَيَّنْتُ في سُورَةِ النَّحْلِ أنَّ [مَدارَ] مادَّةِ الحَمْدِ عَلى بُلُوغِ الغايَةِ وامْتِطاءِ النِّهايَةِ.

33:41Page 423

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا ٤١

O you who have believed, remember Allāh with much remembrance

ولَمّا كانَ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ سُبْحانَهُ مِن إحاطَةِ العِلْمِ مُسْتَلْزِمًا لِلْإحاطَةِ بِأوْصافِ الكَمالِ، وكانَ قَدْ وعَدَ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ بِأنْ يَكْفِيَهُ كُلَّ مُهِمٍّ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقِصَّةِ الأحْزابِ وغَيْرِها وأمَرَ بِطاعَةِ نَبِيِّهِ ﷺ وتَقَدَّمَ بِالوَصِيَّةِ التّامَّةِ في تَعْظِيمِهِ إلى أنْ أنْهى الأمْرَ في إجْلالِهِ، وكانَتْ طاعَةُ العَبْدِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن كُلِّ وجْهٍ حَتّى يَكُونَ مَسْلُوبَ الِاخْتِيارِ مَعَهُ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا لا يَحْمِلُ عَلَيْها إلّا طاعَةُ اللَّهِ، وكانَتْ طاعَةُ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يَحْمِلُ عَلَيْها إلّا دَوامُ ذِكْرِهِ، قالَ بَعْدَ تَأْكِيدِ زَواجِهِ ﷺ لِزَيْنَبَ (p-٣٦٩)رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِأنَّهُ هو سُبْحانَهُ زَوَّجَهُ إيّاها لِأنَّهُ قَضى أنْ لا بُنُوَّةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أحَدٍ مِن رِجالِ أُمَّتِهِ تُوجِبُ حُرْمَةَ زَوْجِ الوَلَدِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعَوْا ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ ﴿اذْكُرُوا﴾ أيْ تَصْدِيقًا لِدَعْواكم ذَلِكَ ﴿اللَّهَ﴾ الَّذِي هو أعْظَمُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ أيْ بِأنْ تَعْقِدُوا لَهُ سُبْحانَهُ صِفاتِ الكَمالِ وتُثْنُوا عَلَيْهِ بِها بِألْسِنَتِكُمْ، فَلا تَنْسَوْهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ لِيَحْمِلَكم ذَلِكَ عَلى تَعْظِيمِ رَسُولِهِ ﷺ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، واعْتِقادِ كَمالِهِ في كُلِّ حالٍ، وأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، لِتَحُوزُوا مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا، كَما تَقَدَّمَ الوَعْدُ بِهِ.

33:42Page 423

وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا ٤٢

And exalt Him morning and afternoon.

ولَمّا كانَ ثُبُوتُ النُّبُوَّةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ [أحَدٍ مِن] الرِّجالِ خارِمًا لِإحاطَةِ العِلْمِ، وجَبَ تَنْزِيهُهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وسَبِّحُوهُ﴾ أيْ عَنْ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ عَلى خِلافِ ما أخْبَرَ بِهِ، وعَنْ كُلِّ صِفَةِ نَقْصٍ بَعْدَ ما أثْبَتُّمْ لَهُ كُلَّ صِفَةِ كَمالٍ ﴿بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أيْ في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ أيْ دائِمًا لِأنَّ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ إمّا لِلشُّغْلِ الشّاغِلِ ابْتِداءً أوِ انْتِهاءً أوْ لِلرّاحَةِ، فَوُجُوبُ الذِّكْرِ فِيهِما وُجُوبٌ لَهُ في غَيْرِهِما مِن بابِ الأُولى، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمْ يَفْرِضِ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ فَرِيضَةً إلّا جَعَلَ لَها حَدًّا مَعْلُومًا،

33:43Page 423

هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا ٤٣

It is He who confers blessing upon you,1 and His angels [ask Him to do so] that He may bring you out from darknesses into the light. And ever is He, to the believers, Merciful.

ثُمَّ عُذْرُ أهْلِها في حالِ العُذْرِ غَيْرُ الذِّكْرِ فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ، ولَمْ يَعْذُرْ أحْدًا في تَرْكِهِ إلّا مَغْلُوبًا (p-٣٧٠)عَلى عَقْلِهِ. وهُما أيْضًا مَشْهُودانِ بِالمَلائِكَةِ ودالّانِ عَلى السّاعَةِ: الثّانِي قُرْبُها بِزَوالِ الدُّنْيا كُلُّها، والأوَّلُ عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى صَلاتَيِ الصُّبْحِ والعَصْرِ، لِأنَّ المُواظَبَةَ عَلَيْهِما - لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن صُعُوبَتِهِما بِما يَعْتَرِي في وقْتَيْهِما مِنَ الشَّغْلِ بِالرّاحَةِ وغَيْرِها - دالَّةٌ عَلى غايَةِ المَحَبَّةِ لِلْمُثُولِ بِالحَضَراتِ الرَّبّانِيَّةِ حامِلَةٌ عَلى المُواظَبَةِ عَلى غَيْرِهِما مِنَ الصَّلَواتِ وجَمِيعِ الطّاعاتِ بِطَرِيقِ الأوْلى، ويُؤَكِّدُ هَذا الثّانِي تَعْبِيرَهُ بِلَفْظِ الصَّلاةِ في تَعْلِيلِ ذَلِكَ بَدَوْتُمْ ذِكْرَهُ لَنا سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بِصِفَةِ الرَّحْمانِيَّةِ مُتَحَنِّنًا، لِأنَّ المُصَلِّيَ مِنّا يَتَعَطَّفُ في الأرْكانِ ﴿ومَلائِكَتُهُ﴾ أيْ كُلِّهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ لَكم وحِفْظُكم مِن كَثِيرٍ مِنَ المَعاصِي والآفاتِ ويَتَرَدَّدُ بَعْضُهم بَيْنَهُ سُبْحانَهُ وبَيْنَ الأنْبِياءِ بِما يَنْزِلُ إلَيْهِمْ مِنَ الذِّكْرِ الحافِظِ مِن كُلِّ سُوءٍ فَقَدِ اشْتَرَكَتِ الصَّلاتانِ في إظْهارِ شَرَفِ المُخاطَبِينَ.

ولَمّا كانَ فِعْلُ المَلائِكَةِ [مَنسُوبًا إلَيْهِ] لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ الخالِقَ لَهُ الآمِرَ بِهِ قالَ: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ أيْ بِذَلِكَ ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ [أيْ] الكائِنَةِ مِنَ الجَهْلِ المُوجِبِ لِلضَّلالِ ﴿إلى النُّورِ﴾ أيِ النّاشِئِ مِنَ العِلْمِ المُثْمِرِ لِلْهُدى، فَيَخْرُجُ بَعْضُكم بِالفِعْلِ مِن ظُلُماتِ المَعاصِي المُقْتَضِيَةِ لِلرَّيْنِ عَلى القَلْبِ إلى نُورِ الطّاعاتِ، فَتَكُونُوا بِذَلِكَ مُؤْمِنِينَ ﴿وكانَ﴾ أيِ أزَلًا وأبَدًا ﴿بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ صارَ الإيمانُ لَهم ثابِتًا (p-٣٧١)[خاصَّةً] ﴿رَحِيمًا﴾ أيْ بَلِيغَ الرَّحْمَةِ بِتَوْفِيقِهِمْ لِفِعْلِ ما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ، فَإنَّهم أهْلُ خاصَّتِهِ فَيَحْمِلُهم عَلى الإخْلاصِ في الطّاعاتِ، فَيَرْفَعُ لَهُمُ الدَّرَجاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ.

33:44Page 424

تَحِيَّتُهُمۡ يَوۡمَ يَلۡقَوۡنَهُۥ سَلَٰمٞۚ وَأَعَدَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَرِيمٗا ٤٤

Their greeting the Day they meet Him will be, "Peace." And He has prepared for them a noble reward.

ولَمّا كانَ أظْهَرُ الأوْقاتِ في ثَمْرَةِ هَذا الوَصْفِ ما بَعْدَ المَوْتِ، قالَ تَعالى مُبَيِّنًا لِرَحْمَتِهِمْ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ أيْ بِالمَوْتِ أوِ البَعْثِ ﴿سَلامٌ﴾ أيْ يَقُولُونَ لَهُ ذَلِكَ، ”أنْتَ السَّلامُ ومِنكَ السَّلامُ فَجِئْنا رَبَّنا بِالسَّلامِ“ [كَما يَقُولُهُ المُحْرِمُ المُشْبِهُ لِحالِ مَن هو في الحَشْرِ فَيُجابُونَ بِالسَّلامِ] الَّذِي فِيهِ إظْهارُ شَرَفِهِمْ ويَأْمَنُونَ مَعَهُ مِن كُلِّ عَطَبٍ ﴿وأعَدَّ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ أعَدَّ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ بَعْدَ السَّلامَةِ الدّائِمَةِ ﴿أجْرًا كَرِيمًا﴾ أيْ غَدَقًا دائِمًا لا كَدَرَ في شَيْءٍ مِنهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском