Al-Biqa'iQaf · 50:24–40

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Qaf 50:24–40

50:24Page 519

أَلۡقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٖ ٢٤

[Allāh will say], "Throw into Hell every obstinate disbeliever,

ولَمّا كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ مَن أُحْضِرَ إلَيْهِ شَيْءٌ تَبادَرَ إلى أمْرِهِ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وصَلَ بِذَلِكَ ما هو نَتِيجَتُهُ، وبَدَأ بِالعاصِي؛ لِأنَّ المَقامَ لَهُ، فَقالَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا وزْنَ لَهُ، فَلا وقْفَةَ في عَذابِهِ بِحِسابِهِ ولا غَيْرِهِ، مُؤَكِّدًا خِطابًا لِلْمُؤَكَّدِ بِالإلْقاءِ أوْ خِطابًا لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ، أوِ السّائِقِ وحْدَهُ مُثَنِّيًا لِضَمِيرِهِ تَثْنِيَةً لِلْأمْرِ كَأنَّهُ قالَ: ألْقِ ألْقِ، تَأْكِيدًا لَهُ وتَهْوِيلًا: ﴿ألْقِيا﴾ أيِ اطْرَحا دَفْعًا مِن غَيْرِ شَفَقَةٍ، وقِيلَ: بَلْ هو تَثْنِيَةٌ؛ وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ الرُّفْقَةَ أدْنى ما يَكُونُ ثَلاثَةً، فَجَرى كَلامُ الواحِدِ عَلى صاحِبِهِ، ألا تَرى أنَّ الشُّعَراءَ أكْثَرُ شَيْءٍ قِيلًا: يا صاحِبِيَّ، يا خَلِيلِيَّ، والسِّرُّ فِيهِ إذا كانَ المُخاطَبُ واحِدًا إفْهامُهُ أنَّهُ يُرادُ مِنهُ الفِعْلُ بِجِدٍّ عَظِيمٍ تَكُونُ قُوَّتُهُ (p-٤٢٧)فِيهِ مُعادِلَةً لِقُوَّةِ اثْنَيْنِ ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾ أيِ: النّارِ الَّتِي تَلْقى المُلْقى فِيها بِما كانَ يُعامِلُ بِهِ عِبادَ اللَّهِ مِنَ الكِبْرِ والعُبُوسَةِ والتَّكَرُّهِ والتَّعَصُّبِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ تَعْلِيلَ إلْقائِهِ بِوَصْفٍ يَعُمُّ غَيْرَهُ لِيَكُونَ لُطْفًا لِمَن أرادَ اللَّهُ عِصْمَتَهُ مِمَّنْ سَمِعَ هَذا المَقالَ وحُجَّةً عَلى مَن أرادَ اللَّهُ إهانَتَهُ: ﴿كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ أيْ: مَبالِغٍ في سَتْرِ الحَقِّ والمُعاداةِ لِأهْلِهِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ حَمِيَّةً وأنَفَةً نَظَرًا إلى اسْتِحْسانِ ما عِنْدَهُ والثَّباتِ عَلَيْهِ تَجَبُّرًا وتَكَبُّرًا عَلى ما عِنْدَ غَيْرِهِ ازْدِراءً لَهُ كائِنًا مَن كانَ

50:25Page 519

مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٖ مُّرِيبٍ ٢٥

Preventer of good, aggressor, and doubter,

﴿مَنّاعٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ المَنعِ ﴿لِلْخَيْرِ﴾ مِنَ المالِ وغَيْرِهِ مِن كُلِّ مَعْرُوفٍ يَتَعَلَّقُ بِالمالِ والقالِ والفِعالِ ﴿مُعْتَدٍ﴾ مُتَجاوِزٍ لِلْحُدُودِ ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ: داخِلٍ في الرَّيْبِ وهو الشَّكُّ والتُّهْمَةُ في أمْرِ الدِّينِ، ومُوقِعٍ غَيْرَهُ فِيهِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِن ”كُلِّ“ قَوْلَهُ بَيانًا لِمُبالَغَتِهِ في الكُفْرِ الَّذِي أوْجَبَ لَهُ كُلَّ شَرٍّ

50:26Page 519

ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَأَلۡقِيَاهُ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ٢٦

Who made [as equal] with Allāh another deity; then throw him into the severe punishment."

﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ كُفْرًا مُضاعِفًا وعِنادًا ومَنعًا لِلْخَيْرِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ في قَلْبِهِ ولِسانِهِ وبَدَنِهِ، وتَجاوُزًا لِلْحُدُودِ دُخُولًا في الشَّكِّ وإدْخالًا لِغَيْرِهِ فِيهِ ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، فَلَيْسَ أمْرُهُ خَفِيًّا عَنْ كُلِّ ذِي عَقْلٍ ﴿إلَهًا﴾

ولَمّا كانَ رُبَّما تَعَنَّتَ مُتَعَنِّتٌ فَنَزَّلَ الآيَةَ عَلى مَن يَدْعُو اللَّهَ بِغَيْرِ هَذا الِاسْمِ الأعْظَمِ، صَرَّحَ بِالمُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿آخَرَ﴾ وزادَ الكَلامَ أنَّهُ مَأْخُوذٌ (p-٤٢٨)مِنَ التَّأخُّرِ النّاظِرِ إلى الرَّداءَةِ والسُّقُوطِ عَنْ [عَيْنِ] الِاعْتِبارِ بِالكُلِّيَّةِ.

ولَمّا كانَ هَذا قَدْ جَحَدَ الحَقَّ الواجِبَ لِلَّهِ لِذاتِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ثُمَّ ما يَجِبُ لَهُ مِن [جِهَةِ] رُبُوبِيَّتِهِ وإنْعامِهِ عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ، ثُمَّ مِن جِهَةِ إدامَةِ إحْسانِهِ مَعَ المَعْصِيَةِ بِالحِلْمِ، وعانَدَ في ذَلِكَ وفي إثْباتِهِ لِلْغَيْرِ ما لا يَصِحُّ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، سَبَّبَ عَنْ وصْفِهِ قَوْلَهُ: ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ﴾ [أيِ] الَّذِي يُزِيلُ [كَلَّ] عُذُوبَةٍ ﴿الشَّدِيدِ﴾

50:27Page 519

۞ قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطۡغَيۡتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ ٢٧

His [devil] companion will say, "Our Lord, I did not make him transgress, but he [himself] was in extreme error."

ولَمّا كانَ القَرِينُ قَدْ قالَ ما تَقَدَّمَ مُرِيدًا بِهِ - جَهْلًا مِنهُ - الخَلاصَ مِنَ العَذابِ بِإظْهارِ أنَّهُ لَيْسَ بِأوْصافِ هَذِهِ النَّفْسِ، بَلْ مِن كِبارِ المُؤْمِنِينَ، فَأُجِيبَ مَقالُهُ بِإلْقاءِ تِلْكَ النَّفْسِ مُعَلِّلًا لِلْأمْرِ بِإلْقائِها بِما شَمِلَ هَذا القَرِينَ، فَتَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما يَكُونُ مِن حالِهِ، وكانَتِ العادَةُ جارِيَةً أنَّ مَن تَكَلَّمَ في شَخْصٍ بِما فِيهِ مِثْلُهُ ولا سِيَّما إنْ كانَ هو السَّبَبَ فِيهِ أوْ كانَ قَدْ تَكَلَّمَ ذَلِكَ الشَّخْصُ فِيهِ، فَكانَ قِياسٌ ذَلِكَ يَقْتَضِي ولا بُدَّ أنْ تَقُولَ تِلْكَ النَّفْسُ القَوْلَ فِيها، وهَذا عِنْدَ الأمْرِ بِإلْقائِها: رَبَّنا هو أطْغانِي: أجابَ تَعالى عِنْدَ هَذا التَّشَوُّفِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ مُنادِيًا بِإسْقاطِ الأداةِ دَأْبَ أهْلِ القُرْبِ إيهامًا أنَّهُ مِنهُمْ: ﴿رَبَّنا﴾ أيُّها المُحْسِنُ [إلَيْنا] أيَّتُها الخَلائِقُ كُلُّهم ﴿ما أطْغَيْتُهُ﴾ أيْ: أوْقَعْتُهُ فِيما كانَ فِيهِ مِنَ الطُّغْيانِ؛ فَإنَّهُ لا سُلْطانَ لِي عَلَيْهِ وأنْتَ أعْلَمُ بِذَلِكَ ﴿ولَكِنْ كانَ﴾ بِجِبِلَّتِهِ وطَبْعِهِ (p-٤٢٩)﴿فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ مُحِيطٍ بِهِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ لا يُمْكِنُ رُجُوعُهُ مَعَهُ، فَلِذَلِكَ كانَ يُبادِرُ إلى كُلِّ ما يُغْضِبُ اللَّهَ، وإنَّ حَرَكَتَهُ إلَيْهِ إنْ فاتَهُ لا يَحْتاجُ إلى أدْنى تَحْرِيكٍ فَيَثُورُ لَهُ ثَوْرَةَ مَن هو مَجْبُولٌ مَرْكُوزٌ في طِباعِهِ.

50:28Page 519

قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ ٢٨

[Allāh] will say, "Do not dispute before Me, while I had already presented to you the threat [i.e., warning].

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: بِمَ يُجابُ عَنْ هَذا؟ وهَلْ يُقْبَلُ مِنهُ؟ قِيلَ: لا ﴿قالَ﴾ أيِ المَلِكُ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً الَّذِي حَكَمَ عَلَيْهِمْ في الأزَلِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا﴾ أيْ: لا تُوقِعُوا الخُصُومَةَ بِهَذا الجِدِّ والِاجْتِهادِ ﴿لَدَيَّ﴾ أيْ: في دارِ الجَزاءِ بِهَذِهِ الحَضْرَةِ الَّتِي هي فَوْقَ ما كُنْتُمْ تُدْرِكُونَهُ مِنَ الأخْبارِ عَنْها بِكَثِيرٍ، وأعْجَبَ بِما يُدْرَكُ حَقَّ الإدْراكِ، فَقَدْ أتَمَّ انْكِشافُ ما كانَ يَسْتَغْرِبُهُ الخاصَّةُ بَلْ خاصَّةُ الخاصَّةِ، فَفاتَ بِانْكِشافِها نَفْعُ إيمانٍ جَدِيدٍ ﴿وقَدْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿قَدَّمْتُ﴾ أيْ: تَقَدَّمْتُ، أيْ أمَرْتُ وأوْصَيْتُ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ مُوصِلًا ومُنْهِيًا ﴿إلَيْكُمْ﴾ أيْ: كُلَّ ما يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ حَتّى لَمْ يَبْقَ لَبْسٌ ولا تَرَكْتُ لِأحَدٍ حُجَّةً بِوَجْهٍ، وجَعَلْتُ ذَلِكَ رِفْقًا بِكم مُلْتَبِسًا ﴿بِالوَعِيدِ﴾ أيِ: التَّهْدِيدِ وهو التَّخْوِيفُ العَظِيمُ عَلى جَمِيعِ ما ارْتَكَبْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرانِ والعُدْوانِ في الوَقْتِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ [هَذِهِ] الحَضْرَةُ الَّتِي هي غَيْبُ الغَيْبِ ومَسْتُورَةٌ بِسَتائِرِ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ وبَلْ كانَ ما دُونَها مِنَ الغَيْبِ مَسْتُورًا، فَكانَ الإيمانُ بِهِ نافِعًا.

50:29Page 519

مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٢٩

The word [i.e., decree] will not be changed with Me, and never will I be unjust to the servants."

ولَمّا كانَتِ الأوْقاتُ كُلُّها عِنْدَهُ سُبْحانَهُ حاضِرَةً، عَبَّرَ سُبْحانَهُ في تَعْلِيلِ ذَلِكَ بِ”ما“ الَّتِي لِلْحاضِرِ دُونَ ”لا“ الَّتِي لِلْمُسْتَقْبَلِ فَقالَ: ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: يُغَيَّرُ مِن مُغَيَّرٍ [ما كانَ مِن] كانَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ بِحَيْثُ يُجْعَلُ (p-٤٣٠)لَهُ بَدَلٌ فَيَكُونُ فِيهِ خُلْفٌ ﴿القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيِ: الواصِلُ إلَيْكم مِن حَضْرَتِي الَّتِي لا يُحاطُ بِأمْرِ غَرابَتِها بِأنَّ مَن أشْرَكَ بِي لا أغْفِرُ لَهُ وأغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن أشاءُ، والعَفْوُ عَنْ بَعْضِ المُذْنِبِينَ لَيْسَ تَبْدِيلًا؛ لِأنَّ دَلائِلَ العَفْوِ تَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِ الوَعِيدِ، وأنَّهُ مَشْرُوطٌ بِشَرائِطَ ﴿وما أنا﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ فَقالَ: ﴿بِظَلامٍ﴾ أيْ: بِذِي ظُلْمٍ ﴿لِلْعَبِيدِ﴾ لا القَرِينِ ولا مَن أطْغاهُ ولا غَيْرِهِمْ، فَأُعَذِّبُ مَن لا يَسْتَحِقُّ أوْ أعْفُو عَمَّنْ قُلْتُ: إنِّي لا أغْفِرُ لَهُ وأمَرْتُ جُنْدِي فَعادَوْهُ فِيَّ، ولَوْ عَفَوْتُ عَنْهُ كُنْتُ مَعَ تَبْدِيلِ القَوْلِ قَدْ سُؤْتُهم بِإكْرامِ مَن عادَوْهُ فِيَّ لَيْسَ إلّا.

50:30Page 519

يَوۡمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمۡتَلَأۡتِ وَتَقُولُ هَلۡ مِن مَّزِيدٖ ٣٠

On the Day We will say to Hell, "Have you been filled?" and it will say, "Are there some more,"

ولَمّا كانَ هَذا التَّقاوُلُ مِمّا يَهُولُ أمْرُهُ ويَقْلَعُ القُلُوبَ ذِكْرُهُ، صَوَّرَ وقْتَهُ بِصُورَةٍ تَزِيدُ في ذَلِكَ الهَوْلِ، ويَنْقَطِعُ دُونَ وصْفِها القَوْلُ، ولا يُطْمَعُ في الخَلاصِ مِنها بِقُوَّةٍ ولا حَوْلٍ، فَقالَ ما مَعْناهُ: [يَكُونُ] هَذا كُلُّهُ ﴿يَوْمَ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الإعْلامَ بِأنَّ النّارَ كَبِيرَةٌ مَعَ ضِيقِها، فَهي تَسَعَ مِنَ الخَلائِقِ ما لا يَقَعُ تَحْتَ حَصْرٍ، وأنَّها مَعَ كَراهَتِها لِمَن يَصْلاها وتَجَهُّمِها لَهم تُحِبُّ تَهافُتَهم فِيها وجَلْبَهم إلَيْها عَبَّرَ عَنْهُ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿نَقُولُ﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي [لا] يَسُوغُ لِشَيْءٍ أنْ يَخْفى عَنْها ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ دارِ العَذابِ مَعَ الكَراهَةِ والعُبُوسَةِ والتَّجَهُّمِ إظْهارًا لِلْهَوْلِ بِتَصْوِيرِ الأمْرِ المُهَدَّدِ بِهِ، وتَقْرِيعِ الكُفّارِ، وتَنْبِيهِ مَن يَسْمَعُ (p-٤٣١)هَذا الخَبَرَ عَنْ هَذا السُّؤالِ مِنَ الغَفْلَةِ: ﴿هَلِ امْتَلأْتِ﴾ فَصَدَقَ قَوْلُنا ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وذَلِكَ بَعْدَ أنْ يُلْقى فِيها مِنَ الخَلائِقِ ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ، فَتَقُولُ: لا.

﴿وتَقُولُ﴾ طاعَةً لِلَّهِ ومَحَبَّةً في عَذابِ أعْدائِهِ وإخْبارًا بِأنَّها لَمْ تَمْتَلِئْ؛ لِأنَّ النّارَ مِن شَأْنِها أنَّها كُلَّما زِيدَتْ حَطَبًا زادَتْ لَهَبًا: ﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: زِيادَةٍ أوْ شَيْءٍ مِنَ العُصاةِ إزادَةً، سَواءٌ كانَ كَثِيرًا أوْ قَلِيلًا؛ فَإنِّي أسَعُ ما يُؤْتى بِهِ إلَيَّ ولا تَزالُ كَذَلِكَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: ««لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ: هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ الجَبّارُ فِيها قَدَمَهُ»». أيْ: يَضْرِبُها مِن جَبَرُوتِهِ بِسَوْطِ إهانَةٍ فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ وعِزَّتِكَ، ثُمَّ يَسْتَمِرُّونَ بَيْنَ دُولَتَيِ الحَرِّ والزَّمْهَرِيرِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ آيَةً في هَذِهِ الدّارِ بِاخْتِلافِ الزَّمانِ في الحَرِّ والبَرْدِ، فَإذا أفْرَطَ الحُرُّ جاءَتْ رَحْمَتُهُ [تَعالى بِالبَرْدِ وبِالماءِ مِنَ السَّماءِ فامْتَزَجا مَعًا فَكانَ التَّوَسُّطُ، وإذا أفْرَطَ البَرْدُ جاءَتْ رَحْمَتُهُ] بِالحَرِّ بِواسِطَةِ الشَّمْسِ، فامْتَزَجَ المُوجَدانِ، فَكانَ لَهُ تَوَسُّطٌ، وكُلُّ ذَلِكَ [لَهُ] دَوائِرُ مَوْزُونَةٌ بِأقْساطٍ مُقَسَّطَةٍ مَعْلُومَةٍ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ - ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ بُرْجانَ.

50:31Page 519

وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ غَيۡرَ بَعِيدٍ ٣١

And Paradise will be brought near to the righteous, not far,

ولَمّا ذَكَرَ النّارَ وقَدَّمَها لِأنَّ المَقامَ لِلْإنْذارِ، أتْبَعَها دارَ الأبْرارِ، فَقالَ سارًّا لَهم بِإسْقاطِ مُؤْنَةِ السَّيْرِ وطَيِّ شُقَّةِ البُعْدِ: ﴿وأُزْلِفَتِ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ بِأيْسَرِ أمْرٍ مَعَ الدَّرَجاتِ والحِياضِ المُمْتَلِئَةِ ﴿الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ: العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ، فَإذا رَأوْها تَسابَقُوا إلَيْها وتَرَكُوا ما كانُوا فِيهِ مِن (p-٤٣٢)المَوْقِفِ مِن مَنابِرِ النُّورِ وكُثْبانَ المِسْكِ ونَحْوِ هَذا، وأمّا غَيْرُهم مِن أهْلِ الإيمانِ فَقَدْ يَكُونُ لَهم عَلى غَيْرِ هَذا الوَصْفِ، فَيُساقُ إلَيْها الَّذِينَ اتَّقَوْا كَما مَضى في الزُّمَرِ.

ولَمّا كانَ القُرْبُ أمْرًا نِسْبِيًّا أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ: إزْلافًا لا يَصِحُّ وصْفُهُ بِبُعْدٍ.

50:32Page 519

هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ ٣٢

[It will be said], "This is what you were promised - for every returner [to Allāh] and keeper [of His covenant].

ولَمّا كانَ التَّقْرِيبُ قَدْ لا يَدْرِي النّاظِرُ ما سَبَبُهُ، قالَ سارًّا لَهُمْ: ﴿هَذا﴾ أيِ: الإزْلافُ والَّذِي تَرَوْنَهُ مِن كُلِّ ما يَسُرُّكم ﴿ما﴾ أيِ: الأمْرُ الَّذِي ﴿تُوعَدُونَ﴾ أيْ: وقَعَ الوَعْدُ لَكم بِهِ في الدُّنْيا، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ حِكايَةً لِلْحالِ الماضِيَةِ، وعَبَّرَ عَنِ الإزْلافِ بِالماضِي تَحْقِيقًا لِأمْرِهِ وتَصْوِيرًا لِحُضُورِهِ الآنَ لِيَكُونَ المُضارِعُ مِنَ الوَعْدِ في أحْكَمِ مَواضِعِهِ، وأبْهَمَ الأمْرَ؛ لِأنَّهُ أكْثَرُ تَشْوِيقًا، والتَّعْيِينُ بَعْدَ الإبْهامِ ألَذُّ، فَلِذَلِكَ قالَ بَيانًا لِلْمُتَّقِينَ، مُعِيدًا لِلْجارِّ لِما وقَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ مِنَ الجُمْلَةِ الِاعْتِراضِيَّةِ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: لِمَن هَذا الوَعْدُ؟ فَقالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ﴾ أيْ: رَجّاعٍ إلى الِاسْتِقامَةِ بِتَقْوى القَلْبِ إنْ حَصَلَ في ظاهِرِهِ عِوَجٌ، فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ مِن فَضْلِهِ لَمْ يَشْتَرِطْ في صِحَّةِ وصْفِهِ بِالتَّقْوى دَوامَ الِاسْتِقامَةِ ﴿حَفِيظٍ﴾ أيْ: مُبالِغٍ في حِفْظِ الحُدُودِ وسائِرِ العُهُودِ بِدَوامِ الِاسْتِقامَةِ والرُّجُوعِ بَعْدَ الزَّلَّةِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِن ”كُلِّ“ [تَتْمِيمًا] لِبَيانِ المُتَّقِينَ قَوْلَهُ:

50:33Page 519

مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ ٣٣

Who feared the Most Merciful in the unseen and came with a heart returning [in repentance].

﴿مَن خَشِيَ﴾ ولَمْ يُعِدِ الجارَّ لِأنَّهُ لا اعْتِراضَ قَبْلَهُ كالأوَّلِ، ونَبَّهَ عَلى كَثْرَةِ [خَشْيَتِهِ] بِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنَ﴾ لِأنَّهُ إذا خافَ مَعَ اسْتِحْضارِ الرَّحْمَةِ العامَّةِ لِلْمُطِيعِ والعاصِي كانَ خَوْفُهُ مَعَ اسْتِحْضارِ غَيْرِها أوْلى، وقالَ القُشَيْرِيُّ: التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ (p-٤٣٣)لِلْإشارَةِ إلى أنَّها خَشْيَةٌ تَكُونُ مَقْرُونَةً بِالأُنْسِ يَعْنِي الرَّجاءَ كَما هو المَشْرُوعُ، قالَ: ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: ”الجَبّارَ“ أوِ ”القَهّارَ“ قالَ: ويُقالُ: الخَشْيَةُ ألْطَفُ مِنَ الخَوْفِ؛ فَكَأنَّها قَرِيبَةٌ مِنَ الهَيْبَةِ ﴿بِالغَيْبِ﴾ أيْ: مُصاحِبًا لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَطْلُبَ آيَةً أوْ أمْرًا يَصِيرُ بِهِ إلى حَدِّ المُكاشَفَةِ، بَلِ اسْتَغْنى بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ الَّتِي مِنها [أنَّهُ] مَرْبُوبٌ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن رَبٍّ، وهو أيْضًا بَيانٌ لِبَلِيغِ خَشْيَتِهِ.

ولَمّا كانَ النّافِعُ مِنَ الطّاعَةِ الدّائِمَ إلى المَوْتِ، قالَ: ﴿وجاءَ﴾ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ ﴿بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ تَعالى بِوازِعِ العِلْمِ، ولَمْ يُقَلْ: بِنَفْسٍ، لُطْفًا بِالعُصاةِ؛ لِأنَّهم وإنْ قَصَّرَتْ نُفُوسُهم لَمْ يَكُنْ لَها صِدْقُ القَدَمِ فَلَهُمُ الأسَفُ بِقُلُوبِهِمْ، وصِدْقُ النَّدَمِ.

50:34Page 519

ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٖۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُلُودِ ٣٤

Enter it in peace. This is the Day of Eternity."

ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِكَوْنِها لَهم وإنْ كانَ أمْرًا سارًّا لا يَقْتَضِي دُخُولَها في ذَلِكَ الوَقْتِ، زادَ سُرُورُهم بِالإذْنِ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِضَمِيرِ الجَمِيعِ بَيانًا لِأنَّ المُرادَ مِن ”مَن“ جَمِيعُ المُتَّقِينَ: ﴿ادْخُلُوها﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ. ولَمّا كانَ المُرادُ اسْتِقْبالَهم بِالإلْذاذِ بِالبِشارَةِ قالَ: ﴿بِسَلامٍ﴾ أيْ: مُصاحِبِينَ لِلسَّلامَةِ مِن كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يُخافَ، فَأنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ إنْهاءً لِلسُّرُورِ إلى غايَةٍ لا تُوصَفُ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: اليَوْمُ العَظِيمُ جِدًّا ﴿يَوْمُ﴾ ابْتِداءٌ أوْ تَقْرِيرٌ ﴿الخُلُودِ﴾ أيِ: الإقامَةِ الَّتِي لا آخِرَ لَها ولا نَفاذَ لِشَيْءٍ مِن لَذّاتِها أصْلًا، ولِذَلِكَ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: عَلى أيِّ وجْهٍ خُلُودُهُمْ؟

50:35Page 519

لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيۡنَا مَزِيدٞ ٣٥

They will have whatever they wish therein, and with Us is more.

﴿لَهُمْ﴾ بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ﴿ما يَشاءُونَ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ (p-٤٣٤)مَشِيئَتُهم أوْ تُمْكِنُ مَشِيئَتُهم [لَهُ] ﴿فِيها﴾ أيِ: الجَنَّةِ ﴿ولَدَيْنا﴾ أيْ: عِنْدَنا مِنَ الأُمُورِ الَّتِي في غايَةِ الغَرابَةِ عِنْدَهم وإنْ كانَ كُلُّ ما عِنْدَهم مُسْتَغْرَبًا ﴿مَزِيدٌ﴾ أيْ: مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ أوْهامِهِمْ يَشاؤُوهُ؛ فَإنَّ سِياقَ الِامْتِنانِ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَنْوِينَهُ لِلتَّعْظِيمِ، والتَّعْبِيرُ بِلَدى يُؤَكِّدُ ذَلِكَ تَأْكِيدًا يُناسِبُها؛ بِأنْ يَكُونُوا كُلَّ لَحْظَةٍ في زِيادَةٍ عَلى أمانِيهِمْ عَكْسَ ما كانُوا في الدُّنْيا، وبِذَلِكَ تَزْدادُ عُلُومُهُمْ، فَمَقْدُوراتُ اللَّهِ لا تَنْحَصِرُ؛ لِأنَّ مَعْلُوماتِهِ لا تَنْتَهِي.

50:36Page 520

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشٗا فَنَقَّبُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ هَلۡ مِن مَّحِيصٍ ٣٦

And how many a generation before them did We destroy who were greater than them in [striking] power and had explored throughout the lands. Is there any place of escape?

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أوَّلَ السُّورَةِ تَكْذِيبَهم بِالقُدْرَةِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِما يُكَذِّبُهم في ذَلِكَ التَّكْذِيبِ، ثُمَّ سَلّى وهَدَّدَ بِتَكْذِيبِ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِمْ، وأتْبَعَهُ الدَّلالَةَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ إلى أنْ خَتَمَ بِالإشارَةِ إلى أنَّ قُدْرَتَهُ لا نِهايَةَ لَها، ولا تُحْصَرُ بِحَدٍّ ولا تُحْصى بِعَدٍّ، رَدًّا عَلى أهْلِ العِنادِ وبِدْعَةِ الِاتِّحادِ في قَوْلِهِمْ: ”لَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ“ عَطَفَ عَلى [ما] قَدَّرْتُهُ بَعْدُ ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] مِن إهْلاكِ تِلْكَ الأُمَمِ مِمّا هو أعَمُّ مِنهُ بِشُمُولِهِ جَمِيعَ الزَّمانِ الماضِي وأدَلَّ عَلى شُمُولِ القُدْرَةِ، فَقالَ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ. ولَمّا كانَ المُرادُ تَعْمِيمَ الإهْلاكِ في جَمِيعِ الأزْمانِ لِجَمِيعِ الأُمَمِ، نَزَعَ الجارَّ بَيانًا لِإحاطَةِ القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ وزادَ في دَلالَةِ التَّعْمِيمِ فَأثْبَتَهُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَرْنٍ﴾ أيْ: جِيلٍ هم في غايَةِ القُوَّةِ، وزادَ في بَيانِ القُوَّةِ فَقالَ: (p-٤٣٥)﴿هُمْ﴾ أيْ: أُولَئِكَ القُرُونُ بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ﴿أشَدُّ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن قُرَيْشٍ ﴿بَطْشًا﴾ أيْ: قُوَّةً وأخْذًا لِما يُرِيدُونَهُ بِالعُنْفِ والسَّطْوَةِ والشِّدَّةِ، وحَذْفُ الجارِّ هُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ قَبْلَ قُرَيْشٍ كانُوا أقْوى مِنهُمْ، وإثْباتُهُ في ”ص“ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَذْكُورِينَ بِالإهْلاكِ هُناكَ مَعَ الِاتِّصافِ بِالنِّداءِ المَذْكُورِ بَعْضُ المُهْلَكِينَ لا كُلُّهم. ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأشَدِّيَّتِهِمْ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَنَقَّبُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا النَّقْبَ ﴿فِي البِلادِ﴾ بِأنْ فَتَحُوا فِيها الأبْوابَ الحِسِّيَّةَ والمَعْنَوِيَّةَ وخَرَقُوا في أرْجائِها ما لَمْ يَقْدِرْ غَيْرُهم عَلَيْهِ وبالَغُوا في السَّيْرِ في النِّقابِ، وهي طُرُقُ الجِبالِ والطُّرُقُ الضَّيِّقَةُ فَضْلًا عَنِ الواسِعَةِ وما في السُّهُولِ، بِعُقُولِهِمُ الواسِعَةِ وآرائِهِمُ النّافِذَةِ وطَبائِعِهِمُ القَوِيَّةِ، وبَحَثُوا مَعَ ذَلِكَ عَنِ الأخْبارِ، وأخْبَرُوا غَيْرَهم بِما لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ، وكانَ كُلٌّ مِنهم نِقابًا في ذَلِكَ؛ أيْ عَلامَةً فِيهِ فَصارَتْ لَهُ بِهِ مَناقِبُ أوْ مَفاخِرُ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَمْ يَسْلَمُوا مَعَ كَثْرَةِ تَنْقِيبِهِمْ وشِدَّتِهِ مِن إهْلاكِنا بِغَوائِلِ الزَّمانِ ونَوازِلِ الحَدَثانِ، تَوَجَّهَ سُؤالُ كُلِّ سامِعٍ عَلى ما في ذَلِكَ مِنَ العَجائِبِ والشِّدَّةِ والهَوْلِ والمَخاوِفِ سُؤالَ تَنْبِيهٍ لِلذّاهِلِ الغافِلِ، وتَقْرِيعٍ وتَبْكِيتٍ لِلْمُعانِدِ الجاهِلِ، بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: مَعْدِلٍ ومَحِيدٍ ومَهْرَبٍ وإنْ دَقَّ، مِن قَضائِنا لِيَكُونَ لِهَؤُلاءِ وجْهٌ ما في رَدِّ أمْرِنا.

50:37Page 520

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ ٣٧

Indeed in that is a reminder for whoever has a heart or who listens while he is present [in mind].

ولَمّا ذَكَرْنا هُنا مِنَ المَواعِظِ ما أرْقَصَ الجَمادَ، فَكَيْفَ بِمَن يَدَّعِي أنَّهُ مِن رُؤُوسِ النُّقّادِ، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُؤَكَّدًا لِأجْلِ إنْكارِ الجاحِدِ وعِنادِ المُعانِدِ: (p-٤٣٦)﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ [الأمْرِ] البَدِيعِ مِنَ العِظاتِ الَّتِي صَرَّفْناها هُنا عَلى ما تَرَوْنَ مِنَ الأسالِيبِ العَجِيبَةِ والطُّرُقِ الغَرِيبَةِ في الإهْلاكِ وغَيْرِهِ ﴿لَذِكْرى﴾ أيْ: تَذْكِيرًا عَظِيمًا جِدًّا. ولَمّا كانَ المُتَذَكِّرُ بِمَصارِعِ المُهْلَكِينَ [تارَةً] بِأنْ يَكُونَ حاضِرًا فَيَرى مُصارِعَهم حالَ الإيقاعِ بِهِمْ أوْ يَرى آثارَهم بَعْدَ ذَلِكَ، وتارَةً يُخْبَرُ عَنْها، قالَ بادِئًا بِالرّائِي لِأنَّهُ أجْدَرُ بِالتَّذْكِيرِ: ﴿لِمَن كانَ﴾ أيْ: كَوْنًا عَظِيمًا ﴿لَهُ قَلْبٌ﴾ هو في غايَةِ العَظَمَةِ والنُّورانِيَّةِ إنْ رَأى شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَهو بِحَيْثُ يَفْهَمُ ما يَراهُ ويَعْتَزُّ بِهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا قَلْبَ لَهُ؛ لِأنَّ قَلْبَهُ لَمّا كانَ غَيْرَ نافِعٍ كانَ عَدَمًا.

ولَمّا كانَ قَدْ بَدَأ بِالنّاظِرِ لِأنَّهُ أوْلى بِالِاعْتِبارِ وأقْرَبُ إلى الِادِّكارِ، ثَنّى بِمَن نُقِلَتْ إلَيْهِ الأخْبارُ فَقالَ:﴿أوْ ألْقى﴾ أيْ: إلْقاءً عَظِيمًا بِغايَةِ إصْغائِهِ حَتّى كَأنَّهُ يَرْمِي بِشَيْءٍ ثَقِيلٍ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ ﴿السَّمْعَ﴾ أيِ: الكامِلَ الَّذِي قَدْ جَرَّدَهُ عَنِ الشَّواغِلِ مِنَ الحُظُوظِ وغَيْرِها إذا سَمِعَ ما غابَ عَنْهُ ﴿وهُوَ﴾ أيْ: [و] الحالُ أنَّهُ في حالِ إلْقائِهِ ﴿شَهِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرٌ بِكُلِّيَّتِهِ، فَهو في غايَةِ ما يَكُونُ مِن تَصْوِيبِ الفِكْرُ وجَمْعِ الخاطِرِ، فَلا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِمّا تُلِيَ عَلَيْهِ وأُلْقِيَ إلَيْهِ، فَيَتَذَكَّرُ بِما ذَكَّرْناهُ بِهِ عَنْ قُدْرَتِنا مِنَ الجُزْئِيّاتِ ما أنْتَجَهُ مِنَ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ورَأى مَجْدَ القُرْآنِ فَعَلِمَ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ فَسَمِعَهُ مِنهُ فَصَدَّقَ الرَّسُولَ، وقَبِلَ كُلَّ ما يُخْبِرُ بِهِ، ومَن سَمِعَ شَيْئًا ولَمْ يُحْضِرْ لَهُ ذِهْنَهُ فَهو غائِبٌ، فالأوَّلُ العالِمُ بِالقُوَّةِ وهو المَجْبُولُ (p-٤٣٧)عَلى الِاسْتِعْدادِ الكامِلِ فَهو بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِ التَّدَبُّرِ لِما عِنْدَهُ مِنَ الكَمالِ المُهَيَّأِ بِفَهْمِ ما يُذَكِّرُ بِهِ القُرْآنُ، والثّانِي القاصِرُ بِما عِنْدَهُ مِن كَثافَةِ الطَّبْعِ فَهو بِحَيْثُ يَحْتاجُ إلى التَّعْلِيمِ فَيَتَذَكَّرُ بِشَرْطِ أنْ يَقْبَلَ بِكُلِّيَّتِهِ، ويُزِيلَ المَوانِعَ كُلَّها، فَلِذَلِكَ حَسُنَ جَدًّا مَوْقِعُ ”أوْ“ المُقَسِّمَةِ، وعُلِمَ مِنهُ عَظِيمُ شَرَفِ القُرْآنِ في أنَّهُ مُبَشِّرٌ لِلْكامِلِ والنّاقِصِ، لَيْسَ مِنهُ مانِعٌ غَيْرَ الإعْراضِ.

50:38Page 520

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٖ ٣٨

And We did certainly create the heavens and earth and what is between them in six days, and there touched Us no weariness.

ولَمّا دَلَّ عَلى تَمامِ عِلْمِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ بِخَلْقِ الإنْسانِ إثْرَ ما ذَكَرَهُ مِن جَمِيعِ الأكْوانِ، ثُمَّ بِإعْدامِهِ لِأصْنافِ الإنْسانِ في كُلِّ زَمانٍ، ذَكَّرَ بِخَلْقِ ما أكْبَرُ مِنهُ في المِقْدارِ والإنْسانُ بَعْضُهُ عَلى وجْهٍ آخَرَ، فَقالَ عاطِفًا عَلى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ [ق: ١٦] وأكَّدَ تَنْبِيهًا لِمُنْكِرِي البَعْثِ وتَبْكِيتًا، وافْتَتَحَهُ بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ؛ لِأنَّ مِن ذُكِّرَ بِخَلْقِ شَيْءٍ [تَوَقَّعَ الإخْبارَ] عَمّا هو أكْبَرُ مِنهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يُقَدَّرُ قَدْرُها ولا يُطاقُ حَصْرُها ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الكِبَرِ وكَثْرَةِ المَنافِعِ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يَنْتَظِمُ الأمْرُ عَلى قاعِدَةِ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ بِدُونِها ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، ومَنافِعَها في يَوْمَيْنِ، والسَّماواتِ في يَوْمَيْنِ، ولَوْ شاءَ لَكانَ ذَلِكَ في أقَلَّ مِن لَمْحِ البَصَرِ، ولَكِنَّهُ سَنَّ لَنا التَّأنِّيَ بِذَلِكَ ﴿وما مَسَّنا﴾ لِأجْلِ ما لَنا مِن (p-٤٣٨)العَظَمَةِ ﴿مِن لُغُوبٍ﴾ أيْ: إعْياءٍ فَإنَّهُ لَوْ كانَ لاقْتَضى ضَعْفًا فاقْتَضى فَسادًا، فَكانَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ عَلى غَيْرِ ما أرَدْناهُ، فَكانَ تَصَرُّفُنا فِيهِ غَيْرَ تَصَرُّفِنا في الباقِي، وأنْتُمْ تُشاهِدُونَ الأمْرَ في الكُلِّ عَلى حَدٍّ سَواءٍ مِن نُفُوذِ الأمْرِ وتَمامِ التَّصَرُّفِ، مِنَ اللَّغَبِ وهو الإعْياءُ، والرِّيشُ اللُّغابُ وهو الفاسِدُ.

50:39Page 520

فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ ٣٩

So be patient, [O Muḥammad], over what they say and exalt [Allāh] with praise of your Lord before the rising of the sun and before its setting,

ولَمّا دَلَّ سُبْحانَهُ عَلى شُمُولِ العِلْمِ وإحاطَةِ القُدْرَةِ، وكَشَفَ فِيهِما الأمْرَ أتَمَّ كَشْفٍ، كانَ عِلْمُ الحَبِيبِ القادِرِ بِما يَفْعَلُ العَدُوُّ أعْظَمَ نِذارَةً لِلْعَدُوِّ وبِشارَةً لِلْوَلِيِّ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما﴾ أيْ: جَمِيعِ الَّذِي ﴿يَقُولُونَ﴾ أيِ: الكَفَرَةُ وغَيْرُهم. [ولَمّا] كانَتْ أقْوالُهم لا تَلِيقُ بِالجَنابِ الأقْدَسِ، أمَرَ سُبْحانَهُ بِما يُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ بِإرادَتِهِ وأنَّهُ مُوجِبٌ لِتَنْزِيهِهِ وكَمالِهِ؛ لِأنَّهُ قَهَرَ قائِلَهُ عَلى قَوْلِهِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ بِإرادَةِ ذَلِكَ القائِلِ اسْتِقْلالًا لَكانَ ذَلِكَ في غايَةِ البُعْدِ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ مُوجِبٌ لِلْهَلاكِ، فَقالَ: ﴿وسَبِّحْ﴾ أيْ: أوْقِعِ التَّنْزِيهَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ مُتَلَبِّسًا ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ: بِإثْباتِ الإحاطَةِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ لِلسَّيِّدِ المُدَبِّرِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِجَمِيعِ هَذِهِ البَراهِينِ الَّتِي خَصَّكَ بِها تَفْضِيلًا لَكَ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ في جَمِيعِ ما ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ بِصَلاةِ الصُّبْحِ، وما يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّسْبِيحِ غَيْرُها ﴿وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ بِصَلاةِ العَصْرِ والظُّهْرِ كَذَلِكَ فالعَصْرُ أصْلٌ لِذَلِكَ الوَقْتِ والظُّهْرُ تَبَعٌ لَها.

50:40Page 520

وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُودِ ٤٠

And [in part] of the night exalt Him and after prostration [i.e., prayer].

ولَمّا ذَكَرَ ما هو أدَلُّ عَلى الحُبِّ في المَعْبُودِ لِأنَّهُ وقْتُ الِانْتِشارِ (p-٤٣٩)إلى الأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ الَّتِي بِها القِوامُ والرُّجُوعُ لِقَصْدِ الرّاحَةِ الجَسَدِيَّةِ بِالأكْلِ والشُّرْبِ واللَّعِبِ والِاجْتِماعِ بَعْدَ الِانْتِشارِ والِانْضِمامِ مَعَ ما في الوَقْتَيْنِ مِنَ الدَّلالَةِ الظّاهِرَةِ عَلى طَيِّ الخَلْقِ ثُمَّ نَشْرِهِمْ، أتْبَعَهُ ما يَكُونُ وقْتَ السُّكُونِ المُرادُ بِهِ الرّاحَةُ بِلَذِيذِ الِاضْطِجاعِ والمَنامِ فَقالَ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾ أيْ: في بَعْضِ أقْواتِهِ ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ بِصَلاتَيِ المَغْرِبِ والعِشاءِ وقِيامِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ الخَلَواتِ وهي ألَذُّ المُناجاةِ.

ولَمّا ذَكَرَ الفَرائِضَ الَّتِي لا مَندُوحَةَ عَنْها عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ النَّوافِلَ مِنَ الصَّلاةِ وغَيْرِها، أتْبَعَها النَّوافِلَ المُقَيَّدَةَ بِها فَقالَ: ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ أيِ: الَّذِي هو أكْمَلُ بابِهِ وهو صَلاةُ الفَرْضِ بِما يُصَلّى بَعْدَها مِنَ الرَّواتِبِ والتَّسْبِيحِ بِالقَوْلِ أيْضًا، قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ ثَوابَ الكَلِماتِ بِقُدْرَةِ صُدُورِها عَنْ جِنانِ المَعْرِفَةِ والحِكْمَةِ وأنْ تَكُونَ عَيْنُ قَلْبِهِ تَدُورُ دَوَرانَ لِسانِهِ ويُلاحِظُ حَقائِقَها ومَعانِيَها، فالتَّسْبِيحُ تَنْزِيهٌ مِن كُلِّ ما يُتَصَوَّرُ في الوَهْمِ أوْ يَرْتَسِمُ في الخَيالِ أوْ يَنْطَبِعُ في الحَواسِّ أوْ يَدُورُ في الهَواجِسِ، والحَمْدُ يَكْشِفُ عَنِ المِنَّةِ وصُنْعِ الصَّنائِعِ وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالنِّعَمِ. انْتَهى.

ومَعْناهُ أنَّ هَذا الحَمْدَ هو الحَقِيقَةُ، فَإذا انْطَبَقَتْ في الجِنانِ قامَتْ بِاللِّسانِ، وتَصَوَّرَتْ بِالأرْكانِ، وحُمِلَ عَلى الصَّلاةِ لِأنَّها أفْضَلُ العِباداتِ، وهي جامِعَةٌ بِما فِيها مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ لِوَجْهَيِ الذِّكْرِ: التَّنْزِيهِ والتَّحْمِيدِ، وهاتانِ الصَّلاتانِ المُصَّدَرُ بِهِما أفْضَلُ الصَّلَواتِ فَهُما أعْظَمُ ما وقَعَ (p-٤٤٠)التَّسْبِيحُ بِالحَمْدِ، والمَعْنى -واللَّهُ أعْلَمُ-: أنَّ الِاشْتِغالَ اسْتِمْطارٌ مِنَ المَحْمُودِ المُسَبَّحِ لِلنَّصْرِ عَلى المُكَذِّبِينَ، وأنَّ الصَّلاةَ أعْظَمُ تِرْياقٍ لِلنَّصْرِ وإزالَةِ الهَمِّ، ولِهَذا «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ».

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском