Al-QasimiHud · 11:1–14

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

هود

Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

11:1Page 221

الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ١

Alif, Lām, Rā.1 [This is] a Book whose verses are perfected and then presented in detail from [one who is] Wise and Aware2

(p-٣٤٠٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ هُودٍ

أُضِيفَتْ إلَيْهِ لِتَضَمُّنِها نَبَأهُ مَعَ قَوْمِهِ، وتَمْيِيزًا لَها، وإنْ تَضَمَّنَتْ أنْباءَ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وقالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] الدّالِّ عَلى تَوْحِيدِ الأفْعالِ، مَعَ اسْتِقامَتِهِ بِإعْطاءِ كُلِّ مُسْتَعِدٍّ ما يَسْتَعِدُّ لَهُ، المُقْتَضِيَةِ لِلْأحْكامِ والجَزاءِ، وهي مِن أعْظَمِ المَقاصِدِ. اهـ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى مِنها ثَلاثَ آياتٍ أُنْزِلَتْ بِالمَدِينَةِ فَأُلْحِقَتْ بِها: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ﴾ [هود: ١٢] ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ [هود: ١٧] ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤]

وآياتُها مِائَةٌ وثَلاثٌ وعِشْرُونَ.

رَوى الحاكِمُ «عَنْ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ شِبْتَ! قالَ: قَدْ شَيَّبَتْنِي (هُودٌ) و(الواقِعَةُ) و(المُرْسَلاتُ) و(عَمَّ يَتَساءَلُونَ) و(إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)» ورَواهُ هو والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورُوِيَ أيْضًا عَنْ أنَسٍ وسَهْلٍ وعِمْرانَ، وفي رِوايَةٍ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ وقِصَصِ الأُمَمِ».

وفِي رِوايَةٍ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها. وما فُعِلَ بِالأُمَمِ».

(p-٣٤٠٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١ ] ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾

﴿الر﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِها في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَلْيُتَذَكَّرْ.

﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ أيْ نُظِّمَتْ نَظْمًا رَصِينًا مُحْكَمًا مُعْجِزًا، وأُثْبِتَتْ دائِمَةً عَلى حالِها لا تَتَبَدَّلُ ولا تَتَغَيَّرُ ولا تَفْسُدُ، مَحْفُوظَةً عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وآفَةٍ ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أيْ لِأنْواعٍ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والأحْكامِ والمَواعِظِ والقِصَصِ، كَما تُفَصَّلُ القَلائِدُ بِالفَرائِدِ. أوْ جُعِلَتْ فُصُولًا سُورَةً سُورَةً، وآيَةً آيَةً، أوْ فَصَّلَ فِيها ما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ، أيْ: بَيَّنَ ولَخَّصَ.

قِيلَ: (ثُمَّ) هُنا لِلتَّراخِي في الحُكْمِ، أيِ الرُّتْبَةِ، أوِ التَّراخِي بَيْنَ الإخْبارَيْنِ، لا لِلتَّراخِي في الوَقْتِ، لِأنَّ التَّفْصِيلَ والإحْكامَ صِفَتانِ لِشَيْءٍ واحِدٍ، لا تَنْفَكُّ إحْداهُما عَنِ الأُخْرى، فَلَيْسَ بَيْنَهُما تَرَتُّبٌ وتَراخٍ، وهَذا التَّكَلُّفُ عَلى أنَّ (ثُمَّ) تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وقَدْ خالَفَ قَوْمٌ في اقْتِضائِها إيّاهُ، كَما حَكاهُ في (المُغْنِي).

﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أيْ إحْكامُها وتَفْصِيلُها مِن لَدُنْ حَكِيمٍ بَناها عَلى عِلْمٍ وحِكْمَةٍ، لا يُمْكِنُ أحْسَنُ مِنها، وأشَدُّ إحْكامًا، وخَبِيرٌ بِتَفاصِيلِها عَلى ما يَنْبَغِي في النِّظامِ الحُكْمِيِّ في تَقْدِيرِها وتَوْقِيتِها وتَرْتِيبِها -قالَهُ القاشانِيُّ-.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ طِباقٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ المَعْنى أحْكَمُها حَكِيمٌ وفَصَّلَها، أيْ بَيَّنَها وشَرَحَها خَبِيرٌ عالِمٌ بِكَيْفِيّاتِ الأُمُورِ.

11:2Page 221

أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۚ إِنَّنِي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ ٢

[Through a messenger, saying], "Do not worship except Allāh. Indeed, I am to you from Him a warner and a bringer of good tidings,"

(p-٣٤٠٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢ ] ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾

﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ تَنْطِقُ عَلَيْكم بِلِسانِ الحالِ والدَّلالَةِ، ألّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ في عِبادَتِهِ، وخُصُّوهُ بِالعِبادَةِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: " ألّا" مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ لِئَلّا. أوْ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّ في تَفْصِيلِ الآياتِ مَعْنى القَوْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، أوْ أمَرَكم ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ كَلامٌ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ، أيْ إنَّنِي أُنْذِرُكُمْ، مِنَ الحَكِيمِ الخَبِيرِ، عِقابَ الشِّرْكِ وتَبِعَتَهُ، وأُبَشِّرُكم مِنهُ بِثَوابِ التَّوْحِيدِ وفائِدَتِهِ.

11:3Page 221

وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُۥۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ كَبِيرٍ ٣

And [saying], "Seek forgiveness of your Lord and repent to Him, [and] He will let you enjoy a good provision for a specified term and give every doer of favor his favor [i.e., reward]. But if you turn away, then indeed, I fear for you the punishment of a great Day.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣ ] ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾

﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أيْ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ بِالطّاعَةِ. أوِ المَعْنى: ثُمَّ أخْلِصُوا التَّوْبَةَ واسْتَقِيمُوا عَلَيْها، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣]

﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ يُطَوِّلُ نَفْعَكم في الدُّنْيا بِمَنافِعَ حَسَنَةٍ مُرْضِيَةٍ، مِن عِيشَةٍ واسِعَةٍ، ونِعَمٍ مُتَتابِعَةٍ إلى وقْتِ وفاتِكُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]

﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أيْ ويُعْطِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ في العَمَلِ الصّالِحِ في الدُّنْيا أجْرَهُ، وثَوابَ فَضْلِهِ في الآخِرَةِ.

﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ تَتَوَلَّوْا عَنِ التَّوْحِيدِ والتَّوْبَةِ إلَيْهِ ﴿فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ.

(p-٣٤١٠)قالَ القاشانِيُّ: (كَبِيرٍ) أيْ شاقٌّ عَلَيْكُمْ، وهو يَوْمُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، أيْ يَوْمَ ظُهُورِ عَجْزِكُمْ، وعَجْزِ ما تَعْبُدُونَ، بِظُهُورِهِ تَعالى في صِفَةِ قادِرِيَّتِهِ، فَيَقْهَرُكم بِالعَذابِ، ولِذا قالَ تَعالى:

11:4–5Page 221

إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٤

To Allāh is your return, and He is over all things competent."

أَلَآ إِنَّهُمۡ يَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ لِيَسۡتَخۡفُواْ مِنۡهُۚ أَلَا حِينَ يَسۡتَغۡشُونَ ثِيَابَهُمۡ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٥

Unquestionably, they [i.e., the disbelievers] turn away their breasts to hide themselves from him. Unquestionably, [even] when they cover themselves in their clothing, He [i.e., Allāh] knows what they conceal and what they declare. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤ ] ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ ٥ ] ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥]

﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى إعْراضَهم بِجِسْمِهِمْ أيْضًا، إثْرَ الإشارَةِ إلى تَوَلِّيهِمْ بِقَلْبِهِمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥] أيْ يَزُورُّونَ عَنِ الحَقِّ واسْتِماعِهِ بِصُدُورِهِمْ: ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ [هود: ٥] أيْ في قُلُوبِهِمْ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] أيْ يَجْهَرُونَ بِأفْواهِهِمْ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥] أيْ بِما في ضَمائِرِ القُلُوبِ. ونَظِيرُ ما حُكِيَ هُنا عَنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ مِن كَراهَتِهِمْ لِاسْتِماعِ كَلامِهِ تَعالى؛ ما قالَهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ [نوح: ٧] وما ذَكَرْناهُ هو أظْهَرُ ما تُحْمَلُ عَلَيْهِ الآيَةُ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

11:6Page 222

۞ وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلّٞ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٦

And there is no creature on earth but that upon Allāh is its provision, and He knows its place of dwelling and place of storage.1 All is in a clear register.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦ ] ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾

﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ أيْ ما تَعِيشُ بِهِ. وإنَّما جِيءَ بِـ (عَلى) (p-٣٤١١)اعْتِبارًا لِسَبْقِ الوَعْدِ بِهِ، وتَحْقِيقًا لِوُصُولِهِ إلَيْها البَتَّةَ، بِطَرِيقِ التَّكَفُّلِ الشَّبِيهِ بِالإيجابِ ﴿ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها﴾ أيْ مَسْكَنَها في الدُّنْيا، أوْ في الصُّلْبِ ﴿ومُسْتَوْدَعَها﴾ أيْ بَعْدَ المَوْتِ، أوْ في الرَّحِمِ ﴿كُلٌّ﴾ أيْ مِنَ الدَّوابِّ ورِزْقِها ومُسْتَقَرِّها ومُسْتَوْدَعِها ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ مَسْطُورٌ في كِتابٍ عِنْدَهُ تَعالى، مُبِينٌ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عَظِيمَ قُدْرَتِهِ وتَكْوِينِهِ وإبْداعِهِ بِقَوْلِهِ:

11:7Page 222

وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ وَلَئِن قُلۡتَ إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧

And it is He who created the heavens and the earth in six days - and His Throne had been upon water - that He might test you as to which of you is best in deed. But if you say, "Indeed, you are resurrected after death," those who disbelieve will surely say, "This is not but obvious magic."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧ ] ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾

﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ مِنَ الأحَدِ إلى الجُمُعَةِ ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ أيْ ما كانَ تَحْتَهُ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وارْتِفاعِهِ فَوْقَها إلّا الماءُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَرْشَ والماءَ كانا مَخْلُوقَيْنِ قَبْلَ السَّماواتِ والأرْضِ -كَذا في (الكَشّافِ)-.

وقالَ القاضِي: أيْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما حائِلٌ، لا أنَّهُ كانَ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِ الماءِ.

قالَ قَتادَةُ: يُنْبِئُنا تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ كَيْفَ كانَ بَدْءُ خَلْقِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ.

رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي رَزِينٍ -واسْمُهُ: لَقِيطُ بْنُ عامِرٍ العُقَيْلِيُّ- قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أيْنَ كانَ رَبُّنا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قالَ: «كانَ في عَماءٍ، ما تَحْتَهُ هَواءٌ، وما فَوْقَهُ هَواءٌ، (p-٣٤١٢)ثُمَّ خَلَقَ العَرْشَ بَعْدَ ذَلِكَ»» . ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وقالَ: قالَ أحْمَدُ: يُرِيدُ بِالعَماءِ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ.

وقالَ البَيْهَقِيُّ في كِتابِ (الأسْماءِ والصِّفاتِ): (العَماءُ) مَمْدُودٌ كَما رَأيْتُهُ مُقَيَّدًا كَذَلِكَ، ومَعْناهُ السَّحابُ الرَّقِيقُ، أيْ فَوْقَ سَحابٍ، مُدَبِّرًا لَهُ، وعالِيًا عَلَيْهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ [الملك: ١٦] يَعْنِي مَن فَوْقَ السَّماءِ. وقَوْلُهُ: (ما فَوْقَهُ هَواءٌ) أيْ ما فَوْقَ السَّحابِ هَواءٌ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ (وما تَحْتَهُ هَواءٌ) أيْ ما تَحْتَ السَّحابِ هَواءٌ.

وقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ (العَمى) مَقْصُورٌ، بِمَعْنى لا شَيْءَ ثابِتٌ، لِأنَّهُ مِمّا عَمِيَ عَنِ الخَلْقِ، فَكَأنَّهُ قالَ في جَوابِهِ: كانَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ، ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ. و(ما) فِيهِما نافِيَةٌ. أيْ: لَيْسَ فَوْقَ العَمى الَّذِي هو لا شَيْءَ مَوْجُودٌ هَواءٌ، ولا تَحْتَهُ هَواءٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ غَيْرَ مَوْجُودٍ فَلا يُثْبِتُ لَهُ هَواءٌ بِوَجْهٍ. انْتَهى مُلَخَّصًا.

وقالَ ابْنُ الأثِيرِ: العَماءُ في اللُّغَةِ السَّحابَ الرَّقِيقُ، وقِيلَ الكَثِيفُ، وقِيلَ هو الضَّبابُ. وفي الحَدِيثِ حَذْفٌ، أيْ أيْنَ كانَ عَرْشُ رَبِّنا؟ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾

وحَكى بَعْضُهم أنَّهُ العَمى المَقْصُورُ. قالَ: وهو كُلُّ أمْرٍ لا يُدْرِكُهُ الفَطِنُ.

وقالَ أبُو عَبِيدٍ: إنَّما تَأوَّلْنا هَذا الحَدِيثَ عَلى كَلامِ العَرَبِ المَعْقُولِ عَنْهُمْ، وإلّا فَلا نَدْرِي كَيْفَ كانَ ذَلِكَ العَماءُ!.

قالَ الأزْهَرِيُّ: فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِ ولا نُكَيِّفُ صِفَتَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ أيْ أخْلَصُهُ، مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَلَقَ) أيْ: خَلَقَهُنَّ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وهي أنْ يَجْعَلَهُنَّ مَساكِنَ لِعِبادِهِ، ويُنْعِمَ عَلَيْهِمْ بِفُنُونِ النِّعَمِ، (p-٣٤١٣)فَيَعْبُدُوهُ وحْدَهُ، ويَتَسابَقُوا في العَمَلِ الَّذِي يُرْضِيهِ. ولَمّا كانَ الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ لِمَن تَخْفى عَلَيْهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ؛ قِيلَ: إنَّهُ هُنا تَمْثِيلٌ واسْتِعارَةٌ، فَشَبَّهَ مُعامَلَتَهُ تَعالى عِبادَهُ في خَلْقِ المَنافِعِ لَهُمْ، وتَكْلِيفِهِمْ شُكْرَهُ، وإثابَتِهِمْ إنْ شَكَرُوا، وعُقُوبَتِهِمْ إنْ كَفَرُوا، بِمُعامَلَةِ المُخْتَبِرِ مَعَ المُخْتَبَرِ، لِيَعْلَمَ حالَهُ ويُجازِيَهُ، فاسْتُعِيرَ لَهُ الِابْتِلاءُ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ (لِيَبْلُوَكُمْ) مَوْضِعَ (لِيُعامِلَكُمْ). ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَجازًا مُرْسَلًا، لِتَلازُمِ العِلْمِ والِاخْتِبارِ. أيْ: خَلَقَ ذَلِكَ لِيُعْلَمَ، أيْ: لِيَظْهَرَ تَعَلُّقُ عِلْمِهِ الأزَلِيِّ بِذَلِكَ.

قالَ القاشانِيُّ: جَعَلَ غايَةَ خَلْقِ الأشْياءِ ظُهُورَ أعْمالِ النّاسِ. أيْ: خَلَقْناهم لِنَعْلَمَ العِلْمَ التَّفْصِيلِيَّ التّابِعَ لِلْوُجُودِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، فَإنَّ عِلْمَ اللَّهِ قِسْمانِ: قِسْمٌ يَتَقَدَّمُ وُجُودُ الشَّيْءِ في اللَّوْحِ، وقِسْمٌ يَتَأخَّرُ وُجُودُهُ في مَظاهِرِ الخَلْقِ، والبَلاءُ الَّذِي هو الِاخْتِبارُ هو هَذا القِسْمُ -انْتَهى-.

ونَحْوَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَئِنْ قُلْتَ﴾ أيْ لِأهْلِ مَكَّةَ ﴿إنَّكم مَبْعُوثُونَ﴾ أيْ: مُحْيَوْنَ ﴿مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا﴾ أيِ القَوْلُ بِالبَعْثِ، أوِ القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ لِذِكْرِهِ ﴿إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ مِثْلُهُ في الخَدِيعَةِ والبُطْلانِ.

11:8Page 222

وَلَئِنۡ أَخَّرۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٖ مَّعۡدُودَةٖ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحۡبِسُهُۥٓۗ أَلَا يَوۡمَ يَأۡتِيهِمۡ لَيۡسَ مَصۡرُوفًا عَنۡهُمۡ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٨

And if We hold back from them the punishment for a limited time, they will surely say,1 "What detains it?" Unquestionably, on the Day it comes to them, it will not be averted from them, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

(p-٣٤١٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨ ] ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ أيْ جَماعَةٍ مِنَ الأوْقاتِ مَحْصُورَةٍ. والعَذابُ هو عِقابُ الآخِرَةِ، أوْ عَذابُ الدُّنْيا بِبَدْرٍ، أوْ هَلاكُ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ ماتُوا قَبْلَ بَدْرٍ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ أيِ اسْتِهْزاءً ﴿ما يَحْبِسُهُ﴾ أيْ عَنّا. ﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ دارَ ونَزَلَ بِهِمْ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيِ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَعْجِلُونَ.

لَطِيفَةٌ:

(الأُمَّةُ) تُسْتَعْمَلُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ في مَعانٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَيُرادُ بِها الأمَدُ، كَما هُنا، وقَوْلُهُ في يُوسُفَ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] والإمامُ المُقْتَدى بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠] والمِلَّةُ والدِّينُ كَآيَةِ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] والجَماعَةُ كَآيَةِ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] -أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ-.

ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الإنْسانِ، وما فِيهِ مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

11:9Page 222

وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ كَفُورٞ ٩

And if We give man a taste of mercy from Us and then We withdraw it from him, indeed, he is despairing and ungrateful.

(p-٣٤١٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩ ] ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَـزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾

﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً ﴿ثُمَّ نَـزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ أيْ قَنُوطٌ عَنْ عَوْدِها، قَطُوعٌ رَجاءَهُ مِن فَضْلِهِ تَعالى، مِن غَيْرِ صَبْرٍ ولا تَسْلِيمٍ لِقَضائِهِ ﴿كَفُورٌ﴾ عَظِيمُ الكُفْرانِ لِما سَلَفَ لَهُ مِنَ التَّقَلُّبِ في نِعْمَةِ اللَّهِ، كَأنَّهُ لَمْ يَرَ خَيْرًا.

11:10Page 222

وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَآءَ بَعۡدَ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّيٓۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٞ فَخُورٌ ١٠

But if We give him a taste of favor after hardship has touched him, he will surely say, "Bad times have left me." Indeed, he is exultant and boastful -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠ ] ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾

﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ أيِ المَصائِبُ الَّتِي ساءَتْنِي ﴿إنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ أيْ أشِرٌ بَطِرٌ ﴿فَخُورٌ﴾ أيْ عَلى النّاسِ بِما أذاقَهُ اللَّهُ مِن نَعْمائِهِ، قَدْ شَغَلَهُ الفَرَحُ والفَخْرُ عَنِ الشُّكْرِ.

11:11Page 222

إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ ١١

Except for those who are patient and do righteous deeds; those will have forgiveness and great reward.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١ ] ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾

﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيْ عَلى الضَّرّاءِ، إيمانًا بِاللَّهِ واسْتِسْلامًا لِقَضائِهِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ في الرَّخاءِ والشِّدَّةِ، شُكْرًا لِآلائِهِ، سابِقِها ولاحِقِها: ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ أيْ لِذُنُوبِهِمْ بِتِلْكَ الشِّدَّةِ ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أيْ عَلى الصَّبْرِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ القاشانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَكُونَ في الفَقْرِ والغِنى، والشِّدَّةِ والرَّخاءِ، والمَرَضِ والصِّحَّةِ، واثِقًا بِاللَّهِ، مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ، لا يَحْتَجِبُ عَنْهُ بِوُجُودِ نِعْمَةٍ، ولا بِسَعْيِهِ (p-٣٤١٦)وتَصَرُّفِهِ في الكَسْبِ، ولا بِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ في الطَّلَبِ ولا بِسائِرِ الأسْبابِ والوَسائِطِ؛ لِئَلّا يَحْصُلَ اليَأْسُ عِنْدَ فِقْدانِ تِلْكَ الأسْبابِ، والكُفْرانُ والبَطَرُ والأشَرُ عِنْدَ وُجُودِها، فَيَبْعُدُ بِها عَنِ اللَّهِ تَعالى، ويَنْساهُ فَيَنْساهُ اللَّهُ، بَلْ يَرى الإعْطاءَ والمَنعَ مِنهُ دُونَ غَيْرِهِ. فَإنْ أتاهُ رَحْمَةً مِن صِحَّةٍ أوْ نِعْمَةٍ شَكَرَهُ أوَّلًا بِرُؤْيَةِ ذَلِكَ مِنهُ، وشُهُودِ المُنْعِمِ في صُورَةِ النِّعْمَةِ، وذَلِكَ بِالقَلْبِ، ثُمَّ بِالجَوارِحِ بِاسْتِعْمالِها في مَراضِيهِ وطاعَتِهِ، والقِيامِ بِحُقُوقِهِ تَعالى فِيها، ثُمَّ بِاللِّسانِ بِالحَمْدِ والثَّناءِ مُتَيَقِّنًا بِأنَّهُ القادِرُ عَلى سَلْبِها، مُحافِظًا عَلَيْها بِشُكْرِها، مُسْتَزِيدًا إيّاها، اعْتِمادًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]

قالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إذا وصَلَتْ إلَيْكم أطْرافُ النِّعَمِ، فَلا تُنَفِّرُوا أقْصاها بِقِلَّةِ الشُّكْرِ. ثُمَّ إنْ نَزَعَها مِنهُ. فَلْيَصْبِرْ ولا يَتَأسَّفْ عَلَيْها، عالِمًا بِأنَّهُ هو الَّذِي نَزَعَ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ، فَإنَّ الرَّبَّ تَعالى كالوالِدِ المُشْفِقِ في تَرْبِيَتِهِ إيّاهُ، بَلْ أرْأفُ وأرْحَمُ، فَإنَّ الوالِدَ مَحْجُوبٌ عَمّا يَعْلَمُهُ تَعالى، إذْ لا يَرى إلّا عاجِلَ مَصالِحِهِ وظاهِرَها، وهو العالِمُ بِالغَيْبِ والشَّهادَةِ، فَيَعْلَمُ ما فِيهِ صَلاحُهُ عاجِلًا وآجِلًا، راضِيًا بِفِعْلِهِ، راجِيًا إعادَةَ أحْسَنِ ما نَزَعَ مِنها إلَيْهِ، إذِ القانِطُ مِن رَحْمَتِهِ بَعِيدٌ مِنهُ، لا يَسْتَوْسِعُ رَحْمَتَهُ لِضِيقِ وِعائِهِ، مَحْجُوبٌ عَنْ رُبُوبِيَّتِهِ، لا يَرى عُمُومَ فَيْضِ رَحْمَتِهِ ودَوامَهُ. ثُمَّ إذا أعادَها لَمْ يَفْرَحْ بِوُجُودِها، كَما لَمْ يَحْزَنْ بِفِقْدانِها، ولا يَفْخَرُ بِها عَلى النّاسِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ الجَهْلِ، وظُهُورِ النَّفْسِ، وإلّا لَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنهُ ولَهُ، وبِأيِّ سَبَبٍ يَسُوغُ لَهُ فَخْرٌ بِما لَيْسَ لَهُ ومِنهُ؟ بَلْ لِلَّهِ، ومِنَ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ (الإنْسانِ) أيْ هَذا النَّوْعُ يَؤُوسٌ كَفُورٌ، فَرِحٌ فَخُورٌ، في الحالَيْنِ، إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا مَعَ اللَّهِ واقِفِينَ مَعَهُ، في حالَةِ الضَّرّاءِ والنَّعْماءِ والشِّدَّةِ والرَّخاءِ، كَما قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الفَقْرُ والغِنى مَطِيَّتانِ، لا أُبالِي أيُّهُما أمْتَطِي. انْتَهى.

11:12Page 222

فَلَعَلَّكَ تَارِكُۢ بَعۡضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَضَآئِقُۢ بِهِۦ صَدۡرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٞۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٌ ١٢

Then would you possibly leave [out] some of what is revealed to you,1 or is your breast constrained by it because they say, "Why has there not been sent down to him a treasure or come with him an angel?" But you are only a warner. And Allāh is Disposer of all things.

(p-٣٤١٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢ ] ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾

﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أيْ بِتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ، وتَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ، ﴿أنْ يَقُولُوا﴾ أيْ مَخافَةُ أنْ يَقُولُوا، تَعامِيًا عَنْ تِلْكَ البَراهِينِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْفى صِحَّتُها عَلى أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ، وتَمادِيًا في العِنادِ عَلى وجْهِ الِاقْتِراحِ ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ أيْ هَلّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ما اقْتَرَحْنا مِنَ الكَنْزِ والمَلائِكَةِ، زَعْمًا أنَّ الرَّسُولَ مَتْبُوعٌ، لا بُدَّ لَهُ مِنَ الإنْفاقِ عَلى أتْباعِهِ، ولا يَتَأتّى مَعَ عَدَمِ سَلْطَنَتِهِ إلّا بِإلْقاءِ الكَنْزِ عَلَيْهِ، أوْ مَجِيءِ مَلَكٍ مَعَهُ يُصَدِّقُ بِرِسالَتِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا الإنْذارُ بِما أُوحِيَ إلَيْكَ، غَيْرُ مُبالٍ بِما صَدَرَ مِنهم مِن الِاقْتِراحِ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ أيْ فَيَحْفَظُ ما يَقُولُونَ ويُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، فَكِلْ أمْرَكَ إلَيْهِ، وبَلِّغْ وحْيَهُ بِقَلْبٍ مُنْشَرِحٍ، غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ.

لَطائِفُ:

الأُولى: قالَ القاشانِيُّ: لَمّا لَمْ يَقْبَلُوا كَلامَهُ ﷺ بِالإرادَةِ، وأنْكَرُوا قَوْلَهُ بِالِاقْتِراحاتِ الفاسِدَةِ، وقابَلُوهُ بِالعِنادِ والِاسْتِهْزاءِ، ضاقَ صَدْرُهُ، ولَمْ يَنْبَسِطْ لِلْكَلامِ، إذِ الإرادَةُ تَجْذِبُ الكَلامَ، وقَبُولُ المُسْتَمِعِ يَزِيدُ نَشاطَ المُتَكَلِّمِ، ويُوجِبُ بَسْطَهُ فِيهِ، وإذا لَمْ يَجِدِ المُتَكَلِّمُ مَحَلًّا قابِلًا لَمْ يَتَسَهَّلْ لَهُ، وبَقِيَ كَرْبًا عِنْدَهُ، فَشَجَّعَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، وهَيَّجَ قُوَّتَهُ ونَشاطَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ فَلا يَخْلُو إنْذارُكَ مِن إحْدى الفائِدَتَيْنِ: إمّا رَفْعُ الحِجابِ أنْ يُنْجَعَ فِيمَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِذَلِكَ، وإمّا إلْزامُ الحُجَّةِ لِمَن لَمْ يُوَفَّقْ لِذَلِكَ، ثُمَّ كِلِ الهِدايَةَ إلَيْهِ.

(p-٣٤١٨)الثّانِيَةُ: لا يَخْفى أنَّ (لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي، وهُوَ، وإنِ اقْتَضى التَّوَقُّعَ، إلّا أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَوَقُّعِ الشَّيْءِ وُقُوعُهُ، ولا تَرَجَّحَ وُقُوعُهُ؛ لِوُجُودِ ما يَمْنَعُ مِنهُ وتَوَقُّعُ ما لا يَقَعُ مِنهُ، المَقْصُودُ تَحْرِيضُهُ عَلى تَرْكِهِ، وتَهْيِيجُ داعِيَتِهِ.

وقِيلَ: (لَعَلَّ) هُنا لِلتَّبْعِيدِ لا لِلتَّرَجِّي، فَإنَّها تُسْتَعْمَلُ كَذَلِكَ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: لَعَلَّكَ تَفْعَلُ كَذا، لِمَن لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. فالمَعْنى: لا نَتْرُكُ.

وقِيلَ: إنَّها لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَما في الحَدِيثِ: ««لَعَلَّنا أعْجَلْناكَ»» .

وقِيلَ: هي لِتَوَقُّعِ الكُفّارِ، فَكَما تَكُونُ لِتَوَقُّعِ المُتَكَلِّمِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ مَعانِيَ الإنْشاءاتِ قائِمَةٌ بِهِ- تَكُونُ لِتَوَقُّعِ المُخاطَبِ أوْ غَيْرِهِ، مِمَّنْ لَهُ مُلابَسَةٌ بِمَعْناهُ كَما هُنا. فالمَعْنى: إنَّكَ بَلَغْتَ الجُهْدَ في تَبْلِيغِهِمْ أنَّهم يَتَوَقَّعُونَ مِنكَ تَرْكَ التَّبْلِيغِ لِبَعْضِهِ -كَذا في (العِنايَةِ)-.

الثّالِثَةُ: إنَّما عَدَلَ عَنْ (ضَيِّقٍ) الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى (ضائِقٍ) اسْمِ الفاعِلِ؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ ضِيقٌ عارِضٌ، غَيْرُ ثابِتٍ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أفْسَحَ النّاسِ صَدْرًا. وكَذا كُلُّ صِفَةٍ مُشَبَّهَةٍ إذا قُصِدَ بِها الحُدُوثُ تُحَوَّلُ إلى فاعِلٍ، فَيَقُولُونَ في سَيِّدٍ سائِدٌ، وفي جَوادٍ جائِدٌ، وفي سَمِينٍ سامِنٌ، قالَ:

؎بِمَنزِلَةٍ أمّا اللَّئِيمُ فَسامِنٌ بِها وكِرامُ النّاسِ بادٍ شُحُوبُها

وظاهِرُ كَلامِ أبِي حَيّانَ أنَّهُ مَقِيسٌ. وقِيلَ إنَّهُ لِمُشابَهَةِ (تارِكٌ). ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ المُشاكَلَةَ قَدْ تَكُونُ حَقِيقَةً -كَذا في (العِنايَةِ)-.

وقَوْلُهُ تَعالى:

11:13Page 223

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٣

Or do they say, "He invented it"? Say, "Then bring ten sūrahs like it that have been invented and call upon [for assistance] whomever you can besides Allāh, if you should be truthful."

(p-٣٤١٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣ ] ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أيْ ما يُوحى إلَيْكَ، وفي (أمْ) وجْهانِ مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِـ (بَلْ والهَمْزَةِ الإنْكارِيَّةِ) أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ. ومُتَّصِلَةٌ والتَّقْدِيرُ: أيَكْتَفُونَ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ، وهو ما في الإعْجازِ، أمْ يَقُولُونَ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا﴾ أيْ لِلِاسْتِعانَةِ ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أيْ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ " ادْعُوا"، أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في أنِّي افْتَرَيْتُهُ، فَأنْتُمْ عَرَبٌ فُصَحاءُ مِثْلِي، لا سِيَّما وقَدْ زاوَلْتُمْ أسالِيبَ النَّظْمِ والنَّثْرِ والخُطَبِ.

11:14Page 223

فَإِلَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٤

And if they do not respond to you - then know that it [i.e., the Qur’ān] was revealed with the knowledge of Allāh1 and that there is no deity except Him. Then,2 would you [not] be Muslims?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤ ] ﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْـزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وأنْ لا إلَهَ إلا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْـزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ أيْ بِما لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ مِن نَظْمٍ مُعْجِزٍ لِلْخَلْقِ، وإخْبارٍ بِغُيُوبٍ لا سَبِيلَ لَهم إلَيْها ﴿وأنْ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ واعْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ تَوْحِيدَهُ واجِبٌ، والإشْراكَ بِهِ ظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُبايِعُونَ بِالإسْلامِ، مُنْقادُونَ لِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وتَصْدِيقِ رَسُولِهِ بَعْدَ هَذِهِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ؟

(p-٣٤٢٠)لَطائِفُ:

الأُولى: قِيلَ: تُحُدُّوا أوَّلًا بِعَشْرِ سُوَرٍ، فَلَمّا عَجَزُوا تُحُدُّوا بِسُورَةٍ. وذَهَبَ المُبَرِّدُ إلى أنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ، ووَجْهُهُ بِأنَّ ما وقَعَ أوَّلًا هو التَّحَدِّي بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في البَلاغَةِ والِاشْتِمالِ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الإخْبارِ عَنِ المُغَيَّباتِ والأحْكامِ وأخَواتِها، وهي الأنْواعُ التِّسْعَةُ المَنظُومَةُ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ:

؎ألا إنَّما القُرْآنُ تِسْعَةُ أحْرُفٍ سَأُنْبِيكَها في بَيْتِ شِعْرٍ بِلا مَلَلْ

؎حَلالٌ، حَرامٌ، مُحْكَمٌ مُتَشابِهٌ ∗∗∗ بَشِيرٌ نَذِيرٌ، قِصَّةٌ عِظَةٌ مَثَلْ

فَلَمّا عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ، أمَرَهم بِالإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ في النَّظْمِ، وإنْ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، ويَشْهَدُ لَهُ تَوْصِيفُها بِـ (مُفْتَرَياتٍ).

وقِيلَ: إنَّ التَّحَدِّيَ بِسُورَةٍ وقَعَ بَعْدَ إقامَةِ البُرْهانِ عَلى التَّوْحِيدِ، وإبْطالِ الشِّرْكِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ لِإثْباتِ النُّبُوَّةِ بِإظْهارِ مُعْجِزَةٍ، وهي السُّورَةُ الفَذَّةُ. والتَّحَدِّي بِعَشْرٍ وقَعَ بَعْدَ تَعَنُّتِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، واقْتِراحِهِمْ آياتٍ غَيْرَ القُرْآنِ؛ لِزَعْمِهِمْ أنَّهُ مُفْتَرًى، فَمَقامُهُ يُناسِبُهُ التَّكْثِيرُ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ مُفْتَرًى عِنْدَهُمْ، فَلا يَعْسُرُ الإتْيانُ بِكَثِيرٍ مِثْلِهِ -كَذا في (العِنايَةِ)-.

الثّانِيَةُ: ضَمِيرُ (لَكُمْ) لِلنَّبِيِّ ﷺ وجَمْعٌ لِلتَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

؎وإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمْ

أوْ لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم أتْباعُهُ في الأمْرِ بِالتَّحَدِّي. وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَطِيفٌ عَلى أنَّ حَقَّهم ألّا يَنْفَكُّوا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُناصِبُوا مَعَهُ لِمُعارَضَةِ المُعارِضِينَ، كَما كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الجِهادِ. وإرْشادٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ الرُّسُوخَ في الإيمانِ، والطُّمَأْنِينَةَ في الإيقانِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فاعْلَمُوا﴾ إلَخْ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في الكُلِّ لِلْمُشْرِكِينَ مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، داخِلًا تَحْتَ الأمْرِ بِالتَّحَدِّي، والضَّمِيرُ في (لَمْ يَسْتَجِيبُوا) لِـ (مَنِ اسْتَطَعْتُمْ) أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكم سائِرُ مَن تَجْأرُونَ إلَيْهِمْ في مُهِمّاتِكم إلى (p-٣٤٢١)المُعاوَنَةِ؛ فاعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ قُدْرَةِ البَشَرِ، وأنَّهُ مَنزَلٌ مِن خالِقِ القُوى والقُدَرِ -كَذا في أبِي السُّعُودِ-.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском