Al-QasimiAt‑Tahrim · 66:1–4

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

التحريم

At-Tahrim

The Prohibition · Medinan · 12 ayahs

66:1Page 560

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١

O Prophet, why do you prohibit [yourself from] what Allāh has made lawful for you, seeking the approval of your wives? And Allāh is Forgiving and Merciful.

(p-٥٨٥١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ التَّحْرِيمِ

مَدَنِيَّةٌ، وآيُها اثْنَتا عَشْرَةَ.

(p-٥٨٥٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: ناداهُ لِيُقْبِلَ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ، ويُدْبِرَ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ مِنَ الأزْواجِ وغَيْرِهِنَّ. وعَبَّرَ عَنْهُ بِالمُبْهَمِ إشْعارًا مِنهُ بِأنَّهُ مِن غايَةِ عَظَمَتِهِ، بِحَيْثُ لا يُعْلَمُ كُنْهُهُ. وأتى بِلَفْظِ: " النَّبِيُّ " إشْعارًا بِأنَّهُ الَّذِي نُبِّئَ بِأسْرارِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ الإلَهِيِّ. والمُرادُ بِتَحْرِيمِهِ ما أحَلَّ لَهُ امْتِناعَهُ مِنهُ، وحَظَرَهُ إيّاهُ عَلى نَفْسِهِ. وهَذا المِقْدارُ مُباحٌ لَيْسَ في ارْتِكابِهِ جُناحٌ، وإنَّما قِيلَ لَهُ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ رِفْقًا بِهِ، وشَفَقَةً عَلَيْهِ، وتَنْوِيهًا لِقَدْرِهِ ولِمَنصِبِهِ ﷺ، أنْ يُراعِيَ مَرْضاةَ أزْواجِهِ بِما يَشُقُّ عَلَيْهِ، جَرْيًا عَلى ما ألِفَ مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى بِنَبِيِّهِ، ورَفْعِهِ عَنْ أنْ يُحْرَجَ بِسَبَبِ أحَدٍ مِنَ البَشَرِ الَّذِينَ هم أتْباعُهُ، ومِن أجْلِهِ خُلِقُوا، لِيُظْهِرَ اللَّهُ كَمالَ نُبُوَّتِهِ، بِظُهُورِ نُقْصانِهِمْ عَنْهُ، كَما أفادَهُ النّاصِرُ.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: لِلْأثَرِيِّينَ في هَذا الَّذِي حَرَّمَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلى نَفْسِهِ رِواياتٌ:

فَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ، ويَمْكُثُ عِنْدَها، فَتَواطَأْتُ أنا وحَفْصَةُ أنَّ أيَّتَنا دَخَلَ عَلَيْها (p-٥٨٥٣)فَلْتَقُلْ لَهُ: إنِّي أجِدُ مِنكَ رِيحَ مَغافِيرَ، أكَلْتَ مَغافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلى إحْداهُما فَقالَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: «بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ، فَلَنْ أعُودَ لَهُ، وقَدْ حَلَفْتُ! لا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أحَدًا»، فَنَزَلَتِ الآيَةُ».

ورَوى الشَّيْخانِ أيْضًا «عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ الحَلْواءَ والعَسَلَ، وكانَ إذا صَلّى العَصْرَ دارَ عَلى نِسائِهِ، فَيَدْنُو مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ، فَدَخَلَ عَلى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، فاحْتَبَسَ عِنْدَها أكْثَرَ مِمّا كانَ يَحْتَبِسُ، فَسَألْتُ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِي: أهَدَتْ إلَيْها امْرَأةٌ مِن قَوْمِها عُكَّةَ عَسَلٍ، فَسَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنهُ شَرْبَةً، فَقُلْتُ: واللَّهُ لَنَحْتالَنَّ لَهُ! فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَوْدَةَ، وقُلْتُ لَها: إذا دَخَلَ عَلَيْكِ، ودَنا مِنكِ، فَقُولِي لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أكَلْتَ مَغافِيرَ؟ فَإنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لا! فَقُولِي لَهُ: وما هَذِهِ الرِّيحُ؟ و: «كانَ ﷺ يَكْرَهُ أنْ يُوجَدَ مِنهُ الرِّيحُ الكَرِيهُ» ! فَإنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي لَهُ: أكَلَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ، حَتّى صارَ فِيهِ -أيْ: في العَسَلِ- ذَلِكَ الرِّيحُ الكَرِيهُ، وإذا دَخَلَ عَلَيَّ فَسَأقُولُ لَهُ ذَلِكَ، وقُولِي أنْتِ يا صَفِيَّةُ ذَلِكَ. فَلَمّا دَخَلَ عَلى سَوْدَةَ، قالَتْ لَهُ مِثْلَ ما عَلَّمَتْها عائِشَةُ، وأجابَها بِما تَقَدَّمَ. فَلَمّا دَخَلَ عَلى صَفِيَّةَ، قالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمّا دَخَلَ عَلى عائِشَةَ قالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ؛ فَلَمّا كانَ اليَوْمُ الآخَرُ ودَخَلَ عَلى حَفْصَةَ قالَتْ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ألا أسْقِيَكَ مِنهُ؟ قالَ: «لا حاجَةَ لِي بِهِ» . قالَتْ: إنَّ سَوْدَةَ تَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ! لَقَدْ حَرَمْناهُ مِنهُ، فَقُلْتُ لَها: اسْكُتِي».

و(المَغافِيرُ) صَمْغٌ حُلْوٌ لَهُ رائِحَةٌ كَرِيهَةٌ يَنْضَحُهُ شَجَرٌ يُقالُ لَهُ: العُرْفُطُ بِضَمِّ العَيْنِ المُهْمَلَةِ والفاءِ.

وفِي هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّ الَّتِي شَرِبَ عِنْدَها العَسَلَ حَفْصَةُ، وفي سابِقَتِها أنَّها زَيْنَبُ. والِاشْتِباهُ في الِاسْمِ لا يَضُرُّ، بَعْدَ ثُبُوتِ أصْلِ القِصَّةِ.

(p-٥٨٥٤)ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتْ حَفْصَةُ وعائِشَةُ مُتَحابَّتَيْنِ، وكانَتا زَوْجَتَيِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَهَبَتْ حَفْصَةُ إلى أبِيها، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ، فَأرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جارِيَتِهِ، فَظَلَّتْ مَعَهُ في بَيْتِ حَفْصَةَ، وكانَ اليَوْمَ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ عائِشَةَ، فَرَجَعَتْ حَفْصَةُ، فَوَجَدَتْها في بَيْتِها، فَجَعَلَتْ تَنْتَظِرُ خُرُوجَها، وغارَتْ غَيْرَةً شَدِيدَةً، فَأخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جارَيْتَهُ، ودَخَلَتْ حَفْصَةُ، فَقالَتْ: قَدْ رَأيْتُ مَن كانَ عِنْدَكَ، واللَّهِ لَقَدْ سُؤْتَنِي! فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «واللَّهِ لَأُرْضِيَنَّكِ، فَإنِّي مُسَرٍّ إلَيْكِ سِرًّا فاحْفَظِيهِ» ! قالَتْ: ما هُوَ؟ قالَ: «إنِّي أُشْهِدُكِ أنَّ سُرِّيَّتِي هَذِهِ عَلَيَّ حَرامٌ، رِضًا لَكِ» - وكانَتْ حَفْصَةُ وعائِشَةُ تُظاهِرانِ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ- فانْطَلَقَتْ عائِشَةُ فَأسَرَّتْ إلَيْها أنْ أبْشِرِي؛ إنَّ النَّبِيَّ صَلّى وسَلَّمَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ فَتاتَهُ. فَلَمّا أخْبَرَتْ بِسِرِّ النَّبِيِّ ﷺ، أظْهَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ النَّبِيَّ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ لَمّا تَظاهَرَتا عَلَيْهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآياتِ».

ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتاةٌ يَغْشاها، فَبَصُرَتْ بِهِ حَفْصَةُ، وكانَ اليَوْمُ يَوْمَ عائِشَةَ، وكانَتا مُتَظاهِرَتَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اكْتُمِي عَلَيَّ، ولا تَذْكُرِي لِعائِشَةَ ما رَأيْتِ»، فَذَكَرَتْ حَفْصَةُ لِعائِشَةَ، فَغَضِبَتْ عائِشَةُ، فَلَمْ تَزَلْ بِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ حَتّى حَلَفَ أنْ لا يَقْرَبَها أبَدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وأمَرَهُ أنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ ويَأْتِيَ جارِيَتَهُ».

ورَوى النَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَتْ لَهُ أُمَّةٌ يَطَؤُها، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَفْصَةُ وعائِشَةُ حَتّى حَرَّمَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

ولَمْ يُرَجِّحِ ابْنُ جَرِيرٍ أحَدَ السَّبَبَيْنِ المَرْوِيَّيْنِ في نُزُولِها عَلى الآخَرِ، بَلْ وقَفَ عَلى إجْمالِ الآيَةِ، عَلى عادَتِهِ في أمْثالِها، ولِذا قالَ: الصَّوابُ أنْ يُقالَ: كانَ الَّذِي حَرَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ (p-٥٨٥٥)عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا كانَ اللَّهُ قَدْ أحَلَّهُ لَهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كانَ جارِيَتَهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ شَرابًا مِنَ الأشْرِبَةِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، غَيْرَ أنَّهُ، أيَّ ذَلِكَ كانَ، فَإنَّهُ كانَ تَحْرِيمُ شَيْءٍ كانَ لَهُ حَلالًا، فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى تَحْرِيمِهِ عَلى نَفْسِهِ كَما كانَ لَهُ قَدْ أحَلَّهُ، وبَيَّنَ لَهُ تَحِلَّةَ يَمِينِهِ. انْتَهى.

والَّذِي يَظْهَرُ لِي هو تَرْجِيحُ رِواياتِ تَحْرِيمِ الجارِيَةِ في سَبَبِ نُزُولِها، وذَلِكَ لِوُجُوهٍ:

مِنها: أنَّ مِثْلَهُ يَبْتَغِي بِهِ مَرْضاةَ الضُّرّاتِ، ويَهْتَمُّ بِهِ لَهُنَّ.

ومِنها: أنَّ رِواياتِ شُرْبِ العَسَلِ لا تَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَرَّمَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِهِنَّ، بَلْ فِيهِ أنَّهُ حَلَفَ لا يَشْرَبُهُ أنَفَةً مِن رِيحِهِ، ثُمَّ رَغِبَ إلى عائِشَةَ أنْ لا تُحَدِّثَ صاحِبَتَهُ بِهِ شَفَقَةً عَلَيْها، إلّا أنْ يَكُنْ عاتَبْنَهُ في ذَلِكَ، ولَمْ يَحْتَمِلْ لُطْفُ مِزاجِهِ الكَرِيمِ ذَلِكَ، فَحَرَّمَهُ.

ولَكِنْ لَيْسَ في الرِّوايَةِ ما يُشْعِرُ بِهِ. وما زادَ عَلى ذَلِكَ فَمِنَ اجْتِهادِ الرُّواةِ.

ومِنها: أنَّ الِاهْتِمامَ بِإنْزالِ سُورَةٍ عَلى حِدَةٍ، لِتَقْرِيعِ أزْواجِهِ ﷺ وتَأْدِيبِهِنَّ في المُظاهَرَةِ عَلَيْهِ، وإيعادِهِنَّ عَلى الإصْرارِ عَلى ذَلِكَ، بِالِاسْتِدْلالِ بِهِنَّ، وإعْلامِهِنَّ بِرِفْعَةِ مَقامِهِ، وأنَّ ظُهَراءَهُ مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ، كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرًا عَظِيمًا دَفَعَهُنَّ إلى تَحْرِيمِهِ ما حَرَّمَ وما هو إلّا الغَيْرَةُ مِن مِثْلِ ما رُوِيَ في شَأْنِ الجارِيَةِ؛ فَإنَّ الأزْواجَ يَحْرِصْنَ أشَدَّ الحِرْصِ عَلى ما يَقْطَعُ وصْلَةَ الضُّرَّةِ الضَّعِيفَةِ ويَبْتُرُها مِن عُضْوِ الزَّوْجِيَّةِ. هَذا ما ظَهَرَ لِيَ الآنَ.

وأمّا تَخْرِيجُ رِوايَةِ العَسَلِ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُ بَعْضِ السَّلَفِ نَزَلَتْ فِيهِ، فالمُرادُ مِنهُ أنَّ الآيَةَ تَشْمَلُ قِصَّتَهُ بِعُمُومِها، عَلى ما عُرِفَ مِن عادَةِ السَّلَفِ في قَوْلِهِمْ: نَزَلَتْ في كَذا، كَما نَبَّهْنا عَلَيْهِ مِرارًا. وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حَرَّمَ ذَلِكَ الشَّرابَ، ثُمَّ أخْبَرَ الرُّواةُ بِأنَّ مِثْلَهُ فُرِضَتْ فِيهِ التَّحِلَّةُ، فَلا مانِعَ مِنَ العَوْدِ إلى شُرْبِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الثّانِي: في "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ مَن حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ أمَةً أوْ طَعامًا أوْ زَوْجَةً، لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ، وتَلْزَمُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ.

(p-٥٨٥٦)ورَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في الحَرامِ يُكَفِّرُ؛ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.

وذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ إلى أنَّهُ كانَ مَعَ التَّحْرِيمِ يَمِينٌ، ورَدَّ كَوْنَ التَّحْرِيمِ بِمُجَرَّدِهِ يَمِينًا، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ اليَمِينَ في عُرْفِهِمْ أعَمُّ مِنَ القَسَمِ بِاللَّهِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهم.

قالَ قَتادَةُ: إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلْبَيْهِ وسَلَّمَ حَرَّمَها، يَعْنِي جارِيَتَهُ، فَكانَتْ يَمِينًا -رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ - وسَيَأْتِي ما يُؤَيِّدُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:

66:2Page 560

قَدۡ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمۡ تَحِلَّةَ أَيۡمَٰنِكُمۡۚ وَٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٢

Allāh has already ordained for you [Muslims] the dissolution of your oaths.1 And Allāh is your protector, and He is the Knowing, the Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢] ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم واللَّهُ مَوْلاكم وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾

﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ أيْ: شَرَعَ تَحْلِيلَها -وهُوَ حَلُّ ما عَقَّدْتَهُ- بِالكَفّارَةِ. والتَّحِلَّةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّحْلِيلِ.

﴿واللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ: مُتَوَلِّي أُمُورِكم ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ أيْ: بِمَصالِحِكم ﴿الحَكِيمُ﴾ أيْ: في تَدْبِيرِهِ إيّاكم بِما شَرَعَهُ وحَكَمَ بِهِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ قُدامَةَ في "الرَّوْضَةِ": دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ حُكْمَ خِطابِهِ ﷺ لا يَخْتَصُّ بِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا عاتَبَهُ في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ لَهُ قالَ عَقِيبَهُ:

﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ (p-٥٨٥٧)وابْتَدَأ الخِطابَ بِمُناداتِهِ وحْدَهُ، ثُمَّ تَمَّمَهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] والمَسْألَةُ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ في الأُصُولِ.

الثّانِي: قالَ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَةَ: التَّحِلَّةُ مَصْدَرُ حَلَّلْتُ الشَّيْءَ تَحْلِيلًا وتَحِلَّةً، كَما يُقالُ: كَرَّمْتُهُ تَكْرِيمًا وتَكْرِمَةً، وهَذا المَصْدَرُ يُسَمّى بِهِ المُحَلِّلُ نَفْسُهُ، الَّذِي هو الكَفّارَةُ؛ فَإنْ أُرِيدَ المَصْدَرُ فالمَعْنى: فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحْلِيلَ اليَمِينِ، وهو حَلُّها الَّذِي هو خِلافُ العَقْدِ.

ولِهَذا اسْتَدَلَّ مَنِ اسْتَدَلَّ مِن أصْحابِنا وغَيْرِهِمْ كَأبِي بَكْرِ عَبْدِ العَزِيزِ، بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّكْفِيرِ قَبْلَ الحِنْثِ؛ لِأنَّ التَّحِلَّةَ لا تَكُونُ بَعْدَ الحِنْثِ، فَإنَّهُ بِالحِنْثِ يَنْحَلُّ اليَمِينُ، وإنَّما تَكُونُ التَّحِلَّةُ إذا أُخْرِجَتْ قَبْلَ الحِنْثِ لِيَنْحَلَّ اليَمِينُ، وإنّا هي بَعْدَ الحِنْثِ كَفّارَةٌ، لِأنَّها كَفَرَّتْ ما في الحِنْثِ مِن سَبَبِ الإثْمِ لِنَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ. فَإذا تَبَيَّنَ أنَّ ما اقْتَضَتِ اليَمِينُ وُجُوبَ الوَفاءِ بِها، رَفَعَهُ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالكَفّارَةِ الَّتِي جَعَلَها بَدَلًا مِنَ الوَفاءِ في جُمْلَةِ ما رَفَعَهُ عَنْها مِنَ الآصارِ.

الثّالِثُ: شَمِلَ قَوْلُهُ تَعالى:

" أيْمانِكم " تَحْرِيمِ الحَلالِ المَذْكُورِ قَبْلُ، وهو الزَّوْجَةُ، لِدُخُولِهِ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، بَلْ كُلُّ يَمِينٍ.

قالَ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في "فَتاوِيهِ": قَوْلُهُ تَعالى:

﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ نَصٌّ عامٌّ في كُلِّ يَمِينٍ يَحْلِفُ بِها المُسْلِمُونَ، أنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ لَها تَحِلَّةً. وذَكَرَهُ سُبْحانَهُ بِصِيغَةِ الخِطابِ لِلْأُمَّةِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الخِطابِ بِصِيغَةِ الإفْرادِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، مَعَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ الأُمَّةَ يَحْلِفُونَ بِأيْمانٍ شَتّى: فَلَوْ فُرِضَ يَمِينٌ واحِدَةٌ لَيْسَ لَها تَحِلَّةٌ، لَكانَ مُخالِفًا لِلْآيَةِ. كَيْفَ وهَذا عامٌّ لَمْ تُخَصَّ فِيهِ صُورَةٌ واحِدَةٌ، لا بِنَصٍّ ولا بِإجْماعٍ، بَلْ هو عامٌّ عُمُومًا مَعْنَوِيًّا، مَعَ عُمُومِهِ اللَّفْظِيِّ؟ فَإنَّ اليَمِينَ مَعْقُودٌ يُوجِبُ مَنعَ المُكَلَّفِ مِنَ الفِعْلِ، فَشَرْعُ التَّحِلَّةِ لِهَذِهِ العُقْدَةِ مُناسِبٌ لِما فِيهِ مِنَ التَّخْفِيفِ والتَّوْسِعَةِ، وهَذا مَوْجُودٌ في اليَمِينِ بِالعِتْقِ والطَّلاقِ، أكْثَرَ مِنهُ في غَيْرِهِما مِن أيْمانِ نَذْرِ اللَّجاجِ والغَضَبِ: فَإنَّ الرَّجُلَ إذا حَلَفَ بِالطَّلاقِ لَيَقْتُلَنَّ النَّفْسَ، أوْ لَيَقْطَعَنَّ رَحِمَهُ، أوْ لَيَمْنَعَنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ مِن أداءِ أمانَةٍ ونَحْوِها، فَإنَّهُ يَجْعَلُ الطَّلاقَ عُرْضَةً لِيَمِينِهِ، (p-٥٨٥٨)أنْ يَبَرَّ ويُصْلِحَ بَيْنَ النّاسِ، أكْثَرَ مِمّا يَجْعَلُ اللَّهَ عُرْضَةً، ثُمَّ إنْ وفى بِيَمِينِهِ، كانَ عَلَيْهِ مِن ضَرَرِ الدُّنْيا والدِّينِ ما قَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى تَحْرِيمِ الدُّخُولِ فِيهِ. وإنْ طَلَّقَ امْرَأتَهُ فَفي الطَّلاقِ أيْضًا مِن ضَرَرِ الدُّنْيا والدِّينِ ما قَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى تَحْرِيمِ الدُّخُولِ فِيهِ. وإنْ طَلَّقَ امْرَأتَهُ، فَفي الطَّلاقِ أيْضًا مِن ضَرَرِ الدُّنْيا والدِّينِ ما لا خَفاءَ بِهِ. وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١] وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ ما مِن تَحْرِيمٍ لِما أحَلَّ اللَّهُ، إلّا واللَّهُ غَفُورٌ لِفاعِلِهِ، رَحِيمٌ بِهِ، وأنَّهُ لا عِلَّةَ تَقْتَضِي ثُبُوتَ التَّحْرِيمِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ لِأيِّ شَيْءٍ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى النَّفْيِ والإنْكارِ والتَّقْدِيرُ: لا سَبَبَ لِتَحْرِيمِكَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ، واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَلَوْ كانَ الحالِفُ بِالنَّذْرِ والعَتاقِ والطَّلاقِ عَلى أنَّهُ لا يَفْعَلُ شَيْئًا لا رُخْصَةَ لَهُ، لَكانَ هُنا سَبَبٌ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الحَلالِ، ولا يَبْقى مُوجِبُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَلى هَذا الفاعِلِ.

ومِمّا يُوَضِّحُ عُمُومَهُ أنَّهم قَدْ أدْخَلُوا الحَلِفَ بِالطَّلاقِ في عُمُومِ حَدِيثِ: ««مَن حَلَفَ فَقالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَإنْ شاءَ فَعَلَ، وإنْ شاءَ تَرَكَ»»، فَأدْخَلُوا فِيهِ الحَلِفَ بِالطَّلاقِ والعَتاقِ والنَّذْرِ والحَلِفِ بِاللَّهِ. وهَذِهِ الدَّلالَةُ تَنْبِيهٌ عَلى أُصُولِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ ومَن وافَقَهُما في مَسْألَةِ نَذْرِ اللَّجاجِ والغَضَبِ؛ فَإنَّهُمُ احْتَجُّوا عَلى التَّكْفِيرِ فِيهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ: ﴿تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ كَفّارَةَ أيْمانِكم عامًّا في اليَمِينِ بِاللَّهِ واليَمِينِ بِالنَّذْرِ. ومَعْلُومٌ أنَّ شُمُولَ اللَّفْظِ لِنَذْرِ اللَّجاجِ والغَضَبِ في الحَجِّ والعِتْقِ ونَحْوِهِما، سَواءٌ.

فَإذا قِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ اليَمِينُ بِاللَّهِ فَقَطْ، فَإنَّ هَذا هو المَفْهُومُ مِن مُطْلَقِ اليَمِينِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ بِالألِفِ واللّامِ والإضافَةِ في قَوْلِهِ:

﴿عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] و﴿تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ مُنْصَرِفًا إلى اليَمِينِ المَعْهُودَةِ عَلَيْهِمْ، وهي اليَمِينُ بِاللَّهِ، وحِينَئِذٍ فَلا يُعْلَمُ مِنَ اللَّفْظِ (p-٥٨٥٩)إلّا المَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ، والحَلِفُ بِالطَّلاقِ ونَحْوِهِ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَهم. ولَوْ كانَ اللَّفْظُ عامًّا، فَقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ اليَمِينُ الَّتِي لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً، كاليَمِينِ بِالمَخْلُوقاتِ، فَلا يَدْخُلُ الحَلِفُ بِالطَّلاقِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ اليَمِينِ المَشْرُوعَةِ لِقَوْلِهِ: ««مَن كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ وإلّا فَلْيَصْمُتْ»» وهَذا سُؤالُ مَن يَقُولُ: كُلُّ يَمِينٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ، فَلا كَفّارَةَ لَها ولا حِنْثَ.

فَيُقالُ: لَفْظُ اليَمِينِ شَمِلَ هَذا كُلَّهُ، بِدَلِيلِ اسْتِعْمالِ النَّبِيِّ ﷺ والصَّحابَةِ والعُلَماءِ اسْمَ اليَمِينِ في هَذا كُلِّهِ. كَقَوْلِهِ ﷺ: ««النَّذْرُ حَلِفٌ»» . وقَوْلِ الصَّحابَةِ لِمَن حَلَفَ بِالهَدْيِ بِالعِتْقِ: كَفِّرْ يَمِينَكَ. وكَذَلِكَ فَهِمَهُ الصَّحابَةُ مِن كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ولِإدْخالِ العُلَماءِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﷺ: ««مَن حَلَفَ فَقالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَإنْ شاءَ فَعَلَ، وإنْ شاءَ تَرَكَ»» . ويَدُلُّ عَلى عُمُومِهِ في الآيَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ فاقْتَضى هَذا أنَّ نَفْسَ تَحْرِيمِ الحَلالِ يَمِينٌ، كَما اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ. وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ إمّا تَحْرِيمُهُ العَسَلَ، وإمّا تَحْرِيمُهُ مارِيَةَ القِبْطِيَّةَ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَتَحْرِيمُ الحَلالِ يَمِينٌ عَلى ظاهِرِ الآيَةِ، ولَيْسَ يَمِينًا بِاللَّهِ، لِهَذا أفْتى جُمْهُورُ الصَّحابَةِ، كَعُمَرَ وعُثْمانَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِمْ، أنَّ تَحْرِيمَ الحَلالِ يَمِينٌ مُكَفِّرَةٌ، إمّا كَفّارَةٌ كُبْرى كالظِّهارِ، وإمّا كَفّارَةٌ صُغْرى كاليَمِينِ بِاللَّهِ. ومازالَ السَّلَفُ يُسَمُّونَ الظِّهارَ ونَحْوَهُ يَمِينًا.

وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ:

﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إمّا أنْ يُرادَ بِهِ لِمَ تُحَرِّمُ بِلَفْظِ الحَرامِ، وإمّا لِمَ تُحَرِّمُهُ بِاليَمِينِ بِاللَّهِ تَعالى ونَحْوِها، وإمّا لِمَ تُحَرِّمُهُ مُطْلَقًا، فَإنْ أُرِيدَ الأوَّلُ والثّالِثُ فَقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِغَيْرِ الحَلِفِ بِاللَّهِ تَعالى، ثُمَّ فَيَعُمُّ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ تَحْرِيمُهُ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ، فَقَدْ سَمّى اللَّهُ الحَلِفَ بِاللَّهِ تَحْرِيمًا لِلْحَلالِ. ومَعْلُومٌ أنَّ اليَمِينَ بِاللَّهِ لَمْ يُوجِبِ الحُرْمَةَ الشَّرْعِيَّةَ، لَكِنْ لَمّا أوْجَبَتِ (p-٥٨٦٠)امْتِناعَ الحالِفِ مِنَ الفِعْلِ، فَقَدْ حَرَّمَتْ عَلَيْهِ الفِعْلَ فَيَدْخُلُ في قُوَّةِ قَوْلِهِ:

﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] وحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ:

﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ لا بُدَّ أنْ يَعُمَّ كُلَّ يَمِينٍ حَرَّمَتِ الحَلالَ؛ لِأنَّ هَذا حُكْمُ ذَلِكَ الفِعْلِ، فَلا بُدَّ أنْ يُطابِقَ صُوَرَهُ؛ لِأنَّ تَحْرِيمَ الحَلالِ هو سَبَبُ قَوْلِهِ:

﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ وسَبَبُ الجَوابِ إذا كانَ عامًّا كانَ الجَوابُ عامًّا؛ لِئَلّا يَكُونَ جَوابًا عَنِ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، مَعَ قِيامِ السَّبَبِ المُقْتَضِي لِلتَّعْمِيمِ.

وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "زادِ المَعادِ": الَّذِينَ أوْجَبُوا كَفّارَةَ اليَمِينِ بِالتَّحْرِيمِ أسْعَدُ بِالنَّصِّ مِنَ الَّذِينَ أسْقَطُوها؛ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ذَكَرَ تَحِلَّةَ الأيْمانِ عَقِيبَ قَوْلِهِ:

﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ تَحْرِيمَ الحَلالِ قَدْ فُرِضَ فِيهِ تَحِلَّةُ الأيْمانِ، إمّا مُخْتَصًّا بِهِ، وإمّا شامِلًا لَهُ ولِغَيْرِهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُخْلى سَبَبُ الكَفّارَةِ المَذْكُورَةِ في السِّياقِ عَنْ حُكْمِ الكَفّارَةِ، ويَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ، وهَذا ظاهِرُ الِامْتِناعِ.

وأيْضًا فَإنَّ المَنعَ مِن فِعْلِهِ بِالتَّحْرِيمِ، كالمَنعِ مِنهُ بِاليَمِينِ، بَلْ أقْوى؛ فَإنَّ اليَمِينَ، إنْ تَضَمَّنَ هَتْكَ حُرْمَةِ اسْمِهِ سُبْحانَهُ، فالتَّحْرِيمُ تَضَمَّنَ هَتْكَ حُرْمَةِ شَرْعِهِ وأمْرِهِ، فَإنَّهُ إذا شَرَعَ حَلالًا فَحَرَّمَهُ المُكَلَّفُ، كانَ تَحْرِيمُهُ هَتْكًا لِحُرْمَةِ ما شَرَعَهُ.

ونَحْنُ نَقُولُ: لَمْ يَتَضَمَّنِ الحِنْثُ في اليَمِينِ هَتْكَ حُرْمَةِ الِاسْمِ، ولا التَّحْرِيمُ هَتْكَ حُرْمَةِ الشَّرْعِ، كَما يَقُولُهُ مَن يَقُولُهُ مِنَ الفُقَهاءِ، وهو تَعْلِيلٌ فاسِدٌ جِدًّا؛ فَإنَّ الحِنْثَ إمّا جائِزٌ، وإمّا واجِبٌ، أوْ مُسْتَحَبٌّ. وما جَوَّزَ اللَّهُ لِأحَدٍ البَتَّةَ أنْ يَهْتِكَ حُرْمَةَ اسْمِهِ، وقَدْ شَرَعَ لِعِبادِهِ الحِنْثَ مَعَ الكَفّارَةِ. وأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ إذا حَلَفَ عَلى يَمِينٍ، ورَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وأتى (p-٥٨٦١)المَحْلُوفَ عَلَيْهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ هَتْكَ حُرْمَةِ اسْمِهِ تَبارَكَ وتَعالى لَمْ يُبَحْ في شَرِيعَةٍ قَطُّ، وإنَّما الكَفّارَةُ كَما سَمّاها اللَّهُ تَعالى، تَحِلَّةً، وهي تَفِعْلَةٌ مِنَ الحِلِّ، فَهي تَحِلُّ ما عُقِدَ بِهِ اليَمِينُ لَيْسَ إلّا. وهَذا العَقْدُ، كَما يَكُونُ بِاليَمِينِ، يَكُونُ بِالتَّحْرِيمِ. وظَهَرَ سِرُّ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ عَقِيبَ قَوْلِهِ:

﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]

وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيهِ، قَبْلُ: أمّا مَن قالَ: إنَّهُ يَمِينٌ مُكَفِّرَةٌ بِكُلِّ حالٍ، فَمَأْخَذُ قَوْلِهِ أنَّ تَحْرِيمَ الحَلالِ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ واللِّباسِ يَمِينٌ يُكَفَّرُ بِالنَّصِّ والمَعْنى وآثارِ الصَّحابَةِ؛ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ:

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم: ١] الآيَةَ... ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ الحَلالِ داخِلًا تَحْتَ هَذا الفَرْضِ؛ لِأنَّهُ سَبَبُهُ، وتَخْصِيصُ مَحَلِّ السَّبَبِ مِن جُمْلَةِ العامِّ، مُمْتَنِعٌ قَطْعًا؛ إذْ هو المَقْصُودُ بِالبَيانِ أوَّلًا، فَلَوْ خُصَّ لَخَلا سَبَبُ الحُكْمِ عَنِ البَيانِ، وهو مُمْتَنِعٌ. وهَذا اسْتِدْلالٌ في غايَةِ القُوَّةِ، فَسَألْتُ عَنْهُ شَيْخَ الإسْلامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: نَعَمْ! التَّحْرِيمُ يَمِينٌ كُبْرى في الزَّوْجَةِ، كَفّارَتُها كَفّارَةُ الظِّهارِ، ويَمِينٌ صُغْرى فِيما عَداها، كَفّارَتُها كَفّارَةُ اليَمِينِ بِاللَّهِ. قالَ: وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدِهِمْ: إنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ يُكَفَّرُ.

وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في "أعْلامِ المُوَقِّعِينَ": لا يَجُوزُ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ المُسْلِمِ وبَيْنَ امْرَأتِهِ بِغَيْرِ لَفْظٍ لَمْ يُوضَعْ لِلطَّلاقِ ولا نَواهُ، وتَلْزَمُهُ كَفّارَةُ يَمِينِ حَرَمِهِ لِشِدَّةِ اليَمِينِ؛ إذْ لَيْسَتْ كالحَلِفِ بِالمَخْلُوقِ الَّتِي لا تَنْعَقِدُ، ولا هي مِن لَغْوِ اليَمِينِ، وهي يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ، فَفِيها كَفّارَةُ يَمِينٍ.

ثُمَّ قالَ في المَذْهَبِ الثّالِثَ عَشَرَ: إنَّهُ يَمِينٌ يُكَفِّرُهُ ما كَفَّرَ اليَمِينَ عَلى كُلِّ حالٍ، صَحَّ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ ومَكْحُولٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ونافِعٍ والأوْزاعِيِّ وأبِي ثَوْرٍ، وخَلْقٍ (p-٥٨٦٢)سِواهم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ ظاهِرُ القُرْآنِ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ فَرْضَ تَحِلَّةَ الأيْمانِ عَقِبَ تَحْرِيمِ الحَلالِ، فَلا بُدَّ أنْ يَتَناوَلَهُ يَقِينًا، فَلا يَجُوزُ جَعْلُ تَحِلَّةِ الأيْمانِ لِغَيْرِ المَذْكُورِ قَبْلَها، ويَخْرُجُ المَذْكُورُ عَنْ حُكْمِ التَّحِلَّةِ الَّتِي قُصِدَ ذِكْرُها لِأجْلِهِ.

وقالَ في "زادِ المَعادِ": لا فَرْقَ بَيْنَ التَّحْرِيمِ -فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ- بَيْنَ الأمَةِ وغَيْرِها عِنْدَ الجُمْهُورِ، إلّا الشّافِعِيَّ وحْدَهُ؛ فَإنَّهُ أوْجَبَ في تَحْرِيمِ الأمَةِ خاصَّةً، كَفّارَةَ اليَمِينِ؛ إذِ التَّحْرِيمُ لَهُ تَأْثِيرٌ في الأبْضاعِ عِنْدَهُ، دُونَ غَيْرِها: وأيْضًا فَإنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ تَحْرِيمُ الجارِيَةِ، فَلا يَخْرُجُ مَحَلُّ السَّبَبِ عَنِ الحُكْمِ، ويَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ. ومُنازِعُوهُ يَقُولُونَ: النَّصُّ عَلَّقَ فَرْضَ تَحِلَّةِ اليَمِينِ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ، وهو أعَمُّ مِن تَحْرِيمِ الأمَةِ وغَيْرِها، فَتَجِبُ الكَفّارَةُ حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُها. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ.

66:3Page 560

وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٣

And [remember] when the Prophet confided to one of his wives a statement; and when she informed [another] of it and Allāh showed it to him, he made known part of it and ignored a part. And when he informed her about it, she said, "Who told you this?" He said, "I was informed by the Knowing, the Aware."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣] ﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ .

﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ ﴿إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا﴾ هي حَفْصَةُ في قَوْلِ الرُّواةِ: ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ والشَّعْبِيِّ والضَّحّاكِ، كَما نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ﴿حَدِيثًا﴾ وهو تَحْرِيمُ فَتاتِهِ في قَوْلِهِمْ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أوْ ما حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ مِمّا كانَ اللَّهُ جَلَّ ثَناؤُهُ قَدْ أحَلَّهُ لَهُ، وقَوْلُهُ: ««لا تَذْكُرِي ذَلِكَ لِأحَدٍ»» .

﴿فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ﴾ أيْ: أخْبَرَتْ بِالسِّرِّ صاحِبَتَها؛ كَما تَقَدَّمَ، ﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: أطْلَعَهُ عَلى تَحْدِيثِها بِهِ، ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ أيْ: عَرَّفَها بَعْضَ ما أفْشَتْهُ مُعاتِبًا ﴿وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ (p-٥٨٦٣)أيْ: بَعْضِ الحَدِيثِ تَكَرًّمًا، ﴿فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ أيِ: الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.

تَنْبِيهٌ:

فِي "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ أنَّهُ لا بَأْسَ بِإسْرارِ بَعْضِ الحَدِيثِ إلى مَن يَرْكَنُ إلَيْهِ مِن زَوْجَةٍ أوْ صَدِيقٍ، وأنَّهُ يَلْزَمُهُ كِتْمانُهُ. وفِيها حُسْنُ المُعاشَرَةِ مَعَ الزَّوْجاتِ، والتَّلَطُّفُ في العَتَبِ، والإعْراضُ عَنِ اسْتِقْصاءِ الذَّنْبِ.

وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ سُفْيانَ قالَ: ما زالَ التَّغافُلُ مِن فِعْلِ الكِرامِ.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى غَضَبِهِ لِنَبِيِّهِ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِمّا أتَتْ بِهِ مِن إفْشاءِ السِّرِّ إلى صاحِبَتِها، ومِن مُظاهَرَتِهِما عَلى ما يُقْلِقُ راحَتَهُ، وأنَّ ذَلِكَ ذَنْبٌ تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

66:4Page 560

إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ٤

If you two [wives] repent to Allāh, [it is best], for your hearts have deviated. But if you cooperate against him - then indeed Allāh is his protector, and Gabriel and the righteous of the believers and the angels, moreover, are [his] assistants.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤] ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾

﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ أيْ: إلى الحَقِّ، وهو ما وجَبَ مِن مُجانَبَةِ ما يُسْخِطُ رَسُولَهُ. وقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ المُتَظاهِرَتَيْنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: عائِشَةُ وحَفْصَةُ.

وفِي خِطابِهِما، عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، مُبالَغَةٌ؛ فَإنَّ المُبالِغَ في العِتابِ يُصَيِّرُ المُعاتَبَ مَطْرُودًا بَعِيدًا عَنْ ساحَةِ الحُضُورِ، ثُمَّ إذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ تَوَجَّهَ إلَيْهِ وعاتَبَهُ بِما يُرِيدُ.

﴿وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ أيْ: تَتَظاهَرا وتَتَّفِقا عَلى ما يَسُوؤُهُ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (p-٥٨٦٤)أيْ: مُتَظاهِرُونَ عَلى مَن أرادَ مَساءَتَهُ، فَماذا يُفِيدُ تَظاهُرُ امْرَأتَيْنِ عَلى مَن هَؤُلاءِ ظُهَراؤُهُ؟ ولَمّا كانَتِ المَلائِكَةُ أعْظَمَ المَخْلُوقاتِ وأكْثَرَهُمْ، خَتَمَ الظُّهَراءَ بِهِمْ لِيَكُونَ أفْخَمَ في التَّنْوِيهِ بِالنَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وعِظَمِ مَكانَتِهِ، والِانْتِصارِ لَهُ؛ إذْ هي هُنا بِمَثابَةِ جَيْشٍ جَرّارٍ، يَمْلَأُ القِفارَ، يَتَأثَّرُ أمِيرُهُ وقائِدُهُ، لِيَحْمِلَ عَلى عَدُوِّهِ ومُناوِئِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском