Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
At-Tahrim 66:5–12
66:5Page 560
عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبۡدِلَهُۥٓ أَزۡوَٰجًا خَيۡرٗا مِّنكُنَّ مُسۡلِمَٰتٖ مُّؤۡمِنَٰتٖ قَٰنِتَٰتٖ تَٰٓئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتٖ سَٰٓئِحَٰتٖ ثَيِّبَٰتٖ وَأَبۡكَارٗا ٥
Perhaps his Lord, if he divorced you [all], would substitute for him wives better than you - submitting [to Allāh], believing, devoutly obedient, repentant, worshipping, and traveling1 - [ones] previously married and virgins.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾
﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ﴾ أيْ: خاضِعاتٍ لِلَّهِ بِالطّاعَةِ ﴿مُؤْمِناتٍ﴾ أيْ: مُصَدِّقاتٍ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿قانِتاتٍ﴾ أيْ: مُطِيعاتٍ لِما يُؤْمَرْنَ بِهِ ﴿تائِباتٍ﴾ أيْ: مِنَ الذُّنُوبِ لا يُصْرِرْنَ عَلَيْها ﴿عابِداتٍ﴾ أيْ: مُتَعَبِّداتٍ لِلَّهِ، كَأنَّ العِبادَةَ امْتَزَجَتْ بِقُلُوبِهِنَّ، حَتّى صارَتْ مَلَكَةً لَهُنَّ ﴿سائِحاتٍ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ صائِماتٌ، وسَنُنَبِّهُ عَلى ما فِيهِ ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾
اعْلَمْ أنَّ في تَوْصِيفِ المُبْدَلاتِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، تَعْرِيضًا بِوُجُوبِ اتِّصافِ الأزْواجِ بِها، لا سِيَّما أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ.
تَنْبِيهٌ:
ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المُرادَ مِن ﴿سائِحاتٍ﴾ صائِماتٌ أوْ مُهاجِراتٌ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ التَّوْبَةِ في تَفْسِيرِ ﴿السّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] أنَّ الحَقَّ فِيهِ هو المَعْنى الحَقِيقِيُّ لِعَدَمِ ما يَمْنَعُ مِنهُ، ولا يُصارُ إلى المَجازِ إلّا لِمانِعٍ. ولِذا قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ يُسْتَفادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَشْرُوعِيَّةُ السِّياحَةِ لِلنِّساءِ، كَما هي كَذَلِكَ لِلرِّجالِ. فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سائِحاتٍ﴾ مُسافِراتٍ، سَواءٌ كانَ السَّفَرُ لِهِجْرَةٍ أوِ اطِّلاعٍ عَلى آثارِ الأُمَمِ البائِدَةِ. وقَدْ خَصَّصَتِ السُّنَّةُ عُمُومَ سَفَرِهِنَّ بِكَوْنِهِ مَعَ زَوْجٍ أوْ مَحْرَمٍ لَهُ، حِفْظًا لَهُنَّ.
(p-٥٨٦٥)ثُمَّ قالَ: كَأنَّ الَّذِي دَعا البَعْضَ لِتَفْسِيرِ ﴿سائِحاتٍ﴾ بِالصّائِماتِ، أوْ بِخُصُوصِ المُهاجِراتِ، تَصَوُّرُهُ أنَّ السِّياحَةَ في البِلادِ لا تُناسِبُ طَبِيعَةَ النِّساءِ المَأْمُوراتِ بِالحِجابِ، وكَأنَّهُ يَفْهَمُ مِنَ الحِجابِ أنَّهُ الحَبْسُ المُؤَبَّدُ، أوْ كَأنَّ الهَواءَ نِعْمَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِغَيْرِ النِّساءِ، أوْ كَأنَّهُنَّ لَمْ يُخْلَقْنَ إلّا لِسُجُونِ البُيُوتِ الَّتِي رُبَّما تَكُونُ أنْكى مِن أعْمَقِ سُجُونِ الجُناةِ، أوْ كَأنَّهُنَّ لَمْ يُخْلَقْ لَهُنَّ مِن هَذِهِ الدُّنْيا الرَّحِيبَةِ سِوى بَيْتٍ واحِدٍ؟! وأمّا قَوْلُهُ تَعالى:
﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فَكَأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالرَّجُلِ، أوْ كَأنَّ الآياتِ الآمِرَةَ بِالسَّيْرِ لِلنَّظَرِ والعِبْرَةِ والإحاطَةِ والخِبْرَةِ، نازِلَةٌ مِنَ السَّماءِ لَيْسَ لِلْأُمَّةِ جَمِيعًا، بَلْ لِلنِّصْفِ مِنها، وهو الرِّجالُ. وحاشا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ! أيْنَ هَدْيُهُ ﷺ في سَفَرِهِ مَعَ أزْواجِهِ؟ فَقَدْ ««كانَ يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ»، فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَتْ قُرْعَتُها خَرَجَ بِها، وسافَرَتْ مَعَهُ». وقَدْ صارَ ذَلِكَ شَرِيعَةً مَعْمُولًا بِها في الدِّينِ. وهَكَذا صَحَّ أنَّهُ ﷺ ««لَمّا قَدِمَ بِصَفِيَّةَ أرْدَفَها خَلْفَهُ وهو مَعَ الرَّكْبِ»» .
وبِالجُمْلَةِ فالسِّياحَةُ في القُرْآنِ الكَرِيمِ لَيْسَتْ تَرْمِي إلى غايَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ إلى عِدَّةِ غاياتٍ وفَوائِدَ:
أوَّلًا: إدْراكُ المَعْقُولاتِ، والإحاطَةُ بِعِظاتِ المَسْمُوعاتِ، كَما نَتَعَلَّمُهُ مِن آيَةِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]
ثانِيًا: الوُقُوفُ عَلى أحْوالِ الأُمَمِ البائِدَةِ، وما لَهم مِن جَلِيلِ الآثارِ الدّاعِيَةِ لِلِاعْتِبارِ، كَما نَتَعَلَّمُهُ مِن قَوْلِ الكِتابِ الحَكِيمِ:
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [غافر: ٢١]
(p-٥٨٦٦)وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ٩]
ثالِثًا: البَحْثُ والتَّنْقِيبُ في أنْحاءِ المَسْكُونَةِ بِالنَّظَرِ في الكَوْنِ، وفي الفُنُونِ، لِلْوُصُولِ إلى مَعْرِفَةِ مُبْدِعِ هَذا العالَمِ تَعالى، كَما يَحُثُّنا الكِتابُ الكَرِيمُ عَلى تَسَنُّمِ هَذا المُرْتَقى العالِي بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ٢٠]
رابِعًا: الحُصُولُ عَلى رِبْحِ التِّجارَةِ كَما نَتَعَلَّمُ ذَلِكَ مِن قَوْلِ الكِتابِ الكَرِيمِ: ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]
فَهَلْ تَرى هَذِهِ الفَوائِدَ ذاتَ البالِ مُخْتَصَّةً بِالرَّجُلِ دُونَ الأُنْثى، حَتّى يَكُونَ السَّيْرُ خاصًّا بِالرَّجُلِ؟ كَلّا! وقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ سَبَأٍ بِما حَكاهُ بِقَوْلِهِ:
﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾ [سبإ: ١٨] وامْتَنَّ عَلى جَمِيعِ عِبادِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ تَعالى: ﴿مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] فَهَلْ يَجُوزُ أنْ نَذْهَبَ إلى أنَّ هَذِهِ المِنَنَ هي مِن مَخْصُوصاتِ الرَّجُلِ دُونَ النِّساءِ؟ كَلّا! بَلِ الكُلُّ مَغْمُورٌ بِهَذِهِ المِنّاتِ، كَما هو مُقْتَضى عُمُومِ الآياتِ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
66:6Page 560
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ ٦
O you who have believed, protect yourselves and your families from a Fire whose fuel is people and stones, over which are [appointed] angels, harsh and severe; they do not disobey Allāh in what He commands them but do what they are commanded.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ أيْ: سَبَبَها، وذَلِكَ بِتَرْكِ المَعاصِي، (p-٥٨٦٧)وفِعْلِ الطّاعاتِ، والقِيامِ عَلى تَأْدِيبِ الأهْلِ، وأخْذِهِنَّ بِما تَأْخُذُونَ بِهِ أنْفُسَكم ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ أيْ: تَتَّقِدُ بِهِما اتِّقادَ غَيْرِها بِالحَطَبِ ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ﴾ أيْ: تَلِي أمْرَها وتَعْذِيبَ أهْلِها، زَبانِيَةٌ ﴿غِلاظٌ شِدادٌ﴾ أيْ: جُفاةٌ قُساةٌ ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَتِ الجُمْلَتانِ في مَعْنًى واحِدٍ؛ فَإنَّ مَعْنى الأُولى: أنَّهم يَتَقَبَّلُونَ أوامِرَهُ ويَلْتَزِمُونَها ولا يَأْبَوْنَها ولا يُنْكِرُونَها. ومَعْنى الثّانِيَةِ: أنَّهم يُؤَدُّونَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ، لا يَتَثاقَلُونَ عَنْهُ، ولا يَتَوانَوْنَ فِيهِ. انْتَهى.
وقِيلَ: الجُمْلَةُ الأوْلى لِبَيانِ اسْتِمْرارِ إتْيانِهِمْ بِأوامِرِهِ، والثّانِيَةُ لِأنَّهم لا يَفْعَلُونَ شَيْئًا ما لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] فَإنَّ اسْتِمْرارَهم عَلى فِعْلِ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ يُفِيدُهُ، فَلا تَكْرارَ. وقِيلَ: إنَّهُ مِنَ الطَّرْدِ والعَكْسِ، وهو يَكُونُ في كَلامَيْنِ، يُقَرِّرُ مَنطُوقَ أحَدِهِما مَفْهُومُ الآخَرِ، وبِالعَكْسِ.
66:7Page 560
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعۡتَذِرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧
O you who have disbelieved, make no excuses that Day. You will only be recompensed for what you used to do.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ. فالمُرادُ بِ: ﴿اليَوْمَ﴾ وقْتُ دُخُولِهِمْ إيّاها، فَتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ، والنَّهْيِ عَنِ الِاعْتِذارِ لِأنَّهُ لا عُذْرَ لَهُمْ، أوِ العُذْرُ لا يَنْفَعُهم.
66:8Page 561
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٨
O you who have believed, repent to Allāh with sincere repentance. Perhaps1 your Lord will remove from you your misdeeds and admit you into gardens beneath which rivers flow [on] the Day when Allāh will not disgrace the Prophet and those who believed with him. Their light will proceed before them and on their right; they will say, "Our Lord, perfect for us our light and forgive us. Indeed, You are over all things competent."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (p-٥٨٦٨)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ أيْ: تَوْبَةً تُرَقِّعُ الخُرُوقَ، وتَرْتِقُ الفُتُوقَ، وتُصْلِحُ الفاسِدَ، وتَسُدُّ الخَلَلَ. مِنَ النُّصْحِ بِمَعْنى الخِياطَةِ. أوْ تَوْبَةً خالِصَةً عَنْ شَوْبِ المَيْلِ إلى الحالِ الَّذِي تابَ عَنْهُ، والنَّظَرِ إلَيْهِ بِعَدَمِ الِالتِفاتِ، وقَطْعِ النَّظَرِ عَنْهُ مِنَ (النَّصُوحِ) بِمَعْنى الخُلُوصِ ﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾ أيْ: بِمُناصَحَةِ أنْفُسِكم بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ ﴿أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أيْ: لا يُذِلُّهم. تَعْرِيضٌ لِأعْدائِهِمْ بِالخِزْيِ والصَّغارِ ﴿نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ أيْ: أدِمْهُ أوْ زِدْهُ ﴿واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
66:9Page 561
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٩
O Prophet, strive against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ أيْ: بِالسِّنانِ والبُرْهانِ ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: فِيما تُجاهِدُهم بِهِ، لِتَنْكَسِرَ صَلابَتُهُمْ، وتَلِينَ شَكِيمَتُهم وعَرِيكَتُهُمْ، فَتَنْقَهِرَ نُفُوسُهم وتَذِلَّ وتَخْضَعَ.
﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾
66:10Page 561
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمۡرَأَتَ نُوحٖ وَٱمۡرَأَتَ لُوطٖۖ كَانَتَا تَحۡتَ عَبۡدَيۡنِ مِنۡ عِبَادِنَا صَٰلِحَيۡنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمۡ يُغۡنِيَا عَنۡهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَقِيلَ ٱدۡخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ ١٠
Allāh presents an example of those who disbelieved: the wife of Noah and the wife of Lot. They were under two of Our righteous servants but betrayed them,1 so they [i.e., those prophets] did not avail them from Allāh at all, and it was said, "Enter the Fire with those who enter."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأتَ نُوحٍ وامْرَأتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾
(p-٥٨٦٩)﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأتَ نُوحٍ وامْرَأتَ لُوطٍ﴾ أيْ: حالُهُما ﴿كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما﴾ أيْ: بِالمُظاهَرَةِ عَلَيْهِما والكُفْرِ والعِصْيانِ، مَعَ تَمَكُّنِهِما مِنَ الطّاعَةِ والإيمانِ ﴿فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ ﴿شَيْئًا وقِيلَ﴾ أيْ: لَهُما عِنْدَ مَوْتِهِما، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ:
﴿ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ أيْ: مَعَ سائِرِ الدّاخِلِينَ مِنَ الفَجَرَةِ الَّذِينَ لا وصْلَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الأنْبِياءِ.
66:11–12Page 561
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱمۡرَأَتَ فِرۡعَوۡنَ إِذۡ قَالَتۡ رَبِّ ٱبۡنِ لِي عِندَكَ بَيۡتٗا فِي ٱلۡجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرۡعَوۡنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ١١
And Allāh presents an example of those who believed: the wife of Pharaoh, when she said, "My Lord, build for me near You a house in Paradise and save me from Pharaoh and his deeds and save me from the wrongdoing people."
وَمَرۡيَمَ ٱبۡنَتَ عِمۡرَٰنَ ٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتۡ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَٰنِتِينَ ١٢
And [the example of] Mary, the daughter of ʿImrān, who guarded her chastity, so We blew into [her garment] through Our angel [i.e., Gabriel], and she believed in the words of her Lord and His scriptures and was of the devoutly obedient.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١ - ١٢] ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: مِن عَمَلِهِمْ وعَذابِهِمْ ﴿ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ [التحريم: ١٢] أيْ: حَفِظَتْهُ وصانَتْهُ ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ [التحريم: ١٢] يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ مَن رُوحٍ خَلَقْناهُ بِلا تَوَسُّطٍ، وهو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ [التحريم: ١٢] أيْ: بِصُحُفِهِ المَنَزَّلَةِ مِن عِنْدِهِ ﴿وكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] أيِ: المُوحاةِ. والعَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ، أوِ الكَلِماتُ أعَمُّ مِنَ المَكْتُوبِ والمَحْفُوظِ مِن أوامِرِهِ ووَصاياهُ المُتَوارَثَةِ، والكُتُبُ خاصَّةٌ بِالمَخْطُوطِ مِنَ الأسْفارِ.
﴿وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] أيْ: مِنَ المُواظِبِينَ عَلى الطّاعَةِ لِلَّهِ، والخُضُوعِ لِأحْكامِهِ. والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَثَّلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ حالَ الكُفّارِ في أنَّهم يُعاقَبُونَ عَلى كُفْرِهِمْ (p-٥٨٧٠)وعَداوَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ مُعاقَبَةَ مِثْلِهِمْ، مِن غَيْرِ إبْقاءٍ ولا مُحاباةٍ ولا يَنْفَعُهم مَعَ عَداوَتِهِمْ لَهم ما كانَ بَيْنَهم وبَيْنَهم مِن لُحْمَةٍ ونَسَبٍ، أوْ وصْلَةِ صِهْرٍ؛ لِأنَّ عَداوَتَهم لَهُمْ، وكُفْرَهم بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، قَطْعُ العَلائِقِ، وبَتُّ الوَصْلِ، وجَعْلُهم أبْعَدَ مِنَ الأجانِبِ وأبْعَدَ، وإنْ كانَ المُؤْمِنُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الكافِرُ نَبِيًّا مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، بِحالِ امْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ لُوطٍ لَمّا نافَقَتا وخانَتا الرَّسُولَيْنِ لَمْ يُغْنِ الرَّسُولانِ عَنْهُما، بِحَقِّ ما بَيْنَهُما وبَيْنَهُما مِن وصْلَةِ الزَّواجِ، إغْناءً ما مِن عَذابِ اللَّهِ، ومَثَّلَ حالَ المُؤْمِنِينَ في وصْلَةِ الكافِرِينَ لا تَضُرُّهُمْ، ولا تَنْقُصُ شَيْئًا مِن ثَوابِهِمْ وزُلْفاهم عِنْدَ اللَّهِ بِحالِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ ومَنزِلَتِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَعَ كَوْنِها زَوْجَةَ أعْدى أعْداءِ اللَّهِ، النّاطِقِ بِالكَلِمَةِ العُظْمى. ومَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ، وما أُوتِيَتْ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ والِاصْطِفاءِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، مَعَ أنَّ قَوْمَها كانُوا كُفّارًا. وفي طَيٍّ هَذَيْنِ التَّمْثِيلَيْنِ تَعْرِيضٌ بِأُمَّيِ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورَتَيْنِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وما فَرَطَ مِنهُما مِنَ التَّظاهُرِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِما كَرِهَهُ، وتَحْذِيرٌ لَهُما عَلى أغْلَظِ وجْهٍ وأشُدِّهِ، لِما في التَّمْثِيلِ مِن ذِكْرِ الكُفْرِ. ونَحْوَهُ في التَّغْلِيظِ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وإشارَةٌ إلى أنَّ مِن حَقِّهِما أنْ تَكُونا في الإخْلاصِ والكَمالِ فِيهِ كَمَثَلِ هاتَيْنِ المُؤْمِنَتَيْنِ، وأنْ لا تَتَّكِلا عَلى أنَّهُما زَوْجا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَإنَّ ذَلِكَ الفَضْلَ لا يَنْفَعُهُما إلّا مَعَ كَوْنِهِما مُخْلِصَتَيْنِ. والتَّعْرِيضُ بِحَفْصَةَ أرْجَحُ؛ لِأنَّ امْرَأةَ لُوطٍ أفْشَتْ عَلَيْهِ كَما أفْشَتْ حَفْصَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ. وأسْرارُ التَّنْزِيلِ ورُمُوزُهُ في كُلِّ بابٍ، بالِغَةٌ مِنَ اللُّطْفِ والخَفاءِ حَدًّا يَدِقُّ عَلى تَفَطُّنِ العالِمِ ويَزِلُّ عَنْ تَبَصُّرِهِ. انْتَهى.
الثّانِي: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "أعْلامِ المُوَقِّعِينَ" اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى ثَلاثَةِ أمْثالٍ: مَثَلٍ لِلْكُفّارِ، ومَثَلَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
فَتَضَمَّنَ مَثَلُ الكُفّارِ أنَّ الكافِرَ يُعاقَبُ عَلى كُفْرِهِ وعَداوَتِهِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وأوْلِيائِهِ، ولا يَنْفَعُهُ مَعَ كُفْرِهِ ما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ مِن لُحْمَةِ نَسَبٍ، أوْ وصْلَةِ صِهْرٍ، أوْ سَبَبٍ مِن (p-٥٨٧١)أسْبابِ الِاتِّصالِ؛ فَإنَّ الأسْبابَ كُلَّها تَنْقَطِعُ يَوْمَ القِيامَةِ، إلّا ما كانَ مِنها مُتَّصِلًا بِاللَّهِ وحْدَهُ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ، فَلَوْ نَفَعَتْ وصْلَةُ القَرابَةِ والمُصاهَرَةِ أوِ النِّكاحِ، مَعَ عَدَمِ الإيمانِ، لَنَفَعَتِ الوَصْلَةُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ نُوحٍ ولُوطٍ وامْرَأتَيْهِما. فَلَمّا لَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ: ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ قَطَعَتِ الآيَةُ حِينَئِذٍ طَمَعَ مَن رَكِبَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ، وخالَفَ أمْرَهُ، ورَجا أنْ يَنْفَعَهُ صَلاحُ غَيْرِهِ مِن قَرِيبٍ أوْ أجْنَبِيٍّ، ولَوْ كانَ بَيْنَهُما في الدُّنْيا أشَدُّ الِاتِّصالِ، فَلا اتِّصالَ فَوْقَ اتِّصالِ البُنُوَّةِ والأُبُوَّةِ والزَّوْجِيَّةِ، ولَمْ يُغْنِ نُوحٌ عَنِ ابْنِهِ، ولا إبْراهِيمُ عَنْ أبِيهِ، ولا نُوحٌ ولُوطٌ عَنِ امْرَأتَيْهِما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا؛ قالَ تَعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣] وقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار: ١٩]
وقالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] وقالَ: ﴿واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لقمان: ٣٣] وهَذا كُلُّهُ تَكْذِيبٌ لِأطْماعِ المُشْرِكِينَ الباطِلَةِ، أنَّ مَن تَعَلَّقُوا بِهِ مَن دُونِ اللَّهِ، مِن قَرابَةٍ أوْ صِهْرٍ أوْ نِكاحٍ أوْ صُحْبَةٍ يَنْفَعُهم يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ يُجِيرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ يَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ. وهَذا أصْلُ ضَلالِ بَنِي آدَمَ وشِرْكِهِمْ وهو الشِّرْكُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وهو الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ جَمِيعَ رُسُلِهِ، وأنْزَلَ جَمِيعَ كُتُبِهِ، بِإبْطالِهِ، ومُحارَبَةِ أهْلِهِ ومُعاداتِهِمْ.
وأمّا المَثَلانِ اللَّذانِ لِلْمُؤْمِنِينَ: فَأحَدُهُما امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، ووَجْهُ المَثَلِ أنَّ اتِّصالَ المُؤْمِنِ بِالكافِرِ لا يَضُرُّهُ شَيْئًا إذا فارَقَهُ في كُفْرِهِ وعَمَلِهِ، فَمَعْصِيَةُ الغَيْرِ لا تَضُرُّ المُؤْمِنَ المُطِيعَ شَيْئًا في الآخِرَةِ، وإنْ تَضَرَّرَ بِها في الدُّنْيا بِسَبَبِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَحِلُّ بِأهْلِ الأرْضِ إذا أضاعُوا أمْرَ اللَّهِ، فَتَأْتِي عامَّةً. فَلَمْ يَضُرَّ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ اتِّصالُها بِهِ، وهو أكْفَرُ الكافِرِينَ، ولَمْ يَنْفَعِ امْرَأةَ نُوحٍ ولُوطٍ اتِّصالُهُما بِهِما، وهُما رَسُولا رَبِّ العالَمِينَ.
المَثَلُ الثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ: مَرْيَمُ، الَّتِي لا زَوْجَ لَها، لا مُؤْمِنَ ولا كافِرَ.
(p-٥٨٧٢)فَذَكَرَ ثَلاثَةَ أصْنافِ النِّساءِ: المَرْأةَ الكافِرَةُ الَّتِي لَها وصْلَةٌ بِالرَّجُلِ الصّالِحِ، والمَرْأةِ الصّالِحَةِ الَّتِي لَها وصْلَةٌ بِالرَّجُلِ الكافِرِ، والمَرْأةِ العِزَبِ الَّتِي لا وصْلَةَ بَيْنَهُما وبَيْنَ أحَدٍ، فالأُولى لا تَنْفَعُها وصْلَتُها وسَبَبُهُ، والثّانِيَةُ لا تَضُرُّها وصْلَتُها وسَبَبُها، والثّالِثَةُ لا يَضُرُّها عَدَمُ الوَصْلَةِ شَيْئًا.
ثُمَّ في هَذِهِ الأمْثالِ مِنَ الأسْرارِ البَدِيعَةِ ما يُناسِبُ سِياقَ السُّورَةِ؛ فَإنَّها سِيقَتْ في ذِكْرِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، والتَّحْذِيرِ مِن تَظاهُرِهِنَّ عَلَيْهِ، وأنَّهُنَّ إنْ لَمْ يُطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ويُرِدْنَ الدّارَ الآخِرَةَ، لَمْ يَنْفَعْهُنَّ اتِّصالُهُنَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَما لَمْ يَنْفَعِ امْرَأةَ نُوحٍ ولُوطٍ اتِّصالُهُما بِهِما، ولِهَذا إنَّما ضَرَبَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَثَلَ اتِّصالِ النِّكاحِ دُونَ القَرابَةِ.
قالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ الأوَّلَ يُحَذِّرُ عائِشَةَ وحَفْصَةَ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُما المَثَلَ الثّانِيَ يُحَرِّضُهُما عَلى التَّمَسُّكِ بِالطّاعَةِ. وفي ضَرْبِ المَثَلِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْيَمَ اعْتِبارٌ آخَرُ: وهو أنَّها لَمْ يَضُرَّها عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا، قَذْفُ أعْداءِ اللَّهِ اليَهُودِ لَها، ونِسْبَتُهم إيّاها وابْنَها إلى ما بَرَّأها اللَّهُ عَنْهُ، مَعَ كَوْنِها الصِّدِّيقَةَ الكُبْرى المُصْطَفاةَ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، فَلا يَضُرُّ الرَّجُلَ الصّالِحَ قَدْحُ الفُجّارِ والفُسّاقِ فِيهِ.
وفِي هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِعائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ إنْ كانَتِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ قِصَّةِ الإفْكِ، وتَوْطِينِ نَفْسِها عَلى ما قالَ فِيها الكاذِبُونَ، إنْ كانَتْ قَبْلَها. كَما في ذِكْرِ التَّمْثِيلِ بِامْرَأةِ نُوحٍ ولُوطٍ تَحْذِيرٌ لَها ولِحَفْصَةَ مِمّا اعْتَمَدَتاهُ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ. فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الأمْثالُ التَّحْذِيرَ لَهُنَّ، والتَّخْوِيفَ والتَّحْرِيضَ لَهُنَّ عَلى الطّاعَةِ والتَّوْحِيدِ والتَّسْلِيَةِ وتَوْطِينِ النَّفْسِ لِمَن أُوذِيَ مِنهُنَّ وكُذِبَ عَلَيْهِ. وأسْرارُ التَّنْزِيلِ فَوْقَ هَذا وأجَلُّ مِنهُ، ولاسِيَّما أسْرارُ الأمْثالِ الَّتِي لا يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ. انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ القاشانِيُّ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ الوُصُلَ الطَّبِيعِيَّةَ، والِاتِّصالاتِ الصُّورِيَّةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ في الأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ، بَلِ المَحَبَّةُ الحَقِيقِيَّةُ، والِاتِّصالاتُ الرُّوحانِيَّةُ، هي المُؤَثِّرَةُ فَحَسْبُ. والصُّورِيَّةُ الَّتِي بِحَسَبِ اللُّحْمَةِ الطَّبِيعِيَّةِ والخُلْطَةِ والمُعاشَرَةِ لا يَبْقى لَها أثَرٌ فِيما بَعْدَ المَوْتِ، ولا تَكُونُ إلّا في الدُّنْيا، بِالتَّمْثِيلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وإنَّ المُعْتَبَرَ في اسْتِحْقاقِ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ هو العَمَلُ الصّالِحُ، والِاعْتِقادُ الحَقُّ، كَإحْصانِ مَرْيَمَ، وتَصْدِيقِها بِكَلِماتِ رَبِّها، وطاعَتِها المُعَدِّةِ إيّاها (p-٥٨٧٣)لِقَبُولِ نَفْخِ رُوحِ اللَّهِ فِيها. وقَدْ يَلُوحُ بَيْنَهُما أنَّ النَّفْسَ الخائِنَةَ الَّتِي لا تَفِي بِالطّاعَةِ، ولا تَحْفَظُ الأسْرارَ، وتُبِيحُ المُخالَفَةَ، داخِلَةٌ في نارِ الحِرْمانِ، وجَحِيمِ الهِجْرانِ مَعَ المَحْجُوبِينَ، ولا تُغْنِي هِدايَةُ الرُّوحِ عَنْها شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ في بابِ العَذابِ، وأنَّ القَلْبَ المَقْهُورَ تَحْتَ اسْتِيلاءِ النَّفْسِ الأمّارَةِ الفِرْعَوْنِيَّةِ، الطّالِبِ لِلْخَلاصِ بِالِالتِجاءِ إلى الحَقِّ الَّذِي قَوِيَتْ فِيهِ قُوَّةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِصَفائِهِ، وضَعُفَتْ قُوَّةُ قَهْرِهِ لِلنَّفْسِ والشَّيْطانِ لِعَجْزِهِ وضَعْفِهِ، لا يَبْقى في العَذابِ بِمُجاوَرَتِها حِينًا، وتَأْلَمُ بِأفْعالِها بُرْهَةً. وأنَّ النَّفْسَ المُتَزَيِّنَةَ بِفَضِيلَةِ العِفَّةِ المُشارِ إلَيْها بِإحْصانِ الفَرْجِ، هي القابِلَةُ لِفَيْضِ رُوحِ القُدُسِ المُتَنَوِّرَةِ بِنُورِ الرُّوحِ المُصَدَّقَةِ بِكَلِماتِ الرَّبِّ، مِنَ العَقائِدِ الحِكَمِيَّةِ، والشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ، المُطِيعَةِ لِلَّهِ مُطْلَقًا، عِلْمًا وعَمَلًا، سِرًّا وجَهْرًا. انْتَهى مُلَخَّصًا.
الرّابِعُ: في "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿امْرَأتَ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى صِحَّةِ أنْكِحَةِ الكُفّارِ. أقُولُ: ويُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿امْرَأتَ نُوحٍ وامْرَأتَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَخانَتاهُما﴾ [التحريم: ١٠] عَلى جَوازِ اسْتِدامَةِ الرَّجُلِ الصّالِحِ نِكاحَ امْرَأتِهِ الفاسِقَةِ العاصِيَةِ، وعَلى أنَّ اسْتِبْقاءَها بِدُونِ مُفارَقَةٍ لا يُعَدُّ مِن قِلَّةِ التَّوَرُّعِ، وهو جَلِيٌّ. ويُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ أيْضًا عَلى أنَّ نِكاحَ المُشْرِكاتِ كانَ جائِزًا في شَرْعِ مَن قَبْلَنا، وقَدْ حَظَرَهُ الإسْلامُ أشَدَّ الحَظْرِ، كَما مَرَّ في آياتٍ عَدِيدَةٍ.
الخامِسُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْ حِكايَةِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ قالَ العُلَماءُ: اخْتارَتِ الجارَ قَبْلَ الدّارِ، وقَدْ ورَدَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ.
السّادِسُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في دُعاءِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ، والِالتِجاءَ إلَيْهِ، ومَسْألَةِ الخَلاصِ مِنهُ عِنْدَ المِحَنِ والنَّوازِلِ مِن سِيَرِ الصّالِحِينَ، وسُنَنِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨]
﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥] ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [يونس: ٨٦]
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences