Al-QasimiAt‑Tawbah · 9:1–4

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

التوبة

At-Tawbah

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

9:1Page 187

بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١

[This is a declaration of] disassociation, from Allāh and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.1

(p-٣٠٦٠)سُورَةُ التَّوْبَةِ

هِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ. قِيلَ: سِوى آيَتَيْنِ في آخِرِها ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] فَإنَّهُما نَزَلَتا بِمَكَّةَ. وفِيهِ نَظَرٌ. فَقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ أنَّها آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ، واسْتَثْنى بَعْضُهم ما كانَ لِلنَّبِيِّ. . - لِما ورَدَ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْلِهِ ﷺلِأبِي طالِبٍ: «لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» .

وهِيَ مِائَةٌ وتِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً ولِهَذِهِ السُّورَةِ عَشَرَةُ أسْماءَ:

١- بَراءَةُ: سُمِّيَتْ بِها لِافْتِتاحِها بِها، ومَرْجِعِ أكْثَرِ ما ذُكِرَ فِيها إلَيْها.

٢- التَّوْبَةُ: لِتَكْرارِها فِيها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ تُبْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٣] ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ [التوبة: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ [التوبة: ٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤] وقَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] وقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ [التوبة: ١٠٤] وقَوْلِهِ: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] وهُما أشْهَرُ أسْمائِها.

٣- الفاضِحَةُ: أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ:

سُورَةُ (p-٣٠٦١)التَّوْبَةِ، قالَ: التَّوْبَةُ هي الفاضِحَةُ، ما زالَتْ تَنْزِلُ: ومِنهم ومِنهم، حَتّى ظَنُّوا أنَّها لَمْ تُبْقِ أحَدًا مِنهم إلّا ذُكِرَ فِيها.

سُورَةُ العَذابِ: رَواهُ الحاكِمُ عَنْ حُذَيْفَةَ، وذَلِكَ لِتَكَرُّرِهِ فِيها.

٥- المُقَشْقَشَةُ: رَواهُ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، والقَشْقَشَةُ مَعْناها التَّبْرِئَةُ، وهي مُبَرِّئَةٌ مِنَ النِّفاقِ.

٦- المُنَقِّرَةُ: أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ لِأنَّها نَقَرَتْ عَمّا في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ. أيْ بَحَثَتْ.

٧- البَحُوثُ: بِفَتْحِ الباءِ، صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، رَواهُ الحاكِمُ عَنِ المِقْدادِ.

٨- الحافِرَةُ: ذَكَرَهُ ابْنُ الغَرْسِ، لِأنَّها حَفَرَتْ عَنْ قُلُوبِ المُنافِقِينَ، أيْ بَحَثَتْ عَنْها، مَجازًا.

٩- المُثِيرَةُ: رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ لِأنَّها أثارَتْ مَثالِبَهم وعَوْراتِهم أيْ أخْرَجَتْها مِنَ الخَفاءِ إلى الظُّهُورِ.

١٠- المُبَعْثِرَةُ: لِأنَّها بَعْثَرَتْ أسْرارَهم أيْ أظْهَرَتْها.

١١- المُدَمْدِمَةُ: أيِ المَهْلَكَةُ لَهم.

١٢- المُخْزِيَةُ.

١٣- المُنَكِّلَةُ: أيِ المُعاقِبَةُ لَهم.

١٤- المُشَرِّدَةُ: أيِ الطّارِدَةُ لَهم والمُفَرِّقَةُ جَمْعَهم.

ولَيْسَ في السُّوَرِ أكْثَرُ أسْماءٍ مِنها ومِنَ الفاتِحَةِ.

تَنْبِيهٌ:

لِلسَّلَفِ في وجْهِ تَرْكِ كِتابَةِ البَسْمَلَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ والتَّلَفُّظِ بِها أقْوالٌ:

١-

رَوى الحاكِمُ في (المُسْتَدْرَكِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ: لِمَ لَمْ تُكْتَبْ في (بَراءَةَ) البَسْمَلَةُ؟ قالَ: لِأنَّها أمانٌ. وبَراءَةُ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ.

أيْ فَنُزُولُها لِرَفْعِ (p-٣٠٦٢)الأمانِ الَّذِي يَأْبى مَقامُهُ التَّصْدِيرَ بِما يُشْعِرُ بِبَقائِهِ مِن ذِكْرِ اسْمِهِ تَعالى، مَشْفُوعًا بِوَصْفِ الرَّحْمَةِ. ولِذا قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: اسْمُ اللَّهِ سَلامٌ وأمانٌ، فَلا يُكْتَبُ في النَّبْذِ والمُحارَبَةِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] قِيلَ لَهُ: فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كَتَبَ إلى أهْلِ الحَرْبِ البَسْمَلَةَ. قالَ: إنَّما ذَلِكَ ابْتِداءٌ مِنهُ يَدْعُوهم، ولَمْ يَنْبِذْ إلَيْهِمْ. ألا تَراهُ يَقُولُ: سَلامٌ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى؟

فَمَن دُعِيَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَأجابَ، ودُعِيَ إلى الجِزْيَةِ فَأجابَ، فَقَدِ اتَّبَعَ الهُدى، فَظَهَرَ الفَرْقُ. وكَذا قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ التَّسْمِيَةَ افْتِتاحٌ لِلْخَيْرِ، وأوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ وعِيدٌ ونَقْضُ عُهُودٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُفْتَتَحْ بِالتَّسْمِيَةِ.

٢- عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قُلْتُ لِعُثْمانَ: ما حَمَلَكم عَلى أنْ عَمَدْتُمْ إلى الأنْفالِ، وهي مِنَ المَثانِي، وإلى بَراءَةَ وهي مِنَ المِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُما، ولَمْ تَكْتُبُوا سَطْرَ البَسْمَلَةِ، ووَضَعْتُمُوها في السَّبْعِ الطِّوالِ، ما حَمَلَكم عَلى ذَلِكَ؟ قالَ عُثْمانُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا ما يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمانُ وهو يَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَواتُ العَدَدِ، وكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ دَعا بَعْضَ مَن كانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَؤُلاءِ الآياتِ في السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها كَذا وكَذا، وإذا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ يَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ الآيَةَ في السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها كَذا وكَذا، وكانَتِ (الأنْفالُ) مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، وكانَتْ (بَراءَةُ) مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا، وكانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً بِقِصَّتِها، وظَنَنْتُ أنَّها مِنها. وقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أنَّها مِنها أوْ مِن غَيْرِها، مِن أجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُما، ولَمْ أكْتُبِ البَسْمَلَةَ، ووَضَعْتُها في السَّبْعِ الطِّوالِ» . أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ.

(p-٣٠٦٣)قالَ الزَّجّاجُ: والشَّبَهُ الَّذِي بَيْنَهُما أنَّ في (الأنْفالِ) ذِكْرَ العُهُودِ، وفي (بَراءَةَ) نَقْضَها.

٣- أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي رَوْقٍ قالَ: (الأنْفالُ) و(بَراءَةُ) سُورَةٌ واحِدَةٌ.

ونُقِلَ مِثْلُهُ عَنْ مُجاهِدٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ. وقالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: يَقُولُونَ إنَّ (بَراءَةَ) مِنَ (الأنْفالِ)، ولِذَلِكَ لَمْ تُكْتَبِ البَسْمَلَةُ في (بَراءَةَ)، وشَبَّهْتُهُمُ اشْتِباهَ الطَّرَفَيْنِ، وعَدَمَ البَسْمَلَةِ. ويَرُدُّهُ تَسْمِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ كُلًّا مِنهُما.

وقالَ الحاكِمُ: اسْتَفاضَ النَّقْلُ أنَّهُما سُورَتانِ.

وقالَ أبُو السُّعُودِ: اشْتِهارُها بِهَذِهِ الأسْماءِ- يَعْنِي الأرْبَعَةَ عَشَرَ اسْمًا المُتَقَدِّمَةَ- يَقْضِي بِأنَّها سُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، ولَيْسَتْ بَعْضًا مِن سُورَةِ الأنْفالِ، وادِّعاءُ اخْتِصاصِ الِاشْتِهارِ بِالقائِلِينَ بِاسْتِقْلالِها خِلافُ الظّاهِرِ، انْتَهى.

ونَقَلَ صاحِبُ ( الإقْناعِ) أنَّ البَسْمَلَةَ ثابِتَةٌ لِـ ( بَراءَةَ) في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ولا يُؤْخَذُ بِها.

وعَنْ مالِكٍ أنَّ أوَّلَها لَمّا سَقَطَ سَقَطَتْ مَعَهُ البَسْمَلَةُ، فَقَدْ ثَبَتَ أنَّها كانَتْ تَعْدِلُ البَقَرَةَ لِطُولِها، كَذا في ( الإتْقانِ) .

ثُمَّ اعْلَمْ عَلى أنَّ القُرّاءَ أجْمَعُوا عَلى تَرْكِ البَسْمَلَةِ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ اتِّباعًا لِسُقُوطِها في الرَّسْمِ مِن مُصْحَفِ الإمامِ، إلّا ابْنَ مِنادِرَ فَإنَّهُ يُسَمِّي في أوَّلِها، كَما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وقالَ السَّخاوِيُّ في ( جَمالِ القُرّاءِ): إنَّهُ اشْتُهِرَ تَرْكُها فى أوَّلِ بَراءَةَ.

ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ التَّسْمِيَةَ فى أوَّلِها، وهو القِياسُ. لِأنَّ إسْقاطَها، إمّا لِأنَّها نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ أوْ لِأنَّهم لَمْ يَقْطَعُوا بِأنَّها سُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، بَلْ مِنَ الأنْفالِ. ولا يَتِمُّ الأوَّلُ، لِأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَن نَزَلَتْ فِيهِ، ونَحْنُ إنَّما نُسَمِّي لِلتَّبَرُّكِ وأمّا الِابْتِداءُ بِما بَعْدَ أوَّلِ بَراءَهَ، فَلا نَصَّ لِلْمُتَقَدِّمِينَ مِن أئِمَّةِ القُرّاءِ فِيهِ، وظاهِرُ إطْلاقِ كَثِيرٍ التَّخْيِيرُ فِيها، واخْتارَ السَّخاوِيُّ (p-٣٠٦٤)الجَوازَ، وقالَ: ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ خِلافٍ أنْ يَقُولَ: ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ وإلى مَنعِها ذَهَبَ الجَعْبَرِيُّ، وتَعَقَّبَهُ السَّخاوِيُّ فَقالَ: إنْ كانَ نَقْلًا فَمُسَلَّمٌ، وإلّا فَرُدَّ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ تَفْرِيغٌ عَلى غَيْرِ أصْلٍ.

وقالَ ابْنُ الجَزَرِيِّ في (النَّشْرِ): مَنِ اعْتَبَرَ بَقاءَ أثَرِ العِلَّةِ الَّتِي مِن أجْلِها حُذِفَتِ البَسْمَلَةُ أوَّلَها، وهي نُزُولُها بِالسَّيْفِ، لَمْ يُبَسْمِلْ. ومَن لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ، أوْ لَمْ يَرَها، بَسْمَلَ بِلا نَظَرٍ واللَّهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١ ] ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى:

﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ، أيْ: هَذِهِ بَراءَةٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مُخَصَّصٌ بِصِفَةٍ، وخَبَرُهُ: (إلى الَّذِينَ) .

و(البَراءَةُ) في اللُّغَةِ انْقِطاعُ العِصْمَةِ، يُقالُ: بَرِئْتُ مِن فُلانٍ بَراءَةً، أيِ: انْقَطَعَتْ بَيْنَنا العِصْمَةُ، ولَمْ يَبْقَ بَيْنَنا عُلْقَةٌ.

فَإنْ قِيلَ: حَقُّ البَراءَةِ أنْ تُنْسَبَ إلى المُعاهِدِ، فَلِمَ لَمْ تُنْسَبْ إلَيْهِمْ، ونُسِبَتْ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ؟

أُجِيبُ: أنَّ (عاهَدْتُمْ) إخْبارٌ عَنْ سابِقٍ صَدَرَ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ والجَماعَةِ، فَنُسِبَ إلى الكُلِّ، كَما هو الواقِعُ، وإنْ كانَ بِإذْنِ اللَّهِ أيْضًا.

وأمّا البَراءَةُ فَهي إخْبارٌ عَنْ مُتَجَدِّدٍ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلَيْهِمْ، وهم لَمْ يُحْدِثُوهُ بَعْدُ، وإنَّما يُسْنَدُ إلى مَن أحْدَثَهُ ؟

وقالَ النّاصِرُ: إنَّ سِرَّ ذَلِكَ أنَّ نِسْبَةَ العَهْدِ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ في مَقامٍ نُسِبَ فِيهِ النَّبْذُ إلى المُشْرِكِينَ، لا يَحْسُنُ أدَبًا، ألا تَرى إلى وصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-٣٠٦٥)لِأُمَراءِ السَّرايا حَيْثُ يَقُولُ لَهم:

««إذا نَزَلْتَ بِحِصْنٍ فَطَلَبُوا النُّزُولَ عَلى حُكْمِ اللَّهِ، فَأنْزِلْهم عَلى حُكْمِكَ، فَإنَّكَ لا تَدْرِي أصادَفْتَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أوْ لا ! وإنْ طَلَبُوا ذِمَّةَ اللَّهِ، فَأنْزِلْهم عَلى ذِمَّتِكَ، فَلَأنْ تَخْفِرَ ذِمَّتَكَ، خَيْرٌ مِن أنْ تَخْفِرَ ذِمَّةَ اللَّهِ»» !

فانْظُرْ إلى أمْرِهِ ﷺ بِتَوْقِيرِ ذِمَّةِ اللَّهِ، مَخافَةَ أنْ تَخْفِرَ، وإنْ كانَ لَمْ يَحْصُلْ بَعْدَ ذَلِكَ الأمْرُ المُتَوَقَّعُ، فَتَوْقِيرُ عَهْدِ اللَّهِ، وقَدْ تَحَقَّقَ مِنَ المُشْرِكِينَ النَّكْثُ، وقَدْ تَبَرَّأ مِنهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِألّا يُنْسَبَ العَهْدُ المَنبُوذُ إلى اللَّهِ أحْرى وأجْدَرُ. فَلِذَلِكَ نُسِبَ العَهْدُ إلى المُسْلِمِينَ دُونَ البَراءَةِ مِنهُ.

وقالَ الشِّهابُ: ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّما أضافَ العَهْدَ إلى المُسْلِمِينَ، لِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنْ لا عَهْدَ لَهم، فَلِذا لَمْ يُضِفِ العَهْدَ إلَيْهِ، لِبَراءَتِهِ مِنهم، ومِن عَهْدِهِمْ في الأزَلِ.

وهَذا نُكْتَةُ الإتْيانِ بِالجُمْلَةِ اسْمِيَّةً خَبَرِيَّةً، وإنْ قِيلَ: إنَّها إنْشائِيَّةٌ لِلْبَراءَةِ مِنهم، ولِذا دَلَّتْ عَلى التَّجَدُّدِ. انْتَهى.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ بَراءَةُ في نَقْضِ ما بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ مِنَ العَهْدِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَهم، ألّا يَصُدَّ عَنِ البَيْتِ أحَدٌ جاءَهُ، ولا يَخافُ أحَدٌ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وكانَ ذَلِكَ عَهْدًا عامًا بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ مِن أهْلِ الشِّرْكِ.

وكانَتْ بَيْنَ ذَلِكَ عُهُودٌ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ خَصائِصُ إلى آجالٍ مُسَمّاةٍ، فَنَزَلَتْ فِيهِ وفِيمَن تَخَلَّفَ مِنَ المُنافِقِينَ عَنْهُ في (تَبُوكَ)، وفي قَوْلِ مَن قالَ مِنهم، فَكَشَفَ اللَّهُ سَرائِرَ أقْوامٍ كانُوا يَسْتَخِفُّونَ بِغَيْرِ ما يُظْهِرُونَ.

(p-٣٠٦٦)وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وأوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَجَعَ مِن غَزْوَةِ (تَبُوكَ)، وهم بِالحَجِّ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ المُشْرِكِينَ يَحْضُرُونَ عامَهم هَذا المَوْسِمَ عَلى عادَتِهِمْ في ذَلِكَ، وأنَّهم يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً فَكَرِهَ مُخالَطَتَهم، وبَعَثَ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أمِيرًا عَلى الحَجِّ تِلْكَ السَّنَةَ، لِيُقِيمَ لِلنّاسِ مَناسِكَهم، ويُعْلِمَ المُشْرِكُونَ ألّا يَحُجُّوا بَعْدَ عامِهِمْ هَذا، وأنْ يُنادِيَ بِالنّاسِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ فَلَمّا قَفَلَ، وأتْبَعَهُ بِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، لِكَوْنِهِ مُبَلِّغًا عَنْهُ ﷺ، ولِكَوْنِهِ عَصَبَةً لَهُ، كَما سَيَأْتِي.

وقَوْلُهُ تَعالى:

9:2Page 187

فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخۡزِي ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢

So travel freely, [O disbelievers], throughout the land [during] four months but know that you cannot cause failure to Allāh and that Allāh will disgrace the disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢ ] ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ .

﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ أيْ: فَقُولُوا لَهم: سِيرُوا في الأرْضِ بَعْدَ نَبْذِنا العَهْدَ، آمِنِينَ مِنَ القَتْلِ والقِتالِ مُدَّةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، وذَلِكَ مِن يَوْمِ النَّحْرِ إلى عَشْرٍ يَخْلُونَ مِن رَبِيعٍ الآخَرِ.

والمَقْصُودُ تَأْمِينُهم مِنَ القَتْلِ، وتَفَكُّرُهم واحْتِياطِيهِمْ، لِيَعْلَمُوا أنَّهم لَيْسَ لَهم بَعْدَها إلّا السَّيْفُ، ولِيَعْلَمُوا قُوَّةَ المُسْلِمِينَ إذْ لَمْ يَخْشَوُا اسْتِعْدادَهم لَهم.

وهَذِهِ الأرْبَعَةُ الأشْهَرُ كانَتْ عَهْدًا لِمَن لَهُ عَهْدٌ دُونَ الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ، فَأتَمَّتْ لَهُ.

فَأمّا مَن كانَ لَهُ عَهْدٌ مُوَقَّتٌ، فَأجَلُهُ إلى مُدَّتِهِ، مَهْما كانَتْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] كَما يَأْتِي.

رُوِيَ هَذا عَنْ غَيْرِ واحِدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا تَأْجِيلٌ لِلْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا، فَمَن كانَتْ مُدَّةُ عَهْدِهِ أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ رُفِعَ إلَيْها، ومَن كانَتْ أكْثَرَ حُطَّ إلَيْها، (p-٣٠٦٧)ومَن كانَ عَهْدُهُ بِغَيْرِ أجْلٍ حُدَّ بِها، ثُمَّ هو بَعْدَ ذَلِكَ حَرْبٌ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، يُقْتَلُ حَيْثُ أُدْرِكَ ويُؤْسَرُ، إلّا أنْ يَتُوبَ ويُؤْمِنَ.

أقُولُ: ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ إطْلاقُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] لِأنَّ لَهُ أنْ يُجِيبَ بِأنَّ الإضافَةَ لِلْعَهْدِ، أيِ: المَدَّةُ المَعْهُودَةُ وهي الأرْبَعَةُ الأشْهَرُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا الإمْهالَ لَيْسَ لِعَجْزٍ عَنْكم ولَكِنْ لِحِكْمَةٍ ولُطْفٍ بِكم، أيْ: فَلا تُفَوِّتُونَهُ وإنْ أمْهَلَكم ﴿وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ أيْ: مُذِلُّهم بِالقَتْلِ في الدُّنْيا، والعَذابِ في الآخِرَةِ.

9:3Page 187

وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٣

And [it is] an announcement from Allāh and His Messenger to the people on the day of the greater pilgrimage1 that Allāh is disassociated from the disbelievers, and [so is] His Messenger. So if you repent, that is best for you; but if you turn away - then know that you will not cause failure to Allāh.2 And give tidings to those who disbelieve of a painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣ ] ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ فَإنْ تُبْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .

﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ (الأذانُ) بِمَعْنى الإيذانِ، وهو الإعْلامُ، كَما أنَّ الأمانَ والعَطاءَ بِمَعْنى الإيمانِ والإعْطاءِ.

وارْتِفاعُهُ كارْتِفاعِ: (بَراءَةٌ) وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مِثْلِها، والفَرْقُ بَيْنَ مَعْنى الجُمْلَةِ الأُولى والثّانِيَةِ أنَّ تِلْكَ إخْبارٌ بِثُبُوتِ البَراءَةِ، وهَذِهِ إخْبارٌ بِوُجُوبِ الإعْلامِ بِما ثَبَتَ، وإنَّما عُلِّقَتِ البَراءَةُ بِالَّذِينِ عُوهِدُوا مِنَ المُشْرِكِينَ، وعَلَّقَ الأذانَ بِالنّاسِ، لِأنَّ البَراءَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالمُعاهِدِينَ والنّاكِثِينَ مِنهم، وأمّا الأذانُ فَعامٌ لِجَمِيعِ النّاسِ، مَن عاهَدَ ومَن لَمْ يُعاهِدْ، ومَن نَكَثَ مِنَ المُعاهِدِينَ ومَن لَمْ يَنْكُثْ كَذا في (" الكَشّافِ ") .

ويَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ: قِيلَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وقِيلَ يَوْمُ النَّحْرِ.

(p-٣٠٦٨)قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وهو الصَّوابُ، لِأنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ أبا بَكْرٍ وعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أذَّنا بِذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ، لا يَوْمَ عَرَفَةَ.

وفِي سُنَنِ أبِي داوُدَ بِأصَحِّ إسْنادٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ»، وكَذَلِكَ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ.

ويَوْمُ عَرَفَةَ مُقَدِّمَةٌ لِيَوْمِ النَّحْرِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإنَّ فِيهِ يَكُونُ الوُقُوفُ والتَّضَرُّعُ والتَّوْبَةُ والِابْتِهالُ والِاسْتِقامَةُ، ثُمَّ يَوْمَ النَّحْرِ تَكُونُ الوِفادَةُ والزِّيارَةُ، ولِهَذا سُمِّيَ طَوافُهُ طَوافَ الزِّيارَةِ، لِأنَّهم قَدْ طُهِّرُوا مِن ذُنُوبِهِمْ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ أُذِنَ لَهم يَوْمَ النَّحْرِ في زِيارَتِهِ، والدُّخُولِ عَلَيْهِ إلى بَيْتِهِ، ولِهَذا كانَ فِيهِ ذَبْحُ القَرابِينِ، وحَلْقُ الرُّؤُوسِ، ورَمْيُ الجِمارِ ومُعْظَمُ أفْعالِ الحَجِّ وعَمَلُ يَوْمِ عَرَفَةَ، كالطُّهُورِ والِاغْتِسالِ بَيْنَ يَدَيْ هَذا اليَوْمِ، انْتَهى.

تَنْبِيهٌ:

رَوى الأئِمَّةُ هاهُنا آثارًا كَثِيرَةً، نَأْتِي مِنها عَلى جَوامِعِها:

قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن (تَبُوكَ) حِينَ فَرَغَ، فَأرادَ الحَجَّ ثُمَّ قالَ: «إنَّما يَحْضُرُ المُشْرِكُونَ فَيَطُوفُونَ عُراةً فَلا أُحِبُّ أنْ أحُجَّ»، حَتّى لا يَكُونَ ذَلِكَ: فَأرْسَلَ أبا بَكْرٍ وعَلِيًّا فَطافا بِالنّاسِ في (ذِي المَجازِ) وبِأمْكِنَتِهِمُ الَّتِي كانُوا يَتَبايَعُونَ بِها، وبِالمَواسِمِ كُلِّها، فَآذَنُوا أصْحابَ العَهْدِ بِأنْ يُؤْمِنُوا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، فَهي الأشْهُرُ المُتَوالِياتُ، (p-٣٠٦٩)عِشْرُونَ مِن ذِي الحِجَّةِ، إلى عَشْرٍ يَخْلُونَ مِن رَبِيعٍ الآخَرِ، ثُمَّ لا عَهْدَ لَهم، وآذَنَ النّاسَ كُلَّهم بِالقِتالِ، إلى أنْ يُؤْمِنُوا».

ورَوى ابْنُ إسْحاقَ بِسَنَدِهِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ [بَراءَةُ] عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَدْ كانَ بَعَثَ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيُقِيمَ لِلنّاسِ الحَجَّ، قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ بَعَثْتَ بِها إلى أبِي بَكْرٍ، فَقالَ: «لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِ بَيْتِي»، ثُمَّ دَعا عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ: «اخْرُجْ بِهَذِهِ القِصَّةِ مِن صَدْرِ بَراءَةَ، وأذِّنْ في النّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ إذا اجْتَمَعُوا بِمِنًى، أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ كافِرٌ، ولا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ومَن كانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَهو لَهُ إلى مُدَّتِهِ» .

فَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلى ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (العَضْباءِ)، حَتّى أدْرَكَ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، فَلَمّا رَآهُ أبُو بَكْرٍ بِالطَّرِيقِ قالَ: أمِيرٌ أوْ مَأْمُورٌ ؟ فَقالَ: بَلْ مَأْمُورٌ، ثُمَّ مَضَيا، فَأقامَ أبُو بَكْرٍ لِلنّاسِ الحَجَّ، والعَرَبُ إذْ ذاكَ في تِلْكَ السَّنَةِ عَلى مَنازِلِهِمْ مِنَ الحَجِّ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجاهِلِيَّةِ، حَتّى إذا كانَ يَوْمَ النَّحْرِ قامَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأذَّنَ في النّاسِ بِالَّذِي أمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: «أيُّها النّاسُ إنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ كافِرٌ، ولا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ومَن كانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَهو لَهُ إلى مُدَّتِهِ» .

وأجَّلَ النّاسَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ مِن يَوْمِ أذَّنَ فِيهِمْ، لِيَرْجِعَ كُلُّ قَوْمٍ إلى مَأْمَنِهِمْ وبِلادِهِمْ، ثُمَّ لا عَهْدَ لِمُشْرِكٍ ولا ذِمَّةَ، إلّا أحَدٌ كانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ إلى مُدَّةٍ، فَهو لَهُ إلى مُدَّتِهِ، فَلَمْ يَحُجَّ بَعْدَ ذَلِكَ العامِ مُشْرِكٌ، ولَمْ يَطُفْ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ.

ثُمَّ قَدِما عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَكانَ هَذا مِن أمْرِ (بَراءَةَ) فِيمَن كانَ مِن أهْلِ الشِّرْكِ مِن أهْلِ (p-٣٠٧٠)العَهْدِ العامَ، وأهْلِ المُدَّةِ إلى الأجَلِ المُسَمّى.

ورَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: بَعَثَنِي أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في تِلْكَ الحَجَّةِ في المُؤَذِّنِينَ، بَعَثَهم يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى: «ألّا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ» .

قالَ حُمَيْدٌ: «ثُمَّ أرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِبَراءَةَ.

قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَأذَّنَ مَعَنا عَلِيٌّ في أهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ بِبَراءَةَ، وألّا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ».

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى لِلْبُخارِيِّ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: بَعَثَنِي أبُو بَكْرٍ فِيمَن يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: لا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ ويَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وإنَّما قِيلَ (الأكْبَرِ) مِن أجْلِ قَوْلِ النّاسِ - لِلْعُمْرَةِ - الحَجَّ الأصْغَرَ، فَنَبَذَ أبُو بَكْرٍ إلى النّاسِ في ذَلِكَ العامِ، فَلَمْ يَحُجَّ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُشْرِكٌ. هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ في (" كِتابِ الجِهادِ ") .

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أهْلِ مَكَّةَ بِ (بَراءَةَ)، فَقالَ: ما كُنْتُمْ تُنادُونَ ؟ قالَ: كُنّا نُنادِي: «أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ كافِرٌ، ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ومَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَإنَّ أجَلَهُ - أوْ أمَدَهُ - إلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَإذا مَضَتِ الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ، فَإنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ، ولا يَحُجُّ هَذا البَيْتَ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ» . قالَ: فَكُنْتُ أُنادِي حَتّى صَحِلَ صَوْتِي،» (صَحِلَ الرَّجُلُ وصَحِلَ صَوْتُهُ: بَحَّ) .

(p-٣٠٧١)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تُبْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: فَإنْ تُبْتُمْ أيُّها المُشْرِكُونَ، مِن كُفْرِكم ورَجَعْتُمْ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ دُونَ الآلِهَةِ والأنْدادِ، فَهو خَيْرٌ لَكم مِنَ الإقامَةِ عَلى الشِّرْكِ رَأْسِ الضَّلالِ والفَسادِ ﴿وإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ: عَنِ الإيمانِ وأبَيْتُمْ إلّا الإقامَةَ عَلى ضَلالِكم وشِرْكِكم ﴿فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ أيْ: غَيْرُ فائِتِينَ أخْذَهُ وعِقابَهُ ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: جَحَدُوا نُبُوَّتَكَ وخالَفُوا أمْرَ رَبِّهِمْ ﴿بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: مُوجِعٌ يَحِلُّ بِهِمْ.

وفِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ والتَّهْدِيدِ ما فِيهِ، كَيْلا يَظُنَّ أنَّ عَذابَ الدُّنْيا، لَوْ فاتَ وزالَ خَلَصُوا مِنَ العَذابِ، بَلِ العَذابُ مُعَدٌّ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ.

ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى مَن ضَرَبَ مُدَّةَ التَّأْجِيلِ، لِمَن لَهُ عَهْدٌ مُطْلَقٌ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ، ومَن لَهُ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ بِتَأْجِيلِهِ إلى مُدَّتِهِ المَضْرُوبَةِ الَّتِي عُوهِدَ عَلَيْها، فَقالَ سُبْحانَهُ:

9:4Page 187

إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٤

Excepted are those with whom you made a treaty among the polytheists and then they have not been deficient toward you in anything or supported anyone against you; so complete for them their treaty until their term [has ended]. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤ ] ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ .

﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ أيْ: مِن شُرُوطِ المِيثاقِ فَلَمْ يَقْتُلُوا مِنكم أحَدًا ولَمْ يَضُرُّوكم فَقَطْ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وقُرِئَ بِالمُعْجَمَةِ، أيْ: لَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَكم شَيْئًا، مِنَ (النَّقْضِ)، وكَلِمَةُ (ثُمَّ)، لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِهِمْ عَلى عَهْدِهِمْ مَعَ تَمادِي المُدَّةِ ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا﴾ أيْ: لَمْ يُعاوِنُوا ﴿عَلَيْكم أحَدًا﴾ أيْ: عَدُوًّا مِن أعْدائِكم.

﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ ثُمَّ حَرَّضَ تَعالى عَلى الوَفاءِ بِذَلِكَ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ مِن بابِ التَّقْوى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: فاتَّقُوهُ في ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском