Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
القلم
Al-Qalam
The Pen · Meccan · 52 ayahs
68:1–4Page 564
نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ ١
Nūn.1 By the pen and what they inscribe,
مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ ٢
You are not, [O Muḥammad], by the favor of your Lord, a madman.
وَإِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَيۡرَ مَمۡنُونٖ ٣
And indeed, for you is a reward uninterrupted.
وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤
And indeed, you are of a great moral character.
(p-٥٨٩١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القَلَمِ
وتُسَمّى سُورَةَ القَلَمِ. وهي مَكِّيَّةٌ. وآيُها اثْنَتانِ وخَمْسُونَ.
(p-٥٨٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٤] ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] ﴿وإنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]
﴿ن﴾ بِالسُّكُونِ عَلى الوَقْفِ: اسْمٌ لِلْحَرْفِ المَعْرُوفِ، قُصِدَ بِهِ التَّحَدِّي. أوِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، مَنصُوبٌ بِ: اذْكُرْ، أوْ مَرْفُوعٌ خَبَرًا لِمَحْذُوفٍ ﴿والقَلَمِ﴾ أيِ: الَّذِي يُخَطُّ بِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ أيْ: يَكْتُبُونَ. و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] جَوابُ القَسَمِ، قُصِدَ بِهِ تَكْذِيبُ المُشْرِكِينَ في إفْكِهِمُ المُحَدَّثِ عَنْهُ بِآيَةِ: ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]
قالَ الزَّجّاجُ: " أنْتَ " هو اسْمُ " ما "، و" بِمَجْنُونٍ " الخَبَرُ. وقَوْلُهُ:
" بِنِعْمَةِ رَبِّكَ " كَلامٌ وقَعَ في البَيْنِ. والمَعْنى: انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَما يُقالُ: أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، وأنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهِمٌ. ومَعْناهُ: أنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ المَحْمُودَةَ إنَّما حَصَلَتْ، والصِّفَةَ المَذْمُومَةَ إنَّما زالَتْ بِواسِطَةِ إنْعامِ اللَّهِ ولُطْفِهِ وإكْرامِهِ؛ فالباءُ في " بِنِعْمَةِ " مُتَعَلِّقَةٌ بِمَعْنى النَّفْيِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِ: " ما " والباءُ في " بِمَجْنُونٍ " زائِدَةٌ.
﴿وإنَّ لَكَ لأجْرًا﴾ [القلم: ٣] أيْ: ثَوابًا عَلى أذى المُشْرِكِينَ واحْتِمالِ هَذا الطَّعْنِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] أيْ: غَيْرُ مَنقُوصٍ ولا مَقْطُوعٍ.
(p-٥٨٩٣)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن قَوْلِهِمْ: (حَبْلٌ مَنِينٌ)، إذا كانَ ضَعِيفًا، وقَدْ ضَعُفَتْ مِنَّتُهُ، أيْ: قُوَّتُهُ. أوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيَّ، زِيادَةً في العِنايَةِ بِهِ ﷺ، والتَّنْوِيهِ بِمَقامِهِ.
﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أدَبٍ عَظِيمٍ، وذَلِكَ أدَبُ القُرْآنِ الَّذِي أدَّبَهُ اللَّهُ بِهِ، وهو الإسْلامُ وشَرائِعُهُ. قالَتْ عائِشَةُ: ««كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ»»، أيْ: كَما هو في القُرْآنِ.
قالَ الرّازِيُّ: وهَذا كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٢] والدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى بَراءَتِهِ مِمّا رُمِيَ بِهِ؛ لِأنَّ الأخْلاقَ الحَمِيدَةَ والأفْعالَ المَرْضِيَّةَ، والفَصاحَةَ التّامَّةَ، والعَقْلَ الكامِلَ، والبَراءَةَ مِن كُلِّ عَيْبٍ، والِاتِّصافَ بِكُلِّ مَكْرُمَةٍ، كانَتْ ظاهِرَةً مِنهُ. وإذا كانَتْ ظاهِرَةً مَحْسُوسَةً فَوُجُودُها يُنافِي حُصُولَ الجُنُونِ؛ فَكَذَبَ مَن أضافَهُ إلَيْهِ وضَلَّ، بَلْ هو الأحْرى بِأنْ يُرْمى بِما قُذِفَ بِهِ.
68:5–7Page 564
فَسَتُبۡصِرُ وَيُبۡصِرُونَ ٥
So you will see and they will see
بِأَييِّكُمُ ٱلۡمَفۡتُونُ ٦
Which of you is the afflicted [by a devil].
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٧
Indeed, your Lord is most knowing of who has gone astray from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥ - ٧] ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [القلم: ٧]
﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: أُولَئِكَ الجاحِدُونَ المُتَفَوِّهُونَ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ.
﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] أيِ: المَجْنُونُ. والباءُ مَزِيدَةٌ. أوِ الفِتْنَةُ والفُتُونُ ذَهابًا، إلى أنَّ المَصْدَرَ يَجِيءُ عَلى زِنَةِ المَفْعُولِ والباءُ أصْلِيَّةٌ بِمَعْنى في. أيْ: مَن كُوشِفَ بِأسْرارِ العُلُومِ وأُوتِيَ جَوامِعَ الكَلِمِ، أمْ مَن حُجِبَ عَمّا في نَفْسِهِ مِن آياتِ اللَّهِ والعِبَرِ وفُتِنَ بِعِبادَةِ الصَّنَمِ؟!
(p-٥٨٩٤)﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [القلم: ٧] أيْ: عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [القلم: ٧] أيْ: بِمَنِ اتَّبَعَ الحَقَّ وسَلَكَ سَبِيلَهُ، فَسَيَجْزِي الفَرِيقَيْنِ.
68:8–16Page 564
فَلَا تُطِعِ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٨
Then do not obey the deniers.
وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ ٩
They wish that you would soften [in your position], so they would soften [toward you].
وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٖ مَّهِينٍ ١٠
And do not obey every worthless habitual swearer
هَمَّازٖ مَّشَّآءِۭ بِنَمِيمٖ ١١
[And] scorner, going about with malicious gossip -
مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢
A preventer of good, transgressing and sinful,
عُتُلِّۭ بَعۡدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ ١٣
Cruel, moreover, and an illegitimate pretender.1
أَن كَانَ ذَا مَالٖ وَبَنِينَ ١٤
Because he is a possessor of wealth and children,
إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٥
When Our verses are recited to him, he says, "Legends of the former peoples."
سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلۡخُرۡطُومِ ١٦
We will brand him upon the snout.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ١٦] ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]
﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: بِآياتِ اللَّهِ وما جاءَهم مِنَ الحَقِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَهْيِيجٌ وإلْهابٌ عَلى مُعاصاتِهِمْ.
﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] أيْ: ودُّوا لَوْ تَرْكَنُ إلى آلِهَتِهِمْ، وتَتْرُكُ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، فَيُمالِئُونَكَ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، ثُمَّ قالَ: أيْ: لَوْ تَلِينُ لَهم في دِينِكَ بِإجابَتِكَ إيّاهم إلى الرُّكُونِ إلى آلِهَتِهِمْ، فَيَلِينُونَ لَكَ في عِبادَتِكَ إلَهَكَ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] ﴿إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٥]
(p-٥٨٩٥)وإنَّما هو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّهْنِ، شَبَّهَ التَّلْيِينَ في القَوْلِ بِتَلْيِينِ الدُّهْنِ.
﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: كَثِيرِ الحَلِفِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَفى بِهِ مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]
﴿مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] أيْ: حَقِيرِ الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ.
﴿هَمّازٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: عَيّابٍ طَعّانٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والهَمْزُ أصْلُهُ الغَمْزُ. فَقِيلَ لِلْمُغْتابِ: هَمّازٌ لِأنَّهُ يَطْعَنُ في أعْراضِ النّاسِ بِما يَكْرَهُونَ، وذَلِكَ غَمْزٌ عَلَيْهِمْ.
﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] أيْ: نَقّالٍ لِحَدِيثِ النّاسِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ، لِلْإفْسادِ بَيْنَهم.
﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: بَخِيلٍ بِالمالِ، ضَنِينٍ بِهِ. والخَيْرُ المالُ. أوْ صادٌّ عَنِ الإسْلامِ.
﴿مُعْتَدٍ﴾ [القلم: ١٢] أيْ: عَلى النّاسِ مُتَجاوِزٍ في ظُلْمِهِمْ ﴿أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] كَثِيرِ الآثامِ.
﴿عُتُلٍّ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: جافٍ غَلِيظٍ دَعِيٍّ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] أيْ: دَعِيٍّ مُلْصَقٍ في النَّسَبِ لَيْسَ مِنهُمْ، أوْ مُرِيبٍ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومَعْنى " بَعْدَ " في هَذا المَوْضِعِ مَعْنى (مَعَ).
وقالَ الشِّهابُ: الإشارَةُ لِجَمِيعِ ما قَبْلَهُ مِنَ النَّقائِصِ لا لِلْأخِيرِ فَقَطْ؛ وهي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ أعْظَمُ في القَباحَةِ. فَ: " بَعْدَ " هُنا كَثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّفاوُتِ الرُّتَبِيِّ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ﴾ [القلم: ١٠] يَعْنِي: ولا تُطِعْهُ مَعَ هَذِهِ المَثالِبِ؛ لِأنْ كانَ ذا مالٍ، أيْ: لِيَسارِهِ وحَظِّهِ مِنَ الدُّنْيا. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما بَعْدَهُ، عَلى مَعْنى: لِكَوْنِهِ مُتَمَوِّلًا مُسْتَظْهِرًا بِالبَنِينَ، كَذَّبَ بِآياتِنا ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ [القلم: ١٥] أيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ آياتُ كِتابِتا ﴿قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] (p-٥٨٩٦)أيْ: هَذا مِمّا كَتَبَهُ الأوَّلُونَ، اسْتِهْزاءً بِهِ، وإنْكارًا مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦] عِدَةٌ مِنهُ تَعالى بِغايَةِ إذْلالِهِ، بَعْدَ تَناهِي كِبْرِهِ وعُجْبِهِ وزَهْوِهِ وعُتُوِّهِ. تَقُولُ العَرَبُ: وسَمْتُهُ بِمِيسَمِ السُّوءِ، يُرِيدُونَ أنَّهُ ألْصَقَ بِهِ مِنَ العارِ ما لا يُفارِقُهُ. قالَ جَرِيرٌ:
؎لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي وعَلى البُعَيْثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الوَجْهُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ في الجَسَدِ، والأنْفُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ مِنَ الوَجْهِ، لِتَقَدُّمِهِ لَهُ، ولِذَلِكَ جَعَلُوهُ مَكانَ العِزِّ والحَمِيَّةِ، واشْتَقُّوا مِنهُ الأنَفَةَ، وقالُوا: الأنَفُ في الأنْفِ، وحَمى أنْفُهُ، وفُلانٌ شامِخُ العِرْنِينِ. وقالُوا في الذَّلِيلِ: جُدِعَ أنْفُهُ، ورَغِمَ أنْفُهُ. فَعَبَّرَ بِالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ عَنْ غايَةِ الإذْلالِ والإهانَةِ؛ لِأنَّ السِّمَةَ عَلى الوَجْهِ شَيْنٌ وإذالَةٌ، فَكَيْفَ بِها عَلى أكْرَمِ مَوْضِعٍ مِنهُ؟ ولَقَدْ «وسَمَ العَبّاسُ أباعِرَهُ في وُجُوهِها، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أكْرِمُوا الوُجُوهَ»، فَوَسَمَها في جَواعِرِها». وقِيلَ: لَفْظُ الخُرْطُومِ اسْتِخْفافٌ بِهِ واسْتِهانَةٌ؛ لِأنَّ أصْلَ الخُرْطُومِ لِلْخِنْزِيرِ والفِيلِ. وقِيلَ: سَنُعَلِّمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِعَلامَةٍ مُشَوِّهَةٍ يَبِينُ بِها عَنْ سائِرِ الكَفَرَةِ، كَما عادى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَداوَةً بانَ بِها عَنْهم. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
قِيلَ: عَنى بِالآيَةِ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُهُ مِن ثَقِيفٍ، وعِدادُهُ في بَنِي زُهْرَةَ؛ أيْ: لِأنَّهُ التَحَقَ بِهِمْ حَتّى كانَ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ؛ ولِذا سُمِّيَ زَنِيمًا لِلُصُوقِهِ بِالقَوْمِ، ولَيْسَ مِنهُمْ، وقِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنِ المُغِيرَةِ، ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ مِن مَوْلِدِهِ.
(p-٥٨٩٧)
68:17–18Page 565
إِنَّا بَلَوۡنَٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُواْ لَيَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِينَ ١٧
Indeed, We have tried them as We tried the companions of the garden, when they swore to cut its fruit in the [early] morning
وَلَا يَسۡتَثۡنُونَ ١٨
Without making exception.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ١٨] ﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٨]
﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ أيْ: بَلَوْنا مُشْرِكِي مَكَّةَ، فاخْتَبَرْنا بِهَذا التَّنْزِيلِ الحَكِيمِ، هَلْ يَشْكُرُونَ نِعْمَتَهُ، فَيَحْيَوْا حَياةً طَيِّبَةً، أوْ يُصِرُّونَ عَلى تَكْذِيبِهِ، فَلا تَكُونُ عاقِبَتُهم إلّا كَعاقِبَةِ أهْلِ الجَنَّةِ في امْتِحانِهِمُ الآتِي، ثُمَّ دَمارُهم.
وقِيلَ: مَعْناهُ أصَبْناهم بِبَلِيَّةٍ، وهي القَحْطُ والجُوعُ، بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ﴿كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ وهم قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ في قَوْلِ عِكْرِمَةَ، أيْ: كِتابِيُّونَ، فَيَتَّفِقُ مَعَ ما قَبْلَهُ، ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ الِاعْتِبارِ بِالمَثَلِ والعِظَةِ بِهِ تَعْيِينُ أهْلِهِ، لَوْلا مَحَبَّةُ المَأْثُورِ ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ أيْ: لِيَقْطَعُنَّ ثِمارَها مُبَكِّرِينَ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ مِسْكِينٌ بِذَلِكَ ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٨] قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: ولا يُخْرِجُونَ شَيْئًا مِن حَقِّ المَساكِينِ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وحَكاهُ الرّازِيُّ والقاضِي قَوْلًا ثانِيًا، والأوَّلُ أنَّ مَعْناهُ: ولا يَقُولُونَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ. والأوَّلُ أظْهَرُ، والِاسْتِثْناءُ بِمَعْنى الإخْراجِ الحِسِّيِّ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى: ﴿لَيَصْرِمُنَّها﴾ ومَقْسَمٌ عَلَيْها.
68:19–20Page 565
فَطَافَ عَلَيۡهَا طَآئِفٞ مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَآئِمُونَ ١٩
So there came upon it [i.e., the garden] an affliction from your Lord while they were asleep.
فَأَصۡبَحَتۡ كَٱلصَّرِيمِ ٢٠
And it became as though reaped.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩ - ٢٠] ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ٢٠]
﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: فَطَرَقَ جَنَّةَ هَؤُلاءِ القَوْمِ، طارِقٌ مِن أمْرِ اللَّهِ لِتَدْمِيرِها.
(p-٥٨٩٨)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ولا يَكُونُ الطّائِفُ في كَلامِ العَرَبِ إلّا لَيْلًا، ولا يَكُونُ نَهارًا. وقَدْ يَقُولُونَ: أطَفْتُ بِها نَهارًا. وذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّ أبا الجَرّاحِ أنْشَدَهُ:
؎أطَفْتَ بِها نَهارًا غَيْرَ لَيْلٍ وألْهى رَبَّها طَلَبُ الرِّخالِ
و(الرِّخالُ): أوْلادُ الضَّأْنِ لِلْإناثِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿وهم نائِمُونَ﴾ أيْ: مُسْتَغْرِقُونَ في سُباتِهِمْ، غافِلُونَ عَمّا يُمْكَرُ بِهِمْ. تَأْكِيدٌ عَلى الأوَّلِ، وتَأْسِيسٌ عَلى الثّانِي.
﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ٢٠] أيْ: كالبُسْتانِ الَّذِي صُرِمَ ثَمَرُهُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ، أوْ كاللَّيْلِ الأسْوَدِ لِاحْتِراقِها. وأنْشَدَ في ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ لِأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ:
؎ألا بَكَرَتْ وعاذِلَتِي تَلُومُ ∗∗∗ تُهَجِّدُنِي وما انْكَشَفَ الصَّرِيمُ
(p-٥٨٩٩)وقالَ أيْضًا:
؎تَطاوَلَ لَيْلُكَ الجَوْنُ البَهِيمُ ∗∗∗ فَما يَنْجابُ عَنْ صُبْحٍ صَرِيمُ
68:21–27Page 565
فَتَنَادَوۡاْ مُصۡبِحِينَ ٢١
And they called one another at morning,
أَنِ ٱغۡدُواْ عَلَىٰ حَرۡثِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰرِمِينَ ٢٢
[Saying], "Go early to your crop if you would cut the fruit."
فَٱنطَلَقُواْ وَهُمۡ يَتَخَٰفَتُونَ ٢٣
So they set out, while lowering their voices,
أَن لَّا يَدۡخُلَنَّهَا ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكُم مِّسۡكِينٞ ٢٤
[Saying], "There will surely not enter it today upon you [any] poor person."
وَغَدَوۡاْ عَلَىٰ حَرۡدٖ قَٰدِرِينَ ٢٥
And they went early in determination, [assuming themselves] able.1
فَلَمَّا رَأَوۡهَا قَالُوٓاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ ٢٦
But when they saw it, they said, "Indeed, we are lost;
بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ ٢٧
Rather, we have been deprived."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١ - ٢٧] ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧]
﴿فَتَنادَوْا﴾ أيْ: فَنادى بَعْضُهم بَعْضًا ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ: وقْتَ الصُّبْحِ، ولَمْ يَشْعُرُوا (p-٥٩٠٠)بِما جَرى عَلَيْهِمْ بِاللَّيْلِ ﴿أنِ اغْدُوا﴾ [القلم: ٢٢] أيِ: اخْرُجُوا غَدْوَةً ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ [القلم: ٢٢] أيْ: زَرْعِكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] أيْ: قاصِدِينَ قَطْعَ ثِمارِها، وقَدْ قَطَعَها البَلاءُ مِن أصْلِها.
﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] أيْ: يَكْتُمُونَ ذَهابَهم ويَتَسارُّونَ فِيما بَيْنَهم.
﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] أيْ: فَقِيرٌ، فالجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ. أوْ " أنْ " مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: بِأنْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّهْيُ عَنِ الدُّخُولِ لِلْمِسْكِينِ، نَهْيٌ لَهم عَنْ تَمْكِينِهِ مِنهُ. أيْ: لا تُمَكِّنُوهُ مِنَ الدُّخُولِ حَتّى يَدْخُلَ، كَقَوْلِكَ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا.
﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ﴾ [القلم: ٢٥] أيْ: غَدَوْا إلى جَنَّتِهِمْ، عَلى نَشاطٍ وسُرْعَةٍ وجِدٍّ مِن أمْرِهِمْ، أوْ عَلى مَنعٍ وغَضَبٍ.
﴿قادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] أيْ: في زَعْمِهِمْ عَلى ما أصَرُّوا عَلَيْهِ مِنَ الصِّرامِ وحِرْمانِ المَساكِينِ.
﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ [القلم: ٢٦] أيْ: فَلَمّا صارُوا إلَيْها، ورَأوْها مُحْتَرِقًا حَرْثُها.
﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧] أيْ: أنْكَرُوها وشَكُّوا فِيها: هَلْ هي جَنَّتُهم أمْ لا؛ فَقالَ بَعْضُهم لِأصْحابِهِ: ظَنًّا مِنهُ أنَّهم قَدْ أغْفَلُوا طَرِيقَ جَنَّتِهِمْ وأنَّ الَّتِي رَأوْها غَيْرُها: إنّا أيُّها القَوْمُ، لَضالُّونَ طَرِيقَ جَنَّتِنا! فَقالَ مَن عَلِمَ أنَّها جَنَّتُهُمْ، وأنَّهم لَمْ يُخْطِئُوا الطَّرِيقَ: بَلْ نَحْنُ أيُّها القَوْمُ، مَحْرُومُونَ، حُرِمْنا مَنفَعَةَ جَنَّتِنا بِذَهابِ حَرْثِها.
68:28–32Page 565
قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ ٢٨
The most moderate of them said, "Did I not say to you, 'Why do you not exalt [Allāh]?'"1
قَالُواْ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٩
They said, "Exalted is our Lord! Indeed, we were wrongdoers."
فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَلَٰوَمُونَ ٣٠
Then they approached one another, blaming each other.
قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ ٣١
They said, "O woe to us; indeed we were transgressors.
عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبۡدِلَنَا خَيۡرٗا مِّنۡهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ ٣٢
Perhaps our Lord will substitute for us [one] better than it. Indeed, we are toward our Lord desirous."1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٨ - ٣٢] ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [القلم: ٢٩] ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠] ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ [القلم: ٣١] ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ [القلم: ٣٢]
﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ أيْ: أعْدَلُهم وخَيْرُهم رَأْيًا ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أيْ: (p-٥٩٠١)تَذْكُرُونَ اللَّهَ وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مَن خُبْثِ نِيَّتِكُمْ، وتَخْشَوْنَ انْتِقامَهُ مِنَ المُجْرِمِينَ. وكانَ أوْسَطُهم وعَظَهم حِينَ عَزَمُوا عَلى عَزِيمَتِهِمُ الخَبِيثَةِ، فَعَصَوْهُ، فَعَيَّرَهم.
﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [القلم: ٢٩] أيْ: في تَرْكِ اسْتِثْناءِ حَقِّ المَساكِينِ ومَنعِ المَعْرُوفِ عَنْهم مِن تِلْكَ الجَنَّةِ. ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠] أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا.
﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ [القلم: ٣١] أيْ: مُتَجاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى في تَفْرِيطِنا وعَزْمِنا السَّيِّءِ ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ [القلم: ٣٢] أيْ: بِتَوْبَتِنا إلَيْهِ، ونَدَمِنا عَلى خَطَأِ فِعْلِنا، وعَزْمِنا عَلى عَدَمِ العَوْدَةِ إلى مِثْلِهِ.
﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ [القلم: ٣٢] أيْ: في العَفْوِ عَمّا فَرَطَ مِنّا، والتَّعْوِيضِ عَمّا فاتَنا.
68:33Page 565
كَذَٰلِكَ ٱلۡعَذَابُۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٣٣
Such is the punishment [of this world]. And the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣] ﴿كَذَلِكَ العَذابُ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾
﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ أيْ: في الدُّنْيا لِمَن خالَفَ الرُّسُلَ، وكَفَرَ بِالحَقِّ، وبَغى الفَسادَ في الأرْضِ.
﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ أيْ: أعْظَمُ مِنهُ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لارْتَدَعُوا وتابُوا وأنابُوا، فالجَوابُ مُقَدَّرٌ. قالَ الشِّهابُ: لِأنَّهُ لَيْسَ قَيْدًا لِما قَبْلَهُ، إذْ لا مَدْخَلِيَّةَ لِعِلْمِهِمْ في كَوْنِ العَذابِ أكْبَرَ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ في "الإكْلِيلِ": قالَ ابْنُ الفَرَسِ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ القِصَّةِ عَبْدُ الوَهّابِ عَلى أنَّ مَن فَرَّ مِنَ الزَّكاةِ قَبْلَ الحَوْلِ بِتَبْدِيلٍ أوْ خَلْطٍ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُسْقِطُها، ووَجْهُ ذَلِكَ: أنَّهم قَصَدُوا بِقَطْعِ الثِّمارِ إسْقاطَ حَقِّ المَساكِينِ، فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِإتْلافِ ثِمارِهِمْ. وفِيها كَراهَةُ الجِذاذِ والحَصادِ بِاللَّيْلِ، كَما ورَدَ التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ في الحَدِيثِ لِأجْلِ الفُقَراءِ.
هَذا، وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ أصْحابِ الجَنَّةِ: أهم مِن أصْحابِ الجَنَّةِ أمْ مِن أهْلِ النّارِ؟ فَقالَ: لَقَدْ كَلَّفْتَنِي تَعَبًا.
وعَنْ مُجاهِدٍ: تابُوا فَأُبْدِلُوا خَيْرًا مِنها. واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٥٩٠٢)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences