Al-QasimiAl‑Inshiqaq · 84:1–25

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

الإنشقاق

Al-Inshiqaq

The Sundering · Meccan · 25 ayahs

84:1–5Page 589

إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتۡ ١

When the sky has split [open]

وَأَذِنَتۡ لِرَبِّهَا وَحُقَّتۡ ٢

And has listened [i.e., responded]1 to its Lord and was obligated [to do so]

وَإِذَا ٱلۡأَرۡضُ مُدَّتۡ ٣

And when the earth has been extended1

وَأَلۡقَتۡ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتۡ ٤

And has cast out that within it1 and relinquished [it]

وَأَذِنَتۡ لِرَبِّهَا وَحُقَّتۡ ٥

And has listened [i.e., responded] to its Lord and was obligated [to do so] –

(p-٦١٠٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الِانْشِقاقِ

وتُسَمّى سُورَةَ (إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ). وهي مَكِّيَّةٌ. وهي خَمْسٌ وعِشْرُونَ آيَةً. قِيلَ تَرْتِيبُ هَذِهِ السُّوَرِ الثَّلاثِ ظاهِرٌ. لِأنَّ في (انْفَطَرَتْ) تَعْرِيفَ الحَفَظَةِ الكاتِبِينَ وفي (المُطَفِّفِينَ) مَقَرُّ كُتُبِهِمْ. وفي هَذِهِ عَرْضُها لِلْقِيامَةِ.

رَوى الإمامُ مالِكٌ عَنْ أبِي سَلَمَةَ «أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قَرَأ بِهِمْ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ فِيها. فَلَمّا انْصَرَفَ أخْبَرَهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ فِيها».

ورَواهُ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وأخْرَجَ البُخارِيُّ «عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ. فَقَرَأ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ. فَقُلْتُ: ما هَذِهِ؟ قالَ: سَجَدْتُ بِها خَلْفَ أبِي القاسِمِ ﷺ، فَلا أزالُ أسْجُدُ فِيها حَتّى ألْقاهُ».

وفِي رِوايَةٍ لِلنَّسائِيِّ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَجَدْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]»

(p-٦١٠٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١ - ٥ ] ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٢] ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣] ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٤] ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٥]

﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ أيِ: انْصَدَعَتْ وتَقَطَّعَتْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٢] أيْ: سَمِعَتْ لَهُ في تَصَدُّعِها وتَشَقُّقِها، وهو مَجازٌ عَنْ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ. والمَعْنى أنَّها انْقادَتْ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ حِينَ أرادَ انْشِقاقَها، انْقِيادَ المُطَوِّعِ الَّذِي يَسْتَمِعُ لِلْآمِرِ ويُذْعِنُ لَهُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: العَرَبُ تَقُولُ: (أُذِنَ لَكَ في هَذا إذْنًا)، بِمَعْنى اسْتُمِعَ لَكَ. ومِنهُ الخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:««ما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ ما أذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ»» . يَعْنِي ما اسْتَمَعَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كاسْتِماعِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا

(p-٦١٠٧)ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وحُقَّتْ" أيْ: حَقَّ لَها ووَجَبَ أنْ تَنْقادَ لِأمْرِ القادِرِ ولا تَمْتَنِعَ، وهي حَقِيقَةٌ بِالِانْقِيادِ لِأنَّها مَخْلُوقَةٌ لَهُ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ. قالَ المُعْرِبُ: الأصْلُ حَقَّ اللَّهُ طاعَتَها، ولَمّا كانَ الإسْنادُ في الآيَةِ إلى السَّماءِ نَفْسِها، والتَّقْدِيرُ: وحَقَّتْ هِيَ، كانَ أصْلُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ في الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ، أيْ: وحَقَّ سَماعُها وطاعَتُها، فَحُذِفَ المُضافُ، ثُمَّ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى ضَمِيرِهِ، ثُمَّ اسْتَتَرَ فِيهِ.

﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣] أيْ: بُسِطَتْ وجُعِلَتْ مُسْتَوِيَةً، وذَلِكَ بِنَسْفِ جِبالِها وآكامِها كَما قالَ: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُدَّتْ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ؛ لِأنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ كُلُّ انْثِناءٍ فِيهِ واسْتَوى.

﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ [الإنشقاق: ٤] أيْ: ما في جَوْفِها مِنَ الكُنُوزِ والأمْواتِ ﴿وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٤] أيْ: وخَلَّتْ غايَةَ الخُلُوِّ، حَتّى لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ في باطِنِها، كَأنَّها تَكَلَّفَتْ أقْصى جُهْدِها في الخُلُوِّ.

﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٥] أيِ: انْقادَتْ لَهُ في التَّخْلِيَةِ، وحَقَّ لَها ذَلِكَ؛ وإعادَةُ الآيَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ تَحْتَ سُلْطانِ الجَلالِ الإلَهِيِّ وقَهْرِهِ ومَشِيئَتِهِ. وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ لِلتَّهْوِيلِ بِالإبْهامِ، أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا لا يَفِي بِهِ البَيانُ، أوْ لاقى الإنْسانُ كَدْحَهُ، كَما قالَ:

84:6–9Page 589

يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ ٦

O mankind, indeed you are laboring toward your Lord with [great] exertion1 and will meet it.2

فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ ٧

Then as for he who is given his record in his right hand,

فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا ٨

He will be judged with an easy account

وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورٗا ٩

And return to his people in happiness.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦ - ٩ ] ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٩]

﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: (p-٦١٠٨)إنَّكَ عامِلٌ إلى رَبِّكَ عَمَلًا فَمُلاقِيهِ بِهِ، خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا. المَعْنى: فَلْيَكُنْ عَمَلُكَ مِمّا يُنْجِيكَ مِن سُخْطِهِ، ويُوجِبُ لَكَ رِضاهُ، ولا يَكُنْ مِمّا يُسْخِطُهُ عَلَيْكَ فَتَهْلَكَ. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: إنَّكَ ساعٍ مُجْتَهِدٌ في الذَّهابِ إلَيْهِ بِالمَوْتِ، أيْ: تَسِيرُ مَعَ أنْفاسِكَ سَرِيعًا، كَما قِيلَ: أنْفاسُكَ خُطاكَ إلى أجَلِكَ، أوْ مُجْتَهِدٌ مُجِدٌّ في العَمَلِ: خَيْرًا أوْ شَرًّا، ذاهِبٌ إلى رَبِّكَ فَمُلاقِيهِ ضَرُورَةً. قالَ: والضَّمِيرُ إمّا لِلرَّبِّ وإمّا لِلْكَدْحِ. وأصْلُ الكَدْحِ جُهْدُ النَّفْسِ في العَمَلِ والكَدُّ فِيهِ، حَتّى يُؤَثِّرَ فِيها، مِن: (كَدَحَ جِلْدُهُ)، إذا خَدَشَهُ، فاسْتُعِيرَ لِلْجِدِّ في العَمَلِ ولِلتَّعَبِ، بِجامِعِ التَّأْثِيرِ في ظاهِرِ البَشَرَةِ.

﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] وهم مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا واتَّصَفَ بِما وُصِفَ بِهِ الأبْرارُ، في غَيْرِ ما آيَةٍ.

﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بِأنْ يَنْظُرَ في أعْمالِهِ فَيُغْفَرُ لَهُ سَيِّئُها ويُجازى عَلى حُسْنِها. وقالَ القاشانِيُّ: بِأنْ تُمْحى سَيِّئاتُهُ ويُعْفى عَنْهُ ويُثابَ بِحَسَناتِهِ دُفْعَةً واحِدَةً، لِبَقاءِ فِطْرَتِهِ عَلى صَفائِها ونُورِيَّتِها الأصْلِيَّةِ.

﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ [الإنشقاق: ٩] أيْ: زَوْجَتِهِ وأقارِبِهِ، أوْ قَوْمِهِ مَن يُجانِسُهُ ويُقارِنُهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ ﴿مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٩] أيْ: بِنَجاتِهِ مِنَ العَذابِ، أوْ بِصُحْبَتِهِمْ ومُرافَقَتِهِمْ، وبِما أُوتِيَ مِن حُظُوظِهِ.

84:10–15Page 589

وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهۡرِهِۦ ١٠

But as for he who is given his record behind his back,

فَسَوۡفَ يَدۡعُواْ ثُبُورٗا ١١

He will cry out for destruction

وَيَصۡلَىٰ سَعِيرًا ١٢

And [enter to] burn in a Blaze.

إِنَّهُۥ كَانَ فِيٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورًا ١٣

Indeed, he had [once] been among his people in happiness;

إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ ١٤

Indeed, he had thought he would never return [to Allāh].

بَلَىٰٓۚ إِنَّ رَبَّهُۥ كَانَ بِهِۦ بَصِيرٗا ١٥

But yes! Indeed, his Lord was ever, of him, Seeing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠ - ١٥ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١] ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢] ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١٣] ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥]

(p-٦١٠٩)﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ أيْ: أُعْطِيَ كِتابَ عَمَلِهِ بِشِمالِهِ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، وهو عَلى هَيْئَةِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ، أمامَ المَلِكِ المُنْصَرِفِ بِهِ عَنْ ذاكَ المَقامِ إلى دارِ الهَوانِ ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]

﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١] أيْ: يُنادِي بِالهَلاكِ وهو أنْ يَقُولَ: واثُبُوراهُ! واوَيْلاهُ! وهو مِن قَوْلِهِمْ دَعا فُلانٌ لَهْفَهُ، إذا قالَ: والَهْفاهُ. ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢] أيْ: يَدْخُلُ نارًا يَحْتَرِقُ بِها.

﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١٣] أيْ: مُنَعَّمًا مُسْتَرِيحًا مِنَ التَّفَكُّرِ في الحَقِّ والدُّعاءِ إلَيْهِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ لا يَهُمُّهُ إلّا أجْوَفاهُ، بَطَرًا بِالنِّعَمِ، ناسِيًا لِمَوْلاهُ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى رَبِّهِ، أوْ إلى الحَياةِ بِالبَعْثِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ يَحْيى ويَمُوتُ ولا يُهْلِكُهُ إلّا الدَّهْرُ؛ فَلَمْ يَكُ يَرْجُو ثَوابًا ولا يَخْشى عِقابًا ولا يُبالِي ما رَكِبَ مِنَ المَآثِمِ، عَلى خِلافِ ما قِيلَ عَنِ المُؤْمِنِينَ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] "بَلى" أيْ: لَيَحُورَنَّ ولَيَرْجِعَنَّ إلى رَبِّهِ حَيًّا كَما كانَ قَبْلَ مَماتِهِ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] أيْ: بِما أسْلَفَ في أيّامِهِ الخالِيَةِ فَيُجازِيهِ عَلَيْهِ.

84:16–21Page 589

فَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلشَّفَقِ ١٦

So I swear by the twilight glow

وَٱلَّيۡلِ وَمَا وَسَقَ ١٧

And [by] the night and what it envelops

وَٱلۡقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ ١٨

And [by] the moon when it becomes full

لَتَرۡكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٖ ١٩

[That] you will surely embark upon [i.e., experience] state after state.1

فَمَا لَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٠

So what is [the matter] with them [that] they do not believe,

وَإِذَا قُرِئَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقُرۡءَانُ لَا يَسۡجُدُونَۤ۩ ٢١

And when the Qur’ān is recited to them, they do not prostrate [to Allāh]?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٦ - ٢١ ] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨] ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١]

(p-٦١١٠)﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ وهي الحُمْرَةُ في الأُفُقِ مِن ناحِيَةِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ، ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] أيْ: جُمِعَ وضُمَّ مِمّا سَكَنَ وهَدَأ فِيهِ مِن ذِي رُوحٍ كانَ يَطِيرُ أوْ يَدِبُّ نَهارًا، كَذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الأشْياءِ كُلِّها، لِاشْتِمالِ اللَّيْلِ عَلَيْها، فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ كَما قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨] أيِ: اجْتَمَعَ وتَمَّ نُورُهُ وصارَ كامِلًا. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] أيْ: حالًا بَعْدَ حالٍ، والمَعْنِيُّ بِالحالِ الأُولى البَعْثُ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، وبِالثّانِيَةِ الحَياةُ الأُولى. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى مُطابَقَةِ كُلِّ واحِدَةٍ لِأُخْتِها؛ فَإنَّ الحَياةَ الثّانِيَةَ تُماثِلُ الأُولى وتُطابِقُها مِن حَيْثُ الحِسُّ والإدْراكُ والألَمُ واللَّذَّةُ، وإنْ خَفِيَ اكْتِناهُها. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ "طَبَقًا" جَمْعُ طَبَقَةٍ وهي المَرْتَبَةُ، أيْ: لَتَرْكَبُنَّ مَراتِبَ شَدِيدَةً مُجاوِزَةً عَنْ مَراتِبَ وطَبَقاتٍ، وأطْوارًا مُرَتَّبَةً بِالمَوْتِ وما بَعْدَهُ مِن مَوْطِنِ البَعْثِ والنُّشُورِ.

قالَ الشِّهابُ: الطَّبَقُ مَعْناهُ ما طابَقَ غَيْرَهُ مُطْلَقًا في الأصْلِ، ثُمَّ إنَّهُ خُصَّ بِما ذُكِرَ، وهو الحالُ المُطابِقَةُ أوْ مَراتِبُ الشِّدَّةِ المُتَعاقِبَةُ.

و"عَنْ" لِلْمُجاوَزَةِ أوْ بِمَعْنى: (بَعْدَ). والبُعْدِيَّةُ والمُجاوَزَةُ مُتَقارِبانِ لَكِنَّهُ ظاهِرٌ في الثّانِي ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] أيْ: بِهَذا الحَدِيثِ، وقَدْ أقامَ لَهُمُ الحُجَّةَ عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ.

﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] أيْ: لا يَخْضَعُونَ ولا يَسْتَكِينُونَ ولا يَنْقادُونَ.

قالَ في (الإكْلِيلِ): وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ سَجْدَةِ التِّلاوَةِ.

84:22–25Page 589

بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ ٢٢

But those who have disbelieved deny,

وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُوعُونَ ٢٣

And Allāh is most knowing of what they keep within themselves.

فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢٤

So give them tidings of a painful punishment,

إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونِۭ ٢٥

Except for those who believe and do righteous deeds. For them is a reward uninterrupted.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٢ - ٢٥ ] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٣] (p-٦١١١)﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٥]

﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ أيْ: بِآياتِ اللَّهِ وتَنْزِيلِهِ المُبَيِّنِ لِما ذُكِرَ مِن أحْوالِ القِيامَةِ وأهْوالِها، مَعَ تَحْقِيقِ مُوجِباتِ تَصْدِيقِهِ، والإضْرابِ عَنْ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ -كَما قالَ الإمامُ- لا تَظُنَّ أنَّ قَرْعَ القُرْآنِ لَمْ يَكْسِرْ أغْلاقَ قُلُوبِهِمْ، ولَمْ يَبْلُغْ صَوْتُهُ أعْماقَ ضَمائِرِهِمْ، بَلى قَدْ بَلَغَ وأقْنَعَ فِيما بَلَغَ، ولَكِنَّ العِنادَ هو الَّذِي يَمْنَعُهم عَنِ الإيمانِ ويَصُدُّهم عَنِ الإذْعانِ، فَلَيْسَ مَنشَأُ التَّكْذِيبِ قُصُورَ الدَّلِيلِ، وإنَّما هو تَقْصِيرُ المُسْتَدِلِّ وإعْراضُهُ عَنْ هِدايَتِهِ، فالإضْرابُ يَرْمِي إلى مَحْذُوفٍ مِنَ القَوْلِ يَدُلُّ عَلَيْهِ السّابِقُ واللّاحِقُ.

﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٣] أيْ: بِما يُسِرُّونَ في صُدُورِهِمْ مِن حَقِّيَّةِ التَّنْزِيلِ، وإنْ أخْفَوْهُ عِنادًا. أوْ بِما يُضْمِرُونَ مِنَ البَغْيِ والمَكْرِ، فَسَيَجْزِيهِمْ عَلَيْهِ. ولِذا قالَ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] أيْ: جَزاءً عَلى تَكْذِيبِهِمْ وإعْراضِهِمْ وبَغْيِهِمْ.

﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٥] أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ أوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ. والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ، عَلى أنَّ المُرادَ بِمَن آمَنَ مَن أسْلَمَ مِنهم فَآمَنُوا بِاعْتِبارِ ما مَضى أوْ بِمَعْنى: يُؤْمِنُونَ، وكَوْنُهُ مُنْقَطِعًا أظْهَرَ لِمَجِيءِ "لَهم أجْرٌ" بِغَيْرِ فاءٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском