Al-QasimiAn‑Nisa · 4:1–2

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

النساء

An-Nisa

The Women · Medinan · 176 ayahs

4:1Page 77

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا ١

O mankind, fear your Lord, who created you from one soul and created from it its mate and dispersed from both of them many men and women. And fear Allāh, through whom1 you ask one another,2 and the wombs.3 Indeed Allāh is ever,4 over you, an Observer.5

(p-١٠٩٢)سُورَةُ النِّساءِ

رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ بِالمَدِينَةِ.

وكَذا رَوى ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ.

وقَدْ زَعَمَ النَّحّاسُ أنَّها مَكِّيَّةٌ مُسْتَنِدًا إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ [النساء: ٥٨] [النِّساءِ: ٥٨] الآيَةَ، نَزَلَتْ بِمَكَّةَ اتِّفاقًا في شَأْنِ مِفْتاحِ الكَعْبَةِ، وذَلِكَ مُسْتَنَدٌ واهٍ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن نُزُولِ آيَةٍ أوْ آياتٍ مِن سُوَرٍ طَوِيلَةٍ - نَزَلَ مُعْظَمُها بِالمَدِينَةِ - أنْ تَكُونَ مَكِّيَّةً، خُصُوصًا أنَّ الأرْجَحَ أنَّ ما نَزَلَ بَعْدَ الهِجْرَةِ مَدَنِيٌّ.

ومَن راجَعَ أسْبابَ نُزُولِ آياتِها عَرَفَ الرَّدَّ عَلَيْهِ، ومِمّا يَرُدُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ والنِّساءِ إلّا وأنا عِنْدُهُ» ودُخُولُها عَلَيْهِ كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ اتِّفاقًا.

وقِيلَ: نَزَلَتْ عِنْدَ الهِجْرَةِ.

وآياتُها مِائَةٌ وسَبْعُونَ وخَمْسٌ، وقِيلَ سِتٌّ وقِيلَ سَبْعٌ، كَذا في الإتْقانِ.

ورَوى الحاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: إنَّ في سُورَةِ النِّساءِ لَخَمْسُ آياتٍ ما يَسُرُّنِي أنَّ لِي بِها الدُّنْيا وما فِيها: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] [النِّساءِ: ٤٠] الآيَةَ، و َ ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] [النِّساءِ: ٣١] الآيَةَ، (p-١٠٩٣)و﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] [النِّساءِ: ٤٨]، ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤] [النِّساءِ: ٦٤] الآيَةَ.

ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: خَمْسُ آياتٍ مِنَ النِّساءِ لَهُنَّ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا جَمِيعًا: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] [النِّساءِ: ٦٤] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] [النِّساءِ: ١١٠].

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ثَمانِي آياتٍ نَزَلَتْ في سُورَةِ النِّساءِ خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ؛ أوَّلُهُنَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦] [النِّساءِ: ٢٦]، والثّانِيَةُ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] [النِّساءِ: ٢٧] والثّالِثَةُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] [النِّساءِ: ٢٨] ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ سَواءً، يَعْنِي في الخَمْسَةِ الباقِيَةِ.

لَطِيفَةٌ: إنَّما سُمِّيَتْ سُورَةَ النِّساءِ؛ لِأنَّ ما نَزَلَ مِنها في أحْكامِهِنَّ أكْثَرُ مِمّا نَزَلَ في غَيْرِها.

(p-١٠٩٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالا كَثِيرًا ونِساءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا﴾ [١]

﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ أيِ: اخْشَوْهُ أنْ تُخالِفُوهُ فِيما أمَرَكم بِهِ أوْ نَهاكم عَنْهُ.

ثُمَّ نَبَّهَهم عَلى اتِّصافِهِ بِكَمالِ القُدْرَةِ الباهِرَةِ، لِتَأْيِيدِ الأمْرِ بِالتَّقْوى وتَأْكِيدِ إيجابِ الِامْتِثالِ بِهِ عَلى طَرِيقِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ: فَرَّعَكم مِن أصْلٍ واحِدٍ، وهو نَفْسُ أبِيكم آدَمَ، وخَلْقُهُ تَعالى إيّاهم عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ مِمّا يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ العَظِيمَةِ، ومَن قَدَرَ عَلى نَحْوِهِ كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ عِقابُهم عَلى مَعاصِيهِمْ.

فالنَّظَرُ فِيهِ يُؤَدِّي إلى الِاتِّقاءِ مِن مُوجِباتِ نِقْمَتِهِ، وكَذا جَعْلُهُ تَعالى إيّاهم صِنْوانًا مُفَرَّعَةً مِن أرُومَةٍ واحِدَةٍ مِن مُوجِباتِ الِاحْتِرازِ عَنِ الإخْلالِ بِمُراعاةِ ما بَيْنَهم مِن حُقُوقِ الأُخُوَّةِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما يَأْتِي مِنَ الإرْشادِ إلى صِلَةِ الأرْحامِ، ورِعايَةِ حالِ الأيْتامِ، والعَدْلِ في النِّكاحِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ (p-١٠٩٥)أُولَئِكَ النَّفَرُ مِن مُضَرَ وهم مُجْتابُو النِّمارِ (أيْ: مِن عُرْيِهِمْ وفَقْرِهِمْ) قامَ فَخَطَبَ النّاسَ بَعْدَ صَلاةِ الظُّهْرِ فَقالَ في خُطْبَتِهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ١] حَتّى خَتَمَ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] [الحَشْرِ: مِنَ الآيَةِ ١٨] ثُمَّ حَضَّهم عَلى الصَّدَقَةِ فَقالَ: تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِن دِينارِهِ، مِن دِرْهَمِهِ، مِن صاعِ بُرِّهِ، مِن صاعِ تَمْرِهِ» وذَكَرَ تَمامَ الحَدِيثِ.

وهَكَذا رَواهُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في خُطْبَةِ الحاجَةِ.

وفِيها: ثُمَّ يَقْرَأُ ثَلاثَ آياتٍ هَذِهِ مِنها: ﴿أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ الآيَةَ ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ أيْ: مِن نَفْسِها، يَعْنِي مِن جِنْسِها لِيَكُونَ بَيْنَهُما ما يُوجِبُ التَّآلُفَ والتَّضامَّ، فَإنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ، وقَدْ أوْضَحَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] [الرُّومِ: ٢١].

﴿وبَثَّ مِنهُما﴾ أيْ: نَشَرَ مِن تِلْكَ النَّفْسِ وزَوْجِها المَخْلُوقَةِ مِنها بِطَرِيقِ التَّوالُدِ (p-١٠٩٦)والتَّناسُلِ ﴿رِجالا كَثِيرًا ونِساءً﴾ أيْ: كَثِيرَةً، وتَرَكَ التَّصْرِيحَ بِها لِلِاكْتِفاءِ بِالوَصْفِ المَذْكُورِ.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْأمْرِ وتَذْكِيرٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن مُوجِباتِ الِامْتِثالِ بِهِ، فَإنَّ سُؤالَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِاللَّهِ تَعالى بِأنْ يَقُولُوا: أسْألُكَ بِاللَّهِ وأنْشُدُكَ اللَّهَ - عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْطافِ - يَقْتَضِي الِاتِّقاءَ مِن مُخالَفَةِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ.

وتَعْلِيقُ الِاتِّقاءِ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ في الحَمْلِ عَلى الِامْتِثالِ بِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، ولِوُقُوعِ التَّساؤُلِ بِهِ لا بِغَيْرِهِ مِن أسْمائِهِ تَعالى وصِفاتِهِ.

و: ﴿تَساءَلُونَ﴾ أصْلُهُ تَتَساءَلُونَ، فَطُرِحَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا، وقُرِئَ بِإدْغامِ تاءِ التَّفاعُلِ في السِّينِ لِتَقارُبِهِما في الهَمْسِ، وقُرِئَ (تَسْألُونَ) مِنَ الثُّلاثِيِّ، أيْ: تَسْألُونَ بِهِ غَيْرَكُمْ، وقَدْ فُسِّرَ بِهِ القِراءَةُ الأُولى والثّانِيَةُ، وحَمْلُ صِيغَةِ التَّفاعُلِ عَلى اعْتِبارِ الجَمْعِ، كَما في قَوْلِكَ: رَأيْتُ الهِلالَ وتَراءَيْناهُ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْحامَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، أيِ: اتَّقُوا اللَّهَ والأرْحامَ أنْ تَقْطَعُوها، فَإنَّ قَطِيعَتَها مِمّا يَجِبُ أنْ يُتَّقى، أوْ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا، ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ: (تَساءَلُونَ بِهِ وبِالأرْحامِ) فَإنَّهم كانُوا يُقْرِنُونَها في السُّؤالِ والمُناشَدَةِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَقُولُونَ: أسْألُكَ بِاللَّهِ وبِالرَّحِمِ، ولَقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى - حَيْثُ قَرَنَها بِاسْمِهِ الجَلِيلِ - عَلى أنَّ صِلَتَها بِمَكانٍ مِنهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] [الإسْراءِ: مِنَ الآيَةِ ٢٣]، وقالَ تَعالى: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ﴾ [النساء: ٣٦] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٣٦].

(p-١٠٩٧)وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تَقُولُ: مَن وصَلَنِي وصَلَهُ اللَّهُ، ومَن قَطَّعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» .

ورَوِيا أيْضًا عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قاطِعٌ» .

قالَ سُفْيانُ في رِوايَتِهِ: يَعْنِي قاطِعَ رَحِمٍ.

ورَوى البُخارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَيْسَ الواصِلُ بِالمُكافِئِ، ولَكِنَّ الواصِلَ الَّذِي إذا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وصَلَها» .

ورَوِيا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» والأحادِيثُ في التَّرْغِيبِ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، والتَّرْهِيبِ مِن قَطِيعَتِها كَثِيرَةٌ.

* *

تَنْبِيهٌ:

دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ المَسْألَةِ بِاللَّهِ تَعالى، كَذا قالَهُ الرّازِيُّ، ووَجْهُهُ أنَّهُ تَعالى أقَرَّهم عَلى هَذا التَّساؤُلِ؛ لِكَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ عَظَمَتَهُ، ولَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِمْ، نَعَمْ مَن أدّاهُ التَّساؤُلُ بِاسْمِهِ تَعالى إلى (p-١٠٩٨)التَّساهُلِ في شَأْنِهِ وجَعْلِهِ عُرْضَةً لِعَدَمِ إجْلالِهِ ووَسِيلَةً لِلْأبْوابِ السّاسانِيَّةِ فَهَذا مَحْظُورٌ قَطْعًا.

وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما ورَدَ مِن لَعْنِ مَن سَألَ بِوَجْهِ اللَّهِ، كَما سَنَذْكُرُهُ، وقَدْ ورَدَ في هَذا البابِ أحادِيثُ وافِرَةٌ.

مِنها عَنِ ابْنِ عُمَرِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ فَأعِيذُوهُ، ومَن سَألَكم بِاللَّهِ فَأعْطُوهُ، ومَن دَعاكم فَأجِيبُوهُ، ومَن أتى عَلَيْكم مَعْرُوفًا فَكافِئُوهُ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا ما تُكافِئُوهُ فادْعُوا لَهُ حَتّى تَعْلَمُوا أنْ قَدْ كافَأْتُمُوهُ» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ فَأعِيذُوهُ، ومَن سَألَكم بِوَجْهِ اللَّهِ فَأعْطُوهُ» .

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَن سُئِلَ بِاللَّهِ فَأعْطى كُتِبَ لَهُ سَبْعُونَ حَسَنَةً» رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ.

وفِي البُخارِيِّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ وذَكَرَ مِنها: وإبْرارِ القَسَمِ» .

ورَوى أبُو داوُدَ والضِّياءُ في "المُخْتارَةِ" بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ (p-١٠٩٩)جابِرٍ مَرْفُوعًا: «لا يُسْألُ بِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى إلّا الجَنَّةُ» .

ورَوى الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا: «مَلْعُونٌ مَن سَألَ بِوَجْهِ اللَّهِ، ومَلْعُونٌ مَن سُئِلَ بِوَجْهِ اللَّهِ ثُمَّ مَنَعَ سائِلَهُ، ما لَمْ يَسْألْ هُجْرًا» قالَ السُّيُوطِيُّ: إسْنادُهُ حَسَنٌ.

وقالَ الحافِظُ المُنْذِرِيُّ: رِجالُهُ رِجالُ الصَّحِيحِ إلّا شَيْخَهُ (يَعْنِي الطَّبَرانِيَّ ) يَحْيى بْنَ عُثْمانَ بْنِ صالِحٍ، وهو ثِقَةٌ وفِيهِ كَلامٌ.

وهُجْرًا (بِضَمِّ الهاءِ وسُكُونِ الجِيمِ) أيْ: ما لَمْ يَسْألْ أمْرًا قَبِيحًا لا يَلِيقُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ ما لَمْ يَسْألْ سُؤالًا قَبِيحًا بِكَلامٍ قَبِيحٍ، انْتَهى.

وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، مَوْلى رِفاعَةَ، عَنْ رافِعٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: مَلْعُونٌ مَن سَألَ بِوَجْهِ اللَّهِ، ومَلْعُونٌ مَن سُئِلَ بِوَجْهِ اللَّهِ فَمَنَعَ سائِلَهُ» رَواهُ الطَّبَرانِيُّ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ألا أُخْبِرُكم بِشَرِّ النّاسِ؟ رَجُلٍ يُسْألُ بِوَجْهِ اللَّهِ ولا يُعْطِي» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ.

وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ألا أُخْبِرُكم بِشَرِّ البَرِيَّةِ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: الَّذِي يُسْألُ بِاللَّهِ ولا يُعْطِي» .

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا﴾ أيْ: مُراقِبًا لِجَمِيعِ أحْوالِكم وأعْمالِكُمْ، يَراها ويَعْلَمُها فَلا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، كَما قالَ [تَعالى]: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] وفي الحَدِيثِ: «اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .

وهَذا إرْشادٌ وأمْرٌ بِمُراقَبَتِهِ تَعالى، فَعَلى المَرْءِ أنْ يُراقِبَ أحْوالَ نَفْسِهِ، ويَأْخُذَ حَذَرَهُ مِن أنْ يَنْتَهِزَ الشَّيْطانُ مِنهُ فُرْصَةً فَيَهْلَكَ عَلى غَفْلَةٍ.

4:2Page 77

وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا ٢

And give to the orphans their properties and do not substitute the defective [of your own] for the good [of theirs]. And do not consume their properties into your own. Indeed, that is ever a great sin.

(p-١١٠٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [٢]

﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ مَوارِدِ الِاتِّقاءِ ومَظانِّهِ بِتَكْلِيفِ ما يُقابِلُها أمْرًا ونَهْيًا.

وتَقْدِيمُ ما يَتَعَلَّقُ بِاليَتامى لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِأمْرِهِمْ ولِمُلابَسَتِهِمْ بِالأرْحامِ، إذِ الخِطابُ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ، وقَلَّما تُفَوَّضُ الوِصايَةُ إلى الأجانِبِ.

واليَتِيمُ مَن ماتَ أبُوهُ، مِنَ اليُتْمِ، وهو الِانْفِرادُ، ومِنهُ الدُّرَّةُ اليَتِيمَةُ، والقِياسُ الِاشْتِقاقِيُّ يَقْتَضِي وُقُوعَهُ عَلى الصِّغارِ والكِبارِ، وقَدْ خَصَّهُ الشَّرْعُ بِمَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ، كَما رَوى أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ» .

وفِي الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنْ يُرادَ بِاليَتامى الكِبارَ الَّذِينَ أُونِسَ مِنهُمُ الرُّشْدُ مَجازًا، بِاعْتِبارِ ما كانَ، أُوثِرَ لِقُرْبِ العَهْدِ بِالصِّغَرِ، والإشارَةِ إلى (p-١١٠١)وُجُوبِ المُسارَعَةِ إلى دَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ حِينَئِذٍ، حَتّى كَأنَّ اسْمَ اليَتِيمِ باقٍ بَعْدُ، غَيْرُ زائِلٍ.

الثّانِي: أنْ يُرادَ بِهِمُ الكِبارَ حَقِيقَةً، وارِدَةً عَلى أصْلِ اللُّغَةِ.

الثّالِثُ: أنْ يُرادَ بِهِمُ الصِّغارَ، وبِـ (الإيتاءِ) ما يَدْفَعُهُ الأوْلِياءُ والأوْصِياءُ إلَيْهِمْ مِنَ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ، لا دَفْعُها إلَيْهِمْ، وفِيهِ بُعْدٌ.

الرّابِعُ: أنْ يُرادَ بِهِمْ ما ذُكِرَ، وبِـ(إيتائِهِمُ) الأمْوالَ أنْ لا يَطْمَعَ فِيها الأوْلِياءُ والأوْصِياءُ، وُلاةُ السُّوءِ وقُضاتُهُ، ويَكُفُّوا عَنْها أيْدِيَهُمُ الخاطِفَةَ حَتّى تُؤْتى اليَتامى إذا بَلَغُوا سالِمَةً غَيْرَ مَحْذُوفَةٍ، فالتَّجَوُّزُ في الإيتاءِ حِينَئِذٍ بِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِ مَعْناهُ وهو تَرْكُها سالِمَةً؛ لِأنَّها لا تُؤْتى إلّا إذا كانَتْ كَذَلِكَ.

قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": هَذا الوَجْهُ قَوِيٌّ بِقَوْلِهِ بَعْدَ آياتٍ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٦] دَلَّ عَلى أنَّ الآيَةَ الأُولى في الحَضِّ عَلى حِفْظِها لَهم لِيُؤْتَوْها عِنْدَ بُلُوغِهِمْ ورُشْدِهِمْ، والثّانِيَةَ في الحَضِّ عَلى الإيتاءِ الحَقِيقِيِّ عِنْدَ حُصُولِ البُلُوغِ والرُّشْدِ.

ويُقَوِّيهِ أيْضًا قَوْلُهُ عَقِيبَ الأُولى: ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا﴾ إلَخْ، فَهَذا كُلُّهُ تَأْدِيبٌ لِلْوَصِيِّ ما دامَ المالُ بِيَدِهِ واليَتِيمُ في حِجْرِهِ.

وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَيَكُونُ مُؤَدّى الآيَتَيْنِ واحِدًا وهو الأمْرُ بِالإيتاءِ حَقِيقَةً، ويُخَلَّصُ عَنِ التَّكْرارِ بِأنَّ الأُولى كالمُجْمَلَةِ والثّانِيَةَ كالمُبَيِّنَةِ لِشَرْطِ الإيتاءِ: مِنَ البُلُوغِ وإيناسِ الرُّشْدِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ أيْ: ولا تَسْتَبْدِلُوا الحَرامَ - وهو مالُ اليَتامى - بِالحَلالِ وهو مالُكُمْ، وما أُبِيحَ لَكم مِنَ المَكاسِبِ، ورِزْقِ اللَّهِ المَبْثُوثِ في الأرْضِ فَتَأْكُلُوهُ مَكانَهُ.

﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ آخَرَ كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ، أيْ: لا تَأْكُلُوها مَضْمُومَةً إلى أمْوالِكم مَخْلُوطَةً بِها لِلتَّوْسِعَةِ ﴿إنَّهُ﴾ أيِ: الأكْلُ: ﴿كانَ حُوبًا﴾ أيْ: ذَنْبًا (p-١١٠٢)عَظِيمًا، وقُرِئَ بِفَتْحِ الحاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَبِيرًا﴾ مُبالَغَةٌ في بَيانِ عِظَمِ ذَنْبِ الأكْلِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِن كِبارِ الذُّنُوبِ.

* *

تَنْبِيهٌ:

خُصَّ مِن ذَلِكَ مِقْدارُ أجْرِ المِثْلِ عِنْدَ كَوْنِ الوَلِيِّ فَقِيرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] كَذا قالَهُ البَيْضاوِيُّ، وتابَعَهُ أبُو السُّعُودِ.

وعِنْدِي أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَخْصِيصِ هَذا النَّهْيِ بِالفَقِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّها في الغَنِيِّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إلى أمْوالِكُمْ﴾ فَلا يَشْمَلُ مَساقُها الفَقِيرَ، وسَنُوَضِّحُ ذَلِكَ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أكْلَ مالِ اليَتامى وحْدَهُ ومَعَ أمْوالِهِمْ، فَلِمَ ورَدَ النَّهْيُ عَنْ أكْلِهِ مَعَها؟ قُلْتُ: لِأنَّهم إذا كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْ أمْوالِ اليَتامى بِما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِن مالٍ حَلالٍ، وهم عَلى ذَلِكَ يَطْمَعُونَ فِيها، كانَ القُبْحُ أبْلَغَ والذَّمُّ أحَقَّ، ولِأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ كَذَلِكَ فَنَعى عَلَيْهِمْ فِعْلَهم وسَمَّعَ بِهِمْ؛ لِيَكُونَ أزْجَرَ لَهُمُ، انْتَهى.

قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": أهْلُ البَيانِ يَقُولُونَ: المَنهِيُّ مَتى كانَ دَرَجاتٍ فَطَرِيقُ البَلاغَةِ النَّهْيُ عَنْ أدْناها تَنْبِيهًا عَلى الأعْلى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] [الإسْراءِ: مِنَ الآيَةِ ٢٣] وإذا اعْتَبَرْتَ هَذا القانُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ وجَدْتَهُ بِبادِئِ الرَّأْيِ مُخالِفًا لَها؛ إذْ أعْلى دَرَجاتِ أكْلِ مالِ اليَتِيمِ في النَّهْيِ أنْ يَأْكُلَهُ وهو غَنِيٌّ عَنْهُ، وأدْناها أنْ يَأْكُلَهُ وهو فَقِيرٌ إلَيْهِ، فَكانَ مُقْتَضى القانُونِ المَذْكُورِ أنْ يَنْهى عَنْ أكْلِ مالِ اليَتِيمِ مَن هو فَقِيرٌ إلَيْهِ حَتّى يَلْزَمَ نَهْيُ الغَنِيِّ عَنْهُ مِن طَرِيقِ الأوْلى، وحِينَئِذٍ فَلا بُدَّ مِن تَمْهِيدِ أمْرٍ يُوَضِّحُ فائِدَةَ تَخْصِيصِ الصُّورَةِ العُلْيا بِالنَّهْيِ في هَذِهِ الآيَةِ.

فَنَقُولُ: أبْلَغُ الكَلامِ (p-١١٠٣)ما تَعَدَّدَتْ وُجُوهُ إفادَتِهِ، ولا شَكَّ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الأدْنى - وإنْ أفادَ النَّهْيَ عَنِ الأعْلى - إلّا أنَّ لِلنَّهْيِ عَنِ الأعْلى أيْضًا فائِدَةٌ أُخْرى جَلِيلَةٌ، لا تُؤْخَذُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الأدْنى، وذَلِكَ أنَّ المَنهِيَّ كُلَّما كانَ أقْبَحَ كانَتِ النَّفْسُ عَنْهُ أنْفَرَ والدّاعِيَةُ إلَيْهِ أبْعَدَ.

ولا شَكَّ أنَّ المُسْتَقِرَّ في النُّفُوسِ أنَّ أكْلَ مالِ اليَتِيمِ مَعَ الغِنى عَنْهُ أقْبَحُ صُوَرِ الأكْلِ، فَخُصِّصَ بِالنَّهْيِ؛ تَشْنِيعًا عَلى مَن يَقَعُ فِيهِ، حَتّى إذا اسْتَحْكَمَ نُفُورُهُ مِن أكْلِ مالِهِ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ الشَّنْعاءِ دَعاهُ ذَلِكَ إلى الإحْجامِ عَنْ أكْلِ مالِهِ مُطْلَقًا.

فَفِيهِ تَدْرِيبٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى النُّفُورِ مِنَ المَحارِمِ، ولا تَكادُ هَذِهِ الفائِدَةُ تَحْصُلُ لَوْ خُصِّصَ النَّهْيُ بِأكْلِهِ مَعَ الفَقْرِ؛ إذْ لَيْسَتِ الطِّباعُ في هَذِهِ الصُّورَةِ مُعِينَةً عَلى الِاجْتِنابِ، كَإعانَتِها عَلَيْهِ في الصُّورَةِ الأُولى، ويُحَقِّقُ مُراعاةَ هَذا المَعْنى تَخْصِيصُهُ الأكْلَ، مَعَ أنَّ تَناوُلَ مالِ اليَتِيمِ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ مَنهِيٌّ عَنْهُ، كانَ ذَلِكَ بِالِادِّخارِ أوْ بِالتِباسٍ أوْ بِبَذْلِهِ في لَذَّةِ النِّكاحِ مَثَلًا، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ - إلّا أنَّ حِكْمَةَ تَخْصِيصِ النَّهْيِ بِالأكْلِ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تُتَذَمَّمُ بِالإكْثارِ مِنَ الأكْلِ، وتُعِدُّ البِطْنَةَ مِنَ البَهِيمِيَّةِ، وتَعِيبُ عَلى مَنِ اتَّخَذَها دَيْدَنَهُ، ولا كَذَلِكَ سائِرُ المَلاذِّ، فَإنَّهم رُبَّما يَتَفاخَرُونَ بِالإكْثارِ مِنَ النِّكاحِ ويَعُدُّونَهُ مِن زِينَةِ الدُّنْيا، فَلَمّا كانَ الأكْلُ عِنْدَهم أقْبَحَ المَلاذِّ خُصَّ النَّهْيُ بِهِ، حَتّى إذا نَفَرَتِ النَّفْسُ مِنهُ بِمُقْتَضى طَبْعِها المَأْلُوفِ جَرَّها ذَلِكَ إلى النُّفُورِ مِن صَرْفِ مالِ اليَتِيمِ في سائِرِ المَلاذِّ أوْ غَيْرِها، أكْلًا أوْ غَيْرَهُ.

ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ في تَخْصِيصِ النَّهْيِ بِما هو أعْلى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] [آلِ عِمْرانَ: مِنَ الآيَةِ ١٣٠]، فَخَصَّ هَذِهِ الصُّورَةَ؛ لِأنَّ الطَّبْعَ عَنِ الِانْتِهاءِ عَنْها أعْوَنُ.

ويُقابِلُ هَذا النَّظَرَ في النَّهْيِ نَظَرٌ آخَرُ في الأمْرِ، وهو أنَّهُ تارَةً يَخُصُّ صُورَةَ الأمْرِ الأدْنى تَنْبِيهًا عَلى الأعْلى، وتارَةً يَخُصُّ صُورَةَ الأعْلى لِمِثْلِ الفائِدَةِ المَذْكُورَةِ مِنَ التَّدْرِيبِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ آياتٍ مِن هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهُمْ﴾ [النساء: ٨] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٨] الآيَةَ، كَيْفَ خَصَّ صُورَةَ حُضُورِهِمْ وإنْ كانَتِ العُلْيا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْبَتِهِمْ، وذَلِكَ (p-١١٠٤)أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ شُحَّ الأنْفُسِ عَلى الأمْوالِ، فَلَوْ أمَرَ بِإسْعافِ الأقارِبِ واليَتامى مِنَ المالِ المَوْرُوثِ - ولَمْ يَذْكُرْ حالَةَ حُضُورِهِمُ القِسْمَةَ - لَمْ تَكُنِ الأنْفُسُ بِالمُنْبَعِثَةِ إلى هَذا المَعْرُوفِ كانْبِعاثِها مَعَ حُضُورِهِمْ، بِخِلافِ ما إذا حَضَرُوا، فَإنَّ النَّفْسَ يَرِقُّ طَبْعُها وتَنْفِرُ مِن أنْ تَأْخُذَ المالَ الجَزْلَ وذُو الرَّحِمِ حاضِرٌ مَحْرُومٌ، ولا يُسْعَفُ ولا يُساعَدُ، فَإذا أُمِرَتْ في هَذِهِ الحالَةِ بِالإسْعافِ هانَ عَلَيْها امْتِثالُ الأمْرِ وائْتِلافُها عَلى امْتِثالِ الطَّبْعِ، ثُمَّ تَدَرَّبَتْ بِذَلِكَ عَلى إسْعافِ ذِي الرَّحِمِ مُطْلَقًا حَضَرَ أوْ غابَ.

فَمُراعاةُ هَذا وأمْثالِهِ مِنَ الفَوائِدِ لا يَكادُ يُلْقى إلّا في الكِتابِ العَزِيزِ، ولا يَعْثُرُ عَلَيْهِ إلّا الحاذِقُ الفَطِنُ المُؤَيَّدُ بِالتَّوْفِيقِ، نَسْألُ اللَّهَ أنْ يَسْلُكَ بِنا في هَذا النَّمَطِ، فَخُذْ هَذا القانُونَ عُمْدَةً، وهُوَ: أنَّ النَّهْيَ إنَّ خَصَّ الأدْنى فَلِفائِدَةِ التَّنْبِيهِ عَلى الأعْلى، وإنَّ خَصَّ الأعْلى فَلِفائِدَةِ التَّدْرِيبِ عَلى الِانْكِفافِ عَنِ القُبْحِ مُطْلَقًا مِنَ الِانْكِفافِ عَنِ الأقْبَحِ، ومِثْلُ هَذا النَّظَرِ في جانِبِ الأمْرِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ، انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском