Al-QasimiMuhammad · 47:1–19

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

محمد

Muhammad

Muhammad · Medinan · 38 ayahs

47:1Page 507

ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ١

Those who disbelieve and avert [people] from the way of Allāh - He will waste their deeds.1

(p-٥٣٧١)٤٧- سُورَةُ مُحَمَّدٍ

سُمِّيَتْ بِهِ، لِما فِيها مِن أنَّ الإيمانَ بِما نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ مُتَفَرِّقًا، أعْظَمُ مِنَ الإيمانِ بِما نَزَلَ مَجْمُوعًا عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وهو مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. وتُسَمّى سُورَةَ (القِتالِ)، لِدَلالَتِها عَلى ارْتِفاعِ حُرْمَةِ نُفُوسِ الكُفّارِ المانِعَةِ مِن قِتالِهِمْ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى القِتالِ وكَثْرَةِ فَوائِدِهِ- قالَهُ المَهايِمِيُّ -.

وهِيَ مَدَنِيَّةٌ. وحَكى النَّسَفِيُّ قَوْلًا غَرِيبًا، أنَّها مَكِّيَّةٌ. وآيُها ثَمانٍ وثَلاثُونَ.

(p-٥٣٧٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ .

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: جَحَدُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ، وعَبَدُوا غَيْرَهُ: ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: أعْرَضُوا وامْتَنَعُوا عَنِ الإقْرارِ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ، ولِنَبِيِّهِ بِالرِّسالَةِ. أوْ صَدُّوا غَيْرَهم عَنْ ذَلِكَ ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: جَعَلَها عَلى غَيْرِ هُدًى ورَشادٍ.

47:2Page 507

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٖ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡ كَفَّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ ٢

And those who believe and do righteous deeds and believe in what has been sent down upon Muḥammad - and it is the truth from their Lord - He will remove from them their misdeeds and amend their condition.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُـزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ .

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيِ: الطّاعاتِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿وآمَنُوا بِما نُـزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ أيْ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ بِهِ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ. وإنَّما خَصَّهُ بِالذِّكْرِ، مَعَ دُخُولِهِ فِيما قَبْلَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وتَعْلِيمًا؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ الإيمانُ ولا يَتِمُّ إلّا بِهِ؛ إذْ يُفِيدُ بِعَطْفِهِ أنَّهُ أعْظَمُ أرْكانِهِ، لِإفْرادِهِ بِالذِّكْرِ. وقَدْ تَأكَّدَ ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ الِاعْتِراضِيَّةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ أيِ: الثّابِتُ بِالواقِعِ، ونَفْسُ الأمْرِ ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: سَتَرَ بِإيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ، ما كانَ مِنهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، لِرُجُوعِهِمْ عَنْها وتَوْبَتِهِمْ: ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم وشَأْنَهُمْ، وعَمَلَهم في الدُّنْيا بِالتَّأْيِيدِ والتَّوْفِيقِ.

قالَ الشِّهابُ: (البالُ) يَكُونُ بِمَعْنى الحالِ والشَّأْنِ، وقَدْ يَخُصُّ بِالشَّأْنِ العَظِيمِ، كَقَوْلِهِ ﷺ ««كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ»» . ويَكُونُ بِمَعْنى الخاطِرِ القَلْبِيِّ، ويَتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ القَلْبِ، ولَوْ فُسِّرَ بِهِ (p-٥٣٧٣)هُنا كانَ حَسَنًا أيْضًا. وقَدْ فَسَّرَهُ السَّفاقِسِيُّ بِالفِكْرِ؛ لِأنَّهُ إذا صَلَحَ قَلْبُهُ وفِكْرُهُ، صَلَحَتْ عَقِيدَتُهُ وأعْمالُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: البالُ كالمَصْدَرِ، مِثْلُ الشَّأْنِ، لا يُعْرَفُ مِنهُ فِعْلٌ، ولا تَكادُ العَرَبُ تَجْمَعُهُ إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ، فَإذا جَمَعُوهُ قالُوا: (بالاتٌ).

47:3Page 507

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡبَٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ مِن رَّبِّهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمۡثَٰلَهُمۡ ٣

That is because those who disbelieve follow falsehood, and those who believe follow the truth from their Lord. Thus does Allāh present to the people their comparisons.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣] ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾ .

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: المَذْكُورُ مِن فِعْلِهِ تَعالى بِالفَرِيقَيْنِ ما فَعَلَهُ كائِنٌ: ﴿بِأنَّ الَّذِينَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّ الَّذِينَ: ﴿كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾ أيْ: يُشَبِّهُ لَهُمُ الأشْباهَ، فَيَلْحَقُ بِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ الأمْثالِ أشْكالًا.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: أيْنَ ضَرْبُ الأمْثالِ؟ قُلْتُ: في أنْ جَعَلَ اتِّباعَ الباطِلِ مَثَلًا لِعَمَلِ الكُفّارِ، واتِّباعَ الحَقِّ مَثَلًا لِعَمَلِ المُؤْمِنِينَ. أوْ في أنْ جَعَلَ الإضْلالَ مَثَلًا لِخَيْبَةِ الكُفّارِ، وتَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ مَثَلًا لِفَوْزِ المُؤْمِنِينَ. انْتَهى.

47:4Page 507

فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٤

So when you meet those who disbelieve [in battle], strike [their] necks until, when you have inflicted slaughter upon them, then secure [their] bonds,1 and either [confer] favor2 afterwards or ransom [them] until the war lays down its burdens.3 That [is the command]. And if Allāh had willed, He could have taken vengeance upon them [Himself], but [He ordered armed struggle] to test some of you by means of others. And those who are killed in the cause of Allāh - never will He waste their deeds.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤] ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ .

﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ لِما كانَ طَلِيعَةُ هَذِهِ السُّورَةِ تَمْهِيدًا لِجِهادِ المُشْرِكِينَ السّاعِينَ في الأرْضِ بِالفَسادِ، الصّادِّينَ عَنْ مَنهَجِ الرَّشادِ، وبَعْثًا عَلى الصِّدْقِ (p-٥٣٧٤)فِي قِتالِهِمْ، كَسْحًا لِعَقَبَةِ باطِلِهِمْ، عَمَلًا بِما يُوجِبُهُ الإيمانُ ويَفْرِضُهُ الإيقانُ، وتَمْيِيزًا لِأوْلِياءِ الرَّحْمَنِ مِن أوْلِياءِ الشَّيْطانِ، تَأثُّرُ تِلْكَ الطَّلِيعَةِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ. ولِذا قالَ أبُو السُّعُودِ: الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما في حَيِّزِها مِنَ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَها؛ فَإنَّ ضَلالَ أعْمالِ الكَفَرَةِ وخُبْثَهُمْ، وصَلاحَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وفَلاحَهُمْ، مِمّا يُوجِبُ أنْ يُرَتِّبَ عَلى كُلٍّ مِنَ الجانِبَيْنِ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأحْكامِ؛ أيْ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ، فَإذا لَقِيتُمُوهم في المُحارَبَةِ، فَضَرْبَ الرِّقابِ. وأصْلُهُ: فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا. فَحُذِفَ الفِعْلُ، وقُدِّمَ المَصْدَرُ، وأُنِيبَ مَنابَهُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ. وفِيهِ اخْتِصارٌ وتَأْكِيدٌ بَلِيغٌ. والتَّعْبِيرُ بِهِ عَنِ القَتْلِ، تَصْوِيرٌ لَهُ بِأشْنَعِ صُورَةٍ، وتَهْوِيلٌ لِأمْرِهِ، وإرْشادٌ لِلْغُزاةِ إلى أيْسَرِ ما يَكُونُ مِنهُ: ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: غَلَبْتُمُوهُمْ، وقَهَرْتُمْ مَن لَمْ تَضْرِبُوا رَقَبَتَهُ مِنهُمْ، فَصارُوا في أيْدِيكم أسْرى: ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ بِفَتْحِ الواوِ، وقُرِئَ بِكَسْرِها. وهو ما يُوثَقُ بِهِ، أيْ: يُرْبَطُ ويُشَدُّ، كالقَيْدِ والحَبْلِ. أيْ: فَأمْسِكُوهم بِهِ كَيْلا يَقْتُلُوكم فَيَهْرُبُوا مِنكُمْ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ: فَإمّا تَمُنُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَتُطْلِقُونَهم بِغَيْرِ عِوَضٍ، لِزَوالِ سَبْعِيَّتِهِمْ، وإمّا تَفْدُونَ فِداءً، فَتُطْلِقُونَهم بِعِوَضِ مالٍ، أوْ مُسْلِمٍ أسَرُوهُ فَيَتَقَوّى بِهِ المُسْلِمُونَ، أوْ يَتَخَلَّصُ أسِيرُهم.

قالَ المَهايِمِيُّ: ولَمْ يُذْكَرِ القَتْلُ اكْتِفاءً بِما مَرَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] وذَلِكَ فِيمَن يَرى فِيهِ الإمامُ بَقاءَ السَّبْعِيَّةِ بِالكَمالِ، ولَمْ يُذْكَرْ الِاسْتِرْقاقُ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى اسْتِدامَةِ الأسْرِ، وذَلِكَ فِيمَن يَرى فِيهِ نَوْعَ سَبْعِيَّةٍ، ولا تَزالُوا كَذَلِكَ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أيْ: إلى انْقِضاءِ الحَرْبِ. و(الأوْزارُ): كالأحْمالِ وزْنًا ومَعْنًى، اسْتُعِيرَ لِآلاتِ الحَرْبِ الَّتِي لا تَقُومُ إلّا بِها، اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً أوْ مَكْنِيَّةً، بِتَشْبِيهِها بِإنْسانٍ يَحْمِلُ حِمْلًا عَلى رَأْسِهِ أوْ ظَهْرِهِ، وأثْبَتَ لَهُ ذَلِكَ تَخْيِيلًا، وقَدْ جاءَ ذِكْرُها في قَوْلِ الأعْشى:

؎وأعْدَدْتَ لِلْحَرْبِ أوْزارَها رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورًا

(p-٥٣٧٥)وقِيلَ: أوْزارُها آثامُها. يَعْنِي: حَتّى يَتْرُكَ أهْلُ الحَرْبِ -وهُمُ المُشْرِكُونَ- شِرْكَهم ومَعاصِيَهم بِأنْ يُسَلِّمُوا.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ - قالَ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ بَيانُ كَيْفِيَّةِ الجِهادِ.

الثّانِي - لِلسَّلَفِ قَوْلانِ في أنَّ الآيَةَ: مَنسُوخَةٌ، أوْ مُحْكَمَةٌ.

فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قالُوا: فَلَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ عَهْدٌ ولا ذِمَّةٌ بَعْدَ بَراءَةٍ، وانْسِلاخِ الأشْهُرِ الحُرُمِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ، والحَسَنِ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لَيْسَتْ مَنسُوخَةً، وأنَّهُ لا يَجُوزُ قَتْلُ الأسِيرِ، وإنَّما لَهُ المَنُّ أوِ الفِداءُ.

ووَجْهُ مَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ تَعارُضُ الآيَتَيْنِ عِنْدَهُ بادِئَ بَدْءٍ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا القَوْلُ بِإحْداهُما وهي المُطْلَقَةُ.

ومَدْرَكُ الثّانِي أنَّ الأمْرَ بِقَتْلِهِمُ المُجْمَلِ في آياتٍ، مَحْمُولٌ عَلى المُفَصَّلِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، أيْ: إنَّ القَتْلَ عِنْدَ اللِّقاءِ، ثُمَّ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ المَنُّ أوِ الفِداءُ لا غَيْرُ، إلّا أنْ تَبْدُوَ مَصْلَحَةٌ في القَتْلِ، فَتِلْكَ مِن بابٍ آخَرَ.

وثُمَّ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو كَوْنُ الآيَةِ مُحْكَمَةً مَعَ تَفْوِيضِ الأمْرِ إلى الإمامِ، وأنَّ ذِكْرَ المَنِّ والفِداءِ لا يُنافِي جَوازَ القَتْلِ، لِعِلْمِهِ مِن آياتٍ أُخَرَ، لا سِيَّما ومَرْجِعُ الأمْرِ إلى المَصْلَحَةِ. وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي أخْتارُهُ، وإذا دارَ الأمْرُ في الآيِ بَيْنَ الإحْكامِ والنَّسْخِ، فالأوَّلُ هو المُرَجَّحُ. وقَدْ لا يَتَعارَضُ قَوْلُ مَن قالَ بِالنَّسْخِ مَعَ الذّاهِبِ إلى الإحْكامِ، لِما قَدَّمْناهُ في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ، مِن تَغايُرِ اصْطِلاحِ السَّلَفِ، والأُصُولِيِّينَ في النَّسْخِ.

(p-٥٣٧٦)ثُمَّ رَأيْتُ ابْنَ جَرِيرٍ سَبَقَنِي في تَرْجِيحِ ذَلِكَ، وعِبارَتُهُ:

والصَّوابُ مِنَ القَوْلِ عِنْدَنا في ذَلِكَ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ. وذَلِكَ أنَّ صِفَةَ النّاسِخِ والمَنسُوخِ، أنَّهُ ما لَمْ يَجُزِ اجْتِماعُ حُكْمَيْهِما في حالٍ واحِدَةٍ، أوْ ما قامَتِ الحُجَّةُ بِأنَّ أحَدَهُما ناسِخٌ الآخَرَ، وغَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ أنْ يَكُونَ جَعْلُ الخِيارِ في المَنِّ، والفِداءِ، والقَتْلِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وإلى القائِمِينَ بَعْدَهُ بِأمْرِ الأُمَّةِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ القَتْلُ مَذْكُورًا في هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ قَدْ أذِنَ بِقَتْلِهِمْ في آيَةٍ أُخْرى، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الآيَةَ. بَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ كانَ يَفْعَلُ فِيمَن صارَ أسِيرًا في يَدِهِ مِن أهْلِ الحَرْبِ، فَيَقْتُلُ بَعْضًا، ويُفادِي بِبَعْضٍ، ويَمُنُّ عَلى بَعْضٍ، مِثْلَ يَوْمِ بَدْرٍ: قَتَلَ عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، وقَدْ أُتِيَ بِهِ أسِيرًا. وقَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ وقَدْ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدٍ، وصارُوا في يَدِهِ سَلَمًا، وهو عَلى فِدائِهِمْ والمَنِّ عَلَيْهِمْ قادِرٌ، وفادى بِجَماعَةٍ، أُسارى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُسِرُوا بِبَدْرٍ، ومَنَّ عَلى ثُمامَةَ بْنِ أثالٍ الحَنَفِيُّ، وهو أسِيرٌ في يَدِهِ. ولَمْ يَزَلْ ذَلِكَ ثابِتًا مِن سَيْرِهِ في أهْلِ الحَرْبِ، مِن لَدُنْ أذِنَ اللَّهُ لَهُ بِحَرْبِهِمْ، إلى أنْ قَبَضَهُ إلَيْهِ ﷺ دائِمًا ذَلِكَ فِيهِمْ. وإنَّما ذَكَرَ جَلَّ ثَناؤُهُ في هَذِهِ الآيَةِ المَنَّ والفِداءَ في الأُسارى، فَخَصَّ ذِكْرَهُما فِيها، لِأنَّ الأمْرَ بِقَتْلِهِمْ والإذْنَ مِنهُ بِذَلِكَ، قَدْ كانَ تَقَدَّمَ في سائِرِ آيِ تَنْزِيلِهِ مُكَرَّرًا، فَأعْلَمَ نَبِيَّهُ ﷺ بِما ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ المَنِّ والفِداءِ، ما لَهُ فِيهِمْ مَعَ القَتْلِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ جَرِيرٍ.

الثّالِثُ -مِن فَوائِدِ الآيَةِ أيْضًا جَوازُ تَخْلِيَةِ سَبِيلِ المُشْرِكِينَ، إذا ضَعُفَتْ شَوْكَتُهُمْ، وأمِنَتْ مَفْسَدَتُهم، لِأنَّ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ المَنِّ، وقَبُولِ الفِداءِ، والقَوْلُ بِإبادَةِ خَضْرائِهِمْ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٌ، يُنافِيهِ نَصُّ هَذِهِ الآيَةِ، وقَبُولُ النَّبِيِّ ﷺ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ وهم مُشْرِكُونَ، فَتَفَهَّمْ.

(p-٥٣٧٧)وبِالجُمْلَةِ، فالَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الأئِمَّةُ المُحَقِّقُونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، أنَّ الأمِيرَ يُخَيَّرُ، بَعْدَ الظَّفْرِ تَخْيِيرَ مُصْلَحَةٍ لا شَهْوَةٍ في الأُسَراءِ المُقاتِلِينَ، بَيْنَ قِتالٍ واسْتِرْقاقٍ، ومَنٍّ وفِداءٍ. ويَجِبُ عَلَيْهِ اخْتِيارُ الأصْلَحِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ يَتَصَرَّفُ لَهم عَلى سَبِيلِ النَّظَرِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَرْكُ ما فِيهِ الحَظُّ، كَوَلِيِّ اليَتِيمِ، لِأنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ قَدْ تَكُونُ أصْلَحَ في بَعْضِ الأسْرى. فَإنَّ مِنهم مَن لَهُ قُوَّةٌ ونِكايَةٌ في المُسْلِمِينَ، فَقَتْلُهُ أصْلَحُ. ومِنهُمُ الضَّعِيفُ ذُو المالِ الكَثِيرِ، فَفِداؤُهُ أصْلَحُ، ومِنهم حَسَنُ الرَّأْيِ في المُسْلِمِينَ، يُرْجى إسْلامُهُ، فالمَنُّ عَلَيْهِ أوْلى، ومَن يُنْتَفَعُ بِخِدْمَتِهِ، ويُؤْمَنُ شَرُّهُ، اسْتِرْقاقُهُ أصْلَحُ -كَما في (شَرْحِ الإقْناعِ).

الرّابِعُ -تُسَنُّ دَعْوَةُ الكُفّارِ إلى الإسْلامِ قَبْلَ القِتالِ لِمَن بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ، قَطْعًا لِحُجَّتِهِ. ويَحْرُمُ القِتالُ قَبْلَها لِمَن لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ بْنِ الحَصِيبِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا بَعَثَ أمِيرًا عَلى سَرِيَّةٍ أوْ جَيْشٍ، أمَرَهُ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى في خاصَّةِ نَفْسِهِ، وبِمَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ. وقالَ: «إذا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فادْعُهم إلى إحْدى ثَلاثٍ، فَإنْ هم أجابُوكَ إلَيْها فاقْبَلْ مِنهُمْ، وكُفَّ عَنْهُمُ: ادْعُهم إلى الإسْلامِ، فَإنْ أجابُوكَ فاقْبَلْ مِنهُمْ، وكُفَّ عَنْهُمْ، فَإنْ هم أبَوْا فادْعُهم إعْطاءَ الجِزْيَةِ، فَإنْ أجابُوكَ فاقْبَلْ مِنهُمْ، وكُفَّ عَنْهم. فَإنْ أبَوْا فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وقاتِلْهم»» رَواهُ مُسْلِمٌ.

وقَيَّدَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ وُجُوبَ الدَّعْوَةِ واسْتِحْبابَها، بِما قَصَدَهُمُ المُسْلِمُونَ. أمّا إذا كانَ الكُفّارُ قاصِدِينَ المُسْلِمِينَ بِالقِتالِ، فَلِلْمُسْلِمِينَ قِتالُهم مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ، دَفْعًا عَنْ نُفُوسِهِمْ، وحَرِيمِهِمْ، وأمْرُ الجِهادِ مَوْكُولٌ إلى الإمامِ واجْتِهادِهِ، لِأنَّهُ أعْرَفُ بِحالِ النّاسِ، وبِحالِ العَدُوِّ، ونِكايَتِهِمْ، وقُرْبِهِمْ، وبُعْدِهِمْ - كَما في (شَرْحِ الإقْناعِ).

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ. أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. أوْ مَفْعُولٌ لِمُقَدَّرٍ: ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ أيْ: لانْتَقَمَ مِنهم بِعُقُوبَةٍ عاجِلَةٍ، وكَفاكم ذَلِكَ كُلَّهُ. ﴿ولَكِنْ لِيَبْلُوَ (p-٥٣٧٨)بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أيْ: لِيَخْتَبِرَكم بِهِمْ، فَيَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ فَيُثِيبَهُمْ، ويَبْلُوهم بِكُمْ، فَيُعاقِبُ بِأيْدِيكم مَن شاءَ مِنهم حَتّى يُنِيبَ إلى الحَقِّ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا﴾ أيِ: اسْتُشْهِدُوا. وقُرِئَ: قاتَلُوا: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾

47:5–6Page 507

سَيَهۡدِيهِمۡ وَيُصۡلِحُ بَالَهُمۡ ٥

He will guide them and amend their condition

وَيُدۡخِلُهُمُ ٱلۡجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمۡ ٦

And admit them to Paradise, which He has made known to them.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥_٦] ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ [محمد: ٦] .

﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ [محمد: ٦] أيْ: بَيَّنَها لَهم في كَثِيرٍ مِن آياتِهِ، تَعْرِيفًا يُشَوِّقُ كُلَّ مُؤْمِنٍ أنْ يَسْعى لَها.

47:7Page 507

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ٧

O you who have believed, if you support Allāh, He will support you and plant firmly your feet.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ أيِ: الظَّفَرُ والتَّمْكِينُ في الأرْضِ، وإرْثُ دِيارِ العَدُوِّ.

47:8–9Page 507

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٨

But those who disbelieve - for them is misery, and He will waste their deeds.

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٩

That is because they disliked what Allāh revealed, so He rendered worthless their deeds.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨ - ٩] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهم وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] .

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ أيْ: خِزْيًا وشَقاءً. وأصْلُهُ مِنَ السُّقُوطِ عَلى الوَجْهِ، كالكَبِّ ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: جَعَلَها عَلى غَيْرِ هُدًى واسْتِقامَةٍ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ [محمد: ٩] أيْ: مِنَ الحَقِّ، وشايَعُوا ما ألَّفُوهُ مِنَ الباطِلِ ﴿فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] كَعِبادَتِهِمْ لِأوْثانِهِمْ، حَيْثُ لَمْ تَنْفَعْهُمْ، بَلْ أوْبَقَهم بِها فَأصْلاهم سَعِيرًا.

(p-٥٣٧٩)

47:10Page 507

۞ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۖ وَلِلۡكَٰفِرِينَ أَمۡثَٰلُهَا ١٠

Have they not traveled through the land and seen how was the end of those before them? Allāh destroyed [everything] over them,1 and for the disbelievers is something comparable.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠] ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ .

﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَها، الرّادَّةِ نَصائِحَها ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: ما اخْتُصَّ بِهِمْ، وكانَ لَهُمْ، يُقالُ: دَمَّرَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ، ودَمَّرَهُ عَلَيْهِ: أهْلَكَ ما يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ المالِ والنَّفْسِ. فالثّانِي أبْلَغُ، لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ، لِجَعْلِ مَفْعُولِهِ نَسْيًا مَنسِيًّا، فَيَتَناوَلُ نَفْسَهُ، وكُلَّ ما يَخْتَصُّ بِهِ. والإتْيانُ بِـ: (عَلى)؛ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى (أطْبَقَ عَلَيْهِ)، أيْ: أوْقَعَهُ عَلَيْهِمْ مُحِيطًا بِهِمْ، أوْ هَجَمَ الهَلاكُ عَلَيْهِمْ ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ يَعْنِي المُكَذِّبِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ﴿أمْثالُها﴾ أيْ: أمْثالُ عاقِبَةِ تَكْذِيبِ الأُمَمِ السّالِفَةِ.

47:11–12Page 507

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ ١١

That is because Allāh is the protector of those who have believed and because the disbelievers have no protector.

إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ ١٢

Indeed, Allāh will admit those who have believed and done righteous deeds to gardens beneath which rivers flow, but those who disbelieve enjoy themselves and eat as grazing livestock eat, and the Fire will be a residence for them.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] .

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أيْ: لا ناصِرَ لَهم يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ، إذا حاقَ بِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ [محمد: ١٢] أيْ: غَيْرُ مُفَكِّرِينَ في المَعادِ، ولا مُعْتَبِرِينَ بِسُنَّةِ اللَّهِ، كَغَفْلَةِ الأنْعامِ عَنِ النَّحْرِ والذَّبْحِ، فَلا هم لَهم إلّا الِاعْتِلافُ دُونَ غَيْرِهِ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] أيْ: مَأْواهم بَعْدَ مَماتِهِمْ.

(p-٥٣٨٠)

47:13–14Page 508

وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةٗ مِّن قَرۡيَتِكَ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَتۡكَ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ ١٣

And how many a city was stronger than your city [i.e., Makkah] which drove you out? We destroyed them; and there was no helper for them.

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم ١٤

So is he who is on clear evidence from his Lord like him to whom the evil of his work has been made attractive and they follow their [own] desires?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣_١٤] ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ [محمد: ١٤] .

﴿وكَأيِّنْ﴾ أيْ: وكَمْ: ﴿مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ: ﴿أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ [محمد: ١٤] أيْ: عَلى بُرْهانٍ، وحُجَّةٍ، وبَيانٍ مِن أمْرِ رَبِّهِ، والعِلْمِ بِوَحْدانِيَّتِهِ، فَهو يَعْبُدُهُ عَلى بَصِيرَةٍ مِنهُ ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [محمد: ١٤] أيْ: فَأراهُ إيّاهُ الشَّيْطانُ حَسَنًا، فَهو مُقِيمٌ عَلَيْهِ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ [محمد: ١٤]

47:15Page 508

مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ ١٥

Is the description of Paradise, which the righteous are promised, wherein are rivers of water unaltered,1 rivers of milk the taste of which never changes, rivers of wine delicious to those who drink, and rivers of purified honey, in which they will have from all [kinds of] fruits and forgiveness from their Lord... [Are its inhabitants] like those who abide eternally in the Fire and are given to drink scalding water that will sever their intestines?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥] ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ .

﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ أيْ: مُتَغَيِّرِ الرِّيحِ: ﴿وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ أيْ: مِنَ القَذى، وما يُوجَدُ مِن عَسَلِ الدُّنْيا: ﴿ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ أيْ: مِن فَرْطِ حَرارَتِهِ.

(p-٥٣٨١)لَطِيفَةٌ:

﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿كَمَن هو خالِدٌ﴾ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ إنْكارِ ومُضافٍ؛ أيْ: أمَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ كَمَثَلِ مَن هو خالِدٌ. أوْ أمَثَلُ الجَنَّةِ كَمَثَلِ جَزاءِ مَن هو خالِدٌ. فَلَفْظُ الآيَةِ، وإنْ كانَ في صُورَةِ الإثْباتِ، هو في مَعْنى الإنْكارِ والنَّفْيِ، لِانْطِوائِهِ تَحْتَ حُكْمِ كَلامٍ مُصَدَّرٍ بِحَرْفِ الإنْكارِ، وانْسِحابِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ﴾ [محمد: ١٤] إلَخْ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ قَرِينَةٌ عَلى هَذا، وإنَّما هو مِنَ السِّياقِ، وإنَّ فِيهِ جَزالَةَ المَعْنى، وثَمَّ أعارِيبُ أُخَرُ، هَذا أمْتَنُها.

47:16Page 508

وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ ١٦

And among them, [O Muḥammad], are those who listen to you, until when they depart from you, they say to those who were given knowledge,1 "What has he said just now?" Those are the ones of whom Allāh has sealed over their hearts and who have followed their [own] desires.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ .

﴿ومِنهُمْ﴾ أيْ: ومِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ: ﴿مَن﴾ أيْ: كافِرٌ مُنافِقٌ: ﴿يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: مِنَ الصَّحابَةِ، اسْتِهْزاءٌ بِما سَمِعُوهُ مِنَ المَتْلُوِّ، وتَهاوُنًا بِهِ: ﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ أيِ: السّاعَةَ. هَلْ فِيهِ هُدًى؟ فَإنْ بَيَّنُوهُ لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِنهُ شَيْئًا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: فَلا يَدْخُلُها الهُدى لِإبائِهِمْ عَنْهُ: ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ أيْ: آراءَهُمْ، لا ما يَدْعُو إلَيْهِ البُرْهانُ.

47:17Page 508

وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ ١٧

And those who are guided - He increases them in guidance and gives them their righteousness.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧] ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ .

﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ أيْ: بِاتِّباعِ الحَقِّ، والمَشْيِ مَعَ الحُجَّةِ: ﴿زادَهم هُدًى﴾ أيْ: بَيانًا لِحَقِيقَةِ ما جاءَهُمْ: ﴿وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ أيْ: أعانَهم عَلَيْها. أوْ آتاهم جَزاءَ تَقْواهُمْ، أوْ بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ.

(p-٥٣٨٢)

47:18Page 508

فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗۖ فَقَدۡ جَآءَ أَشۡرَاطُهَاۚ فَأَنَّىٰ لَهُمۡ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ ذِكۡرَىٰهُمۡ ١٨

Then do they await except that the Hour should come upon them unexpectedly? But already there have come [some of] its indications. Then how [i.e., what good] to them, when it has come, will be their remembrance?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨] ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أشْراطُها فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾ .

﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: أماراتُ اقْتِرابِها، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧] وكَقَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] فَبَعْثَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، لِأنَّهُ خاتَمُ الرُّسُلِ، الَّذِي أكْمَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِ الدِّينَ، وأقامَ بِهِ الحُجَّةَ عَلى العالَمِينَ. وقَدْ أخْبَرَ ﷺ بِأماراتِ السّاعَةِ وأشْراطِها، وأبانَ عَنْ ذَلِكَ وأوْضَحَهُ، بِما لَمْ يُؤْتَهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، كَما هو مَبْسُوطٌ في مَوْضِعِهِ.

وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: بِعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وهو كَما قالَ، ولِهَذا جاءَ في أسْمائِهِ ﷺ أنَّهُ نَبِيُّ التَّوْبَةِ، ونَبِيُّ المَلْحَمَةِ، والحاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلى قَدَمَيْهِ، والعاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ.

رَوى البُخارِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ بِإصْبَعَيْهِ هَكَذا -بِالوُسْطى، والَّتِي تَلِيها-: «بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ».

﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾ أيْ: ذِكْرى ما قَدْ ضَيَّعُوا وفَرَّطُوا فِيهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ. يَعْنِي: أنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِوَقْتٍ يَنْفَعُهم فِيهِ التَّذَكُّرُ والنَّدَمُ؛ لِأنَّهُ وقْتُ مُجازاةٍ، لا وقْتُ اسْتِعْتابٍ واسْتِعْمالٍ.

(p-٥٣٨٣)

47:19Page 508

فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ ١٩

So know, [O Muḥammad], that there is no deity except Allāh and ask forgiveness for your sin1 and for the believing men and believing women. And Allāh knows of your movement and your resting place.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩] ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ﴾ .

﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فاعْلَمْ يا مُحَمَّدُ أنَّهُ لا مَعْبُودَ تَنْبَغِي أوْ تَصْلُحُ لَهُ الأُلُوهِيَّةُ ويَجُوزُ لَكَ ولِلْخَلْقِ عِبادَتُهُ، إلّا اللَّهُ الَّذِي هو خالِقُ الخَلْقِ، ومالِكُ كُلِّ شَيْءٍ. يَدِينُ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ كُلُّ ما دُونَهُ. والفاءُ فَصِيحَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مَعْلُومٍ، مِمّا مَرَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا، مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ.

قالَ السُّيُوطِيُّ: وقَدِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ بِوُجُوبِ النَّظَرِ، وإبْطالِ التَّقْلِيدِ في العَقائِدِ، ومَن قالَ بِأنَّ أوَّلَ الواجِباتِ، المَعْرِفَةُ قَبْلَ الإقْرارِ.

﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وسَلْ رَبَّكَ غُفْرانَ سالِفِ ذُنُوبِكَ وحادِثِها، وذُنُوبِ أهْلِ الإيمانِ بِكَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ. قالَ الشِّهابُ: وإنَّما أُعِيدَ الجارُّ؛ لِأنَّ ذُنُوبَهم جِنْسٌ آخَرُ غَيْرُ ذَنْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّ ذُنُوبَهم مَعاصٍ كَبائِرُ وصَغائِرُ، وذَنْبَهُ تَرْكُ الأوْلى.

وقالَ السُّيُوطِيُّ: اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن أجازَ الصَّغائِرَ عَلى الأنْبِياءِ. انْتَهى.

والمَسْألَةُ مَبْسُوطَةٌ بِأقْوالِها، وما لَها وما عَلَيْها في (الفَصْلِ) لِابْنِ حَزْمٍ، فارْجِعْ إلَيْهِ.

وفِي الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وجَهْلِي، وإسْرافِي (p-٥٣٨٤)فِي أمْرِي، وما أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي، وجِدِّي، وخَطايايَ، وعَمْدِي، وكُلَّ ذَلِكَ عِنْدِي»» .

وفِي الصَّحِيحِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ في آخِرِ الصَّلاةِ: ««اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ما قَدَّمْتُ وما أخَّرْتُ، وما أسْرَرْتُ وما أعْلَنْتُ، وما أسْرَفْتُ، وما أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي. أنْتَ إلَهِي لا إلَهَ إلّا أنْتَ»» .

وفِي الصَّحِيحِ أنَّهُ قالَ: ««يا أيُّها النّاسُ! تُوبُوا إلى رَبِّكُمْ، فَإنِّي أسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأتُوبُ إلَيْهِ في اليَوْمِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً»» .

﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ﴾ أيْ: مُتَصَرَّفَكم فِيما تَتَصَرَّفُونَ فِيهِ، وإقامَتَكم عَلى ما تُقِيمُونَ عَلَيْهِ مِنَ الأقْوالِ والأعْمالِ، فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском