Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
الأحزاب
Al-Ahzab
The Combined Forces · Medinan · 73 ayahs
33:1Page 418
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١
O Prophet, fear Allāh and do not obey the disbelievers and the hypocrites. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
(p-٤٨٢١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأحْزابِ
سُمِّيَتْ بِها، لِأنَّ قِصَّتَها مُعْجِزَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. مُتَضَمِّنَةٌ لِنَصْرِهِ بِالرِّيحِ والمَلائِكَةِ. بِحَيْثُ كَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ. وقَدْ مَيَّزَ بِهِمْ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ. وآياتُها ثَلاثٌ وسَبْعُونَ آيَةً. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَقَدْ رَأيْتُها وإنَّها تُعادِلُ سُورَةَ البَقَرَةِ. ولَقَدْ قَرَأْنا فِيها (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو يَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ كانَ فِيها قُرْآنٌ ثُمَّ نُسِخَ لَفْظُهُ وحُكْمُهُ أيْضًا.
واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
قُلْتُ: كانَ يَصِحُّ هَذا الِاقْتِضاءُ، لَوْ كانَ هَذا الأثَرُ صَحِيحًا. أمّا ولَمْ يُخْرِجْهُ أرْبابُ الصِّحاحِ، فَهو مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ.
(p-٤٨٢٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ نُودِيَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِوَصْفِهِ دُونَ اسْمِهِ، تَعْظِيمًا لَهُ. وبابُ المُخاطَبَةِ يُعْدَلُ فِيها عَنِ النِّداءِ بِالِاسْمِ تَكْرِيمًا لِلْمُخاطَبِ، ولا كَذَلِكَ بابُ الأخْبارِ فَقَدْ يُصَرَّحُ فِيها بِالِاسْمِ، والتَّعْظِيمُ باقٍ كَآيَةِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] لِتَعْلِيمِ النّاسِ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وتَلْقِينِهِمْ أنْ يُسَمُّوهُ بِذَلِكَ، ويَدْعُوهُ بِهِ، وأمْرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّقْوى تَفْخِيمًا وتَعْظِيمًا لِلتَّقْوى نَفْسِها، حَيْثُ أُمِرَ بِها مِثْلُهُ؛ فَإنَّ مَراتِبَها لا تَنْتَهِي، مَعَ أنَّ المَقْصُودَ الدَّوامُ والثَّباتُ عَلَيْها، ولَمْ يَجْعَلِ الأمْرَ لِأُمَّتِهِ كَما في نَظائِرِهِ؛ لِأنَّ سِياقَ ما بَعْدَهُ لِأمْرٍ يَخُصُّهُ، كَقِصَّةِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ أيْ: لا تُوافِقْهم عَلى أمْرٍ، ولا تَقْبَلْ لَهم رَأْيًا ولا مَشُورَةً، وجانِبْهم واحْتَرِسْ مِنهُمْ؛ فَإنَّهم أعْداءُ اللَّهِ وأعْداءُ المُؤْمِنِينَ، لا يُرِيدُونَ إلّا المُضارَّةَ والمُضادَّةَ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: فَهو أحَقُّ بِأنْ تُتَّبَعَ أوامِرُهُ ويُطاعَ؛ لِأنَّهُ العَلِيمُ بِعَواقِبِ الأُمُورِ، وبِالمَصالِحِ مِنَ المَفاسِدِ، والحَكِيمُ الَّذِي لا يَفْعَلُ شَيْئًا، ولا يَأْمُرُ بِهِ، إلّا بِداعِي الحِكْمَةِ.
33:2–4Page 418
وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٢
And follow that which is revealed to you from your Lord. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٣
And rely upon Allāh; and sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1
مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ ٤
Allāh has not made for a man two hearts in his interior. And He has not made your wives whom you declare unlawful1 your mothers. And He has not made your claimed [i.e., adopted] sons your [true] sons. That is [merely] your saying by your mouths, but Allāh says the truth, and He guides to the [right] way.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢ - ٤] ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (p-٤٨٢٣)﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [الأحزاب: ٣] ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]
﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: في تَرْكِ طاعَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [الأحزاب: ٣] أيْ: أسْنِدْ أمْرَكَ إلَيْهِ، وكِلْهُ إلى تَدْبِيرِهِ، فَكَفى بِهِ حافِظًا مَوْكُولًا إلَيْهِ كُلَّ أمْرٍ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ما جَمَعَ اللَّهُ قَلْبَيْنِ في جَوْفٍ، ولا زَوْجِيَّةً وأُمُومَةً في امْرَأةٍ، ولا بُنُوَّةً ودَعْوَةً في رَجُلٍ. والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ، كَما لَمْ يَرَ في حِكْمَتِهِ أنْ يَجْعَلَ لِلْإنْسانِ قَلْبَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَفْعَلَ بِأحَدِهِما مِثْلَ ما يَفْعَلُ بِالآخَرِ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَأحَدُهُما فَضْلَةٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْها- وإمّا أنْ يَفْعَلَ بِهَذا غَيْرَ ما يَفْعَلُ بِذاكَ، فَذَلِكَ يُؤَدِّي إلى اتِّصافِ الجُمْلَةِ بِكَوْنِهِ مُرِيدًا كارِهًا، عالِمًا ظانًّا، مُوقِنًا شاكًّا، في حالَةٍ واحِدَةٍ- لَمْ يَرَ أيْضًا أنْ تَكُونَ المَرْأةُ الواحِدَةُ أُمًّا لِرَجُلٍ زَوْجًا لَهُ؛ لِأنَّ الأُمَّ مَخْدُومَةٌ، مَخْفُوضٌ لَها جَناحُ الذُّلِّ، والزَّوْجَةَ مُسْتَخْدَمَةٌ مُتَصَرَّفٌ فِيها بِالِاسْتِفْراشِ وغَيْرِهِ، كالمَمْلُوكَةِ. وهُما حالَتانِ مُتَنافِيَتانِ.
وأنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الواحِدُ دَعِيًّا لِرَجُلٍ، وابْنًا لَهُ؛ لِأنَّ البُنُوَّةَ أصالَةُ النَّسَبِ، وعَراقَةٌ فِيهِ، والدَّعْوَةُ إلْصاقٌ عارِضٌ بِالتَّسْمِيَةِ لا غَيْرَ، ولا يَجْتَمِعُ في الشَّيْءِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ أصِيلًا غَيْرَ أصِيلٍ، وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ في (زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ)، وهو رَجُلٌ مِن كَلْبٍ سُبِيَ صَغِيرًا، وكانَتِ العَرَبُ في جاهِلِيَّتِها يَتَغاوَرُونَ ويَتَسابَوْنَ، فاشْتَراهُ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ، فَلَمّا تَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهَبَتْهُ لَهُ، وطَلَبَهُ أبُوهُ وعَمُّهُ فَخُيِّرَ، فاخْتارَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأعْتَقَهُ، وكانُوا يَقُولُونَ: (زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ). فَأنْزَلَ اللَّهُ (p-٤٨٢٤)هَذِهِ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]
والتَّنْكِيرُ فِي: (رَجُلٍ)، وإدْخالُ (مِن)، الِاسْتِغْراقِيَّةِ عَلى (قَلْبَيْنِ)، تَأْكِيدانِ لِما قَصَدَ مِنَ المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِأُمَّةِ الرِّجالِ، ولا لِواحِدٍ مِنهُمْ، قَلْبَيْنِ البَتَّةَ في جَوْفِهِ.
وفائِدَةُ ذِكْرِ (الجَوْفِ)، كالفائِدَةِ في قَوْلِهِ: ﴿القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] وذَلِكَ ما يَحْصُلُ لِلسّامِعِ مِن زِيادَةِ التَّصَوُّرِ والتَّجَلِّي لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا سَمِعَ بِهِ، صَوَّرَ لِنَفْسِهِ جَوْفًا يَشْتَمِلُ عَلى قَلْبَيْنِ فَكانَ أسْرَعَ إلى الإنْكارِ. ومَعْنى: (ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ)، قالَ لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. وكانَ الظِّهارُ طَلاقًا عِنْدَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، فَكانُوا يَتَجَنَّبُونَ المَرْأةَ المُظاهَرِ مِنها، كَما يَتَجَنَّبُونَ المُطَلَّقَةَ، وهو في الإسْلامِ يَقْتَضِي الطَّلاقَ والحُرْمَةَ إلى أداءِ الكَفّارَةِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: وخَصُّوا (الظَّهْرَ)؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الرُّكُوبِ. والمَرْأةُ تُرْكَبُ إذا غُشِيَتْ، فَهو كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ، انْتَقَلَ مِنَ الظَّهْرِ إلى المَرْكُوبِ، ومِنهُ إلى المَغْشِيِّ. والمَعْنى: أنْتِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ لا تُرْكَبِينَ كَما لا تُرْكَبُ الأُمُّ. كَذا في (الكَشْفِ).
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] إشارَةٌ إلى كُلِّ ما ذُكِرَ؛ أيْ: مِن كَوْنِهِ لَيْسَ لِأحَدٍ قَلْبانِ، ولَيْسَتِ الأزْواجُ أُمَّهاتٍ، ولا الأدْعِياءُ أبْناءً، أوْ إلى الأخِيرِ فَقَطْ وهو الدَّعْوَةُ: ﴿قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] أيْ: لا حَقِيقَةَ لَهُ فَلا يَقْتَضِي دَعْواكم ذَلِكَ، أنْ يَكُونَ ابْنًا حَقِيقِيًّا؛ فَإنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن صُلْبِ رَجُلٍ آخَرَ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ أبَوانِ، كَما لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِبَشَرٍ واحِدٍ قَلْبانِ: ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ [الأحزاب: ٤] أيِ: الثّابِتَ المُحَقَّقَ في نَفْسِ الأمْرِ: ﴿وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] أيْ: سَبِيلَ الحَقِّ.
33:5Page 418
ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٥
Call them1 by [the names of] their fathers; it is more just in the sight of Allāh. But if you do not know their fathers - then they are [still] your brothers in religion and those entrusted to you. And there is no blame upon you for that in which you have erred but [only for] what your hearts intended. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم (p-٤٨٢٥)فِي الدِّينِ ومَوالِيكم ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهِ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ أيِ: انْسُبُوهم إلَيْهِمْ، وهو إفْرادٌ لِلْمَقْصُودِ مِن أقْوالِهِ تَعالى الحَقَّةِ: ﴿هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: أعْدَلُ وأحْكَمُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا الأمْرُ ناسِخٌ لِما كانَ في ابْتِداءِ الإسْلامِ، مِن جَوازِ ادِّعاءِ الأبْناءِ الأجانِبِ وهُمُ الأدْعِياءُ، فَأمَرَ تَبارَكَ وتَعالى بِرَدِّ نَسَبِهِمْ إلى آبائِهِمْ في الحَقِيقَةِ، وأنَّ هَذا هو العَدْلُ والقِسْطُ والبِرُّ. رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: إنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما كُنّا نَدْعُوهُ إلّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ.
وقَدْ كانُوا يُعامِلُونَهم مُعامَلَةَ الأبْناءِ مِن كُلِّ وجْهٍ، في الخَلْوَةِ بِالمَحارِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولِهَذا «قالَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ، امْرَأةُ أبِي حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنّا نَدْعُو سالِمًا ابْنًا، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ ما أنْزَلَ، وإنَّهُ كانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ، وإنِّي أجِدُ في نَفْسِ أبِي حُذَيْفَةَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا. فَقالَ ﷺ: «أرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ..»» الحَدِيثُ. ولِهَذا لَمّا نُسِخَ هَذا الحُكْمُ، أباحَ تَبارَكَ وتَعالى زَوْجَةَ الدَّعِيِّ، وتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، مُطَلَّقَةِ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقالَ تَبارَكَ وتَعالى في آيَةِ التَّحْرِيمِ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] احْتِرازًا عَنْ زَوْجَةِ الدَّعِيِّ، فَإنَّهُ لَيْسَ مِنَ الصُّلْبِ.
(p-٤٨٢٦)فَأمّا الِابْنُ مِنَ الرَّضاعَةِ، فَمُنْزَلٌ مَنزِلَةَ ابْنِ الصُّلْبِ شَرْعًا، بِقَوْلِهِ ﷺ في (الصَّحِيحَيْنِ): ««حَرِّمُوا مِنَ الرَّضاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»» .
فَأمّا دَعْوَةُ الغَيْرِ ابْنًا، عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيمِ والتَّحْبِيبِ، فَلَيْسَ مِمّا نَهى عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ، بِدَلِيلِ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ، إلّا التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: قالَ: «قَدَّمْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ عَلى جَمَراتٍ لَنا مِن (جَمْعٍ) فَجَعَلَ يَلْطَحُ أفْخاذَنا ويَقُولُ: «أُبَيْنِيَّ! تَرْمُوا الجَمْرَةَ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»» .
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: (أُبَيْنِيَّ)، تَصْغِيرُ (ابْنِي). وهَذا ظاهِرُ الدَّلالَةِ؛ فَإنَّ هَذا في حِجَّةِ الوَداعِ سَنَةَ عَشْرٍ.
وفِي مُسْلِمٍ «عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا بُنَيَّ»» . رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ.
وفِي ذَهابِهِ إلى أنَّ الأمْرَ في الآيَةِ ناسِخٌ نَظَرٌ؛ لِأنَّ النّاسِخَ لا بُدَّ أنْ يَرْفَعَ خِطابًا مُتَقَدِّمًا، وأمّا ما لا خِطابَ فِيهِ سابِقًا، بَلْ ورَدَ حُكْمًا مُبْتَدَأً رَفَعَ البَراءَةَ الأصْلِيَّةَ، فَلا يُسَمّى نَسْخًا اصْطِلاحًا. فاحْفَظْهُ؛ فَإنَّهُ مُهِمٌّ ومُفِيدٌ في عِدَّةِ مَواضِعَ.
(p-٤٨٢٧)ولَمّا أمَرَ تَعالى بِرَدِّ أنْسابِ الأدْعِياءِ إلى آبائِهِمْ، إنْ عُرِفُوا، أشارَ إلى دَعْوَتِهِمْ بِالإخْوَةِ والمَوْلَوِيَّةِ إنْ لَمْ يُعْرَفُوا، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ﴾ أيْ: فَتَنْسُبُوهم إلَيْهِمْ: ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ أيْ: فَهم إخْوانُكُمْ: ﴿فِي الدِّينِ ومَوالِيكُمْ﴾ أيْ: أوْلِياؤُكم فِيهِ؛ أيْ: فَقُولُوا: هَذا أخِي، وهَذا مَوْلايَ، ويا أخِي ويا مَوْلايَ: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أيْ إثْمٌ: ﴿فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: فِيما فَعَلْتُمُوهُ مِن نِسْبَةِ بَعْضِهِمْ إلى غَيْرِ أبِيهِ في الحَقِيقَةِ، مُخْطِئِينَ بِالسَّهْوِ أوِ النِّسْيانِ، أوْ سَبْقِ اللِّسانِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ وضَعَ الحَرَجَ في الخَطَأِ، ورَفَعَ إثْمَهُ: ﴿ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أيْ: فَفِيهِ الجُناحُ؛ لِأنَّ مَن تَعَمَّدَ الباطِلَ كانَ آثِمًا: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: لِعَفْوِهِ عَنِ المُخْطِئِ.
33:6Page 418
ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٦
The Prophet is more worthy of the believers than themselves,1 and his wives are [in the position of] their mothers. And those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allāh than the [other] believers and the emigrants, except that you may do to your close associates a kindness [through bequest]. That was in the Book2 inscribed.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾
﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في كُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، وحُكْمُهُ أنْفَذُ عَلَيْهِمْ مِن حُكْمِها، وحَقُّهُ آثَرُ لَدَيْهِمْ مِن حُقُوقِها، وشَفَقَتُهم عَلَيْهِ أقْدَمُ مِن شَفَقَتِهِمْ عَلَيْها، وأنْ يَبْذُلُوها دُونَهُ، ويَجْعَلُوها فِداءَهُ إذا أعْضَلَ خَطْبٌ، ووِقاءَهُ إذا لَقِحَتْ حَرْبٌ، وأنْ لا يَتَّبِعُوا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ نُفُوسُهُمْ، ولا ما تَصْرِفُهم عَنْهُ، ويَتَّبِعُوا كُلَّ ما دَعاهم إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وصَرَفَهم عَنْهُ؛ لِأنَّ كُلَّ ما دَعا إلَيْهِ فَهو إرْشادٌ لَهم إلى نَيْلِ النَّجاةِ، والظَّفَرِ بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، وما صَرَفَهم عَنْهُ، فَأخَذَ بِحَجْزِهِمْ لِئَلّا يَتَهافَتُوا فِيما يَرْمِي بِهِمْ إلى الشَّقاوَةِ وعَذابِ النّارِ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ (p-٤٨٢٨)لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وفي (الصَّحِيحِ): ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ، ومالِهِ، ووَلَدِهِ، والنّاسِ أجْمَعِينَ»»: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: في وُجُوبِ تَعْظِيمِهِنَّ واحْتِرامِهِنَّ، وتَحْرِيمِ نِكاحِهِنَّ، وفِيما عَدا ذَلِكَ كالأجْنَبِيّاتِ؛ ولِذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولَكِنْ لا تَجُوزُ الخَلْوَةُ بِهِنَّ، ولا يَنْتَشِرُ التَّحْرِيمُ إلى بَناتِهِنَّ وأخَواتِهِنَّ بِالإجْماعِ، وإنْ سَمّى بَعْضُ العُلَماءِ بَناتِهُنَّ، أخَواتِ المُؤْمِنِينَ، كَما هو مَنصُوصُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في (المُخْتَصَرِ) وهو مِن بابِ إطْلاقِ العِبارَةِ، لا إثْباتِ الحُكْمِ، وهَلْ يُقالُ لِمُعاوِيَةَ وأمْثالِهِ، خالِ المُؤْمِنِينَ؟ فِيهِ قَوْلانِ: وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ يُقالُ ذَلِكَ. وهَلْ يُقالُ لَهُ ﷺ: أبُو المُؤْمِنِينَ؟ فِيهِ قَوْلانِ: فَصَحَّ عَنْ عائِشَةَ المَنعُ، وهو أصَحُّ الوَجْهَيْنِ لِلشّافِعِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ورُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّهُما قَرَآ: (النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهُمْ). ورُوِيَ نَحْوَ هَذا عَنْ مُعاوِيَةَ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ، واسْتَأْنَسُوا عَلَيْهِ بِالحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّما أنا لَكم بِمَنزِلَةِ الوالِدِ، أُعَلِّمُكم. فَإذا أتى أحَدُكُمُ الغائِطَ فَلا يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ولا يَسْتَدْبِرُها، ولا يَسْتَطِيبُ بِيَمِينِهِ»» . أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
﴿وأُولُو الأرْحامِ﴾ أيْ: ذَوُو القَراباتِ: ﴿بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ: فِيما فَرَضَهُ، أوْ فِيما أوْحاهُ إلى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ بَيانٌ لِأُولِي الأرْحامِ، أوْ صِلَةٌ لِـ: "أُولِي": ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ أيْ: إخْوانِكُمُ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ غَيْرِ الرَّحِمِ: ﴿مَعْرُوفًا﴾ أيْ: مِن صَدَقَةٍ ومُواساةٍ وهَدِيَّةٍ ووَصِيَّةٍ؛ فَإنَّ بَسْطَ اليَدِ في المَعْرُوفِ مِمّا حَثَّ اللَّهُ عِبادَهُ عَلَيْهِ، ويُشارِكُ فِيهِ مَعَ ذَوِي القُرْبى وغَيْرِهِمْ.
(p-٤٨٢٩)تَنْبِيهٌ:
قالَ في (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ﴾ الآيَةَ، مَن ورَّثَ ذَوِي الأرْحامِ. انْتَهى.
وهُوَ اسْتِدْلالٌ مَتِينٌ، ولَيْسَ مَعَ المُخالِفِ ما يُقاوِمُهُ، بَلْ فَهم كَثِيرُونَ أنَّ المَعْنِيَّ بِها، أنَّ القَراباتِ أوْلى بِالتَّوارُثِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وأنَّها ناسِخَةٌ لِما كانَ قَبْلَها مِنَ التَّوارُثِ بِالحَلِفِ والمُؤاخاةِ، الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُمْ، ذَهابًا إلى ما رُوِيَ عَنِ الزُّبَيْرِ وابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُهاجِرِيَّ كانَ يَرِثُ الأنْصارِيَّ، دُونَ قَراباتِهِ وذَوِي رَحِمِهِ، لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخى بَيْنَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. فَرَجَعْنا إلى مَوارِيثِنا.
إلّا أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِذَلِكَ هو مِن عُمُومِ الأوْلَوِيَّةِ، لا أنَّها خاصَّةٌ بِالمُدَّعِي فِيها، كَما أسْلَفْنا بَيانَهُ مِرارًا: ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أيْ: في القُرْآنِ، أوْ في قَضائِهِ وحُكْمِهِ، وما كَتَبَهُ وفَرَضَهُ، مُقَرِّرًا لا يَعْتَرِيهِ تَبْدِيلٌ ولا تَغْيِيرٌ.
33:7Page 419
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٧
And [mention, O Muḥammad], when We took from the prophets their covenant and from you and from Noah and Abraham and Moses and Jesus, the son of Mary; and We took from them a solemn covenant
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧] ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾
﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أيْ أخَذْنا عُهُودَهم بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، والدُّعاءِ إلى الحَقِّ، والتَّعاوُنِ والتَّناصُرِ والِاتِّفاقِ، وإقامَةِ الدِّينِ، وعَدَمِ التَّفَرُّقِ فِيهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] قالَ أبُو السُّعُودِ: وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ومِنكَ﴾ إلَخْ مَعَ انْدِراجِهِمْ (p-٤٨٣٠)فِي النَّبِيِّينَ، لِلْإيذانِ بِمَزِيدِ مَزِيَّتِهِمْ وفَضْلِهِمْ، وكَوْنِهِمْ مِن مَشاهِيرِ أرْبابِ الشَّرائِعِ، وأساطِينِ أُولِي العَزْمِ، وتَقْدِيمِ نَبِيِّنا عَلَيْهِمْ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِإبانَةِ خَطَرِهِ الجَلِيلِ. انْتَهى.
وقالَ في (الِانْتِصافِ): ولَيْسَ التَّقْدِيمُ في الذِّكْرِ بِمُقْتَضٍ لِذَلِكَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ:
؎بَهالِيلُ مِنهم جَعْفَرٌ وابْنُ أُمِّهِ عَلِيٌّ ومِنهم أحْمَدُ المُتَخَيَّرُ
فَأخَّرَ ذِكْرَ النَّبِيِّ ﷺ لِيَخْتِمَ بِهِ تَشْرِيفًا لَهُ. وإذا ثَبَتَ أنَّ التَّفْضِيلَ لَيْسَ مِن لَوازِمِهِ التَّقْدِيمُ، فَيَظْهَرُ، واللَّهُ أعْلَمُ في سِرِّ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، عَلى نُوحٍ ومَن بَعْدَهُ في الذِّكْرِ، أنَّهُ هو المُخاطَبُ مِن بَيْنِهِمْ، والمُنْزَلُ عَلَيْهِ هَذا المَتْلُوُّ، فَكانَ تَقْدِيمُهُ لِذَلِكَ.
ثُمَّ لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، جَرى ذِكْرُ الأنْبِياءِ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ عَلى تَرْتِيبِ أزْمِنَةِ وُجُودِهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
وقَدْ صَرَّحَ بِأُولِي العَزْمِ هُنا، وفي آيَةِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَهَذِهِ هي الوَصِيَّةُ الَّتِي أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ بِها ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا عَظِيمَ الشَّأْنِ، وكَيْفَ لا؟ وقَدْ يَعْتَرِضُهُ مِنَ الماكِرِينَ والمُحادِّينَ والمُشاقِّينَ، ما تَزُولُ مِنهُ الجِبالُ، لَوْلا الِاعْتِصامُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ.
33:8–9Page 419
لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٨
That He may question the truthful about their truth.1 And He has prepared for the disbelievers a painful punishment.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٩
O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when armies came to [attack] you and We sent upon them a wind and armies [of angels] you did not see. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ٩] ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩]
﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ أيْ: فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِيَسْألَ يَوْمَ القِيامَةِ الأنْبِياءَ. ووَضَعَ (p-٤٨٣١)الصّادِقِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، لِإيذانِ مَن أوَّلَ الأمْرَ، بِأنَّهم صادِقُونَ فِيما سُئِلُوا عَنْهُ، وإنَّما السُّؤالُ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ، أيْ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ الَّذِينَ صَدَقُوا عُهُودَهم عَمّا قالُوهُ لِقَوْمِهِمْ، أوْ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ إيّاها تَبْكِيتًا لَهم. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] أوِ المُصَدِّقِينَ لَهم عَنْ تَصْدِيقِهِمْ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: لِمَن كَفَرَ مِن أُمَمِهِمْ عَذابًا مُوجِعًا. ونَحْنُ -كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - نَشْهَدُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ، ونَصَحُوا الأُمَمَ، وأفْصَحُوا لَهم عَنِ الحَقِّ المُبِينِ الواضِحِ الجَلِيِّ، الَّذِي لا لَبْسَ فِيهِ ولا شَكَّ ولا امْتِراءَ، وإنْ كَذَّبَهم مَن كَذَّبَهم مِنَ الجَهَلَةِ، والمُعانِدِينَ، والمارِقِينَ، والقاسِطِينَ، فَما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ هو الحَقُّ، ومَن خالَفَهم فَهو عَلى الضَّلالِ. انْتَهى.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٩] أيْ: ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم يَوْمَ الأحْزابِ، وهو يَوْمُ الخَنْدَقِ: ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩] وهُمُ الأحْزابُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب: ٩] وهُمُ المَلائِكَةُ، أوْ ما أتى مِنَ الرِّيحِ مِن طُيُورِ الجَوِّ وجَراثِيمِهِ، المُشَوِّشَةِ لِلْقارِّ المُقَلْقِلَةِ لِلْهادِئِ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩]
33:10–13Page 419
إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠
[Remember] when they came at you from above you and from below you, and when eyes shifted [in fear], and hearts reached the throats, and you assumed about Allāh [various] assumptions.
هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ١١
There the believers were tested and shaken with a severe shaking.
وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢
And [remember] when the hypocrites and those in whose hearts is disease said, "Allāh and His Messenger did not promise us except delusion,"
وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا ١٣
And when a faction of them said, "O people of Yathrib,1 there is no stability for you [here], so return [home]." And a party of them asked permission of the Prophet, saying, "Indeed, our houses are exposed [i.e., unprotected]," while they were not exposed. They did not intend except to flee.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٣] ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا (p-٤٨٣٢)ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهم النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنَّ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]
﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن أعْلى الوادِي وأسْفَلِهِ، بِقَصْدِ التَّحَزُّبِ عَلى أنْ يَكُونُوا جُمْلَةً واحِدَةً عَلى اسْتِئْصالِ النَّبِيِّ ﷺ، وصَحْبِهِ: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ أيْ: مالَتْ عَنْ سُنَنِها ومُسْتَوى نَظَرِها، حَيْرَةً وشُخُوصًا: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ أيْ: مُنْتَهى الحُلْقُومِ؛ لِأنَّ بِالفَزَعِ تَنْتَفِخُ الرِّئَةُ فَتَرْتَفِعُ، وبِارْتِفاعِها تَرْتَفِعُ القُلُوبُ، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الغَمِّ. أوْ هو مَثَلٌ في اضْطِرابِ القُلُوبِ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ أيْ: أنْواعَ الظُّنُونِ المُخْتَلِفَةِ: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب: ١١] أيِ: اخْتُبِرُوا لِيَتَمَيَّزَ الثّابِتُ مِنَ المُتَزَلْزِلِ، والمُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ: ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] أيْ: أُزْعِجُوا أشَدَّ الإزْعاجِ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ والفَزَعِ، أوْ مِن كَثْرَةِ الأعْداءِ.
فائِدَةٌ:
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ: "الظُّنُونا" بِإثْباتِ ألِفٍ بَعْدَ النُّونِ، وبَعْدَ لامِ الرَّسُولِ، في قَوْلِهِ: ﴿وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب: ٦٦] ولامِ السَّبِيلِ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧] وصْلًا ووَقْفًا، مُوافَقَةً لِلرَّسْمِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ رُسِمَتْ في المُصْحَفِ، كَذَلِكَ، وأيْضًا فَإنَّ هَذِهِ الألِفَ تُشْبِهُ هاءَ السَّكْتِ لِبَيانِ الحَرَكَةِ. وهاءُ السَّكْتِ تَثْبُتُ وقْفًا لِلْحاجَةِ إلَيْها، وقَدْ ثَبَتَتْ وصْلًا إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ. فَكَذَلِكَ هَذِهِ الألِفُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ بِحَذْفِها في الحالَتَيْنِ؛ لِأنَّها لا أصْلَ لَها، وقَوْلُهُمْ: (أُجْرِيَتِ الفَواصِلُ مَجْرى القَوافِي). غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ؛ لِأنَّ القَوافِيَ يَلْزَمُ الوَقْفُ عَلَيْها غالِبًا، والفَواصِلُ لا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيها، فَلا تُشَبَّهُ بِها، والباقُونَ بِإثْباتِها وقْفًا، وحَذْفِها وصْلًا، إجْراءً لِلْفَواصِلِ مَجْرى القَوافِي، في ثُبُوتِ ألِفِ الإطْلاقِ، ولِأنَّها كَهاءِ السَّكْتِ، وهي تَثْبُتُ وقْفًا، وتُحْذَفُ وصْلًا. أفادَهُ السَّمِينُ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما ظَهَرَ مِنَ المُنافِقِينَ في تِلْكَ الشِّدَّةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ يَقُولُ (p-٤٨٣٣)المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ١٢] أيْ: شُبْهَةٌ، تَنَفُّسًا بِما يَجِدُونَهُ مِنَ الوَسْواسِ في نُفُوسِهِمْ، وفُرْصَةً لِانْطِلاقِ ألْسِنَتِهِمْ، بِما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ؛ لِضَعْفِ إيمانِهِمْ وشِدَّةِ ما هم فِيهِ مِن ضِيقِ الحالِ، وحَصْرِ العَدُوِّ لَهُمْ: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ١٢] أيْ: مِنَ النَّصْرِ: ﴿إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] أيْ: باطِلًا: ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] أيِ: المُنافِقِينَ: ﴿يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: ١٣] وهي أرْضُ المَدِينَةِ: ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِها، قِراءَتانِ؛ أيْ: لا إقامَةَ لَكم بَعْدَ اليَوْمِ بِالمَدِينَةِ، أوْ نَواحِيها لِغَلَبَةِ الأعْداءِ: ﴿فارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣] أيْ: إلى مَنازِلِكم مِنَ المَدِينَةِ هارِبِينَ، أوْ فارْجِعُوا عَنِ الإسْلامِ كُفّارًا لِيُمْكِنَكُمُ المَقامُ.
فائِدَةٌ:
(يَثْرِبَ) مِن أسْماءِ المَدِينَةِ. كَما في (الصَّحِيحِ): ««أُرِيتُ في المَنامِ دارَ هِجْرَتِكُمْ، أرْضٌ بَيْنَ حُرَّتَيْنِ، فَذَهَبَ وهْلِي أنَّها هَجَرُ، فَإذا هي يَثْرِبُ»» وفي لَفْظٍ: «المَدِينَةُ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَأمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن سَمّى المَدِينَةَ (يَثْرِبَ) فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى، إنَّما هي طابَةٌ هي طابَةٌ»» . تَفَرَّدَ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ، وفي إسْنادِهِ ضَعْفٌ. انْتَهى ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ١٣] أيْ: في الرُّجُوعِ: ﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] أيْ: غَيْرُ حَصِينَةٍ يُخْشى عَلَيْها: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences