Al-QasimiAl‑Hajj · 22:1–19

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

الحج

Al-Hajj

The Pilgrimage · Medinan · 78 ayahs

22:1Page 332

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ ١

O mankind, fear your Lord. Indeed, the convulsion of the [final] Hour is a terrible thing.

(p-٤٣٢٠)سُورَةُ الحَجِّ

سُمِّيَتْ بِهِ لِاشْتِمالِها عَلى أصْلِ وُجُوبِهِ والمَقْصُودِ مِن أرْكانِهِ، وهو الطَّوافُ، إذِ الإحْرامُ نِيَّةٌ، والوُقُوفُ بِعَرَفاتٍ مِنَ اسْتِعْدادِهِ، والسَّعْيُ مِن تَتِمَّتِهِ، والحَلْقُ خُرُوجٌ عَنْهُ.

وذَكَرَ فِيها مَنافِعَهُ وتَعْظِيمَ شَعائِرِهِ وغَيْرَ ذَلِكَ، مِمّا يُشِيرُ إلى فَوائِدِهِ وأسْرارِهِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ.

وعَنْ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ هَذانِ خَصْمانِ، إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ، فَإنَّهُنَّ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ، وفي آثارٍ أُخْرى أنَّها كُلُّها مَدَنِيَّةٌ، كَما في الإتْقانِ وآياتُها ثَمانٍ وسَبْعُونَ آيَةً.

(p-٤٣٢١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١] ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ .

{ ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ } يَأْمُرُ تَعالى عِبادَهُ بِتَقْواهُ الَّتِي هي مِن جَوامِعِ الكَلِمِ، في فِعْلِ المَأْمُوراتِ واجْتِنابِ المَنهِيّاتِ.

قالَ المَهايِمِيُّ: أيِ: احْفَظُوا تَرْبِيَتَهُ عَلَيْكم، بِصَرْفِ نِعَمِهِ إلى ما خَلَقَها لِأجْلِهِ، لِئَلّا تَقَعُوا في الكُفْرانِ المُوجِبِ لِانْقِلابِ التَّرْبِيَةِ عَلَيْكم، بِالِانْتِقامِ مِنكم. انْتَهى.

أيْ فالتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ والتَّرْبِيَةِ، مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، لِتَأْيِيدِ الأمْرِ وتَأْكِيدِ إيجابٍ الِامْتِثالِ بِهِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا. أيِ: احْذَرُوا عُقُوبَةَ مالِكِ أُمُورِكم ومُرَبِّيكم، وقَوْلُهُ تَعالى: { ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ } تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ الأمْرِ، بِذِكْرِ بَعْضِ عُقُوباتِهِ الهائِلَةِ. فَإنَّ مُلاحَظَةَ عِظَمِها وهَوْلِها، وفَظاعَةِ ما هي مِن مَبادِئِهِ ومُقَدِّماتِهِ، مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ، الَّتِي لا مَلْجَأ مِنها سِوى التَّدَرُّعِ بِلِباسِ التَّقْوى، مِمّا يُوجِبُ مَزِيدَ الِاعْتِناءِ بِمُلابَسَتِهِ ومُلازَمَتِهِ لا مَحالَةَ. و(الزَّلْزَلَةُ ) التَّحْرِيكُ الشَّدِيدُ والإزْعاجُ العَنِيفُ، بِطَرِيقِ التَّكْرِيرِ بِحَيْثُ يُزِيلُ الأشْياءَ مِن مَقارِّها ويُخْرِجُها عَنْ مَراكِزِها. وإضافَتُها لِلسّاعَةِ، مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ مَجازًا، كَأنَّها هي الَّتِي تُزَلْزِلُ. أوْ إلى ظَرْفِهِ، وهي الزَّلْزَلَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: { ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] }، وفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِـ(الشَّيْءِ )، إيذانٌ بِأنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ إدْراكِ كُنْهِها، والعَبّارَةُ لا تُحِيطُ بِها إلّا عَلى وجْهِ الإبْهامِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

وقَدْ وُصِفَ عِظَمُها في كَثِيرٍ مِنَ السُّوَرِ والآياتِ. كَسُورَةِ التَّكْوِيرِ وسُورَةِ الِانْفِطارِ (p-٤٣٢٢)وسُورَةِ الِانْشِقاقِ وسُورَةِ الزِّلْزالِ وغَيْرِها. وقَدْ أُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن بَلِيغِ هَوْلِها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

22:2Page 332

يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ ٢

On the Day you see it every nursing mother will be distracted from that [child] she was nursing, and every pregnant woman will abort her pregnancy, and you will see the people [appearing] intoxicated while they are not intoxicated; but the punishment of Allāh is severe.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢] ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ .

{ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ } أيْ: عَنْ إرْضاعِها. أوْ عَنِ الَّذِي أرْضَعَتْهُ وهو الطِّفْلُ: { ﴿وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ } أيْ: ما في بَطْنِها لِغَيْرِ تَمامٍ: { ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى﴾ } أيْ: كَأنَّهم سُكارى: { ﴿وما هم بِسُكارى﴾ } أيْ: عَلى التَّحْقِيقِ: { ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ } أيْ: ولَكِنْ ما رَهَقَهم مِن خَوْفِ عَذابِ اللَّهِ، هو الَّذِي أذْهَبَ عُقُولَهم، وطَيَّرَ تَمْيِيزَهم، ورَدَّهم في نَحْوِ حالِ مَن يُذْهِبُ السُّكْرُ بِعَقْلِهِ وتَمْيِيزِهِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ "): العُلَماءُ يَقُولُونَ: إنَّ مِن أدِلَّةِ المَجازِ صِدْقُ نَقِيضِهِ، كَقَوْلِكَ: (زَيْدٌ حِمارٌ )، إذا وصَفْتَهُ بِالبَلادَةِ. ثُمَّ يُصَدَّقُ أنْ تَقُولَ: (وما هو بِحِمارٍ )، فَتَنْفِي عَنْهُ الحَقِيقَةَ. فَكَذَلِكَ الآيَةُ. بَعْدَ أنْ أثْبَتَ السُّكْرُ المَجازِيُّ نَفْيَ الحَقِيقِيِّ أبْلَغَ نَفْيٍ مُؤَكَّدٍ بِالباءِ. والسِّرُّ في تَأْيِيدِهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ هَذا السُّكْرَ الَّذِي هو بِهِمْ في تِلْكَ الحالَةِ، لَيْسَ مِنَ المَعْهُودِ في شَيْءٍ، وإنَّما هو أمْرٌ لَمْ يَعْهَدُوا قَبْلَهُ مِثْلَهُ. والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: { ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ } راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: { ﴿وما هم بِسُكارى﴾ } كَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِإثْباتِ السُّكْرِ المَجازِيِّ. كَأنَّهُ قِيلَ إذا لَمْ يَكُونُوا سُكارى مِنَ الخَمْرِ، وهو السُّكْرُ المَعْهُودُ، فَما هَذا السُّكْرُ الغَرِيبُ وما سَبَبُهُ ؟ فَقالَ: سَبَبُهُ شِدَّةُ عَذابِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى.

(p-٤٣٢٣)ثُمَّ أُشِيرَ لِحالِ المُنْكِرِينَ لِلسّاعَةِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

22:3Page 332

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ ٣

And of the people is he who disputes about Allāh without knowledge and follows every rebellious devil.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ .

{ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ } أيْ: يُخاصِمُ في شَأْنِهِ تَعالى بِغَيْرِ عِلْمٍ. فَيَزْعُمُ أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى إحْياءِ مَن قَدْ بَلِيَ وصارَ تُرابًا، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأباطِيلِ: { ﴿ويَتَّبِعُ﴾ } أيْ: في جِدالِهِ: { ﴿كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ } أيْ: عاتٍ مُتَمَرِّدٍ. كَرُؤَساءِ الكَفْرِ الصّادِّينَ عَنِ الحَقِّ. ثُمَّ أشارَ لِوَصْفٍ آخَرَ لِهَذا الشَّيْطانِ المُتَّبَعِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

22:4Page 332

كُتِبَ عَلَيۡهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهۡدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ٤

It has been decreed for him [i.e., every devil] that whoever turns to him - he will misguide him and will lead him to the punishment of the Blaze.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤] ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ .

{ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ } أيْ: قَضى عَلى الشَّيْطانِ أنَّهُ يَضِلُّ مَن تَوَلّاهُ بِأنِ اتَّخَذَهُ ولِيًّا، وتَبِعَهُ، ولا يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ، بَلْ يَسُوقُهُ إلى عَذابِ جَهَنَّمَ المُوقَدَةِ. وسَوْقُهُ إيّاهُ إلَيْهِ، بِدُعائِهِ إلى طاعَتِهِ ومَعْصِيَةِ الرَّحْمَنِ.

تَنْبِيهٌ:

قِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وكانَ جَدِلًا.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي عامَّةٌ في كُلِّ مَن تَعاطى الجِدالَ فِيما يَجُوزُ عَلى اللَّهِ وما لا يَجُوزُ، مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ. ولا يَرْجِعُ إلى عِلْمٍ، ولا يَعَضُّ فِيهِ بِضِرْسٍ قاطِعٍ. ولَيْسَ فِيهِ اتِّباعٌ لِلْبُرْهانِ ولا نُزُولٌ عَلى النَّصَفَةِ فَهو يَخْبِطُ خَبْطَ عَشْواءَ، غَيْرَ فارِقٍ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. انْتَهى.

22:5Page 332

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ ٥

O people, if you should be in doubt about the Resurrection, then [consider that] indeed, We created you from dust, then from a sperm-drop, then from a clinging clot, and then from a lump of flesh, formed and unformed1 - that We may show you.2 And We settle in the wombs whom We will for a specified term, then We bring you out as a child, and then [We develop you] that you may reach your [time of] maturity. And among you is he who is taken in [early] death, and among you is he who is returned to the most decrepit [old] age so that he knows, after [once having] knowledge, nothing. And you see the earth barren, but when We send down upon it rain, it quivers and swells and grows [something] of every beautiful kind.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الحُجَّةَ القاطِعَةَ لِما يُجادِلُونَ فِيهِ، بِقَوْلِهِ:

(p-٤٣٢٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥] ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْـزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ .

﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ أيْ: مِن إمْكانِهِ وكَوْنِهِ مَقْدُورًا لَهُ تَعالى. أوْ مِن وُقُوعِهِ: ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ أيْ: خَلَقْنا أوَّلَ آبائِكم، أوْ أوَّلَ مَوادِّكم، وهو المَنِيُّ، مِن تُرابٍ. إذْ خُلِقَ مِن أغْذِيَةٍ مُتَوَلِّدَةٍ مِنهُ. وغايَةُ أمْرِ البَعْثِ أنَّهُ خُلِقَ مِنَ التُّرابِ: ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ أيْ: تَوَلَّدَتْ مِنَ الأغْذِيَةِ التُّرابِيَّةِ: ﴿ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ أيْ: قِطْعَةٍ مِنَ الدَّمِ جامِدَةٍ: ﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ﴾ أيْ: قِطْعَةٍ مِنَ اللَّحْمِ بِقَدْرِ ما يُمْضَغُ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أيْ مُصَوَّرَةٍ وغَيْرِ مُصَوَّرَةٍ والمُرادُ تَفْصِيلُ حالِ المُضْغَةِ وكَوْنُها أوَّلًا قِطْعَةً لَمْ يَظْهَرْ فِيها شَيْءٌ مِنَ الأعْضاءِ. ثُمَّ ظَهَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا فَشَيْئًا: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أيْ: بِهَذا التَّدْرِيجِ، قُدْرَتُنا وحِكْمَتُنا، وأنَّ ما قَبْلَ التَّغَيُّرِ والفَسادِ والتَّكَوُّنِ مَرَّةً، قَبْلَها أُخْرى. وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى تَغْيِيرِهِ وتَصْوِيرِهِ أوَّلًا، قَدَرَ عَلى ذَلِكَ ثانِيًا ﴿ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقْتُ الوَضْعِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِهِمْ، بَعْدَ تَمامِ خَلْقِهِمْ. وعَدَمُ نَظْمِ هَذا وما عُطِفَ عَلَيْهِ في سِلْكِ الخَلْقِ المُعَلَّلِ بِالتَّبْيِينِ، مَعَ كَوْنِهِما مِن مُتَمِّماتِهِ، ومِن مَبادِئِ التَّبْيِينِ أيْضًا. لِما أنَّ دَلالَةَ الأوَّلِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها البَعْثُ (p-٤٣٢٥)المَبْحُوثُ عَنْهُ، أجْلى وأظْهَرُ. أيْ: ونَحْنُ نُقِرُّ في الأرْحامِ بَعْدَ ذَلِكَ ما نَشاءُ أنْ نُقِرَّهُ فِيها إلى أجَلٍ مُسَمّى.

﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ أيْ: كَمالَ قُوَّتِكم وعَقْلِكم. قالَ أبُو السُّعُودِ عِلَّةٌ لِـ: { نُخْرِجُكم } مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُناصَبَةٍ لَها. كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ نُخْرِجُكم لِتَكْبُرُوا شَيْئًا فَشَيْئًا. ثُمَّ لِتَبْلُغُوا كَمالَكم في القُوَّةِ والتَّمْيِيزِ: ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى﴾ أيْ: بَعْدَ بُلُوغِ الأشُدِّ أوْ قَبْلَهُ: ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ وهو الهَرَمُ والخَرَفُ. والأرْذَلُ الأرْدَأُ: ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أيْ: مِن بَعْدِ عِلْمٍ كَثِيرٍ، شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، أوْ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ، مُبالَغَةً في انْتِقاصِ عِلْمِهِ وانْتِكاسِ حالِهِ واللّامُ لامُ العاقِبَةِ.

قالَ البَيْضاوِيُّ: والآيَةُ - يَعْنِي: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ﴾ إلَخْ - اسْتِدْلالٌ ثانٍ عَلى إمْكانِ البَعْثِ، بِما يَعْتَرِي الإنْسانَ في أسْنانِهِ مِنَ الأُمُورِ المُخْتَلِفَةِ والأحْوالِ المُتَضادَّةِ. فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى نَظائِرِهِ.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى حُجَّةٍ أُخْرى عَلى صِحَّةِ البَعْثِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ أيْ: مَيِّتَةً يابِسَةً: ﴿فَإذا أنْـزَلْنا عَلَيْها الماءَ﴾ أيِ: المَطَرَ: ﴿اهْتَزَّتْ﴾ أيْ: تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ: ﴿ورَبَتْ﴾ أيِ: انْتَفَخَتْ وعَلَتْ، لِما يَتَداخَلُها مِنَ الماءِ ويَعْلُو مِن نَباتِها: ﴿وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أيْ: صِنْفٍ: ﴿بَهِيجٍ﴾ أيْ: حَسَنٍ رائِقٍ يُسِرُّ ناظِرَهُ وهَذِهِ الحُجَّةُ الثّالِثَةُ، لِظُهُورِها وكَوْنِها مُشاهَدَةً مُعايَنَةً، يُكَرِّرُها اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ الكَرِيمِ.

22:6–7Page 333

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٦

That is because Allāh is the True Reality and because He gives life to the dead and because He is over all things competent

وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡعَثُ مَن فِي ٱلۡقُبُورِ ٧

And [that they may know] that the Hour is coming - no doubt about it - and that Allāh will resurrect those in the graves.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦ - ٧] ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ [الحج: ٧] .

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِن خَلْقِ الإنْسانِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، وتَصْرِيفِهِ في أحْوالٍ مُتَبايِنَةٍ، وإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، حاصِلٌ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ (p-٤٣٢٦)وحْدَهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. المُحَقِّقُ لِما سِواهُ مِنَ الأشْياءِ، فَهي مِن آثارِ أُلُوهِيَّتِهِ وشُؤُونِهِ الذّاتِيَّةِ وحْدَهُ؛ وما سِواهُ مِمّا يَبْعُدُ باطِلٌ، لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ: ﴿وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: يَقْدِرُ عَلى إحْيائِها، إذْ أحْيا النُّطْفَةَ والأرْضَ المَيِّتَةَ: ﴿وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَإنَّ القُدْرَةَ الَّتِي جَعَلَ بِها هَذِهِ الأشْياءَ العَجِيبَةَ، لا يَمْتَنِعُ عَلَيْها شَيْءٌ: ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ [الحج: ٧] أيْ: لِاقْتِضاءِ الحِكْمَةِ إيّاها. فَهي في وُضُوحِ دَلائِلِها التَّكْوِينِيَّةِ، بِحَيْثُ لَيْسَ فِيها مَظِنَّةُ أنْ يُرْتابَ في إتْيانِها: ﴿وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ [الحج: ٧] أيْ: مِنَ الأمْواتِ، إحْياءً إلى مَوْقِفِ الحِسابِ.

22:8–10Page 333

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ ٨

And of the people is he who disputes about Allāh without knowledge or guidance or an enlightening book [from Him],

ثَانِيَ عِطۡفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۖ لَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٩

Twisting his neck [in arrogance] to mislead [people] from the way of Allāh. For him in the world is disgrace, and We will make him taste on the Day of Resurrection the punishment of the Burning Fire [while it is said],

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٠

"That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨ - ١٠] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٩] ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: ١٠] .

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أيْ: يُجادِلُ في شَأْنِهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَمَسُّكٍ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ ولا بِاسْتِدْلالٍ ونَظَرٍ صَحِيحٍ، يَهْدِي إلى المَعْرِفَةِ. ولا بِوَحْيٍ مُظْهِرٍ لِلْحَقِّ. أيْ: بَلْ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ والهَوى، وهَذِهِ الآيَةُ في حالِ الدُّعاةِ إلى الضَّلالِ مِن رُؤُوسِ الكُفْرِ المُقَلَّدِينَ - بِفَتْحِ اللّامِ - كَما أنَّ ما قَبْلَها في حالِ الضُّلّالِ الجُهّالِ المُقَلِّدِينَ - بِكَسْرِ اللّامِ - فَلا تَكْرارَ أوْ أنَّهُما في الدُّعاةِ المُضِلِّينَ واعْتَبَرَ تَغايُرَ أوْصافِهِمْ فِيها، فَلا تَكْرارَ أيْضًا.

قالَ في (الكَشْفِ "): والأوَّلُ أظْهَرُ وأوْفَقُ بِالمَقامِ. وكَذا اخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ الرّازِيُّ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ ما قُلْتُمْ، والمُقَلِّدُ لا يَكُونُ مُجادِلًا ؟ قُلْنا: قَدْ يُجادِلُ تَصْوِيبًا لِتَقْلِيدِهِ وقَدْ يُورِدُ الشُّبْهَةَ الظّاهِرَةَ إذا تَمَكَّنَ مِنها، وإنْ كانَ مُعْتَمَدُهُ الأصْلِيُّ هو التَّقْلِيدُ.

(p-٤٣٢٧)وقَوْلُهُ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩] حالٌ مِن فاعِلِ (يُجادِلُ ) أيْ: عاطِفًا لِجانِبِهِ إعْراضًا واسْتِكْبارًا عَنِ الحَقِّ، إذا دُعِيَ إلَيْهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثَنْيُ العِطْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكِبْرِ والخُيَلاءِ. كَتَصْعِيرِ الخَدِّ ولَيِّ الجِيدِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٩] أيْ: لِيَصُدَّ عَنْ دِينِهِ وشَرْعِهِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُجادِلُ ) عِلَّةً لَهُ: ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ [الحج: ٩] أيْ: إهانَةٌ ومَذَلَّةٌ، كَما أصابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الصَّغارِ والفَشَلِ: ﴿ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٩] أيِ: النّارَ المُحْرِقَةَ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠] عَلى الِالتِفاتِ، أوْ إرادَةِ القَوْلِ. أيْ: يُقالُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ: ذَلِكَ الخِزْيُ والتَّعْذِيبُ بِسَبَبِ ما اقْتَرَفْتَهُ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ والإضْلالِ. وإسْنادُهُ إلى يَدَيْهِ، لِما أنَّ الِاكْتِسابَ عادَةً يَكُونُ بِالأيْدِي ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: ١٠] أيْ: بَلْ هو العَدْلُ في مُعاقَبَةِ الفُجّارِ، وإثابَةِ الصّالِحِينَ.

22:11Page 333

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١١

And of the people is he who worships Allāh on an edge.1 If he is touched by good, he is reassured by it; but if he is struck by trial, he turns on his face [to unbelief]. He has lost [this] world and the Hereafter. That is what is the manifest loss.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ .

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ شُرُوعٌ في حالِ المُذَبْذَبِينَ، إثْرَ بَيانِ حالِ المُهاجِرِينَ. أيْ: ومِنهم مَن يَعْبُدُهُ تَعالى عَلى طَرَفٍ مِنَ الدِّينِ، لا في وسَطِهِ وقَلْبِهِ. وهَذا مَثَلٌ لِكَوْنِهِمْ عَلى قَلَقٍ واضْطِرابٍ في دِينِهِمْ، لا عَلى سُكُونٍ وطُمَأْنِينَةٍ. كالَّذِي يَنْحَرِفُ إلى طَرَفِ الجَيْشِ. فَإنْ أحَسَّ بِظَفَرٍ وغَنِيمَةٍ قَرَّ وإلّا فَرَّ: ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ﴾ أيْ: دُنْيَوِيٌّ مِن صِحَّةٍ وسِعَةٍ: ﴿اطْمَأنَّ بِهِ﴾ أيْ: ثَبَتَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ ظاهِرًا: ﴿وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: ما يُفْتَتَنُ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ يَنْزِلُ بِهِ: ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ: رَجَعَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ: ﴿خَسِرَ﴾ أيْ: بِهَذا الِانْقِلابِ: ﴿الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ﴾ [الأعلى: ١٧] أيْ: ضَيَّعَهُما بِذَهابِ عِصْمَتِهِ، وحُبُوطِ عَمَلِهِ، بِالِارْتِدادِ: ﴿ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ أيِ: الواضِحُ الَّذِي لا يَخْفى عَلى ذِي بَصِيرَةٍ.

(p-٤٣٢٨)تَنْبِيهٌ:

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي جَلَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ إلَخْ أعْرابًا كانُوا يَقْدُمُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مُهاجِرِينَ مِن بادِيَتِهِمْ. فَإنْ نالُوا رَخاءً، مِن عَيْشٍ بَعْدَ الهِجْرَةِ، والدُّخُولِ في الإسْلامِ، أقامُوا عَلى الإسْلامِ. وإلّا ارْتَدُّوا عَلى أعْقابِهِمْ. وبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنا قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ. ثُمَّ أسْنَدَهُ مِن طُرُقٍ.

وهَذا مِمّا يُؤَيِّدُ أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ كَما قالَهُ جَمْعٌ. وتَقَدَّمَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى:

22:12Page 333

يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٢

He invokes instead of Allāh that which neither harms him nor benefits him. That is what is the extreme error.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢] ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ .

﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ أيْ: حالٌ ثابِتَةٌ مِن فاعِلِ (انْقَلَبَ ) والأُولى (خَسِرَ ) ولِذَلِكَ قُرِئَ (خاسِرٌ ) أيِ: ارْتَدَّ عَنْ دِينِ اللَّهِ يَدْعُو مِن دُونِهِ آلِهَةً لا تَضُرُّهُ، إنْ لَمْ يَعْبُدْها في الدُّنْيا، ولا تَنْفَعُهُ في الآخِرَةِ إنْ عَبَدَها - وقالَ أبُو السُّعُودِ: (يَدْعُو ) اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِعَظِيمِ الخُسْرانِ: ﴿ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ والهُدى. وقَوْلُهُ تَعالى:

22:13Page 333

يَدۡعُواْ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقۡرَبُ مِن نَّفۡعِهِۦۚ لَبِئۡسَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَلَبِئۡسَ ٱلۡعَشِيرُ ١٣

He invokes one whose harm is closer than his benefit - how wretched the protector and how wretched the associate.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣] ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ .

﴿يَدْعُو﴾ أيْ: هَذا المُنْقَلِبُ عَلى وجْهِهِ، إذا أصابَتْهُ فِتْنَةٌ: ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ أيْ: وثَنًا أوْ صَنَمًا، ضَرُّهُ في الدُّنْيا بِالذُّلِّ والخِزْيِ وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ، أسْرَعُ إلَيْهِ مِن نَفْعِهِ الَّذِي يَتَوَقَّعُهُ بِعِبادَتِهِ، وهو الشَّفاعَةُ والتَّوَسُّلُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. فاللّامُ زائِدَةٌ في المَفْعُولِ بِهِ، (p-٤٣٢٩)وهُوَ (مَن ) كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] في وجْهٍ. وذُكِرَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كانَ يَقْرَؤُهُ: { يَدْعُو مَن ضَرُّهُ } بِغَيْرِ لامٍ. وهي مُؤَيِّدَةٌ لِلزِّيادَةِ. و(ضَرَّهُ ) مُبْتَدَأٌ، وأقْرَبُ خَبَرٌ. وفي الآيَةِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ هَذا أظْهَرُها. وإثْباتُ الضَّرَرِ لَهُ هُنا، بِاعْتِبارِ مَعْبُودِيَّتِهِ. ونَفْيُهُ قَبْلُ بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ. والآيَةُ بِمَثابَةِ الِاسْتِدْراكِ أوِ الإضْرابِ عَمّا قَبْلَها، بِإثْباتِ ضُرٍّ مُحَقَّقٍ لاحِقٍ لِعابِدِهِ، تَسْفِيهًا وتَجْهِيلًا لِاعْتِقادِهِ فِيهِ أنَّهُ يَسْتَنْفِعُ بِهِ حِينَ يَسْتَشْفِعُ بِهِ وإيرادُ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ، مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ النَّفْعِ بِالمَرَّةِ، لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِ، والإمْعانِ في ذَمِّهِ: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى﴾ أيِ: النّاصِرُ لَهُ: ﴿ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ أيِ: المُصاحِبُ لَهُ.

ولَمّا بَيَّنَ سُوءَ حالِ الكَفَرَةِ مِنَ المُجاهِرِينَ والمُذَبْذَبِينَ، أعْقَبَهُ بِكَمالِ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

22:14Page 333

إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ١٤

Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. Indeed, Allāh does what He intends.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤] ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ .

﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ أيْ: مِنَ الأفْعالِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكْمَةِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها إثابَةُ مَن أطاعَهُ وتَعْذِيبُ مَن عَصاهُ.

22:15Page 333

مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لۡيَقۡطَعۡ فَلۡيَنظُرۡ هَلۡ يُذۡهِبَنَّ كَيۡدُهُۥ مَا يَغِيظُ ١٥

Whoever should think that Allāh will not support him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] in this world and the Hereafter - let him extend a rope to the ceiling, then cut off [his breath],1 and let him see: will his effort remove that which enrages [him]?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥] ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ .

﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ (p-٤٣٣٠)أيْ: بِحَبْلٍ إلى ما يَعْلُوهُ: ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ أيْ: لِيَخْتَنِقْ: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ أيْ: غَيْظُهُ. والمَعْنى مَنِ اسْتَبْطَأ نَصْرَ اللَّهِ وطَلَبَهُ عاجِلًا، فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ. لِأنَّ لَهُ وقْتًا لا يَقَعُ إلّا فِيهِ. فالآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ اسْتَبْطَؤُوا نَصْرَ اللَّهِ، لِاسْتِعْجالِهِمْ وشِدَّةِ غَيْظِهِمْ، وحِنْقِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، والضَّمِيرُ في (يَنْصُرُهُ ) لِلنَّبِيِّ ﷺ . والمَعْنى: مَن كانَ مِنهم يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، فَلْيَخْتَنِقْ ولْيُهْلِكْ نَفْسَهُ، ثُمَّ لْيَنْظُرْ في نَفْسِهِ، هَلْ يُذْهِبَنَّ احْتِيالُهُ هَذا في المُضارَّةِ والمُضادَّةِ، ما يَغِيظُهُ مِنَ النُّصْرَةِ ؟ كَلّا. فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُ رَسُولِهِ لا مَحالَةَ. قالَ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١]

22:16–17Page 334

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يُرِيدُ ١٦

And thus have We sent it [i.e., the Qur’ān] down as verses of clear evidence and because Allāh guides whom He intends.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١٧

Indeed, those who have believed and those who were Jews and the Sabeans and the Christians and the Magians and those who associated with Allāh - Allāh will judge between them on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, over all things, Witness.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦ - ١٧] ﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] .

﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْناهُ﴾ أيِ: القُرْآنَ الكَرِيمَ: ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] يُخْبِرُ تَعالى عَنْ أهْلِ هَذِهِ الأدْيانِ المُخْتَلِفَةِ، أنَّهُ يَقْضِي بَيْنَهم في الآخِرَةِ بِالعَدْلِ. فَيُدْخِلُ مَن آمَنَ مِنهم بِهِ وعَمِلَ صالِحًا، الجَنَّةَ. ومَن كَفَرَ بِهِ، النّارَ. فَإنَّهُ تَعالى شَهِيدٌ عَلى أفْعالِهِمْ، حَفِيظٌ لِأقْوالِهِمْ، عَلِيمٌ بِسَرائِرِهِمْ وما تُكِنُّهُ ضَمائِرُهم. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ التَّعْرِيفُ بِـ(الصّابِئِينَ ) والمُرادُ بِـ(الَّذِينِ ) أشْرَكُوا (p-٤٣٣١)كُفّارُ العَرَبِ خاصَّةً. لِأنَّ المُشْرِكِينَ في إطْلاقِ التَّنْزِيلِ، بِمَثابَةِ العَلَمِ لَهم.

22:18Page 334

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩ ١٨

Do you not see [i.e., know] that to Allāh prostrates whoever is in the heavens and whoever is on the earth and the sun, the moon, the stars, the mountains, the trees, the moving creatures and many of the people? But upon many the punishment has been justified.1 And he whom Allāh humiliates - for him there is no bestower of honor. Indeed, Allāh does what He wills.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ .

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ بَيانٌ لِعَظَمَتِهِ تَعالى وانْفِرادِهِ بِأُلُوهِيَّتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ. بِانْقِيادِ هَذِهِ العَوالِمِ العُظْمى لَهُ، وجَرْيِها عَلى وفْقِ أمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ. فالسُّجُودُ فِيها مُسْتَعارٌ مِن مَعْناهُ المُتَعارَفِ، لِمُطاوَعَةِ الأشْياءِ لَهُ تَعالى، فِيما يُحْدِثُ فِيها مِن أفْعالِهِ، يُجْرِيها عَلَيْهِ مِن تَدْبِيرِهِ وتَسْخِيرِهِ لَها. ووَجْهُ الشَّبَهِ الحُصُولُ عَلى وفْقِ الإرادَةِ مِن غَيْرِ امْتِناعٍ مِنها فِيهِما. وقَوْلُهُ: ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ إمّا مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، إنْ جُوِّزَ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ المُشْتَرِكِ في مَفْهُومَيْهِ جَمِيعًا، فَيَكُونُ السُّجُودُ في الجَماداتِ الِانْقِيادَ، وفي العُقَلاءِ العِبادَةَ. أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. أوْ فاعِلٌ لِمُضْمَرٍ، إنْ لَمْ يُجَوَّزْ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى:

﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ أيْ: مِنَ النّاسِ. أيْ: بِكُفْرِهِ واسْتِعْصائِهِ: ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ﴾ أيْ: بِأنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الشَّقاوَةُ حَسْبَما عَلِمَهُ مِن صَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى الشَّرِّ: ﴿فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ أيْ: يُكْرِمُهُ بِالسَّعادَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾

22:19Page 334

۞ هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ ١٩

These1 are two adversaries who have disputed over their Lord. But those who disbelieved will have cut out for them garments of fire. Poured upon their heads will be scalding water

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩] ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ .

﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ يَعْنِي فَرِيقَ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقَ الكافِرِينَ المُنْقَسِمَ (p-٤٣٣٢)إلى الفِرَقِ الخَمْسِ المُبَيَّنَةِ في الآيَةِ قَبْلُ. و(الخَصْمُ ) في الأصْلِ مَصْدَرٌ. ولِذا يُوَحَّدُ ويُنَكَّرُ غالِبًا. ويَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ ومَعْنى ﴿اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ أيْ: في دِينِهِ وعِبادَتِهِ. والِاخْتِصامُ يَشْمَلُ ما وقَعَ أحْيانًا مِنَ التَّحاوُرِ الحَقِيقِيِّ بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ المَذْكُورَةِ، والمَعْنَوِيِّ. فَإنَّ اعْتِقادَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِحَقِّيَّةِ ما هو عَلَيْهِ، وبُطْلانَ ما عَلَيْهِ صاحِبُهُ، وبِناءَ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ عَلَيْهِ، خُصُومَةٌ لِلْفَرِيقَيْنِ الآخَرِ. وإنْ لَمْ يَجُزْ بَيْنَهُما التَّحاوُرُ والخِصامُ. ثُمَّ أشارَ إلى فَصْلِ خُصُومَتِهِمُ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الحج: ١٧] بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ﴾ أيْ: قُدِّرَتْ: ﴿لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ أيِ: الماءُ الحارُّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском