Al-QasimiAl‑Mumtahanah · 60:1–9

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

الممتحنة

Al-Mumtahanah

She that is to be examined · Medinan · 13 ayahs

60:1Page 549

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١

O you who have believed, do not take My enemies and your enemies as allies,1 extending to them affection while they have disbelieved in what came to you of the truth, having driven out the Prophet and yourselves [only] because you believe in Allāh, your Lord. If you have come out for jihād [i.e., fighting or striving] in My cause and seeking means to My approval, [take them not as friends]. You confide to them affection [i.e., instruction], but I am most knowing of what you have concealed and what you have declared. And whoever does it among you has certainly strayed from the soundness of the way.

(p-٥٧٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ

بِفَتْحِ الحاءِ، وقَدْ تُكْسَرُ، فَعَلى الأوَّلِ هي صِفَةُ المَرْأةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها. وعَلى الثّانِي صِفَةُ السُّورَةِ، كَما قِيلَ لِبَراءَةَ (الفاضِحَةُ) كَما في (الأعْلامِ).

قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِدَلالَةِ آيَةِ الِامْتِحانِ عَلى أنَّهُ لا يُكْتَفى في بابِ الصِّحَّةِ بِظَواهِرِ الأدِلَّةِ كالهِجْرَةِ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ اخْتِبارِ البَواطِنِ. فَدَلائِلُ الِاعْتِقاداتِ أوْلى بِذَلِكَ. وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ القُرْآنِ. انْتَهى.

وفِي (جَمالِ القُرّاءِ) أنَّها تُسَمّى سُورَةَ الِامْتِحانِ، وسُورَةَ المَوَدَّةِ. وهي مَدَنِيَّةٌ.

وآيُها ثَلاثَ عَشْرَةَ.

(p-٥٧٥٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكم أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكم إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ ومَن يَفْعَلْهُ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ أيْ: أنْصارًا. نَهْيٌ لِأصْحابِ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَنْ مُوالاةِ مُشْرِكِي مَكَّةَ المُحارِبِينَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وقْتَئِذٍ، لِما فِيها مِنَ الفِتْنَةِ بِالدِّينِ وأهْلِهِ كَما يَأْتِي.

﴿تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ أيْ: صَمِيمِ المَحَبَّةِ، والباءُ زائِدَةٌ في المَفْعُولِ ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ: مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وكِتابِهِ، الَّذِي هو نِهايَةُ الهُدى، وغايَةُ السَّعادَةِ.

ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهم لَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ حَتّى آذَوُا المُؤْمِنِينَ، بِما يَقْطَعُ العَلائِقَ مَعَهم رَأْسًا، بِقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ﴾ أيْ: مِن أرْضِكم ودِيارِكم ﴿أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: يُخْرِجُونَكم لِإيمانِكم بِاللَّهِ، الجامِعِ لِلْكَمالاتِ المُقْتَضِيَةِ انْقِيادَ النّاقِصِ لَهُ، لاسِيَّما بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِوَصْفِ كَوْنِهِ رَبّاكم بِالكَمالاتِ، فَهي بِالحَقِيقَةِ عَداوَةٌ مَعَ اللَّهِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا مَعَ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّهْيِيجِ عَلى عَداوَتِهِمْ، وعَدَمِ مُوالاتِهِمْ؛ لِأنَّهم أخْرَجُوا الرَّسُولَ وأصْحابَهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، كَراهَةً لِما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، وإخْلاصِ العِبادَةِ لِلَّهِ وحْدَهُ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى:

﴿أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَكم عِنْدَهم ذَنْبٌ إلّا إيمانُكم (p-٥٧٥٩)بِاللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ أيْ: هاجَرْتُمْ ﴿جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾ أيْ: لِلْجِهادِ في طَرِيقِي الَّذِي شَرَعْتُهُ لَكُمْ، ودِينِي الَّذِي أمَرْتُكم بِهِ. والتِماسِ رِضائِي عَنْكُمُ الَّذِي لا ثَوابَ فَوْقَهُ، والشَّرْطُ مُتَعَلِّقٌ بِ: " لا تَتَّخِذُوا " أيْ: لا تَتَوَلَّوْا أعْدائِي إنْ كُنْتُمْ أوْلِيائِي ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ﴾ أيْ: مِنَ المَوَدَّةِ مَعَهم وغَيْرِها ﴿ومَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ﴾ أيِ: اتِّخاذُهم أوْلِياءَ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: جارَ عَنِ السَّبِيلِ السَّوِيِّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ هُدًى ونَجاةً.

60:2Page 549

إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ ٢

If they gain dominance over you, they would be [i.e., behave] to you as enemies and extend against you their hands and their tongues with evil, and they wish you would disbelieve.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢] ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾

﴿إنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ أيْ: يَظْفَرُوا بِكم ﴿يَكُونُوا لَكم أعْداءً﴾ أيْ: حَرْبًا، ولا يَنْفَعُكم إلْقاءُ المَوَدَّةِ إلَيْهِمْ ﴿ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ﴾ أيْ: بِما يَسُوؤُكم كالقَتْلِ والشَّتْمِ ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [النساء: ٨٩] أيْ: بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ.

60:3Page 549

لَن تَنفَعَكُمۡ أَرۡحَامُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡۚ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَفۡصِلُ بَيۡنَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣

Never will your relatives or your children benefit you; the Day of Resurrection He will judge between you. And Allāh, of what you do, is Seeing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣] ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكُمْ﴾ أيْ: قَراباتُكم ﴿ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: بِإثابَةِ المُؤْمِنِينَ، ومُعاقَبَةِ العاصِينَ.

(p-٥٧٦٠)وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: لا نَفْعَ لِمَنِ اخْتَرْتُمْ مُوالاةَ العَدُوِّ الحَقِيقِيِّ لِأجْلِهِ؛ لِأنَّ القِيامَةَ مُفَرِّقَةٌ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: يَفْصِلُ اللَّهُ بَيْنَكم وبَيْنَ أرْحامِكم وأوْلادِكم كَما قالَ:

﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥] ﴿وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٦] انْتَهى. وهو تَأْوِيلٌ جَيِّدٌ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ السَّمِينُ: يَجُوزُ في " يَوْمَ القِيامَةِ " وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَتَعَلَّقَ بِما قَبْلَهُ، أيْ: لَنْ تَنْفَعَكم يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُوقَفُ عَلَيْهِ، ويُبْتَدَأُ بِ: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾

والثّانِي: أيْ: يَتَعَلَّقُ بِما بَعْدَهُ، أيْ: يَفْصِلُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُوقَفُ عَلى: " أوْلادُكم "، ويُبْتَدَأُ بِ: " يَوْمَ القِيامَةِ "

﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ذُكِرَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ، مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، نَزَلَتْ في شَأْنِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، وكانَ كَتَبَ إلى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ يُطْلِعُهم عَلى أمْرٍ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أخْفاهُ عَنْهم ثُمَّ ساقَ الرِّواياتِ.

وأمّا رِوايَةُ البُخارِيِّ «فَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنا والزُّبَيْرُ والمِقْدادُ، فَقالَ: «انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ؛ فَإنَّ بِها ظَعِينَةً مَعَها كِتابٌ فَخُذُوهُ مِنها» فَذَهَبْنا تُعادى بِنا خَيْلُنا، حَتّى أتَيْنا الرَّوْضَةَ، فَإذا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنا: أخْرِجِي الكِتابَ، (p-٥٧٦١)فَقالَتْ: ما مَعِي مِن كِتابٍ! فَقُلْنا: لَتُخْرِجَنَّ الكِتابَ، أوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيابَ. فَأخْرَجَتْهُ مِن عِقاصِها، فَأتَيْنا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَإذا فِيهِ:

مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أُناسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، يُخْبِرُهم بِبَعْضِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ.

فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما هَذا يا حاطِبُ» قالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي كُنْتُ امْرَأً مِن قُرَيْشٍ، ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِهِمْ، وكانَ مَن مَعَكَ مِنَ المُهاجِرِينَ لَهم قَراباتٌ يَحْمُونَ بِها أهْلِيهِمْ وأمْوالَهم بِمَكَّةَ، فَأحْبَبْتُ إذْ فاتَنِي مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أنْ أصْطَنِعَ إلَيْهِمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرابَتِي، وما فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا، ولا ارْتِدادًا عَنْ دِينِي. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ» فَقالَ عُمَرُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ فَأضْرِبْ عُنُقَهُ! فَقالَ: «إنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْرِيكَ، لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ، فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ!»»

قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ -راوِي الحَدِيثِ- ونَزَلَتْ فِيهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي﴾ [الممتحنة: ١] الآياتِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَ حاطِبٌ هَذا رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ، ومِن أهْلِ بَدْرٍ. وكانَ لَهُ بِمَكَّةَ أوْلادٌ ومالٌ، ولَمْ يَكُنْ مِن قُرَيْشٍ أنْفُسِهِمْ، بَلْ كانَ حَلِيفًا لِعُثْمانَ. فَلَمّا عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى فَتْحِ مَكَّةَ، لَمّا نَقَضَ أهْلُها العَهْدَ، فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ المُسْلِمِينَ بِالتَّجْهِيزِ لِغَزْوِهِمْ وقالَ: ««اللَّهُمَّ عَمِّ عَلَيْهِمْ خَبَرَنا»» فَعَمَدَ حاطِبٌ هَذا، فَكَتَبَ كِتابًا إلى أهْلِ مَكَّةَ يُعْلِمُهم بِما عَزَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن غَزْوِهِمْ، لِيَتَّخِذَ بِذَلِكَ عِنْدَهم يَدًا. كَما ذُكِرَ في الحَدِيثِ.

الثّانِي: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَعْنِي تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] المُشْرِكِينَ والكُفّارَ، الَّذِينَ هم مُحارِبُونَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ شَرَعَ اللَّهُ عَداوَتَهم ومُصارَمَتَهُمْ، ونَهى أنْ يَتَّخِذُوا أوْلِياءَ وأصْدِقاءَ، كَما قالَ تَعالى:

(p-٥٧٦٢)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] وهَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ أكِيدٌ، وقالَ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] وقالَ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ولِهَذا قَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُذْرَ حاطِبٍ، لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ مُصانَعَةً لِقُرَيْشٍ، لِأجْلِ ما كانَ لَهُ عِنْدَهم مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ. انْتَهى.

أيْ أنَّهُ قَبِلَ عُذْرَهُ فِيما قامَ في ظَنِّهِ مِن كَوْنِ ذَلِكَ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، وإنْ أخْطَأ. والمُجْتَهِدُ المُخْطِئُ مَعْذُورٌ، وقَدْ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ بِصَرِيحِ النَّهْيِ عَنْ مُعاوَدَةِ مِثَلِهِ الَّذِي لِأجْلِهِ نَزَلَتِ السُّورَةُ، ولِذَلِكَ قالَ الإمامُ إلْكِيا الهَرّاسِيُّ: يُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الخَوْفَ عَلى المالِ والوَلَدِ لا يُبِيحُ الفِتْنَةَ في دِينِ اللَّهِ، وهو ظاهِرٌ، ولَيْسَ هَذا مِنَ التَّقِيَّةِ؛ لِأنَّها في مَوْضُوعٍ آخَرَ. وقَدْ بَسَطَ الكَلامَ عَلى الوَلاءِ والبَراءِ السَّيِّدُ المُرْتَضى في "إيثارِ الحَقِّ" في المَسْألَةِ الثّامِنَةِ. قالَ بَعْدَ أنْ أوْرَدَ الآياتِ والأحادِيثَ: هَذا كُلُّهُ في الحُبِّ الَّذِي هو في القَلْبِ، والمُخالَصَةِ لِأجْلِ الدِّينِ، وذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ بِالإجْماعِ، ولِلْمُسْلِمِينَ المُوَحِّدِينَ، إذا كانَ لِأجْلِ إسْلامِهِمْ، وتَوْحِيدِهِمْ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ. وأمّا المُخالَفَةُ والمُنافَعَةُ، وبَذْلُ المَعْرُوفِ، وكَظْمُ الغَيْظِ، وحُسْنُ الخُلُقِ، وإكْرامُ الضَّيْفِ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَيُسْتَحَبُّ بَذْلُهُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، إلّا ما كانَ يَقْتَضِي مُفْسِدَةً كالذِّلَّةِ، فَلا يُبْذَلُ لِلْعَدُوِّ في حالِ الحَرْبِ، كَما أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] (p-٥٧٦٣)كَما يَأْتِي، وأمّا التَّقِيَّةُ، فَتَجُوزُ لِلْخائِفِ مِنَ الظّالِمِينَ القادِرِينَ. وأمّا الفَرْقُ بَيْنَ ما يَجُوزُ مِنَ المُنافَعَةِ والمُداهَنَةِ وما لا يَجُوزُ مِنَ الرِّياءِ، فَما كانَ مِن بَذْلِ المالِ والمَنافِعِ فَهو جائِزٌ، وهو المُنافَعَةُ، ورُبَّما عَبَّرُوا عَنْهُ بِالمُداهَنَةِ والمُداراةِ والمُخالَقَةِ. وما كانَ مِن أمْرِ الدِّينِ فَهو الرِّياءُ الحَرامُ.

ومِن كَلامِ الإمامِ الدّاعِي إلى اللَّهِ تَعالى يَحْيى بْنِ المُحْسِنِ عَلَيْهِ السَّلامُ في "الرِّسالَةِ المُخَرَّسَةِ، لِأهْلِ المَدْرَسَةِ": لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُوالاةُ هي المُتابَعَةَ فِيما يُمْكِنُ التَّأْوِيلُ فِيهِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِن أهْلِ البَيْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَدْ عُرِفَ بِمُتابَعَةِ الظَّلَمَةِ لِوَجْهٍ يُوجِبُ ذَلِكَ، فَتَوَلّى النّاصِرُ الكَثِيرَ مِنهُمْ، وصَلّى بِهِمُ الجُمْعَةَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ، وصَلّى الحَسَنُ السِّبْطُ عَلى جَنائِزِهِمْ.

وذَكَرَ الإمامُ المَهْدِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ المُطَهَّرِ عَلَيْهِما السَّلامُ أنَّ المُوالاةَ المُحَرَّمَةَ بِالإجْماعِ، هي مُوالاةُ الكافِرِ لِكُفْرِهِ، والعاصِي لِمَعْصِيَتِهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ.

قالَ السَّيِّدُ: وهو كَلامٌ صَحِيحٌ، والحَجَّةُ عَلى صِحَّةِ الخِلافِ فِيما عَدا ذَلِكَ أشْياءُ كَثِيرَةٌ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى في الوالِدَيْنِ المُشْرِكَيْنِ: ﴿وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] الآيَتَيْنِ، وفي الحَدِيثِ أنَّها نَزَلَتْ في قُتَيْلَةَ أُمِّ أسْماءَ، بَعْدَ آياتِ التَّحْرِيمِ، رَواهُ أحْمَدُ والبَزّارُ والواحِدِيُّ، وتَأخُّرُهُما واضِحٌ في سِياقِ الآياتِ، وقَرِينَةُ الحالِ مَعَ هَذا الحَدِيثِ. ولَوْ لَمْ يَصِحَّ تَأخُّرُ ذَلِكَ، فالخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ عِنْدَ جَهْلِ التّارِيخِ عِنْدَ الجُمْهُورِ. ورَجَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ في "نِهايَتِهِ" بِالنُّصُوصِيَّةِ عَلى ما هو خاصٌّ فِيهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما ثَبَتَ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِما مِن حَدِيثٍ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ في قِصَّةِ حاطِبٍ، عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ -هَذِهِ- وذَكَرَهُ أهْلُ الحَدِيثِ وأهْلُ التَّفْسِيرِ جَمِيعًا؛ فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَذَرَهُ بِالخَوْفِ عَلى أهْلِهِ في مَكَّةَ، والتَّقِيَّةُ فِيما لا يَضُرُّ في ظَنِّهِ.

(p-٥٧٦٤)فَإنْ قِيلَ: القُرْآنُ دالٌّ عَلى أنَّهُ قَدْ أذْنَبَ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْهُ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١] فَكَيْفَ يُقْبَلُ ما جاءَ مِن قَبُولِ عُذْرِهِ؟ قُلْتُ: إنَّما قُبِلَ عُذْرُهُ في بَقائِهِ عَلى الإيمانِ، وعَدَمِ مُوالاةِ المُشْرِكِينَ لِشِرْكِهِمْ، ولِذَلِكَ خاطَبَهُ اللَّهُ بِالإيمانِ فَقالَ: " يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا " والعُمُومُ نَصٌّ في سَبَبِهِ، فاتَّفَقَ القُرْآنُ والحَدِيثُ. وأمّا ذَنْبُهُ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ مِثْلُ ما فَعَلَهُ لِأحَدٍ مِنَ الجَيْشِ إلّا بِإذْنِ أمِيرِهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] ولِأنَّ تَحْرِيمَ مِثْلِ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذَنِ الأمِيرِ إجْماعٌ، ومَعَ إذْنِهِ يَجُوزُ، فَقَدْ أذِنَ في أكْثَرَ مِن ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِيلَةً في حِفْظِ المالِ، فَلَوْ كانَ مِثْلُ ذَلِكَ مُوالاةً لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ ﷺ. فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَنْبَ حاطِبٍ هو الكَتْمُ، لِما فِيهِ مِنَ الخِيانَةِ، لا نَفْسُ الفِعْلِ، لَوْ تَجَرَّدَ مِنَ الكَتْمِ والخِيانَةِ -واللَّهُ أعْلَمُ- انْتَهى.

ويُضافُ إلى الكَتْمِ والخِيانَةِ ما أفادَتْهُ الآيَةُ مِنَ التَّوَدُّدِ بِذَلِكَ إلَيْهِمْ، والمُناصَحَةِ لَهُمْ، مِمّا يَشُفُّ عَنْ كَوْنِ الآتِي بِذَلِكَ مُتَزَلْزِلًا في عَقْدِهِ، مُضْطَرِبًا في حَقِّهِ، فَيُصْبِحُ عَمَلُهُ حُجَّةً عَلى دِينِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِافْتِتانِ المُشْرِكِينَ المُفْسِدِينَ بِصَحِيحِ الدِّينِ القَوِيمِ. وهَذا هو السِّرُّ في الحَقِيقَةِ، كَما بَيَّنَهُ آيَةُ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٥] وسَيَأْتِي بَيانُهُ.

ثُمَّ عَلَّمَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ التَّأسِّيَ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في البَراءَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ ومُصارَمَتَهم ومُجانَبَتَهُمْ، وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

(p-٥٧٦٥)

60:4Page 549

قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٤

There has already been for you an excellent pattern1 in Abraham and those with him, when they said to their people, "Indeed, we are disassociated from you and from whatever you worship other than Allāh. We have denied you, and there has appeared between us and you animosity and hatred forever until you believe in Allāh alone" - except for the saying of Abraham to his father, "I will surely ask forgiveness for you, but I have not [power to do] for you anything against Allāh. Our Lord, upon You we have relied, and to You we have returned, and to You is the destination.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤] ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾

﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ﴾ أيْ: قُدْوَةٌ ﴿حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ أيْ: أتْباعِهِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، كَلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ وعَبَدُوا الطّاغُوتَ ﴿إنّا بُرَآءُ﴾ جَمْعُ بَرِيءٍ، كَظَرِيفٍ وظُرَفاءَ ﴿مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ﴾ أيْ: بِدِينِكم ومَعْبُودِكم. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أنْكَرْنا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ، وجَحَدْنا عِبادَتَكم ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أنْ تَكُونَ حَقًّا ﴿وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ أيْ: لا صُلْحَ بَيْنَنا ولا مَوَدَّةَ إلى أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ. أيْ: تُوَحِّدُوهُ وتُفْرِدُوهُ بِالعِبادَةِ ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: " أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ " قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ في هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي ذَكَرْناها، مِن مُبايَنَةِ الكُفّارِ ومُعاداتِهِمْ، وتَرْكِ مُوالاتِهِمْ، إلّا في قَوْلِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، فَإنَّهُ لا أُسْوَةَ لَكم فِيهِ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ مِن إبْراهِيمَ لِأبِيهِ عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ. يَقُولُ تَعالى ذِكْرُهُ: فَكَذَلِكَ أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، تَبَرَّؤُوا مِن أعْداءِ اللَّهِ المُشْرِكِينَ بِهِ، (p-٥٧٦٦)ولا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ، وأظْهِرُوا لَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ، حَتّى يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ، ويَتَبَرَّؤُوا عَنْ عِبادَةِ ما سِواهُ.

ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: نُهُوا أنْ يَتَأسَّوْا بِاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ، فَيَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ.

﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: وما أدْفَعُ عَنْكَ مِن عُقُوبَةِ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ عِقابَكَ. والجُمْلَةُ مِن تَمامِ المُسْتَثْنى، إلّا أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ اسْتِثْناءِ المَجْمُوعِ اسْتِثْناءُ عُمُومِ أفْرادِهِ، ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: القَصْدُ إلى مَوْعِدِ الِاسْتِغْفارِ وما بَعْدَهُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ، وتابِعٌ لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: أنا أسْتَغْفِرُ لَكَ، وما في طاقَتِي إلّا الِاسْتِغْفارُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ، وهو مِن جُمْلَةِ الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ، أوْ أمْرٍ مِنهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، تَتْمِيمًا لِما وصّاهم بِهِ مِن قَطْعِ الصِّلاتِ المُضِرَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُحارِبِينَ لَهم. ومَعْنى: " إلَيْكَ أنَبْنا " أيْ: إلَيْكَ رَجَعْنا بِالتَّوْبَةِ مِمّا تَكْرَهُ، إلى ما تُحِبُّ وتَرْضى.

60:5Page 549

رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٥

Our Lord, make us not [objects of] torment for the disbelievers and forgive us, our Lord. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥] ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدَكَ فَيَقُولُوا: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ ما أصابَهم هَذا. وكَذا قالَ قَتادَةُ، أيْ: لا تُظْهِرْهم عَلَيْنا فَيَفْتَتِنُوا بِذَلِكَ. يَرَوْنَ أنَّهم إنَّما ظَهَرُوا عَلَيْنا لِحَقٍّ هم عَلَيْهِ. انْتَهى.

ومَآلُ هَذا الدُّعاءِ هو التَّعَوُّذُ مِن مِثْلِ ما صَنَعَ حاطِبٌ، مِمّا يُورِثُ افْتِتانَ المُشْرِكِينَ بِالدِّينِ؛ إذْ يَكُونُ ذَلِكَ مَدْعاةً لِقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ، وما يُوعَدُونَ بِهِ مِنَ الظَّفَرِ حَقٌّ، لَما (p-٥٧٦٧)صانَعَنا مُؤْمِنُهُمْ، فَإذَنْ ما هم عَلَيْهِ أمانِيُّ. فَيَتَزَلْزَلُ مَن كانَ في نَفْسِهِ الِانْتِظامُ في سِلْكِهِمْ، والِاسْتِسْعادِ بِحَقِّهِمْ. فَفي الآيَةِ مَعْنى كَبِيرٌ، وتَأْدِيبٌ عَظِيمٌ. أيْ: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا نُهْمِلُ مِن دِينِنا ما أُمِرْنا بِهِ، أوْ نَتَساهَلُ فِيما عُزِمَ عَلَيْنا مِنهُ، حَتّى لا تَنْحَلَّ بِذَلِكَ قُوَّتُنا، ويَتَزَلْزَلَ عِمادُنا، ويُفْتَحَ لِعَدُوِّ الدِّينِ الِافْتِتانُ بِهِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ ما دامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِآدابِ الدِّينِ، مُحافِظِينَ عَلَيْها، قائِمِينَ بِها حَقَّ القِيامِ، فَإنَّ النَّصْرَ قائِدُهم والظَّفَرَ رائِدُهُمْ، ولِذا أصْبَحَ المُسْلِمُونَ في القُرُونِ الأخِيرَةِ بِحالِهِمْ حُجَّةً عَلى دِينِهِمْ أمامَ عَدُوِّهِمْ، ولا مُسْتَرَدَّ لِقَوْلِهِمْ، ومُسْتَعادَ لِمَجْدِهِمْ، إلّا بِالرُّجُوعِ إلى أصْلِ كِتابِهِمْ، والعِلْمِ بِآدابِهِ، والمُحافَظَةِ عَلى أحْكامِهِ، ونَبْذِ ما أُلْصِقَ بِهِ، مِمّا يُحَرِّفُ كَلِمَتَهُ، ويُجافِي حَقِيقَتَهُ، ولِلْحُكَماءِ في هَذا المَوْضُوعِ مَقالاتٌ مَعْرُوفَةٌ.

60:6Page 550

لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦

There has certainly been for you in them an excellent pattern for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day. And whoever turns away - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦] ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾

﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ تَكْرِيرٌ لِوُجُوبِ التَّأسِّي بِإبْراهِيمَ وأصْحابِهِ، لِمَزِيدِ الحَثِّ عَلى التَّبَرُّؤِ مِنَ المُشْرِكِينَ، والِاسْتِرْسالِ إلَيْهِمْ، فَإنَّ مَحَبَّةَ المُفْسِدِينَ فِيها تَخْرِيبٌ لِمَبانِي الحَقِّ، وتَوْهِينٌ لِقُوى أهْلِهِ، وتَشْكِيكٌ لِضُعَفاءِ القُلُوبِ، مِمّا يُفْسِدُ عَمَلَ المُخْلِصِينَ، ويُزَلْزِلُ مَساعِيَهُمْ، ويَفْتِنُ أعْداءَهم بِهِمْ، لِذَلِكَ كانَ البُغْضُ في اللَّهِ مِن شُعَبِ الإيمانِ؛ لِأنَّ الحَقَّ لا يَقْوى إلّا بِاعْتِصابِ أهْلِهِ عَلى كَلِمَتِهِ، ورَمْيِ أعْدائِهِ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ. وفي إبْدالِ: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ مِن " لَكم " دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أنْ يَتْرُكَ التَّأسِّيَ بِهِمْ، وأنَّ تَرْكَهُ مُؤْذِنٌ بِسُوءِ العَقِيدَةِ. ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ:

﴿ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ أيْ: مَن يَتَوَلَّ عَمّا أُمِرَ بِهِ، ويُوالِي أعْداءَ اللَّهِ، ويُلْقِي إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ، فَإنَّهُ لا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ، واللَّهُ هو الغَنِيُّ عَنْ إيمانِهِ بِهِ وطاعَتِهِ، المَحْمُودُ عَلى كُلِّ حالٍ.

(p-٥٧٦٨)

60:7Page 550

۞ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجۡعَلَ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ عَادَيۡتُم مِّنۡهُم مَّوَدَّةٗۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٞۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧

Perhaps Allāh will put, between you and those to whom you have been enemies among them, affection. And Allāh is competent,1 and Allāh is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧] ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً واللَّهُ قَدِيرٌ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً واللَّهُ قَدِيرٌ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هَذا وعْدٌ مِنهُ تَعالى، وقَدْ أنْجَزَهُ بِأنَّ أسْلَمَ كَثِيرٌ مِنهم بَعْدُ، وصارُوا لَهم أوْلِياءَ وأحْزابًا. والآيَةُ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ؛ لِما فِيها مِنَ الإخْبارِ عَنْ مُغَيَّبٍ، وقَعَ مِصْداقُهُ.

60:8–9Page 550

لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨

Allāh does not forbid you from those who do not fight you because of religion and do not expel you from your homes - from being righteous toward them and acting justly toward them. Indeed, Allāh loves those who act justly.

إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٩

Allāh only forbids you from those who fight you because of religion and expel you from your homes and aid in your expulsion - [forbids] that you make allies1 of them. And whoever makes allies of them, then it is those who are the wrongdoers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨ - ٩] ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩]

﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩] هَذا تَرْخِيصٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في صِلَةِ الَّذِينَ لَمْ يُعادُوا المُؤْمِنِينَ ولَمْ يُقاتِلُوهم. فَهو في المَعْنى تَخْصِيصٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي﴾ [الممتحنة: ١] إلَخْ. أيْ: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهُمْ، وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ، أيْ: تُفْضُوا إلَيْهِمْ بِالبِرِّ، وهو الإحْسانُ، والقِسْطُ وهو العَدْلُ، فَهَذا القَدْرُ مِنَ المُوالاةِ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ، بَلْ مَأْمُورٌ بِهِ في حَقِّهِمْ. والخِطابُ (p-٥٧٦٩)وإنْ يَكُنْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ؛ إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ لَفْظِهِ، وقَدْ حاوَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ تَخْصِيصَهُ، فَرَدَّ ذَلِكَ الإمامُ ابْنُ جَرِيرٍ بِقَوْلِهِ:

والصَّوابُ قَوْلُ مَن قالَ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ مِن جَمِيعِ أصْنافِ المِلَلِ والأدْيانِ، أنْ تَبَرُّوهم وتَصِلُوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكُمْ﴾ جَمِيعَ مَن كانَ ذَلِكَ صِفَتَهُ، فَلَمْ يُخَصِّصْ بِهِ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، ولا مَعْنى لِقَوْلِ مَن قالَ: ذَلِكَ مَنسُوخٌ؛ لِأنَّ بِرَّ المُؤْمِنِ مِن أهْلِ الحَرْبِ مِمَّنْ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ ونَسَبٌ، أوْ مِمَّنْ لا قَرابَةَ بَيْنِهِ وبَيْنَهُ ونَسَبٌ، غَيْرُ مُحَرَّمٍ ولا مَنهِيٍّ عَنْهُ، إذا لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ دَلالَةٌ لَهُ، أوْ لِأهْلِ الحَرْبِ، عَلى عَوْرَةٍ لِأهْلِ الإسْلامِ، أوْ تَقْوِيَةٌ لَهم بِكُراعٍ أوْ سِلاحٍ، وقَدْ بَيَّنَ صِحَّةَ ما قُلْناهُ الخَبَرُ في قِصَّةِ أسْماءَ وأُمِّها. انْتَهى.

وذَلِكَ «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَتْ: قَدِمَتْ أُمِّي وهي مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ قُرَيْشٍ، إذْ عاهَدُوا، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وهي راغِبَةٌ، أفَأصِلُها؟ قالَ: «نَعَمْ! صِلِي أُمَّكِ»» . رَواهُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ، ورَواهُ أيْضًا الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ قالَ: قَدِمَتْ قُتَيْلَةُ عَلى ابْنَتِها أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ بِهَدايا: ضِبابٍ، وقُرَظٍ، وسَمْنٍ، وهي مُشْرِكَةٌ، فَأبَتْ أسْماءُ أنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَها، وتُدْخِلَها بَيْتَها، فَسَألَتْ عائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ.

(p-٥٧٧٠)فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. فَأمَرَها أنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَها، وأنْ تُدْخِلَها بَيْتَها». قالَ الرّازِيُّ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ وكَذَلِكَ ﴿أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] والمَعْنى: لا يَنْهاكم عَنْ مَبَرَّةِ هَؤُلاءِ، إنَّما يَنْهاكم عَنْ تَوَلِّي هَؤُلاءِ، وهَذا رَحْمَةٌ لَهُمْ، لِشِدَّتِهِمْ في العَداوَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ عَلى جَوازِ البِرِّ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُسْلِمِينَ، وإنْ كانَتِ المُوالاةُ مُنْقَطِعَةً. انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском