Al-QasimiAr‑Rahman · 55:1–28

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

الرحمن

Ar-Rahman

The Beneficent · Medinan · 78 ayahs

55:1–2Page 531

ٱلرَّحۡمَٰنُ ١

The Most Merciful

عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ ٢

Taught the Qur’ān,

(p-٥٦١٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الرَّحْمَنِ

قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِأنَّها مَمْلُوءَةٌ بِذِكْرِ الآلاءِ الجَلِيلَةِ، وهي راجِعَةٌ إلى هَذا الِاسْمِ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ، عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وآيُها ثَمانٍ وسَبْعُونَ.

وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ أنَّ أوَّلَ مُفَصَّلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، كانَ الرَّحْمَنَ.

(p-٥٦١١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١ - ٢] ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢]

﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢] أيْ: بَصَّرَ بِهِ ما فِيهِ رِضاهُ، وما فِيهِ سَخَطُهُ، بِرَحْمَتِهِ لِيُطاعَ بِاتِّباعِ ما يُرْضِيهِ، وعَمَلِ ما أمَرَ بِهِ، وبِاجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ، وأوْعَدَ عَلَيْهِ، فَيُنالُ جَزِيلُ ثَوابِهِ، ويُنَجّى مِن ألِيمِ عِقابِهِ.

قالَ القاضِي: لَمّا كانَتِ السُّورَةُ مَقْصُورَةً عَلى تَعْدادِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، صَدَّرَها بِـ: الرَّحْمَنِ وقَدَّمَ ما هو أصْلُ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ وأجَلُّها، وهو إنْعامُهُ بِالقُرْآنِ، وتَنْزِيلُهُ وتَعْلِيمُهُ، فَإنَّهُ أساسُ الدِّينِ، ومَنشَأُ الشَّرْعِ، وأعْظَمُ الوَحْيِ، وأعَزُّ الكُتُبِ، إذْ هو بِإعْجازِهِ واشْتِمالِهِ عَلى خُلاصَتِها، مُصَدِّقٌ لِنَفْسِهِ، ومِصْداقٌ لَها.

ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ:

55:3–4Page 531

خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ ٣

Created man,

عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ ٤

[And] taught him eloquence.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣ - ٤] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٤]

﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٤] إيماءٌ بِأنَّ خَلْقَ البَشَرِ، وما تَمَيَّزَ بِهِ عَنْ سائِرِ الحَيَوانِ مِنَ البَيانِ -وهُوَ التَّعْبِيرُ عَمّا في الضَّمِيرِ، وإفْهامُ الغَيْرِ- لِما أدْرَكَهُ لِتَلَقِّي الوَحْيِ، وتَعَرُّفِ الحَقِّ، وتَعَلُّمِ الشَّرْعِ، أيْ: فَإذا كانَ خَلْقُهم إنَّما هو في الحَقِيقَةِ لِذَلِكَ اقْتَضى اتِّصالَهُ بِالقُرْآنِ، وتَنْزِيلَهُ الَّذِي هو مَنبَعُهُ، وأساسُ بُنْيانِهِ.

(p-٥٦١٢)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإخْلاؤُها مِنَ العاطِفِ لِمَجِيئِها عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ أغْناكَ بَعْدَ فَقْرٍ، أعَزَّكَ بَعْدَ ذُلٍّ، كَثَّرَكَ بَعْدَ قِلَّةٍ، فَعَلَ بِكَ ما لَمْ يَفْعَلْ أحَدٌ بِأحَدٍ، فَما تُنْكِرُ إحْسانَهُ؟ وهَذا -كَما قالَ الشِّهابُ - مُصَحَّحٌ. والمُرَجَّحُ الإشارَةُ إلى أنَّ كُلًّا مِنها رُبَّما مُسْتَقِلَّةٌ تَقْتَضِي الشُّكْرَ، فَفِيهِ إيماءٌ إلى تَقْصِيرِهِمْ في أدائِهِ. ولَوْ عُطِفَتْ مَعَ شِدَّةِ اتِّصالِها وتَناسُبِهِ، رُبَّما تُوُهِّمَ أنَّها كُلَّها نِعْمَةٌ واحِدَةٌ.

وقالَ الأصْفَهانِيُّ في (الذَّرِيعَةِ): لَمّا كانَ النُّطْقُ أشْرَفَ ما خُصَّ بِهِ الإنْسانُ، فَإنَّ صُورَتَهُ المَعْقُولَةَ الَّتِي بِها بايَنَ سائِرَ الحَيَوانِ، قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٤] ولَمْ يَقُلْ: (وعَلَّمَهُ)؛ إذْ جُعِلَ قَوْلُهُ: ﴿عَلَّمَهُ﴾ [الرحمن: ٤] تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ تَنْبِيهًا أنَّ خَلْقَهُ إيّاهُ هو تَخْصِيصُهُ بِالبَيانِ الَّذِي لَوْ تُوُهِّمَ مُرْتَفِعًا لَكانَتِ الإنْسانِيَّةُ مُرْتَفِعَةً، ولِذَلِكَ قِيلَ: ما الإنْسانُ لَوْلا اللِّسانُ إلّا بَهِيمَةٌ مُهْمَلَةٌ أوْ صُورَةٌ مُمَثِّلَةٌ. وقِيلَ: المَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسانِهِ.

قالَ الشّاعِرُ:

؎لِسانُ الفَتى نِصْفٌ ونِصْفٌ فُؤادُهُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا صُورَةُ اللَّحْمِ والدَّمِ

أيْ: إذا تُوُهِّمَ ارْتِفاعُ النُّطْقِ الَّذِي هو بِاللِّسانِ، والقُوَّةِ النّاطِقَةِ الَّتِي هي بِالفُؤادِ، لَمْ يَبْقَ إلّا صُورَةُ اللَّحْمِ والدَّمِ. فَإذا كانَ الإنْسانُ هو اللِّسانَ فَلا شَكَّ أنَّ مَن كانَ أكْثَرَ مِنهُ حَظًّا كانَ أكْثَرَ مِنهُ إنْسانِيَّةً. والصَّمْتُ مِن حَيْثُ ما هو صَمْتٌ مَذْمُومٌ، فَذَلِكَ مِن صِفاتِ الجَماداتِ، فَضْلًا عَنِ الحَيَواناتِ. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الحَيَواناتِ بِلا صَوْتٍ، وجَعَلَ لِبَعْضِها صَوْتًا بِلا تَرْكِيبٍ، ومَن مَدَحَ الصَّمْتَ فاعْتِبارًا بِمَن يُسِيءُ في الكَلامِ، فَيَقَعُ مِنهُ جِناياتٌ عَظِيمَةٌ في أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، فَإذا ما اعْتَبَرا بِأنْفُسِهِما، فَمُحالٌ أنْ يُقالَ في الصَّمْتِ فَضْلٌ، فَضْلًا أنْ يُخايَرَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النُّطْقِ. وسُئِلَ حَكِيمٌ عَنْ فَضْلِهِما فَقالَ: الصَّمْتُ أفْضَلُ حَتّى يَحْتاجَ إلى النُّطْقِ. (p-٥٦١٣)وسُئِلَ آخَرُ عَنْ فَضْلِهِما فَقالَ: الصَّمْتُ عَنِ الخَنا أفْضَلُ مِنَ الكَلامِ بِالخَطَأِ. وعَنْهُ أخَذَ الشّاعِرُ:

؎الصَّمْتُ ألْيَقُ بِالفَتى ∗∗∗ مِن مَنطِقٍ في غَيْرِ حِينِهْ

انْتَهى. وقَدْ جُوِّزَ -كَما حَكاهُ الشِّهابُ - أنْ يَكُونَ الرَّحْمَنُ خَبَرَ مَحْذُوفٍ، أيِ: اللَّهُ الرَّحْمَنُ، وما بَعْدَهُ مُسْتَأْنِفٌ لِتَعْدِيدِ نِعَمِهِ. ثُمَّ قالَ: و" عَلَّمَ " مِنَ التَّعْلِيمِ، ومَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ، أيْ: عَلَّمَ الإنْسانَ، لا جِبْرِيلَ أوْ مُحَمَّدًا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَيْسَ (مِنَ العَلامَةِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ)، كَما قِيلَ، أيْ: جَعَلَهُ عَلامَةً وآيَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ، لِبُعْدِهِ.

55:5–7Page 531

ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانٖ ٥

The sun and the moon [move] by precise calculation,

وَٱلنَّجۡمُ وَٱلشَّجَرُ يَسۡجُدَانِ ٦

And the stars and trees prostrate.1

وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ ٧

And the heaven He raised and imposed the balance

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥ - ٧] ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧]

﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ أيْ: يَجْرِيانِ بِحِسابٍ مَعْلُومٍ مُقَدَّرٍ في بُرُوجِهِما ومَنازِلِهِما، بِهِ تَتَّسِقُ أُمُورُ الكائِناتِ السُّفْلِيَّةِ، وتَخْتَلِفُ الفُصُولُ والأوْقاتُ، ويُعْلَمُ السُّنُونَ والحِسابُ.

﴿والنَّجْمُ﴾ [الرحمن: ٦] أيِ: النَّباتُ الَّذِي يَنْجُمُ، أيْ: يَطْلُعُ مِنَ الأرْضِ ولا ساقَ لَهُ.

﴿والشَّجَرُ﴾ [الرحمن: ٦] أيِ: الَّذِي لَهُ ساقٌ ﴿يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] أيْ: يَنْقادانِ لِلَّهِ فِيما يُرِيدُ بِهِما طَبْعًا، انْقِيادَ السّاجِدِ مِنَ المُكَلَّفِينَ طَوْعًا. فَهو اسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ تَبَعِيَّةٌ، شَبَّهَ جَرْيَهُما عَلى مُقْتَضى طَبِيعَتِهِ، بِانْقِيادِ السّاجِدِ لِخالِقِهِ والجُمْلَةُ -إنْ كانَتْ خَبَرًا عَنِ الرَّحْمَنِ لِعَطْفِها عَلى الخَبَرِ- فالرّابِطُ مَحْذُوفٌ لِوُضُوحِهِ، أيْ: بِحُسْبانِهِ ويَسْجُدانِ لَهُ. أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، فالقَطْعُ لِأنَّها مَسُوقَةٌ لِغَرَضٍ آخَرَ. وإدْخالُ العاطِفِ بَيْنَهُما لِما أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ سَماوِيّانِ، والنَّجْمَ والشَّجَرَ أرْضِيّانِ، فَبَيْنَهُما مُناسَبَةٌ بِالتَّقابُلِ، وبِانْقِيادِ الكُلِّ لِإرادَتِهِ.

﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾ [الرحمن: ٧] أيْ: خَلَقَها مَرْفُوعَةً.

﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] أيِ: العَدْلَ بَيْنَ خَلْقِهِ في الأرْضِ.

(p-٥٦١٤)قالَ القاشانِيُّ: أيْ: خَفَضَ مِيزانَ العَدْلِ إلى أرْضِ النَّفْسِ والبَدَنِ، فَإنَّ العَدالَةَ هَيْئَةٌ نَفْسانِيَّةٌ، لَوْلاها لَما حَصَلَتِ الفَضِيلَةُ الإنْسانِيَّةُ. ومِنهُ الِاعْتِدالُ في البَدَنِ الَّذِي لَوْ لَمْ يَكُنْ لَما وُجِدَ ولَمْ يَبْقَ. ولَمّا اسْتَقامَ أمْرُ الدِّينِ والدُّنْيا بِالعَدْلِ واسْتَتَبَّ كَمالُ النَّفْسِ والبَدَنِ بِهِ، بِحَيْثُ لَوْلاهُ لَفَسَدَ أمْرٌ بِمُراعاتِهِ ومُحافَظَتِهِ قَبْلَ تَعْدِيدِ الأُصُولِ بِتَمامِها، لِشِدَّةِ العِنايَةِ بِهِ، وفَرْطِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

55:8–9Page 531

أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ ٨

That you not transgress within the balance.

وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ ٩

And establish weight in justice and do not make deficient the balance.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨ - ٩] ﴿ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩]

﴿ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ أيْ: بِالإفْراطِ عَنْ حَدِّ الفَضِيلَةِ والِاعْتِدالِ، فَيَلْزَمُ الجَوْرُ المُوجِبُ لِلْفَسادِ. و(أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ عَلى تَقْدِيرِ الجارِّ، أيْ: لِئَلّا تَطْغَوْا فِيهِ، أوْ مُفَسِّرَةٌ لِما في وضْعِ المِيزانِ مِن مَعْنى القَوْلِ، لِأنَّهُ بِالوَحْيِ وإعْلامِ الرُّسُلِ.

﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩] أيْ: الِاسْتِقامَةُ في الطَّرِيقَةِ، ومُلازَمَةُ حَدِّ الفَضِيلَةِ، ونُقْطَةِ الِاعْتِدالِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، وكُلِّ القُوى.

﴿ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: بِالتَّفْرِيطِ عَنْ حَدِّ الفَضِيلَةِ.

قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: العَدْلُ مِيزانُ اللَّهِ تَعالى، وضَعَهُ لِلْخَلْقِ، ونَصَبَهُ لِلْحَقِّ. انْتَهى.

ومِمَّنْ فَسَّرَ المِيزانَ في الآيَةِ بِالعَدْلِ مُجاهِدٌ وتَبِعَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وكَذا ابْنُ كَثِيرٍ، ونَظَرَ لِذَلِكَ بِآيَةِ ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْـزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالمِيزانِ ما يُعْرَفُ بِهِ مَقادِيرُ الأشْياءِ مِن مِيزانٍ ومِكْيالٍ ونَحْوِهِما. ومِنهُ قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): فِيهِ وُجُوبُ العَدْلِ في الوَزْنِ، وتَحْرِيمُ البَخْسِ فِيهِ، وعَلَيْهِ فَوَجْهُ اتِّصالِ قَوْلِهِ: ووَضَعَ المِيزانَ بِما قَبْلَهُ، هو أنَّهُ لَمّا وصَفَ السَّماءَ (p-٥٦١٥)بِالرِّفْعَةِ الَّتِي هي مَصْدَرُ القَضايا والأقْدارِ، أرادَ وصْفَ الأرْضِ بِما فِيها، مِمّا يَظْهَرُ بِهِ التَّفاوُتُ، ويُعْرَفُ بِهِ المِقْدارُ، ويُسَوّى بِهِ الحُقُوقُ والمَواجِبُ، كَذا ارْتَآهُ القاضِي، واللَّهُ أعْلَمُ.

وفِي الحَقِيقَةِ، الثّانِي مَن أفْرادِ الأوَّلِ، وأخْذُ اللَّفْظِ عامًّا أوْلى وأفْيَدُ.

ومِنَ اللَّطائِفِ الَّتِي يَتَّسِعُ لَها نَظْمُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلُ الرّازِيِّ:

المِيزانُ ذُكِرَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، كُلَّ مَرَّةٍ بِمَعْنى، فالأوَّلُ: هو الآلَةُ، والثّانِي: لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى المَصْدَرِ، والثّالِثُ: لِلْمَفْعُولِ. قالَ: وهو كالقُرْآنِ، ذُكِرَ بِمَعْنى المُناسَبَةِ، قَوْلُهُ تَعالى:

﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] وبِمَعْنى المَقْرُوءِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] وبِمَعْنى الكِتابِ الَّذِي فِيهِ المَقْرُوءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] فَكَأنَّهُ آلَةٌ ومَحَلٌّ لَهُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] ثُمَّ قالَ: وبَيْنَ القُرْآنِ والمِيزانِ مُناسَبَةٌ، فَإنَّ القُرْآنَ فِيهِ مِنَ العِلْمِ ما لا يُوجَدُ في غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ، والمِيزانَ فِيهِ مِنَ العَدْلِ ما لا يُوجَدُ في غَيْرِهِ مِنَ الآلاتِ. انْتَهى.

55:10–13Page 531

وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ ١٠

And the earth He laid [out] for the creatures.

فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَٱلنَّخۡلُ ذَاتُ ٱلۡأَكۡمَامِ ١١

Therein is fruit and palm trees having sheaths [of dates]

وَٱلۡحَبُّ ذُو ٱلۡعَصۡفِ وَٱلرَّيۡحَانُ ١٢

And grain having husks and scented plants.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣

So which of the favors of your Lord would you deny?1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠ - ١٣] ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ﴾ ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣]

﴿والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ﴾ أيْ: مَهَّدَها لِلْخَلْقِ ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ [الرحمن: ١١] أيْ: صُنُوفٌ مِمّا يَتَفَكَّهُ بِهِ ﴿والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ [الرحمن: ١١] أيْ: أوْعِيَةِ الطَّلْعِ، وهو الَّذِي يَطَّلِعُ فِيهِ العُنْقُودُ، (p-٥٦١٦)ثُمَّ يَنْشَقُّ عَنِ العُقُودِ فَيَكُونُ بُسْرًا ثُمَّ رُطَبًا، ثُمَّ يَنْضَجُ ويَتَناهى نَفْعُهُ واسْتِواؤُهُ، وإنَّما مُخْتَلِفَةٌ بِالذِّكْرِ، لِما فِيها مِنَ الفَوائِدِ العَظِيمَةِ، عَلى ما عُرِفَ مِنِ اتِّخاذِ الظُّرُوفِ مِنها، والِانْتِفاعِ بِجُمّارِها وبِالطَّلْعِ والبُسْرِ والرُّطَبِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَثَمَرَتُها في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَأنَّها ثَمَراتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَهي أتَمُّ نِعْمَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِها مِنَ الأشْجارِ، فَلِذا ذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِهِ، وذَكَرَ الفاكِهَةَ دُونَ أشْجارِها، فَإنَّ فَوائِدَ أشْجارِها في عَيْنِ ثِمارِها.

﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ﴾ [الرحمن: ١٢] أيْ: وفِيها الحَبُّ، وهو حَبُّ البُرِّ والشَّعِيرِ ونَحْوِهِما ﴿ذُو العَصْفِ﴾ [الرحمن: ١٢] أيِ: الوَرَقِ اليابِسِ كالتِّبْنِ ﴿والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] أيِ: الوَرَقِ الأخْضَرِ، تَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ بِهِ وبِوَرَقِهِ في حالِيَّتِهِ. هَذا عَلى (قِراءَةِ): الرَّيْحانِ بِالجَرِّ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ، وهو الزَّرْعُ الأخْضَرُ مُطْلَقًا، سُمِّيَ بِهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِما فِيهِ الرُّوحُ؛ لِأنَّ حَياتَهُ النَّباتِيَّةَ في نَضْرَةِ خُضْرَتِهِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّيْحانُ خُضْرُ الزَّرْعِ.

وقالَ القُرْطُبِيُّ: الرَّيْحانُ، إمّا فَيْعَلانُ، مِن (رَوَحَ)، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَ ثُمَّ خُفِّفَ، أوْ فِعْلانُ، قُلِبَتْ واوُهُ ياءً لِلتَّخْفِيفِ، أوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرُّوحانِ، وهو ما لَهُ رُوحٌ.

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] قالَ أبُو السُّعُودِ: الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ المَدْلُولُ عَلَيْهِما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلأنامِ﴾ وسَيَنْطَلِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ، والتَّوْبِيخِ عَلى فَصْلٍ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ، وصُنُوفِ الآلاءِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ والشُّكْرِ حَتْمًا. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ والتَّرْبِيَةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ، وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ. ومَعْنى تَكْذِيبِهِمْ بِآلائِهِ تَعالى كُفْرُهم بِها، إمّا بِإنْكارِ كَوْنِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ، كَتَعْلِيمِ القُرْآنِ، وما يَسْتَنِدُ إلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ، وإمّا بِإنْكارِ كَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ الِاعْتِرافِ بِكَوْنِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ، كالنِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ بِإسْنادِهِ إلى غَيْرِهِ تَعالى اسْتِقْلالًا، أوِ اشْتِراكًا صَرِيحًا، أوْ دَلالَةً، فَإنَّ إشْراكَهم لِآلِهَتِهِمْ بِهِ تَعالى في العِبادَةِ (p-٥٦١٧)مِن دَواعِي إشْراكِهِمْ لَها بِهِ تَعالى فِيما يُوجِبُها. والتَّعْبِيرُ عَنْ كُفْرِهِمُ المَذْكُورِ بِالتَّكْذِيبِ، لِما أنَّ دَلالَةَ الآلاءِ المَذْكُورَةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ والشُّكْرِ، شَهادَةٌ مِنها بِذَلِكَ، فَكُفْرُهم تَكْذِيبٌ بِها لا مَحالَةَ، أيْ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَما فُصِّلَ، فَبِأيِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ آلاءِ مالِكِكُما ومُرَبِّيكُما بِتِلْكَ الآلاءِ تُكَذِّبانِ، مَعَ أنَّ كُلًّا مِنهُما ناطِقٌ بِالحَقِّ، شاهِدٌ بِالصِّدْقِ. انْتَهى.

55:14–16Page 531

خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ ١٤

He created man from clay like [that of] pottery.

وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ ١٥

And He created the jinn from a smokeless flame of fire.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٦

So which of the favors of your Lord would you deny?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤ - ١٦] ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦]

﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: تَمْهِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ عَلى إخْلالِهِمْ بِمَواجِبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِذاتَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الثَّقَلَيْنِ. و(الصَّلْصالُ) الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي لَهُ صَلْصَلَةٌ، و(الفَخّارُ) الخَزَفُ. وقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تُرابٍ جَعَلَهُ طِينًا. ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ صَلْصالًا، فَلا تَنافِي بَيْنَ الآيَةِ النّاطِقَةِ بِأحَدِها، وبَيْنَ ما نَطَقَ بِهِ بِأحَدِ الآخَرِينَ.

﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾ [الرحمن: ١٥] أيِ: الجِنَّ، أوْ أبا الجِنِّ، ﴿مِن مارِجٍ﴾ [الرحمن: ١٥] أيْ: لَهَبٍ صافٍ.

﴿مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٦] أيْ: مِمّا أفاضَ عَلَيْكُما في تَضاعِيفِ خَلْقِكُما مِن سَوابِغِ النِّعَمِ، ومِمّا أظْهَرَهُ لَكُما بِالقُرْآنِ.

55:17–18Page 532

رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ وَرَبُّ ٱلۡمَغۡرِبَيۡنِ ١٧

[He is] Lord of the two sunrises and Lord of the two sunsets.1

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٨

So which of the favors of your Lord would you deny?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧ - ١٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨]

﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ أيْ: مَشْرِقَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ومَغْرِبَيْهِما، أوْ مَشْرِقَيِ الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِبَيْهِما.

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٨] أيْ: مِمّا فِيهِما مِنَ النِّعَمِ (p-٥٦١٨)والفَوائِدِ الَّتِي لا تُحْصى، كاخْتِلافِ الفُصُولِ، وحُدُوثِ ما يُناسِبُ كُلَّ فَصْلٍ فِيهِ مِنَ الخَيْراتِ والبَرَكاتِ الَّتِي بِها قِوامُ العالَمِ.

55:19–21Page 532

مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ ١٩

He released the two seas,1 meeting [one another];

بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ ٢٠

Between them is a barrier so neither of them transgresses.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢١

So which of the favors of your Lord would you deny?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩ - ٢١] ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١]

﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ: أرْسَلَهُما، مِن مَرَجَ فُلانٌ دابَّتَهُ، إذا خَلّاها وتَرَكَها. والمَعْنى: أرْسَلَ وأجْرى البَحْرَ المِلْحَ، والبَحْرَ العَذْبَ ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ أيْ: يَتَجاوَرانِ.

﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن: ٢٠] أيْ: حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وبَدِيعِ صُنْعِهِ ﴿لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] أيْ: لا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ، وإبْطالِ الخاصِّيَّةِ.

قالَ الشِّهابُ: يَعْنِي أنَّهُما إذا دَخَلَ أحَدُهُما في الآخَرِ قَدْ يُجْرى فِيهِ فَراسِخُ ولا يَتَلاشى ويَضْمَحِلُّ، حَتّى يُغَيِّرَ أحَدُهُما طَعْمَ الآخَرِ ولَوْنَهُ، كَما نُشاهِدُهُ.

وقِيلَ: المُرادُ بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ، فَإنَّهُما يَلْتَقِيانِ في البَحْرِ المُحِيطِ، وبَيْنَهُما بَرْزَخٌ مِنَ الأرْضِ، لا يَتَجاوَزانِ حَدَّيْهِما بِإغْراقِ ما بَيْنَهُما، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ، قالَ الشِّهابُ: لَكِنَّهُ أوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] الآيَةَ، والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ عُنِيَ بِهِ بَحْرُ السَّماءِ وبَحْرُ الأرْضِ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ قالَ: يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ، واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ إنَّما يَخْرُجُ مِن أصْدافِ بَحْرِ الأرْضِ عَنْ قُطْرِ ماءِ السَّماءِ، فَمَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ بَحْرُ الأرْضِ وبَحْرُ السَّماءِ. انْتَهى.

(p-٥٦١٩)وفِيهِ ما في الَّذِي قَبْلَهُ مِن عَدَمِ مُوافَقَتِهِ لِتِلْكَ الآيَةِ، والأصْلُ في الآيِ التَّشابُهُ.

زادَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لا يُسَمّى بَرْزَخًا، وحِجْرًا مَحْجُورًا؛ فالأوْلى هو الأوَّلُ.

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢١] أيْ: مِمّا في البَحْرَيْنِ وخَلْقِهِما مِنَ الفَوائِدِ، وقَدْ أشارَ إلى بَعْضِهِما بِقَوْلِهِ:

55:22–23Page 532

يَخۡرُجُ مِنۡهُمَا ٱللُّؤۡلُؤُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٢٢

From both of them emerge pearl and coral.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٣

So which of the favors of your Lord would you deny?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢ - ٢٣] ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣]

﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ أيْ: كِبارُ الدُّرِّ وصِغارُهُ. أوِ (المَرْجانُ): الخَرَزُ الأحْمَرُ المَعْرُوفُ. وإنَّما قِيلَ: مِنهُما مَعَ أنَّهُ يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، وهو المِلْحُ، لِأنَّهُ لِامْتِزاجِهِما يَكُونُ خارِجًا مِنهُما حَقِيقَةً، أوْ أنَّهُ نُسِبَ لَهُما ما هو لِأحَدِهِما، كَما يُسْنَدُ إلى الجَماعَةِ ما صَدَرَ مِن واحِدٍ مِنهم. قالَ النّاصِرُ: وهَذا هو الصَّوابُ، ومِثْلُهُ: ﴿لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وإنَّما أُرِيدَ إحْدى القَرْيَتَيْنِ، وكَما يُقالُ: هو مِن أهْلِ مِصْرَ، وإنَّما هو مِن مَحَلَّةٍ مِنها. انْتَهى.

قالَ الشِّهابُ: ولا يَخْفى أنَّ هَذا -وإنِ اشْتُهِرَ- خِلافُ الظّاهِرِ؛ فَإمّا أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ " مِنهُما " لِبَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ، أوْ يُقالُ: مَعْنى خُرُوجِهِ مِنهُما لَيْسَ أنَّهُ مُتَكَوِّنٌ فِيهِما، بَلْ أنَّهُما يَحْصُلانِ في جانِبٍ مِنَ البِحارِ انْصَبَّتْ إلَيْها المِياهُ العَذْبَةُ. انْتَهى. والخَطْبُ سَهْلٌ.

ولَمّا كانَ خُرُوجُ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ نِعْمَةً عَلى النّاسِ، لِتَحَلِّيهِمْ بِهِما، كَما تُشِيرُ لَهُ آيَةُ: ﴿ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [فاطر: ١٢] قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٣]

(p-٥٦٢٠)

55:24–25Page 532

وَلَهُ ٱلۡجَوَارِ ٱلۡمُنشَـَٔاتُ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ ٢٤

And to Him belong the ships [with sails] elevated in the sea like mountains.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٥

So which of the favors of your Lord would you deny?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٤ - ٢٥] ﴿ولَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٥]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ الجَوارِ﴾ يَعْنِي السُّفُنَ، جُمَعُ جارِيَةٍ ﴿المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الشِّينِ، بِمَعْنى الظّاهِراتِ السَّيْرِ اللّاتِي تُقْبِلْنَ وتُدْبِرْنَ، وبِفَتْحِها بِمَعْنى المَرْفُوعاتِ القِلاعِ اللّاتِي تُقْبِلُ بِهِنَّ وتُدْبِرُ. و(الأعْلامُ) جَمْعُ عَلَمٍ، وهو الجَبَلُ الطَّوِيلُ. ولَمّا كانَتْ مِن أعْظَمِ الأسْبابِ لِلْمَتاجِرِ والمَكاسِبِ المَنقُولَةِ مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، وإقْلِيمٍ إلى إقْلِيمٍ مِمّا فِيهِ صَلاحٌ لِلنّاسِ في جَلْبِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن سائِرِ أنْواعِ البَضائِعِ، قالَ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٥] أيْ: نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها في هَذِهِ الجَوارِي. قالَ القاضِي: أيْ: مِن خَلْقِ مَوادِّها، والإرْشادِ إلى أخْذِها، وكَيْفِيَّةِ تَرْكِيبِها وإجْرائِها في البَحْرِ بِأسْبابٍ لا يُقَدِّرُ خَلْقَها وجَمْعَها غَيْرُهُ.

55:26–28Page 532

كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ ٢٦

Everyone upon it [i.e., the earth] will perish,

وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ٢٧

And there will remain the Face1 of your Lord, Owner of Majesty and Honor.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٨

So which of the favors of your Lord would you deny?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦ - ٢٨] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨]

﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ أيْ: مَن عَلى ظَهْرِ الأرْضِ هالِكٌ.

﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] أيْ: ذاتُهُ الكَرِيمَةُ ﴿ذُو الجَلالِ﴾ [الرحمن: ٢٧] أيِ: العَظَمَةِ والعُلُوِّ والكِبْرِياءِ ﴿والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] أيِ: التَّفَضُّلِ العامِّ، وهَذِهِ الآيَةُ كَآيَةِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]

(p-٥٦٢١)ولَمّا كانَ فَناءُ الخَلْقِ سَبَبًا لِبَعْثِهِمْ لِلنَّشْأةِ الأُخْرى الَّتِي يَظْهَرُ بِها المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، ويَنْقَلِبُ الأوَّلُ بِالثَّوابِ، ويَبُوءُ الآخَرُ بِالعِقابِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي يَشْمَلُ فِيها العَدْلُ الإلَهِيُّ المُكَلَّفِينَ، قالَ سُبْحانَهُ:﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٨]

وقَدْ أشارَ الرّازِيُّ إلى ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ مِنَ الفَوائِدِ، بِقَوْلِهِ: فِيهِ فَوائِدُ:

مِنها: الحَثُّ عَلى العِبادَةِ، وصَرْفُ الزَّمانِ اليَسِيرِ إلى الطّاعَةِ.

ومِنها: المَنعُ مِنَ الوُثُوقِ بِما يَكُونُ لِلْمَرْءِ، فَلا يَقُولُ -إذا كانَ في نِعْمَةٍ-: إنَّها لَنْ تَذْهَبَ فَيَتْرُكَ الرُّجُوعَ إلى اللَّهِ، مُعْتَمِدًا عَلى مالِهِ ومِلْكِهِ.

ومِنها: الأمْرُ بِالصَّبْرِ إنْ كانَ في ضُرٍّ، فَلا يَكْفُرُ بِاللَّهِ مُعْتَمِدًا عَلى أنَّ الأمْرَ ذاهِبٌ، والضَّرَرَ زائِلٌ.

ومِنها: تَرْكُ اتِّخاذِ الغَيْرِ مَعْبُودًا، والزَّجْرُ عَنْ الِاغْتِرارِ بِالقُرْبِ مِنَ المَمْلُوكِ، وتَرْكُ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى؛ فَإنَّ أمْرَهم إلى الزَّوالِ قَرِيبٌ.

ومِنها: حُسْنُ التَّوْحِيدِ، وتَرْكُ الشِّرْكِ الظّاهِرِ والخَفِيِّ جَمِيعًا، لِأنَّ الفانِيَ لا يَصْلُحُ لِأنْ يُعْبَدَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском