Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
المجادلة
Al-Mujadila
The Pleading Woman · Medinan · 22 ayahs
58:1Page 542
قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ ١
Certainly has Allāh heard the speech of the one who argues [i.e., pleads] with you, [O Muḥammad], concerning her husband and directs her complaint to Allāh. And Allāh hears your dialogue; indeed, Allāh is Hearing and Seeing.
(p-٥٧٠٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُجادَلَةِ
سُمِّيَتْ بِها، لِأنَّها لَمّا كانَتْ لِطَلَبِ الحَقِّ والصَّوابِ، أشْبَهَتْ مُجادَلَةَ الأنْبِياءِ والقُرْآنِ، ولِذَلِكَ سَمِعَ اللَّهُ لِصاحِبِها. قالَهُ المَهايِمِيُّ.
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ، وآيُها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ.
(p-٥٧٠٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ رَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ عائِشَةَ قالَتِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ؛ لَقَدْ جاءَتِ المُجادِلَةُ إلى النَّبِيِّ ﷺ تُكَلِّمُهُ، وأنا في ناحِيَةِ البَيْتِ، ما أسْمَعُ ما تَقُولُ! فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ،» ورَواهُ البُخارِيُّ مُعَلَّقًا. وفي رِوايَةٍ لِابْنِ أبِي حاتِمٍ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: تَبارَكَ الَّذِي أوْعى سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ، إنِّي أسْمَعُ كَلامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، ويَخْفى عَلَيَّ بَعْضُهُ وهي تَشْتَكِي زَوْجَها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهي تَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أكَلَ شَبابِي، ونَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتّى إذا كَبُرَتْ سِنِّي، وانْقَطَعَ ولَدِي، ظاهَرَ مِنِّي! اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ. قالَتْ: فَما بَرِحَتْ، حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿قَدْ سَمِعَ﴾» إلَخْ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويُقالُ فِيها: خَوْلَةُ بِنْتُ مالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وقَدْ تُصَغَّرُ فَيُقالُ: خُوَيْلَةُ. ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الأقْوالِ؛ فالأمْرُ فِيها قَرِيبٌ. وفي "العِنايَةِ". المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ إلَخْ: قَبِلَ قَوْلَها وأجابَهُ، كَما فِي: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، مَجازًا بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ أوْ كِنايَةً. انْتَهى.
وقَوْلُهُ:
﴿وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ: تَشْتَكِي المُجادِلَةُ ما لَدَيْها مِنَ الهَمِّ بِظِهارِ زَوْجِها مِنها، إلى اللَّهِ، وتَسْألُهُ الفَرَجَ.
(p-٥٧٠٦)ومَعْنى ﴿تَحاوُرَكُما﴾ تَرْجِيعَكُما الكَلامَ في هَذِهِ النّازِلَةِ. وذَلِكَ أنَّ الظِّهارَ كانَ طَلاقَ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ في الجاهِلِيَّةِ، فَإذا تَكَلَّمَ بِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلى امْرَأتِهِ أبَدًا. وقَدْ طَمِعَتِ المُشْتَكِيَةُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ قاطِعٍ عَلَقَةَ النِّكاحِ. والنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَبُتَّ لَها في الأمْرِ، حَتّى يَنْزِلَ الوَحْيُ الَّذِي يَرُدُّ التَّنازُعَ إلَيْهِ. ثُمَّ أنْزَلَ تَعالى فِيهِ قَوْلَهُ:
58:2Page 542
ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ ٢
Those who pronounce ẓihār1 among you [to separate] from their wives - they are not [consequently] their mothers. Their mothers are none but those who gave birth to them. And indeed, they are saying an objectionable statement and a falsehood. But indeed, Allāh is Pardoning and Forgiving.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢] ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتُهم إلا اللائِي ولَدْنَهم وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾
﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ﴾ يَعْنِي قَوْلَ الرَّجُلِ لِامْرَأتِهِ إذا غَضِبَ عَلَيْها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يَعْنِي: في حُرْمَةِ الرُّكُوبِ.
﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ أيْ: ما نِساؤُهُمُ اللّاتِي ظاهَرُوا مِنهُنَّ بِأُمَّهاتِهِمْ، أيْ: يَصِرْنَ بِهَذا القَوْلِ كَأُمَّهاتِهِمْ في التَّحْرِيمِ الأبَدِيِّ.
قالَ المَهايِمِيُّ: ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ بِالحَقِيقَةِ، ولا في حُكْمِهِنَّ بِالمَجازِ، إذْ لا يَقْتَضِي المَجازُ أنْ يَكُونَ في حُكْمِ الحَقِيقَةِ، إلّا بِقَلْبِ الحَقائِقِ، لَكِنَّها لا تَنْقَلِبُ.
﴿إنْ أُمَّهاتُهم إلا اللائِي ولَدْنَهُمْ﴾ أيْ: فَلا يُشَبَّهُ بِهِنَّ في الحُرْمَةِ الأزْواجُ ﴿وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ: قَوْلًا تُنْكِرُهُ العُقَلاءُ، وتَتَجافاهُ الكُرَماءُ.
﴿وزُورًا﴾ أيْ: باطِلًا لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ إلْحاقَها بِالأُمِّ المُنافِي لِمُقْتَضى الزَّوْجِيَّةِ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أيْ: لِذُنُوبِ عِبادِهِ، إذا تابُوا مِنها وأنابُوا، فَلا يُعاقِبُهم عَلَيْها بَعْدَ التَّوْبَةِ.
58:3–4Page 542
وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٣
And those who pronounce ẓihār from their wives and then [wish to] go back on what they said - then [there must be] the freeing of a slave before they touch one another. That is what you are admonished thereby; and Allāh is Aware of what you do.
فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۖ فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤
And he who does not find [a slave] - then a fast for two months consecutively1 before they touch one another; and he who is unable - then the feeding of sixty poor persons. That is for you to believe [completely] in Allāh and His Messenger; and those are the limits [set by] Allāh. And for the disbelievers is a painful punishment.
(p-٥٧٠٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣ - ٤] ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤]
[٤] ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ أيْ: يَرْجِعُونَ إلى لَفْظِ الظِّهارِ ثانِيَةً، فالقَوْلُ عَلى حَقِيقَتِهِ، أوْ يَعْزِمُونَ عَلى غِشْيانِهِنَّ ووَطْئِهِنَّ رَغْبَةً في تَحْلِيلِهِنَّ، بَعْدَ تَحْرِيمِهِنَّ، فالقَوْلُ بِمَعْنى المَقُولِ فِيهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤] رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، «عَنْ خُوَيْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ قالَتْ: فِيَّ واللَّهِ! وفي أوْسِ بْنِ صامِتٍ أنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ سُورَةِ المُجادَلَةِ قالَتْ: كُنْتُ عِنْدَهُ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا، قَدْ ساءَ خُلُقُهُ وضَجِرَ، فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَراجَعْتُهُ بِشَيْءٍ، فَغَضِبَ فَقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، قالَتْ: ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ في نادِي قَوْمِهِ ساعَةً ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ، فَإذا هو يُرِيدُنِي عَلى نَفْسِي، قالَتْ: قُلْتُ: والَّذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ! لا تَخْلُصُ إلَيَّ وقَدْ قُلْتَ ما قُلْتَ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ فِينا بِحُكْمٍ. قالَتْ: فَواثَبَنِي، فامْتَنَعْتُ مِنهُ، فَغَلَبْتُهُ بِما تَغْلِبُ بِهِ المَرْأةُ الشَّيْخَ الضَّعِيفَ، فَألْقَيْتُهُ عَنِّي. قالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ إلى بَعْضِ جاراتِي، (p-٥٧٠٨)فاسْتَعَرْتُ مِنها ثِيابَها ثُمَّ خَرَجْتُ حَتّى جِئْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَذَكَرْتُ لَهُ ما لَقِيتُ مِنهُ، وجَعَلْتُ أشْكُو إلَيْهِ ما ألْقى مِن سُوءِ خُلُقِهِ. قالَتْ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يا خُوَيْلَةُ! ابْنُ عَمِّكِ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فاتَّقِي اللَّهَ فِيهِ» . قالَتْ: فَواللَّهِ! ما بَرِحْتُ حَتّى نَزَلَ فِيَّ القُرْآنُ، فَتَغَشّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما كانَ يَتَغَشّاهُ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقالَ لِي: «يا خُوَيْلَةُ! قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكِ وفي صاحِبِكِ...» ثُمَّ قَرَأ عَلَيَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤] قالَتْ: فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً» . قالَتْ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما عِنْدَهُ ما يُعْتِقُ! قالَ: «فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» . قالَ: فَقُلْتُ: واللَّهِ! إنَّهُ لَشَيْخٌ كَبِيرٌ، ما بِهِ مِن صِيامٍ. قالَ: «فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وسْقًا مِن تَمْرٍ» قالَتْ: فَقُلْتُ: واللَّهِ! يا رَسُولَ اللَّهِ ما ذاكَ عِنْدَهُ. قالَتْ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإنّا سَنُعِينُهُ بِفَرْقٍ مِن تَمْرٍ» . قالَتْ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! وأنا سَأُعِينُهُ بِفَرْقٍ آخَرَ. قالَ: «قَدْ أصَبْتِ وأحْسَنْتِ، فاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي بِهِ عَنْهُ، ثُمَّ اسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خَيْرًا» . قالَتْ: فَفَعَلْتُ». ورَواهُ أبُو داوُدَ: وعِنْدَهُ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، ولا مُنافاةَ كَما تَقَدَّمَ؛ فَإنَّ العَرَبَ كَثِيرًا ما تُصَغِّرُ الأعْلامَ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ في الجاهِلِيَّةِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، حُرِّمَتْ في الإسْلامِ. فَكانَ أوَّلَ مَن ظاهَرَ في الإسْلامِ أوْسٌ، وكانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ يُقالُ لَها: خُوَيْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، فَظاهَرَ مِنها، فَأُسْقِطَ في يَدَيْهِ، وقالَ: ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ، وقالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. قالَ: فانْطَلِقِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَوَجَدَتْ عِنْدَهُ ماشِطَةً تُمَشِّطُ رَأْسَهُ، فَأخْبَرَتْهُ فَقالَ: «يا خُوَيْلَةُ! ما أُمِرْنا في أمْرِكِ بِشَيْءٍ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ فَقالَ: «يا خُوَيْلَةُ! أبْشِرِي» . قالَتْ: خَيْرًا. قالَ: فَقَرَأ عَلَيْها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ١] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ قالَتْ: (p-٥٧٠٩)وأيُّ رَقَبَةٍ لَنا؟ واللَّهِ! ما نَجْدُ رَقَبَةً غَيْرِي؟ قالَ: «﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]» قالَتْ: واللَّهِ! لَوْلا أنَّهُ يَشْرَبُ في اليَوْمِ ثَلاثَ مَرّاتٍ لَذَهَبَ بَصَرُهُ. قالَ:
«﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]» قالَتْ: مِن أيْنَ؟ ما هي إلّا أكْلَةٌ إلى مِثْلِها! قالَ: فَرَعاهُ بِشَطْرِ وسْقٍ ثَلاثِينَ صاعًا، والوَسْقُ سِتُّونَ صاعًا، فَقالَ: «لِيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا ولْيُراجِعْكِ»» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، وسِياقٌ غَرِيبٌ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ نَحْوُ هَذا.
تَنْبِيهاتٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمُ الظِّهارِ، وأنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ، وأنَّهُ خاصٌّ بِالزَّوْجاتِ، دُونَ الأجْنَبِيّاتِ، وأنَّ فِيهِ بِالعُودِ كَفّارَةً، وأنَّهُ يَحْرُمُ الوَطْءُ قَبْلَها، وأنَّها مُرَتَّبَةٌ: العِتْقُ، ثُمَّ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، ثُمَّ إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، واسْتَدَلَّ مالِكٌ بِقَوْلِهِ:
" مِنكم " عَلى أنَّ الكافِرَ لا يَدْخُلُ في الحُكْمِ، وبِقَوْلِهِ:
﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ عَلى صِحَّتِهِ مِنَ الزَّوْجاتِ والسَّرارِيِّ، لِشُمُولِ النِّساءِ لَهُنَّ.
واسْتَدَلَّ ابْنُ جَرِيرٍ وداوُدُ وفِرْقَةٌ بِقَوْلِهِ:
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ عَلى أنَّ العَوْدَ المُوجِبَ لِلْكَفّارَةِ أنْ يَعُودَ إلى لَفْظِ الظِّهارِ فَيُكَرِّرُ.
واسْتَدَلَّ بِإطْلاقِ الرَّقَبَةِ مَن جَوَّزَ في كَفّارَةِ الظِّهارِ عِتْقَ الكافِرَةِ.
واسْتَدَلَّ بِظاهِرِ الآيَةِ مَن لَمْ يَرَ الظِّهارَ إلّا في التَّشْبِيهِ بِظَهْرِ الأُمِّ خاصَّةً دُونَ سائِرِ الأعْضاءِ، ودُونَ الِاقْتِصارِ عَلى قَوْلِهِ: كَأُمِّي، وبِالأُمِّ خاصَّةً دُونَ الجَدّاتِ وسائِرِ المَحارِمِ مِنَ النَّسَبِ أوِ الرِّضاعِ أوِ المُصاهَرَةِ والأبِ والِابْنِ ونَحْوِ ذَلِكَ. ومَن قالَ: لا حُكْمَ لِظِهارِ الزَّوْجَةِ مِن زَوْجِها، لِأنَّهُ تَعالى خَصَّ الظِّهارَ بِالرَّجُلِ. ومَن قالَ بِصِحَّةِ ظِهارِ العَبْدِ لِعُمُومِ: " الَّذِينَ " لَهُ. ومَن قالَ بِإباحَةِ الِاسْتِمْتاعاتِ بِناءً عَلى عَدَمِ دُخُولِها في لَفْظِ المُماسَّةِ. ومَن قالَ: يَجُوزُ الوَطْءُ ونَحْوَ ذَلِكَ قَبْلَ الإطْعامِ إذا كانَ يُكَفِّرُ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٤]
(p-٥٧١٠)وفِي الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن أوْجَبَ الكَفّارَةَ بِمُجَرَّدِ لَفْظِ الظِّهارِ، ولَمْ يَعْتَبِرِ العَوْدَ. ووَجْهُ ما قالَهُ أنَّهُ جَعَلَ العَوْدَ فِعْلَهُ في الإسْلامِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ.
وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَنِ اكْتَفى بِإطْعامِ مِسْكِينٍ واحِدٍ سِتِّينَ يَوْمًا. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [المجادلة: ٤] أيْ: ذَلِكَ البَيانُ أوِ التَّعْلِيمُ لِلْأحْكامِ لِتُصَدِّقُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ في قَبُولِ شَرائِعِهِ، والِانْتِهاءِ عَنْ قَوْلِ الزُّورِ الجاهِلِيِّ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤] الجاحِدُونَ لِفَرائِضِهِ وحُدُودِهِ الَّتِي بَيَّنَها. فالكُفْرُ عَلى حَقِيقَتِهِ، أوِ المُتَعَدُّونَ لَها، وعُنْوانُ الكُفْرِ تَغْلِيظًا لِزَجْرِهِمْ.
58:5Page 542
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٥
Indeed, those who oppose Allāh and His Messenger are abased as those before them were abased. And We have certainly sent down verses of clear evidence. And for the disbelievers is a humiliating punishment
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وقَدْ أنْـزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: في مُخالَفَةِ حُدُودِهِ وفَرائِضِهِ. وأصْلُهُ مِنَ المُحادَّةِ، بِمَعْنى المُعاداةِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعادِيَيْنِ في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّ الآخَرِ.
﴿كُبِتُوا﴾ أيْ: أُخْزُوا ﴿كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي كُفّارَ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿وقَدْ أنْـزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: دَلالاتٍ مُفَصَّلاتٍ، وعَلاماتٍ مُحْكَماتٍ، تَدُلُّ عَلى حَقائِقِ حُدُودِ اللَّهِ ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ يَعْنِي مُنْكِرِي تِلْكَ الآياتِ وجاحِدِيها.
تَنْبِيهٌ:
فَسَّرَ بَعْضُهُمْ: ﴿يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ بِمَعْنى يَضَعُونَ أوْ يَخْتارُونَ حُدُودًا غَيْرَ حُدُودِهِما.
(p-٥٧١١)قالَ مُحَشِّيهِ: فَفِيهِ وعِيدٌ عَظِيمٌ لِلْمُلُوكِ وأُمَراءِ السُّوءِ، الَّذِينَ وضَعُوا أُمُورًا خِلافَ ما حَدَّهُ الشَّرْعُ، وسَمَّوْها قانُونًا.
وقالَ: وقَدْ صَنَّفَ العارِفُ بِاللَّهِ تَعالى الشَّيْخُ بَهاءُ الدِّينِ، قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ، رِسالَةً في كُفْرِ مَن يَقُولُ: يُعْمَلُ بِالقانُونِ والشَّرْعِ، إذا قابَلَ بَيْنَهُما، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى:
﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وقَدْ وصَلَ الدِّينُ إلى مَرْتَبَةٍ مِنَ الكَمالِ لا تَقْبَلُ التَّكْمِيلَ. وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ، بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ. انْتَهى كَلامُهُ.
ولا يَخْفى أنَّ إطْلاقَ الكُفْرِ لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ مِن تَنَطُّعِ الغالِينَ مِنَ الفُقَهاءِ الَّذِينَ زَيَّفَ أقْوالَهم في التَّكْفِيرِ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ النَّحارِيرِ؛ فَإنَّ التَّكْفِيرَ لَيْسَ بِالأمْرِ اليَسِيرِ. والحَقُّ في ذَلِكَ أنَّ القانُونَ الَّذِي يَهْدِمُ نُصُوصَ الشَّرْعِ الَّتِي لا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ ويُبْطِلُها ويَنْسَخُها، فَإنَّهُ كُفْرٌ وضَلالٌ ولا يَقُولُ بِهِ،ولا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ، إلّا المارِقُونَ الجاحِدُونَ وأمّا غَيْرُ المَنصُوصِ عَلَيْهِ -أعْنِي ما لَمْ يَكُنْ قاطِعًا في بابِهِ- مِن آيَةٍ مُحْكَمَةٍ، أوْ خَبَرٍ مُتَواتِرٍ، أوْ إجْماعٍ مِنَ الفُرُوعِ النَّظَرِيَّةِ، والمَسائِلِ الِاجْتِهادِيَّةِ المُدَوَّنَةِ -فَمُخالَفَتُها إلى قانُونٍ عادِلٍ لا يُعَدُّ ضَلالًا ولا كُفْرًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مُخالَفَةِ الشَّرْعِ في شَيْءٍ؛ إذِ الشَّرْعُ ما شَرَعَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، وأُحْكِمَ الأمْرُ فِيهِ، وبُيِّنَ بَيانًا رَفَعَ كُلَّ لَبْسٍ، لا ما تَخالَفَ فِيهِ الفُقَهاءُ، وكانَ مَأْخَذُهُ مِنَ الِاجْتِهادِ، وإعْمالِ الرَّأْيِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا عِصْمَةَ فِيهِ مِنَ الخَطَأِ، مَهْما بَلَغَ رائِيهِ مِنَ المَكانَةِ؛ إذْ لا عِصْمَةَ إلّا في نَصِّ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ، وكَثِيرًا ما تَتَشابَهُ فَرُوعُ الفُقَهاءِ بِمَوادِّ القانُونِ، ولِذا ألَّفَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ كِتابًا في مُطابَقَةِ المَوادِّ النِّظامِيَّةِ لِلْفُرُوعِ الفِقْهِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَوْرِدَ الجَمِيعِ واحِدٌ، وهو الرَّأْيُ والِاجْتِهادُ ورِعايَةُ المَصْلَحَةِ.
ولِشَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ كِتابٌ في هَذا المَعْنى سَمّاهُ "السِّياسَةَ الشَّرْعِيَّةَ" وكَذا لِتِلْمِيذِهِ (p-٥٧١٢)الإمامِ ابْنِ القَيِّمِ، وهو أوْسَعُ. ولِنَجْمِ الدِّينِ الطُّوفِيِّ أيْضًا رِسالَةٌ في المَصالِحِ المُرْسَلَةِ، جَمَعْناها مِن شَرْحِهِ لِلْأرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ. وقَدْ أرْجَعَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ فُرُوعَ الفِقْهِ في قَواعِدِهِ إلى قاعِدَتَيْنِ: اعْتِبارِ المَصالِحِ ودَرْءِ المَفاسِدِ.
قالَ القاضِي زَكَرِيّا: وبَحَثَ بَعْضُهم رُجُوعَ الجَمِيعِ إلى جَلْبِ المَصالِحِ.
وقالَ الشّاطِبِيُّ في "المُوافَقاتِ": إنَّ الشّارِعَ قَصَدَ بِالتَّشْرِيعِ إقامَةَ المَصالِحِ الأُخْرَوِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، وبِأنْ تَكُونَ مَصالِحَ عَلى الإطْلاقِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ وضْعُها عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ أبَدِيًّا وكُلِّيًّا وعامًّا في جَمِيعِ أنْواعِ التَّكْلِيفِ والمُكَلَّفِينَ مِن جَمِيعِ الأحْوالِ.
وقالَ نَجْمُ الدِّينِ الطُّوفِيُّ: إنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: ««لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ»» يَقْتَضِي رِعايَةَ المَصالِحِ إثْباتًا ونَفْيًا، والمَفاسِدِ نَفْيًا، إذِ الضَّرَرُ هو المَفْسَدَةُ، فَإذا نَفاها الشَّرْعُ لَزِمَ إثْباتُ النَّفْعِ الَّذِي هو المَصْلَحَةُ، لِأنَّهُما نَقِيضانِ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، ثُمَّ إنَّ أقْوى الأدِلَّةِ النَّصُّ والإجْماعُ، وهُما إمّا أنْ يُوافِقا رِعايَةَ المَصْلَحَةِ، أوْ يُخالِفاها، فَإنْ وافَقاها، فَبِها ونِعْمَتْ، ولا تَنازُعَ؛ إذْ قَدِ اتَّفَقَتِ الأدِلَّةُ الثَّلاثَةُ عَلى الحُكْمِ، وهي النَّصُّ والإجْماعُ، ورِعايَةُ المَصْلَحَةِ المُسْتَفادَةِ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ««لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ»» . وإنْ خالَفاها وجَبَ تَقْدِيمُ رِعايَةِ المُصْلِحَةِ عَلَيْهِما بِطَرِيقِ التَّخْصِيصِ والبَيانِ لَهُما، لا بِطَرِيقِ الِافْتِئاتِ عَلَيْهِما والتَّعْطِيلِ لَهُما، كَما تُقَدَّمُ السُّنَّةُ عَلى القُرْآنِ، بِطَرِيقِ البَيانِ، انْتَهى. وتَتِمَّةُ كَلامِهِ جَدِيرَةٌ بِالمُراجَعَةِ، هي وتَعْلِيقاتُنا عَلَيْها، فابْحَثْ ولا تَكُنْ أسِيرَ التَّقْلِيدِ، بَلْ مِمَّنْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.
(p-٥٧١٣)
58:6Page 542
يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٦
On the Day when Allāh will resurrect them all and inform them of what they did. Allāh had enumerated it, while they forgot it; and Allāh is, over all things, Witness.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللَّهُ﴾ أيْ: أحاطَ اللَّهُ بِهِ عِلْمًا، ولَمْ يَذْهَبْ عَنْهُ شَيْءٌ ﴿ونَسُوهُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أيْ: رَقِيبٌ، يَعْلَمُهُ ولا يَغِيبُ عَنْهُ. و(يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِ: (اذْكُرْ) مُضْمَرًا. وتَقْدِمَةُ الإخْبارِ بِسِعَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، تَمْهِيدٌ لِما بَعْدَهُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ النَّجْوى بِالإثْمِ، تَحْذِيرًا وتَنْفِيرًا. وقَدْ أكَّدَ ذَلِكَ بِتَفْصِيلِ عِلْمِهِ عِنايَةً بِالمَنهِيِّ عَنْهُ، والمُحَذَّرِ مِنهُ، في قَوْلِهِ تَعالى:
58:7Page 543
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٧
Have you not considered that Allāh knows what is in the heavens and what is on the earth? There are not three in a private conversation but that He is the fourth of them,1 nor are there five but that He is the sixth of them - and no less than that and no more except that He is with them [in knowledge] wherever they are. Then He will inform them of what they did on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ النَّجْوى مَصْدَرٌ، مَعْناها التَّحَدُّثُ سِرًّا، مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّجْوَةِ، وهي ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ السِّرَّ يُصانُ عَنِ الغَيْرِ، كَأنَّهُ رُفِعَ مِن حَضِيضِ الظُّهُورِ إلى أوْجِ الخَفاءِ، عَلى التَّشْبِيهِ.
(p-٥٧١٤)قالَ الشِّهابُ: وأقْرَبُ مِنهُ قَوْلُ الرّاغِبِ؛ لِأنَّ المُتَسارَّيْنِ يَخْلُوانِ بِنَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ. أوْ هو مِنَ النَّجاةِ وتَخْصِيصِ العَدَدَيْنِ، إمّا لِخُصُوصِ الواقِعَةِ، فَكانَ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ، عَلى هَذا العَدَدِ اجْتَمَعُوا مُغايَظَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ لِأنَّ التَّناجِيَ لِلْمُشاوَرَةِ، وأقَلُّهُ ثَلاثَةٌ، لِأنَّ التَّشاوُرَ لا بُدَّ لَهُ مِنَ اثْنَيْنِ يَكُونانِ كالمُتَنازِعَيْنِ، وثالِثٌ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُما. ومُناسَبَةُ ضَمِّ الخَمْسَةِ لِلثَّلاثَةِ، كَوْنُ الخَمْسَةِ أوَّلَ مَراتِبِ ما فَوْقَها في الوِتْرِيَّةِ، فَذُكِّرا لِيُشارَ بِهِما لِلْأقَلِّ والأكْثَرِ. عَلى أنَّهُ عَمَّمَ الحُكْمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
﴿ولا أدْنى مِن ذَلِكَ﴾ أيْ: كالِاثْنَيْنِ ﴿ولا أكْثَرَ﴾ أيْ: كالسِّتَّةِ وما فَوْقَها ﴿إلا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا﴾ أيْ: يَعْلَمُ ما يَكُونُ بَيْنَهم في أيِّ مَكانٍ حَلُّوا، لِأنَّ عِلْمَهُ بِالأشْياءِ لَيْسَ لِقُرْبٍ مَكانِيٍّ حَتّى يَتَفاوَتَ بِاخْتِلافِ الأمْكِنَةِ. رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: هو فَوْقَ العَرْشِ، وعِلْمُهُ مَعَهم أيْنَما كانُوا.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: حَكى غَيْرُ واحِدٍ الإجْماعَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَعِيَّةَ عِلْمِهِ تَعالى. ولا شَكَّ في إرادَةِ ذَلِكَ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ: افْتَتَحَ الآيَةَ بِالعِلْمِ، واخْتَتَمَها بِالعِلْمِ.
تَنْبِيهٌ:
اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى في كُلِّ مَكانٍ، فَرَدَّ عَلَيْهِمُ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في "الفِصَلِ" بِأنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ، ما لَمْ يَمْنَعْ مِن حَمْلِهِ عَلى ظاهِرِهِ نَصٌّ آخَرُ، أوْ إجْماعٌ، أوْ ضَرُورَةُ حِسٍّ. وقَدْ عَلِمْنا أنَّ كُلَّ ما كانَ في مَكانٍ فَإنَّهُ شاغِلٌ لِذَلِكَ المَكانِ ومالِئٌ لَهُ، ومُتَشَكِّلٌ بِشَكْلِ المَكانِ، أوِ المَكانُ مُتَشَكِّلٌ بِشَكْلِهِ، ولا بُدَّ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ ضَرُورَةً، وعَلِمْنا أنَّ ما كانَ في مَكانٍ، فَإنَّهُ مُتَناهٍ بِتَناهِي مَكانِهِ، وهو ذُو جِهاتٍ سِتٍّ أوْ خَمْسٍ مُتَناهِيَةٍ في مَكانِهِ، وهَذِهِ كُلُّها صِفاتُ الجِسْمِ. فَلَمّا صَحَّ ما ذُكِرَ فِيها، عَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى:
(p-٥٧١٥)﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٥] وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ إنَّما هو التَّدْبِيرُ لِذَلِكَ، والإحاطَةُ بِهِ فَقَطْ ضَرُورَةٌ، لِانْتِفاءِ ما عَدا ذَلِكَ. وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُمْ: في كُلِّ مَكانٍ خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ بِمُوجِبِ هَذا القَوْلِ أنْ يَمْلَأ الأماكِنَ كُلَّها، وأنْ يَكُونَ ما في الأماكِنِ فِيهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وهَذا مُحالٌ. فَإنْ قالُوا: هو فِيها، بِخِلافِ كَوْنِ المُتَمَكِّنِ في المَكانِ.
قِيلَ لَهُمْ: هَذا لا يُعْقَلُ، ولا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ. انْتَهى.
وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] كَلامٌ في المَعِيَّةِ لِابْنِ تَيْمِيَةَ، فارْجِعْ إلَيْهِ في سُورَةِ الحَدِيدِ.
58:8Page 543
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٨
Have you not considered those who were forbidden from private conversation [i.e., ridicule and conspiracy] and then return to that which they were forbidden and converse among themselves about sin and aggression and disobedience to the Messenger? And when they come to you, they greet you with that [word] by which Allāh does not greet you1 and say among themselves, "Why does Allāh not punish us for what we say?" Sufficient for them is Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the destination.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهم جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ اليَهُودُ.
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ أيْ: بِما هو إثْمٌ وتَعَدٍّ عَلى المُؤْمِنِينَ، وتَواصٍ بِمُخالَفَةِ النَّبِيِّ ﷺ. قالَ أبُو السُّعُودِ: وذَكَرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ بَيْنَ الخِطابَيْنِ المُتَوَجِّهَيْنِ إلَيْهِ، لِزِيادَةِ تَشْنِيعِهِمْ، واسْتِعْظامِ مَعْصِيَتِهِمْ.
﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ أيْ: مِن قَوْلِهِمْ: (السّامُ عَلَيْكَ، أوْ مِمّا نَسَخَهُ الإسْلامُ مِن تَحايا الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ:
﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١]
(p-٥٧١٦)﴿ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ أيْ: مِنَ التَّناجِي المَذْمُومِ، أوْ مِنَ التَّحْرِيفِ في التَّحِيَّةِ، اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً. أيْ: هَلّا يُعَجِّلُ عُقُوبَتَنا بِذَلِكَ؟ لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ رَسُولَهُ، قالَ تَعالى:
﴿حَسْبُهُمْ﴾ أيْ: يَكْفِي قائِلِي ذَلِكَ في تَعْذِيبِهِمْ ﴿جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾
ثُمَّ نَهى تَعالى المُؤْمِنِينَ وحَذَّرَهم أنْ يَجْتَرِمُوا في النَّجْوى ما اجْتَرَمَهُ أُولَئِكَ بِقَوْلِهِ:
58:9–10Page 543
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَنَٰجَيۡتُمۡ فَلَا تَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩
O you who have believed, when you converse privately, do not converse about sin and aggression and disobedience to the Messenger but converse about righteousness and piety. And fear Allāh, to whom you will be gathered.
إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٠
Private conversation is only from Satan that he may grieve those who have believed,1 but he will not harm them at all except by permission of Allāh. And upon Allāh let the believers rely.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩ - ١٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ﴾ أيْ: بِطاعَةِ اللَّهِ، وما يُقَرِّبُكم مِنهُ، ﴿والتَّقْوى﴾ أيِ: اجْتِنابُ ما يُؤْثِمُ، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: فَيَجْزِيكم بِما اكْتَسَبْتُمْ مِمّا أحْصاهُ عَلَيْكم.
ثُمَّ شَجَّعَ تَعالى المُؤْمِنِينَ في قِلَّةِ المُبالاةِ بِمُناجاةِ أعْدائِهِمْ، وأنَّها لا تَضُرُّهم ما دامُوا مُثابِرِينَ عَلى وصاياهُ، مُتَّكِلِينَ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [المجادلة: ١٠] أيِ: النَّجْوى الَّتِي ذَمَّها، فاللّامُ لِلْعَهْدِ، أيِ: المُزَيَّنُ لِهَذِهِ النَّجْوى بِالشَّرِّ، والحامِلُ عَلَيْها الشَّيْطانُ.
﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضارِّهِمْ﴾ [المجادلة: ١٠] أيِ: الشَّيْطانُ، أوِ التَّناجِي المَذْكُورُ ﴿شَيْئًا إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٠] أيْ: بِمَشِيئَتِهِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠] أيْ: بِالمُضِيِّ في سَبِيلِهِ، والِاسْتِقامَةِ عَلى أمْرِهِ، وانْتِظارِ النَّصْرِ عَلى أثَرِهِ.
(p-٥٧١٧)لَطِيفَةٌ:
قالَ القاشانِيُّ: إنَّما نُهُوا عَنِ النَّجْوى لِأنَّ التَّناجِيَ اتِّصالٌ واتِّحادٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ في أمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِما، لا يُشارِكُهُما فِيهِ ثالِثٌ. ولِلنُّفُوسِ عِنْدَ الِاجْتِماعِ والِاتِّصالِ تَعاضُدٌ وتَظاهُرٌ، يَتَقَوّى ويَتَأيَّدُ بَعْضُها بِالبَعْضِ فِيما هو سَبَبُ الِاجْتِماعِ لِخاصِّيَّةِ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ الَّتِي لا تُوجَدُ في الأفْرادِ، فَإذا كانَتْ شِرِّيرَةً يَتَناجَوْنَ في الشَّرِّ، ويُزادُ فِيهِمُ الشَّرُّ، ويَقْوى فِيهِمُ المَعْنى الَّذِي يَتَناجَوْنَ بِهِ بِالِاتِّصالِ والِاجْتِماعِ، ولِهَذا ورَدَ بَعْدَ النَّهْيِ قَوْلُهُ:
﴿ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ﴾ [المجادلة: ٨] الَّذِي هو رَذِيلَةُ القُوى البَهِيمِيَّةِ ﴿والعُدْوانِ﴾ [المجادلة: ٨] الَّذِي هو رَذِيلَةُ القُوى الغَضَبِيَّةِ ﴿ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ [المجادلة: ٨] الَّتِي هي رَذِيلَةُ القُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ، بِالجَهْلِ وغَلَبَةِ الشَّيْطَنَةِ، ألا تَرى كَيْفَ نَهى المُؤْمِنِينَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ التَّناجِي بِهَذِهِ الرَّذائِلِ المَذْكُورَةِ، وأمَرَهم بِالتَّناجِي بِالخَيْراتِ، لِيَتَقَوَّوْا بِالهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ، ويَزْدادُوا فِيها فَقالَ: ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ﴾ أيِ: الفَضائِلِ الَّتِي هي أضْدادُ تِلْكَ الرَّذائِلِ، مِنَ الصّالِحاتِ والحَسَناتِ المَخْصُوصَةِ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ القُوى الثَّلاثِ، ﴿والتَّقْوى﴾ أيِ: الِاجْتِنابُ: عَنْ أجْناسِ الرَّذائِلِ المَذْكُورَةِ، انْتَهى.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ ورَدَتِ السُّنَّةُ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّناجِي، حَيْثُ يَكُونُ في ذَلِكَ تَأذٍّ عَلى مُؤْمِنٍ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَناجى اثْنانِ دُونَ صاحِبِهِما؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»» أخْرَجاهُ.
(p-٥٧١٨)وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَناجَ اثْنانِ دُونَ الثّالِثِ إلّا بِإذْنِهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ». انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences