Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
الذاريات
Adh-Dhariyat
The Winnowing Winds · Meccan · 60 ayahs
(p-٥٥١٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الذّارِياتِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها مَبْدَأُ الخَيْراتِ، فَأشْبَهَتِ العِنايَةَ الإلَهِيَّةَ. وهي مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتُّونَ.
(p-٥٥٢٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾
﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ يَعْنِي: الرِّياحُ الَّتِي تَذْرُو البُخاراتِ ذَرْوًا، أيْ: نَوْعًا مِنَ الذَّرْوِ لِيَعْقِدَها سُحُبًا. أوِ النِّساءُ الوَلُودُ فَإنَّهُنَّ يَذْرِينَ الأوْلادَ، مَجازًا شَبَّهَ تَتابُعَ الأوْلادِ بِما يَتَطايَرُ مِنَ الرِّياحِ. أوِ الأسْبابِ الَّتِي تَذْرِي الخَلائِقَ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ، وهو اسْتِعارَةٌ أيْضًا شُبِّهَتِ الأشْياءُ المُعَدَّةُ لِلْبُرُوزِ مِن كُمُونِ العَدَمِ، بِالرِّياحِ المُفَرِّقَةِ لِلْحُبُوبِ ونَحْوِها.
والذّارِياتُ اسْمُ فاعِلِ (ذَرا) المُعْتَلِّ بِمَعْنى فَرَّقَ وبَدَّدَ ما رَفَعَهُ عَنْ مَكانِهِ. ويُقالُ: أذْرى أيْضًا. وأمّا (ذَرَأ) المَهْمُوزُ فَبِمَعْنى أنْشَأ وأوْجَدَ.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢] ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾
﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ أيِ: السُّحُبُ الحامِلَةُ لِلْأمْطارِ المُنْبِتَةِ لِلزُّرُوعِ والأشْجارِ لِإفادَةِ الحُبُوبِ والثِّمارِ. كَما قالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:
؎وأسْلَمْتُ نَفَسِي لِمَن أسْلَمَتْ لَهُ المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلالًا
أوِ الرِّياحُ الحامِلَةُ لِلسَّحابِ، أوِ النِّساءُ الحَوامِلُ، أوْ أسْبابُ ذَلِكَ.
و(الوِقْرُ) بِكَسْرِ الواوِ، كالحِمْلِ وزْنًا ومَعْنًى. وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَحْمُولُ.
(p-٥٥٢١)
51:3–4Page 520
فَٱلۡجَٰرِيَٰتِ يُسۡرٗا ٣
And the ships sailing with ease
فَٱلۡمُقَسِّمَٰتِ أَمۡرًا ٤
And the [angels] apportioning [each] matter,
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣ - ٤] ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذاريات: ٤]
﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ أيِ: السُّفُنِ الجارِيَةِ في البَحْرِ سَهْلًا، أوِ الرِّياحِ الجارِيَةِ في مَهابِّها، أوِ الكَواكِبِ الَّتِي تَجْرِي في مَنازِلِها. و﴿يُسْرًا﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ جَرْيًا ذا يُسْرٍ.
﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] أيِ: المَلائِكَةِ الَّتِي تُقَسِّمُ الأُمُورَ مِنَ الأمْطارِ والأرْزاقِ وغَيْرِهِما، أوْ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِن أسْبابِ القِسْمَةِ، أوِ الرِّياحِ يُقَسِّمْنَ الأمْطارَ بِتَصْرِيفِ الرِّياحِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ:- ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ الأرْبَعَةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ أُمُورًا مُتَبايِنَةً، وأنْ تَكُونَ أمْرًا لَهُ أرْبَعَةُ اعْتِباراتٍ. والأوَّلُ هو المَأْثُورُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ الذّارِياتِ هي الرِّياحُ، والحامِلاتِ هي السَّحابُ، والجارِياتِ هي السُّفُنُ، والمُقَسِّماتِ هي المَلائِكَةُ. واخْتارَ بَعْضُهم في (الجارِياتِ) أنَّها الكَواكِبُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَرَقِّيًا مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى
فالرِّياحُ فَوْقَها السَّحابُ، والنُّجُومُ فَوْقَ ذَلِكَ، والمَلائِكَةُ فَوْقَ الجَمِيعِ، تَنْزِلُ بِأوامِرِ اللَّهِ الشَّرْعِيَّةِ والكَوْنِيَّةِ.
واسْتَظْهَرَ الرّازِيُّ أنَّ الأقْرَبَ أنْ تَكُونَ صِفاتُ أرْبَعٍ لِلرِّياحِ، وأطالَ في ذَلِكَ.
واللَّفْظُ مُتَّسِعٌ بِجَوْهَرِهِ لِلْكُلِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّانِي: فائِدَةُ (الفاءِ) إنْ قِيلَ: إنَّها صِفاتٌ لِلرِّياحِ، فَلِبَيانِ تَرْتِيبِ الأُمُورِ في الوُجُودِ؛ فَإنَّ الذّارِياتِ تُنْشِئُ السَّحابَ، فَتُقَسِّمُ الأمْطارَ عَلى الأقْطارِ. وإنْ قِيلَ: إنَّها أُمُورٌ أرْبَعَةٌ، فالفاءُ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ أوِ الرَّتْبِيِّ.
الثّالِثُ: ذَكَرَ الرّازِيُّ في الحِكْمَةِ في القِسْمِ وُجُوهًا:
أحَدُها:- أنَّ الكُفّارَ كانُوا في بَعْضِ الأوْقاتِ يَعْتَرِفُونَ بِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ غالِبًا في إقامَةِ (p-٥٥٢٢)الدَّلِيلِ، وكانُوا يَنْسُبُونَهُ إلى المُجادَلَةِ، وإلى أنَّهُ عارِفٌ في نَفْسِهِ بِفَسادِ ما يَقُولُهُ، وأنَّهُ يَغْلِبُنا بِقُوَّةِ الجَدَلِ لا بِصِدْقِ المَقالِ. كَما أنَّ بَعْضَ النّاسِ إذا أقامَ عَلَيْهِ الخَصْمُ الدَّلِيلَ ولَمْ يُبْقِ لَهُ حُجَّةً، يَقُولُ: إنَّهُ غَلَبَنِي لِعِلْمِهِ بِطَرِيقِ الجَدَلِ، وعَجْزِي عَنْ ذَلِكَ. وهو يَعْلَمُ في نَفْسِهِ أنَّ الحَقَّ بِيَدِي، فَلا يَبْقى لِلْمُتَكَلِّمِ المُبَرْهِنِ طَرِيقٌ غَيْرُ اليَمِينِ، فَيَقُولُ: واللَّهِ إنَّ الأمْرَ كَما أقُولُ، ولا أُجادِلُكَ بِالباطِلِ. وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ سَلَكَ طَرِيقًا آخَرَ مِن ذِكْرِ دَلِيلٍ آخَرَ، فَإذا تَمَّ الدَّلِيلُ الآخَرُ يَقُولُ الخَصْمُ فِيهِ مِثْلَ ما قالَ في الأوَّلِ، إنَّ ذَلِكَ تَقْرِيرٌ بِقُوَّةِ عِلْمِ الجَدَلِ، فَلا يَبْقى إلّا السُّكُوتُ، أوِ التَّمَسُّكُ بِالإيمانِ، وتَرْكُ إقامَةِ البُرْهانِ.
ثانِيها:- أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَحْتَرِزُ عَنِ الأيْمانِ الكاذِبَةِ، وتَعْتَقِدُ أنَّها تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ. ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ ««أكْثَرَ مِنَ الأيْمانِ بِكُلِّ شَرِيفٍ»»، ولَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ إلّا رِفْعَةً وثَباتًا. وكانَ يَحْصُلُ لَهُمُ العِلْمُ بِأنَّهُ لا يَحْلِفُ بِها كاذِبًا، وإلّا لَأصابَهُ شُؤْمُ الأيْمانِ، ولَنالَهُ المَكْرُوهُ في بَعْضِ الأزْمانِ.
ثالِثُها:- أنَّ الأيْمانَ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِها كُلُّها دَلائِلُ أخْرَجَها في صُورَةِ الأيْمانِ، مِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ لِمُنْعِمِهِ: وحَقِّ نِعْمَتِكَ الكَثِيرَةِ إنِّي لا أزالُ أشْكُرُكَ. فَيَذْكُرُ النِّعَمَ، وهي سَبَبٌ مُفِيدٌ لِدَوامِ الشُّكْرِ، ويَسْلُكُ مَسْلَكَ القَسَمِ، كَذَلِكَ هَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها دَلِيلٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى الإعادَةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ أخْرَجَها مَخْرَجَ الأيْمانِ؟ نَقُولُ: لِأنَّ المُتَكَلِّمَ إذا شَرَعَ في أوَّلِ كَلامِهِ بِحَلِفٍ يُعْلِمُ السّامِعَ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ عَظِيمٍ، فَيُصْغِي إلَيْهِ أكْثَرَ مِن أنْ يُصْغِيَ إلَيْهِ حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ الكَلامَ لَيْسَ بِمُعْتَبِرٍ؛ فَبَدَأ بِالحَلِفِ وأدْرَجَ الدَّلِيلَ في صُورَةِ اليَمِينِ، حَيْثُ أقْبَلَ القَوْلَ عَلى سَماعِهِ، فَخَرَجَ لَهُمُ البُرْهانُ المُبِينُ والتِّبْيانُ المَتِينُ في صُورَةِ اليَمِينِ. انْتَهى.
51:5–6Page 520
إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٞ ٥
Indeed, what you are promised is true.
وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٞ ٦
And indeed, the recompense is to occur.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥ - ٦] ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦]
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ، و(ما) مَوْصُولَةٌ ومَصْدَرِيَّةٌ. والمَوْعُودُ (p-٥٥٢٣)هُوَ قِيامُ السّاعَةِ، وبَعْثُ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ. و(صادِقٌ) بِمَعْنى صِدْقٌ؛ فَوَضَعَ الِاسْمَ مَكانَ المَصْدَرِ، أوْ هو مِن بابِ: عِيشَةٍ راضِيَةٍ.
﴿وإنَّ الدِّينَ﴾ [الذاريات: ٦] أيِ: الجَزاءَ عَلى الأعْمالِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ ﴿لَواقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦] أيْ: لَحاصِلٌ. قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، يَوْمَ يَدِينُ اللَّهُ العِبادَ بِأعْمالِهِمْ.
51:7–9Page 521
وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡحُبُكِ ٧
By the heaven containing pathways,1
إِنَّكُمۡ لَفِي قَوۡلٖ مُّخۡتَلِفٖ ٨
Indeed, you are in differing speech.1
يُؤۡفَكُ عَنۡهُ مَنۡ أُفِكَ ٩
Deluded away from it [i.e., the Qur’ān] is he who is deluded.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ٩] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: ٨] ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩]
﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ أيِ: الطُّرُقِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي دَوائِرُ سَيْرِ الكَواكِبِ. و(الحُبُكُ) أصْلُ مَعْناها ما يُرى كالطَّرِيقِ في الرَّمْلِ والماءِ، إذا ضَرَبَتْهُ الرِّيحُ، وكَذَلِكَ حَبَكُ الشَّعَرِ: آثارُ تَثَنِّيهِ وتَكَسُّرِهِ. و(الحُبُكُ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ حِباكٍ، كَمِثالٍ ومُثُلٍ وكِتابٍ وكُتُبٍ، أوْ حَبِيكَةٍ كَطَرِيقَةٍ وطُرُقٍ. قالَ زُهَيْرٌ يَصِفُ غَدِيرًا:
؎مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ رِيحٌ خَرِيقٌ لِضاحِي مائِهِ حُبُكُ
(p-٥٥٢٤)ويُقالُ: ما أمْلَحَ حَباكَ هَذِهِ الحَمامَةِ! وهو الخَطُّ الأسْوَدُ عَلى جَناحِها.
وعَنِ الحَسَنِ: (ذاتِ الحُبُكِ) أيِ: النُّجُومُ قالَ: حُبِكَتْ بِالخَلْقِ الحَسَنِ: حُبِكَتْ بِالنُّجُومِ؛ وذَلِكَ لِأنَّها تُزَيِّنُ السَّماءَ، كَما يُزَيِّنُ الثَّوْبَ المُوَشّى تَحْبِيكُهُ، فَشُبِّهَتِ النُّجُومُ بِطَرائِقِ الوَشْيِ مَجازًا بِالِاسْتِعارَةِ.
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ: الحُبُكُ جَمْعُ حَبِيكَةٍ، بِمَعْنى مَحْبُوكَةٍ، أيْ: مَرْبُوطَةٍ. فَمَعْنى: ذاتِ الحُبُكِ ذاتِ المَجامِيعِ مِنَ الكَواكِبِ المَرْبُوطِ بَعْضُها بِبَعْضٍ بِحِبالٍ مِنَ الجاذِبِيَّةِ، فَإنَّ كُلَّ حَبِيكَةٍ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الكَواكِبِ المُتَجاذِبَةِ؛ فالآيَةُ الشَّرِيفَةُ نَصٌّ عَلى تَعَدُّدِ المَجامِيعِ وعَلى الجاذِبِيَّةِ الَّتِي يَزْعُمُ الإفْرِنْجُ أنَّهم مُكْتَشِفُوها؛ وعَلَيْهِ فَهي إحْدى مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ. انْتَهى.
﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: ٨] أيْ: مُتَخالِفٍ مُتَناقِضٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَتَخَرَّصُونَ يَقُولُونَ: هَذا سِحْرٌ، ويَقُولُونَ: إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ.
﴿يُؤْفَكُ﴾ [الذاريات: ٩] أيْ: يُصْرَفُ عَنْهُ ﴿مَن أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] أيْ: صُرِفَ عَنِ الحَقِّ الصَّرِيحِ الصَّرْفَ التّامَّ؛ إذْ لا صَرْفَ أشَدُّ مِنهُ.
وقَدْ ذَكَرَ القاضِي في مُناسَبَةِ المُقْسَمِ بِهِ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ، هو تَشْبِيهُ أقْوالِهِمْ في اخْتِلافِها، وتَنافِي أغْراضِها بِالطَّرائِقِ لِلسَّماواتِ في تَباعُدِها، واخْتِلافِ غاياتِها.
ثُمَّ أشارَ أنَّهم لَمْ يُؤْفَكُوا لِاتِّباعِهِمُ الدَّلائِلَ، بَلْ لِأخْذِهِمْ بِالخَرْصِ والتَّخْمِينِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
51:10–13Page 521
قُتِلَ ٱلۡخَرَّٰصُونَ ١٠
Destroyed are the misinformers1
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي غَمۡرَةٖ سَاهُونَ ١١
Who are within a flood [of confusion] and heedless.
يَسۡـَٔلُونَ أَيَّانَ يَوۡمُ ٱلدِّينِ ١٢
They ask, "When is the Day of Recompense?"
يَوۡمَ هُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ يُفۡتَنُونَ ١٣
[It is] the Day they will be tormented over the Fire
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٣] ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ساهُونَ﴾ [الذاريات: ١١] ﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]
(p-٥٥٢٥)﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ أيْ: لُعِنَ الآخِذُونَ بِالتَّخْمِينِ، مَعَ تَرْكِ دَلائِلِ اليَقِينِ.
﴿الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ﴾ [الذاريات: ١١] أيْ: في جَهْلٍ يَغْمُرُهم عَنْ وُجُوبِ اتِّباعِ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ وتَرْكِ الشُّبُهاتِ الواهِيَةِ ﴿ساهُونَ﴾ [الذاريات: ١١] أيْ: غافِلُونَ عَمّا أتاهم وعَمّا نَزَلَ إلَيْهِمْ، بِالِانْهِماكِ في اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، واسْتِئْثارِ الحُظُوظِ العاجِلَةِ.
﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] أيْ: مَتى يَوْمُ الجَزاءِ، ويَوْمُ يَدِينُ اللَّهُ العِبادَ بِأعْمالِهِمْ.
﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أيْ: يُحْرَقُونَ، وأصْلُ الفِتْنَةِ إذابَةُ الجَوْهَرِ لِيَظْهَرَ غِشُّهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في التَّعْذِيبِ والإحْراقِ ونَحْوِهِ.
قالَ القاضِي: جَوابٌ لِلسُّؤالِ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ، أوْ هو يَوْمَ هم... إلَخْ، وفَتْحُ يَوْمَ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ بِالرَّفْعِ.
51:14Page 521
ذُوقُواْ فِتۡنَتَكُمۡ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ ١٤
[And will be told], "Taste your torment. This is that for which you were impatient."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤] ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكم هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾
﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ أيْ: مَقُولًا لَهُمْ: ذُوقُوا عَذابَكُمُ الَّذِي طَلَبْتُمُوهُ، بَلِ الَّذِي اسْتَعْجَلْتُمُوهُ قَبْلَ وقْتِهِ، كَما قالَ:
﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: حُصُولَهُ في الدُّنْيا.
51:15–19Page 521
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ١٥
Indeed, the righteous will be among gardens and springs,
ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُحۡسِنِينَ ١٦
Accepting what their Lord has given them. Indeed, they were before that doers of good.
كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ ١٧
They used to sleep but little of the night,1
وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ١٨
And in the hours before dawn they would ask forgiveness,
وَفِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ ١٩
And from their properties was [given] the right of the [needy] petitioner and the deprived.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥ - ١٩] ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهم إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩]
﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ بِطاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ في الدُّنْيا، وبِتَجَنُّبِ (p-٥٥٢٦)القَوْلِ بِالخَرْصِ والتَّخْمِينِ في الأُمُورِ الِاعْتِقادِيَّةِ في ﴿جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات: ١٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: عامِلِينَ ما أمَرَهم بِهِ رَبُّهُمْ، مُؤَدِّينَ فَرائِضَهُ. وقالَ غَيْرُهُ: أيْ: قابِلِينَ لِما أعْطاهم مِنَ النَّعِيمِ الأُخْرَوِيِّ، راضِينَ بِهِ.
وهَذا هو الوَجْهُ. ولِذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والَّذِي فَسَّرَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَبارَكَ وتَعالى ﴿آخِذِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] حالٌ مِن قَوْلِهِ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ فالمُتَّقُونَ حالَ كَوْنِهِمْ في الجَنّاتِ والعُيُونِ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات: ١٦] أيْ: مِنَ النَّعِيمِ والسُّرُورِ والغِبْطَةِ.
ثُمَّ أشارَ إلى سِرِّ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ [الذاريات: ١٦] يَعْنِي: في الدُّنْيا ﴿مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] أيْ: قَدْ أحْسَنُوا أعْمالَهم لِغَلَبَةِ مَحَبَّةِ اللَّهِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِظُهُورِ آثارِها في أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] أيْ: كانُوا يَهْجَعُونَ هُجُوعًا قَلِيلًا؛ لِتَقْوى نُفُوسُهم عَلى عِبادَتِهِ تَعالى بِنَشاطٍ.
رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ: أنَّهم كانُوا يُصَلُّونَ ما بَيْنَ هاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: كانُوا لا يَنامُونَ حَتّى يُصَلُّوا العَتَمَةَ.
وعَنْ مُطَرِّفٍ: قَلَّ لَيْلَةٌ أتَتْ عَلَيْهِمْ إلّا صَلَّوْا فِيها مِن أوَّلِها أوْ مِن وسَطِها.
وعَنِ الحَسَنِ قالَ: لا يَنامُونَ مِنَ اللَّيْلِ إلّا أقَلَّهُ، كابَدُوا قِيامَ اللَّيْلِ.
وقَرَأ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: لَسْتُ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ.
وعَنِ الضَّحّاكِ: أنَّ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا﴾ [الذاريات: ١٧] أيْ: أنَّ المُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلًا، ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ: ﴿مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] و" ما " نافِيَةٌ أيْ: لا يَهْجَعُونَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا القَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ وتَعَسُّفٌ.
(p-٥٥٢٧)لَطِيفَةٌ:
فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ الكَرِيمَةِ مُبالَغاتٌ في وصْفِ هَؤُلاءِ بِقِلَّةِ النَّوْمِ وتَرْكِ الِاسْتِراحَةِ، وذَلِكَ ذِكْرُ القَلِيلِ. واللَّيْلُ الَّذِي هو وقْتُ النَّوْمِ، والهُجُوعُ الَّذِي هو الخَفِيفُ مِنَ النَّوْمِ، وزِيادَةُ (ما)؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى القِلَّةِ.
وبِالجُمْلَةِ فَفي الآيَةِ اسْتِحْبابُ قِيامِ اللَّيْلِ، وذَمُّ نَوْمِهِ كُلِّهِ، والأحادِيثُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ.
﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] قالَ القاضِي: أيْ: أنَّهم مَعَ قِلَّةِ هُجُوعِهِمْ وكَثْرَةِ تَهَجُّدِهِمْ إذا أسْحَرُوا أخَذُوا في الِاسْتِغْفارِ، كَأنَّهم أسْلَفُوا في لَيْلِهِمُ الجَرائِمَ.
قالَ الرّازِيُّ: في الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا يَتَهَجَّدُونَ ويَجْتَهِدُونَ، ثُمَّ يُرِيدُونَ أنْ يَكُونَ عَمَلُهم أكْثَرَ مِن ذَلِكَ وأخْلَصَ مِنهُ؛ فَيَسْتَغْفِرُونَ مِنَ التَّقْصِيرِ، وهَذا سِيرَةُ الكَرِيمِ: يَأْتِي بِأبْلَغِ وُجُوهِ الكَرَمِ ويَسْتَقِلُّهُ ويَعْتَذِرُ مِنَ التَّقْصِيرِ، واللَّئِيمُ يَأْتِي بِالقَلِيلِ ويَسْتَكْثِرُهُ ويَمُنُّ بِهِ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ألْطَفُ مِنهُ: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم يَهْجَعُونَ قَلِيلًا، والهُجُوعُ مُقْتَضى الطَّبْعِ، قالَ: ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] أيْ: مِن ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ النَّوْمِ القَلِيلِ. وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى نُبَيِّنُها في جَوابِ سُؤالٍ: وهو أنَّهُ تَعالى مَدَحَهم بِقِلَّةِ الهُجُوعِ ولَمْ يَمْدَحْهم بِكَثْرَةِ السَّهَرِ، وما قالَ: كانُوا كَثِيرًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَسْهَرُونَ، فَما الحِكْمَةُ فِيهِ؟ مَعَ أنَّ السَّهَرَ هو الكُلْفَةُ والِاجْتِهادُ، لا الهُجُوعُ؟ نَقُولُ: إشارَةً إلى أنَّ نَوْمَهم عِبادَةٌ، حَيْثُ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِهِمْ هاجِعِينَ قَلِيلًا، وذَلِكَ الهُجُوعُ أوْرَثَهم الِاشْتِغالَ بِعِبادَةٍ أُخْرى، وهو الِاسْتِغْفارُ، في وُجُوهِ الأسْحارِ، ومَنَعَهم مِنَ الإعْجابِ بِأنْفُسِهِمْ والِاسْتِكْبارِ.
ثُمَّ قالَ: والِاسْتِغْفارُ يَحْتَمِلُ طَلَبَ المَغْفِرَةِ بِالذِّكْرِ بِقَوْلِهِمْ: (رَبَّنا اغْفِرْ لَنا). وطَلَبَ المَغْفِرَةِ بِالفِعْلِ أيْ: بِالأسْحارِ، يَأْتُونَ بِفِعْلٍ آخَرَ طَلَبًا لِلْغُفْرانِ، وهو الصَّلاةُ. والأوَّلُ أظْهَرُ، والثّانِي عِنْدَ المُفَسِّرِينَ أشْهَرُ. انْتَهى. ويُؤَيِّدُ الثّانِي الإشارَةُ إلى الزَّكاةِ في الآيَةِ بَعْدَها، والزَّكاةُ قَرِينَةُ الصَّلاةِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، وسِرُ التَّعْبِيرِ عَنِ الصَّلاةِ بِالِاسْتِغْفارِ الإشارَةُ إلى أنَّهُ رُكْنُها المُهِمُّ في التَّهَجُّدِ، بَلْ وفي غَيْرِهِ، (p-٥٥٢٨)فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، وقَدْ ذَكَرَ في أذْكارِ الصَّلاةِ الِاسْتِغْفارَ في مَواضِعَ مِنها، كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وآخِرِ الصَّلاةِ، كَما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وأهْلُ السُّنَنِ- و««كانَ ﷺ يُطِيلُ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ والتَّهَجُّدَ»» لِذَلِكَ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (أساسِ البَلاغَةِ): إنَّما سُمِّيَ (السَّحَرُ) اسْتِعارَةً؛ لِأنَّهُ وقْتُ إدْبارِ اللَّيْلِ وإقْبالِ النَّهارِ، فَهو مُتَنَفَّسُ الصُّبْحِ. انْتَهى.
﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] أيِ: الفَقِيرُ المُتَعَفِّفُ الَّذِي يُظَنُّ غَنِيًّا، فَيُحْرَمُ الصَّدَقَةَ.
قالَ قَتادَةُ: هَذانِ فَقِيرا أهْلِ الإسْلامِ: سائِلٌ يَسْألُ في كَفِّهِ، وفَقِيرٌ مُتَعَفِّفٌ، ولِكِلَيْهِما عَلَيْكَ حَقٌّ يا ابْنَ آدَمَ.
وفِي (الصَّحِيحِ) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ، والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ، ولَكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، ولا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ»» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لِلسّائِلِ حَقٌّ وإنْ جاءَ عَلى فَرَسٍ»» . ورَواهُ أبُو داوُدَ وأسْنَدَهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.
ويَدْخُلُ في المَحْرُومِ كُلُّ مَن لا مالَ لَهُ، ومَن هَلَكَ مالُهُ بِآفَةٍ، ومَن حُرِمَ الرِّزْقَ واحْتاجَ، إلّا أنَّ أهَمَّ أفْرادِهِ المُتَعَفِّفُ؛ ولِذا عَوَّلَ عَلَيْهِ الأكْثَرُ.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في أمْوالِهِمْ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ يَصِلُونَ بِها رَحِمًا، أوْ يُقْرُونَ بِها ضَيْفًا، أوْ يَحْمِلُونَ بِها كَلًّا.
(p-٥٥٢٩)ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ لا حاجَةَ إلى الخَرْصِ والتَّخْمِينِ في بابِ الِاعْتِقاداتِ؛ لِكَثْرَةِ الآياتِ الواضِحَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
51:20Page 521
وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ءَايَٰتٞ لِّلۡمُوقِنِينَ ٢٠
And on the earth are signs for the certain [in faith]
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠] ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾
﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ أيْ: عِبَرٌ وعِظاتٌ لِأهْلِ اليَقِينِ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُودُهُمُ النَّظَرُ إلى ما تَطْمَئِنُّ بِهِ النَّفْسُ ويَنْثَلِجُ لَهُ الصَّدْرُ، فَيَرَوْنَ فِيها مِمّا ذَرَأ مِن صُنُوفِ النَّباتِ والحَيَواناتِ، والمِهادِ والجِبالِ والقِفارِ والأنْهارِ والبِحارِ عِبَرًا وآياتٍ عِظامًا، وشَواهِدَ ناطِقَةً بِقُدْرَةِ الصّانِعِ ووَحْدانِيَّتِهِ، جَلَّ جَلالُهُ.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١] ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾
﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ: في حالِ ابْتِدائِها وتَنَقُّلِها مِن حالٍ إلى حالٍ، واخْتِلافُ ألْسِنَتِها وألْوانِها، وما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنَ القُوى والإراداتِ، وما بَيْنَها مِنَ التَّفاوُتِ في العُقُولِ والأفْهامِ، وما في تَراكِيبِ أعْضائِها مِنَ الحُكْمِ في وضْعِ كُلِّ عُضْوٍ مِنها في المَحَلِّ المُفْتَقِرِ إلَيْهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصِيهِ قَلَمُ كاتِبٍ، ولا لِسانُ بَلِيغٍ.
أنْشَدَ الحافِظُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِهِ (التَّفْكِيرُ والِاعْتِبارُ) لِشَيْخِهِ أبِي جَعْفَرٍ القُرَشِيِّ:
؎وإذا نَظَرْتَ تُرِيدُ مُعْتَبَرًا فانْظُرْ إلَيْكَ فَفِيكَ مُعْتَبَرُ
؎أنْتَ الَّذِي تُمْسِي وتُصْبِحُ في الـدْ ∗∗∗ دُنْيا وكُلُّ أُمُورِهِ عِبَرُ
؎أنْتَ المُصَرَّفُ كانَ في صِغَرٍ ∗∗∗ ثُمَّ اسْتَقَلَّ بِشَخْصِكَ الكِبَرُ
؎أنْتَ الَّذِي تَنْعاهُ خِلْقَتُهُ ∗∗∗ يَنْعاهُ مِنهُ الشَّعْرُ والبَشَرُ
؎أنْتَ الَّذِي تُعْطى وتُسْلَبُ لا ∗∗∗ يُنْجِيهِ مِن أنْ يُسْلَبَ الحَذَرُ
؎أنْتَ الَّذِي لا شَيْءَ مِنهُ لَهُ ∗∗∗ وأحَقُّ مِنهُ بِما لَهُ القَدَرُ
(p-٥٥٣٠)
51:22Page 521
وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ ٢٢
And in the heaven is your provision and whatever you are promised.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢] ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾
﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ يَعْنِي بِـ (السَّماءِ) المُزْنَ، وبِـ(الرِّزْقِ) المَطَرَ، فَإنَّهُ سَبَبُ الأقْواتِ. والمُرادُ بِـ (ما تُوعَدُونَ) العَذابُ السَّماوِيُّ؛ لِأنَّ مُؤاخِذاتِ المُكَذِّبِينَ الأوَّلِينَ كانَتْ مِن جِهَتِها، والخِطابُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ.
51:23Page 521
فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِنَّهُۥ لَحَقّٞ مِّثۡلَ مَآ أَنَّكُمۡ تَنطِقُونَ ٢٣
Then by the Lord of the heaven and earth, indeed, it is truth - just as [sure as] it is that you are speaking.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣] ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾
﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيِ: الَّذِي خَلَقَهُما لِلِاسْتِدْلالِ بِهِما عَلى حَقِيقَةِ ما أخْبَرَ، ﴿إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ نُطْقِكُمْ، والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عائِدٌ لِما ذَكَرَ مِن أمْرِ الآياتِ والرِّزْقِ، أوْ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ إلى ما تُوعَدُونَ، ويُؤَيِّدُ الأخِيرَ ما تَأثَّرَهُ مِن أنْباءِ وعِيدِ المُكَذِّبِينَ، وبَدَأ مِنها بِنَبَأِ قَوْمِ لُوطٍ، لِأنَّ قُراهم واقِعَةٌ في مَمَرِّهَمْ إلى فِلَسْطِينَ لِلِاتِّجارِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences