Al-QasimiAl‑Haqqah · 69:1–43

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

الحاقة

Al-Haqqah

The Reality · Meccan · 52 ayahs

69:1–3Page 566

ٱلۡحَآقَّةُ ١

The Inevitable Reality -

مَا ٱلۡحَآقَّةُ ٢

What is the Inevitable Reality?

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡحَآقَّةُ ٣

And what can make you know what is the Inevitable Reality?

(p-٥٩١٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الحاقَّةِ

مَكِّيَّةٌ. وآيُها إحْدى وخَمْسُونَ.

(p-٥٩١١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١ - ٣] ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣]

﴿الحاقَّةُ﴾ أيِ: السّاعَةُ الحاقَّةُ الَّتِي تَحِقُّ فِيها الأُمُورُ، ويَجِبُ فِيها الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ. مِن قَوْلِهِمْ: حَقَّ عَلَيْهِ الشَّيْءُ، إذا وجَبَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، تَفْخِيمًا لِشَأْنِها، وتَعْظِيمًا لِهَوْلِها ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] قالَ بَعْضُهُمْ: مِن عَوائِدِ العَرَبِ في مُحاوَراتِهِمُ اللَّطِيفَةِ، إذا أرادُوا تَشْوِيقَ المُخاطَبِ في مَعْرِفَةِ شَيْءٍ ودِرايَتِهِ، أتَوْا بِإجْمالٍ وتَفْصِيلٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَ المُخاطَبَ ما هِيَ؟ تَأْكِيدًا لِتَفْخِيمِ شَأْنِها، حَتّى كَأنَّها خَرَجَتْ مِن دائِرَةِ عِلْمِ المُخاطَبِ عَلى مَعْنى: إنَّ عِظَمَ شَأْنِها، وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ، مِنَ الأوْصافِ، مِمّا لَمْ تَبْلُغْهُ دِرايَةُ أحَدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ ولَمْ تَصِلْ إلَيْهِ مَعْرِفَةُ أحَدٍ مِنَ السّامِعِينَ، ولا أدْرَكَهُ وهْمُهُ، وكَيْفَما قُدِّرَ حالُها، فَهي وراءَ ذَلِكَ وأعْظَمُ. ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ الِاسْتِفْهامَ كِنايَةٌ عَنْ لازَمِهِ، مِن أنَّها لا تُعْلَمُ، ولا يَصِلُ إلَيْها دِرايَةُ دارٍ، ولا تَبْلُغُها الأفْكارُ.

69:4–8Page 566

كَذَّبَتۡ ثَمُودُ وَعَادُۢ بِٱلۡقَارِعَةِ ٤

Thamūd and ʿAad denied the Striking Calamity [i.e., the Resurrection].

فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهۡلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ ٥

So as for Thamūd, they were destroyed by the overpowering [blast].

وَأَمَّا عَادٞ فَأُهۡلِكُواْ بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ ٦

And as for ʿAad, they were destroyed by a screaming,1 violent wind

سَخَّرَهَا عَلَيۡهِمۡ سَبۡعَ لَيَالٖ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومٗاۖ فَتَرَى ٱلۡقَوۡمَ فِيهَا صَرۡعَىٰ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٍ خَاوِيَةٖ ٧

Which He [i.e., Allāh] imposed upon them for seven nights and eight days in succession, so you would see the people therein fallen as if they were hollow trunks of palm trees.

فَهَلۡ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٖ ٨

Then do you see of them any remains?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤ - ٨] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] (p-٥٩١٢)﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ: بِالسّاعَةِ الَّتِي تَقْرَعُ النّاسَ بِأهْوالِها وهُجُومِها عَلَيْهِمْ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووُضِعَتْ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى القَرْعِ في الحاقَّةِ، زِيادَةً في وصْفِ شِدَّتِها. ولَمّا ذَكَرَها وفَخَّمَها أتْبَعَ ذِكْرَ ذَلِكَ مَن كَذَّبَ بِها، وما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ، تَذْكِيرًا لِأهْلِ مَكَّةَ، وتَخْوِيفًا لَهم مِن عاقِبَةِ تَكْذِيبِهِمْ. ﴿فَأمّا ثَمُودُ﴾ [الحاقة: ٥] وهم قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] أيْ: بِالواقِعَةِ المُجاوِزَةِ لِلْحَدِّ في الشِّدَّةِ، أوْ بِطُغْيانِهِمْ، و(الطّاغِيَةُ) مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ. ﴿وأمّا عادٌ﴾ [الحاقة: ٦] وهم قَوْمُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة: ٦] أيْ: شَدِيدَةِ العُصُوفِ والبَرْدِ ﴿عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] أيْ: مُتَجاوِزَةٍ الحَدَّ المَعْرُوفَ في الهُبُوبِ والبُرُودَةِ. ﴿سَخَّرَها﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: سَلَّطَها ﴿عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: مُتَتابِعاتٍ مِن حَسَمْتُ الدّابَّةَ، إذا تابَعْتَ بَيْنَ كَيِّها. شَبَّهَ تَتابُعَ الرِّيحِ المُسْتَأْصِلَةِ بِتَتابُعِ الكَيِّ القاطِعِ لِلدّاءِ. أوْ مَعْناهُ: نَحِساتٍ، حَسَمَتْ كُلَّ خَيْرٍ واسْتَأْصَلَتْهُ، أوْ قاطِعاتٍ، قَطَعَتْ دابِرَهم. هَذا عَلى أنَّ ﴿حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] جَمْعُ حاسِمٍ، كَشُهُودٍ وقُعُودٍ. فَإنْ كانَ مَصْدَرًا فَنَصْبُهُ بِمُضْمَرٍ، أيْ: تَحْسِمُ حُسُومًا، أوْ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: سَخَّرَها عَلَيْهِمْ لِلْحُسُومِ، أيِ: الِاسْتِئْصالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الأيّامَ هي أيّامُ العَجُزِ. والعامَّةُ تَقُولُ: العَجُوزُ وهي الَّتِي تَكُونُ في عَجُزِ الشِّتاءِ، أيْ: آخِرِهِ.

﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: هَلْكى، جَمْعُ صَرِيعٍ ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: ساقِطَةٍ مُجْتَثَّةٍ مِن أُصُولِها كَآيَةِ:

﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨] أيْ: بَقاءٍ، أوْ نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ بَقِيَّةٍ.

(p-٥٩١٣)

69:9–12Page 567

وَجَآءَ فِرۡعَوۡنُ وَمَن قَبۡلَهُۥ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتُ بِٱلۡخَاطِئَةِ ٩

And there came Pharaoh and those before him and the overturned cities1 with sin.

فَعَصَوۡاْ رَسُولَ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَهُمۡ أَخۡذَةٗ رَّابِيَةً ١٠

And they disobeyed the messenger of their Lord, so He seized them with a seizure exceeding [in severity].

إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلۡمَآءُ حَمَلۡنَٰكُمۡ فِي ٱلۡجَارِيَةِ ١١

Indeed, when the water overflowed, We carried you [i.e., your ancestors] in the sailing ship1

لِنَجۡعَلَهَا لَكُمۡ تَذۡكِرَةٗ وَتَعِيَهَآ أُذُنٞ وَٰعِيَةٞ ١٢

That We might make it for you a reminder and [that] a conscious ear would be conscious of it.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩ - ١٢] ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢]

﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴿والمُؤْتَفِكاتُ﴾ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿بِالخاطِئَةِ﴾ أيْ: بِالخَطَأِ، أوِ الأفْعالِ الخاطِئَةِ، عَلى المَجازِ في النِّسْبَةِ. ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] أيْ: زائِدَةً في الشِّدَّةِ.

﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١] أيْ: كَثُرَ وتَجاوَزَ حَدَّهُ المَعْرُوفَ، بِسَبَبِ إصْرارِ قَوْمِ نُوحٍ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، وتَكْذِيبِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] أيِ: السَّفِينَةِ الَّتِي تَجْرِي في الماءِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: خاطَبَ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ، وإنَّما حَمَلَ أجْدادَهم نُوحًا ووَلَدَهُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ، ولَدُ الَّذِينَ حُمِلُوا في الجارِيَةِ، فَكانَ حَمْلُ الَّذِينَ حُمِلُوا فِيها مِنَ الأجْدادِ، حَمْلًا لِذُرِّيَّتِهِمْ، ﴿لِنَجْعَلَها﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: تِلْكَ الفِعْلَةَ الَّتِي هي إنْجاءُ المُؤْمِنِينَ، وإغْراقُ الكافِرِينَ ﴿لَكم تَذْكِرَةً﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: آيَةً وعِبْرَةً تَذْكُرُونَ بِها صِدْقَ وعْدِهِ في نَصْرِ رُسُلِهِ، وتَدْمِيرِ أعْدائِهِ.

﴿وتَعِيَها﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: تَحْفَظُها ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] أيْ: حافِظَةٌ لِما سَمِعَتْ عَنِ اللَّهِ، مُتَفَكِّرَةٌ فِيهِ.

(p-٥٩١٤)

69:13–17Page 567

فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفۡخَةٞ وَٰحِدَةٞ ١٣

Then when the Horn is blown with one blast

وَحُمِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةٗ وَٰحِدَةٗ ١٤

And the earth and the mountains are lifted and leveled with one blow [i.e., stroke] -

فَيَوۡمَئِذٖ وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ ١٥

Then on that Day, the Occurrence [i.e., Resurrection] will occur,

وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوۡمَئِذٖ وَاهِيَةٞ ١٦

And the heaven will split [open], for that Day it is infirm.1

وَٱلۡمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرۡجَآئِهَاۚ وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ ثَمَٰنِيَةٞ ١٧

And the angels are at its edges. And there will bear the Throne of your Lord above them, that Day, eight [of them].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣ - ١٧] ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]

﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ أيْ: لِخَرابِ العالَمِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ نَفْسِ الحاقَّةِ، وكَيْفِيَّةِ وُقُوعِها، إثْرَ بَيانِ عِظَمِ شَأْنِها بِإهْلاكِ مُكَذِّبِيها.

﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] أيْ: رُفِعَتا وضُرِبَتا بِبَعْضِهِما مِن شِدَّةِ الزَّلازِلِ. وفي تَوْصِيفِها بِالوَحْدَةِ تَعْظِيمٌ لَها، وإشْعارٌ بِأنَّ المُؤَثِّرَ لِدَكِّ الأرْضِ والجِبالِ وخَرابِ العالَمِ، هي وحْدَها، غَيْرَ مُحْتاجَةٍ إلى أُخْرى.

﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] أيْ: نَزَلَتِ النّازِلَةُ، وهي القِيامَةُ.

﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ [الحاقة: ١٦] أيِ: انْصَدَعَتْ ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] مُتَمَزِّقَةٌ ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: جَوانِبِها وأطْرافِها حِينَ تَشَقَّقُ.

﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها ﴿يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِن صُفُوفِها.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا العَرْشِ العَرْشُ العَظِيمُ، أوِ العَرْشُ الَّذِي يُوضَعُ في الأرْضِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِفَصْلِ القَضاءِ. واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى.

ومِثْلُهُ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي يُؤْمَنُ بِها، ولا يَجِبُ اكْتِناهُها. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ، (p-٥٩١٥)فِي تَفْسِيرِ آيَةِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] كَلامٌ لِبَعْضِ عُلَماءِ الفَلَكِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، فَتَذَكَّرْهُ. وذَهَبَ بَعْضٌ مِنهم إلى أنَّ المُرادَ بِالعَرْشِ مُلْكُهُ تَعالى لِلسَّماواتِ والأرْضِ، وبِ: (الثَّمانِيَةِ) السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ. وعِبارَتُهُ: ﴿ويَحْمِلُ﴾ [الحاقة: ١٧] بِالجَذْبِ ﴿عَرْشَ رَبِّكَ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: مُلْكَ رَبِّكَ لِلْأرْضِ والسَّماواتِ ﴿فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ﴾ [الحاقة: ١٧] أيْ: فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] أيِ: السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ.

قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّبْعَ لَيْسَ لِلْكَثْرَةِ، بَلِ المُرادُ بِهِ الحَقِيقَةُ. فَهم ثَمانِيَةٌ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، أيْ: مُلْكَ الأرْضِ والسَّماواتِ السَّبْعِ بِالجَذْبِ، كَما هو حاصِلٌ اليَوْمَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِشَكْلٍ عَظِيمٍ جِدًّا.

ثُمَّ قالَ: ولا وجْهَ لِمُعْتَرِضٍ يَقُولُ: إنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ مُسَبِّحَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى:

﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: ٧] فَكَيْفَ تُسَبِّحُ السَّماواتُ والأرْضُ؟ لِأنَّهُ يُجابُ بِقَوْلِهِ تَعالى:

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤]

69:18–24Page 567

يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ ١٨

That Day, you will be exhibited [for judgement]; not hidden among you is anything concealed.1

فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتَٰبِيَهۡ ١٩

So as for he who is given his record in his right hand, he will say, "Here, read my record!

إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ ٢٠

Indeed, I was certain that I would be meeting my account."

فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ ٢١

So he will be in a pleasant life -

فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ٢٢

In an elevated garden,

قُطُوفُهَا دَانِيَةٞ ٢٣

Its [fruit] to be picked hanging near.

كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَآ أَسۡلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡأَيَّامِ ٱلۡخَالِيَةِ ٢٤

[They will be told], "Eat and drink in satisfaction for what you put forth1 in the days past."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨ - ٢٤] ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]

(p-٥٩١٦)﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: عَلى رَبِّكم لِلْحِسابِ والمُجازاةِ ﴿لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ أيْ: سَرِيرَةٌ كانَتْ تَخْفى في الدُّنْيا بِسَتْرِ اللَّهِ.

﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] أيْ: عَلّامَةً لِفَوْزِهِ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] أيْ: تَعالَوْا، أوْ خُذُوا. والهاءُ لِلسَّكْتِ، لا ضَمِيرَ غَيْبَةٍ.

قالَ الشِّهابُ: فَحَقُّها أنْ تُحْذَفَ وصْلًا، وتُثْبَتَ وقْفًا لِتُصانَ حَرَكَةُ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَإذا وُصِلَ اسْتَغْنى عَنْها. ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ لِإجْرائِهِ مَجْرى الوَقْفِ، أوْ لِأنَّهُ وصْلٌ بِنِيَّةِ الوَقْفِ. وإثْباتُها وصْلًا قِراءَةٌ صَحِيحَةٌ، ويُلْتَفَتُ لِقَوْلِ بَعْضِ النُّحاةِ: إنَّها لَحْنٌ. ﴿إنِّي ظَنَنْتُ﴾ [الحاقة: ٢٠] أيْ: عَلِمْتُ ﴿أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] أيْ: جَزائِي يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: فَأعْدَدْتُ لَهُ عُدَّتَهُ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ: ذاتِ رِضًا، مُلْتَبِسَةٍ بِهِ، فَيَكُونُ بِمَعْنى مَرْضِيَّةٍ، أوِ الأصْلُ: راضٍ صاحِبُها، فَأسْنَدَ الرِّضا إلَيْها، لِجَعْلِها، لِخُلُوصِها عَنِ الشَّوائِبِ، كَأنَّها نَفْسُها راضِيَةٌ مَجازًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، كَما فُصِّلَ في "المُطَوَّلِ".

﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] جَمْعُ قِطْفٍ بِكَسْرِ القافِ، وهو ما يُقْطَفُ مِن ثَمَرِها ﴿دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] أيْ: قَرِيبَةٌ سَهْلَةُ التَّناوُلِ.

﴿كُلُوا﴾ [الحاقة: ٢٤] أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] أيِ: الماضِيَةِ في الحَياةِ الدُّنْيا.

69:25–37Page 567

وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ فَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُوتَ كِتَٰبِيَهۡ ٢٥

But as for he who is given his record in his left hand, he will say, "Oh, I wish I had not been given my record

وَلَمۡ أَدۡرِ مَا حِسَابِيَهۡ ٢٦

And had not known what is my account.

يَٰلَيۡتَهَا كَانَتِ ٱلۡقَاضِيَةَ ٢٧

I wish it [i.e., my death] had been the decisive one.1

مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ ٢٨

My wealth has not availed me.

هَلَكَ عَنِّي سُلۡطَٰنِيَهۡ ٢٩

Gone from me is my authority."1

خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ٣٠

[Allāh will say], "Seize him and shackle him.

ثُمَّ ٱلۡجَحِيمَ صَلُّوهُ ٣١

Then into Hellfire drive him.

ثُمَّ فِي سِلۡسِلَةٖ ذَرۡعُهَا سَبۡعُونَ ذِرَاعٗا فَٱسۡلُكُوهُ ٣٢

Then into a chain whose length is seventy cubits insert him."

إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ ٱلۡعَظِيمِ ٣٣

Indeed, he did not used to believe in Allāh, the Most Great,

وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ٣٤

Nor did he encourage the feeding of the poor.

فَلَيۡسَ لَهُ ٱلۡيَوۡمَ هَٰهُنَا حَمِيمٞ ٣٥

So there is not for him here this Day any devoted friend

وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنۡ غِسۡلِينٖ ٣٦

Nor any food except from the discharge of wounds;

لَّا يَأۡكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡخَٰطِـُٔونَ ٣٧

None will eat it except the sinners.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥ - ٣٧] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] (p-٥٩١٧)﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧]

﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ﴾ أيْ: عِنْدَما يُلاقِي العَذابَ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] أيْ: أيَّ شَيْءٍ حِسابِي.

﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا كانَتْ هي الفَراغَ مِن كُلِّ ما بَعْدَها، ولَمْ يَكُنْ بَعْدَها حَياةٌ ولا بَعْثٌ. و(القَضاءُ) هو الفَراغُ. وقِيلَ: إنَّهُ تَمَنّى المَوْتَ الَّذِي يَقْضِي عَلَيْهِ، فَتَخْرُجُ مِنهُ نَفْسُهُ.

﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] أيْ: ما دَفَعَ مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا.

﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] أيْ: مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ. أوْ حُجَّتِي، فَلا حُجَّةَ لِي أحْتَجُّ بِها.

﴿خُذُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: يُقالُ لِخَزَنَةِ النّارِ: خُذُوهُ بِالقَهْرِ والشِّدَّةِ ﴿فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] أيْ: ضُمُّوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ؛ إذْ لَمْ يَشْكُرُ ما مَلَّكْتُهُ.

(p-٥٩١٨)﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] أيْ: أدْخِلُوهُ لِيَصْلى فِيها؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُرْ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ، فَأذِيقُوهُ شَدائِدَ النِّقَمِ.

﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: حَلْقَةٍ مُنْتَظِمَةٍ بِأُخْرى، وهي بِثالِثَةٍ، وهَلُمَّ جَرّا.

﴿ذَرْعُها﴾ [الحاقة: ٣٢] أيْ: مِقْدارُها ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] فَأدْخِلُوهُ فِيها. أيْ: لُفُّوهُ بِها، بِحَيْثُ يَكُونُ فِيما بَيْنَ حِلَقِها مُرْهَقًا، لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ. قالَ القاشانِيُّ: والسَّبْعُونَ في العُرْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ غَيْرِ المَحْصُورَةِ، لا العَدَدِ المُعَيَّنِ.

ثُمَّ عَلَّلَ اسْتِحْقاقَهُ ذَلِكَ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، بِقَوْلِهِ:

﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] أيِ: المُسْتَحِقِّ لِلْعَظَمَةِ وحْدَهُ، بَلْ كانَ يُشْرِكُ مَعَهُ الجَمادَ المَهِينَ.

﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] أيْ: إطْعامِهِ، فَضْلًا عَنْ بَذْلِهِ، لِتَناهِي شُحِّهِ.

﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] أيْ: قَرِيبٌ تَأْخُذُهُ الحَمِيَّةُ لَهُ.

﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] أيْ: مِن غُسالَةِ أهْلِ النّارِ وصَدِيدِهِمْ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مِن أهْلِ البَصْرَةِ يَقُولُ: كُلُّ جُرْحٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنهُ شَيْءٌ فَهو غِسْلِينٌ -فِعْلِينٌ- مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجِراحِ والدَّبَرِ، وزِيدَ فِيهِ الياءُ والنُّونُ بِمَنزِلَةِ عِفِرِّينٌ.

﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] أيِ: الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، يُقالُ: خَطِئَ الرَّجُلُ، إذا تَعَمَّدَ الخَطَأ. قالَ الرّازِيُّ: الطَّعامُ ما هُيِّئَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّئَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ طَعامًا لَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ مَقامَ الطَّعامِ، فَسُمِّيَ طَعامًا. كَما قالَ:

؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ

(p-٥٩١٩)

69:38–43Page 568

فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَا تُبۡصِرُونَ ٣٨

So I swear by what you see

وَمَا لَا تُبۡصِرُونَ ٣٩

And what you do not see

إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ٤٠

[That] indeed, it [i.e., the Qur’ān] is the word of a noble Messenger.

وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرٖۚ قَلِيلٗا مَّا تُؤۡمِنُونَ ٤١

And it is not the word of a poet; little do you believe.

وَلَا بِقَوۡلِ كَاهِنٖۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٤٢

Nor the word of a soothsayer; little do you remember.

تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٣

[It is] a revelation from the Lord of the worlds.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٨ - ٤٣] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] ﴿تَنْـزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣]

﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] أيْ: بِالمُشاهَداتِ والمُغَيَّباتِ. وهَذا القَسَمُ -كَما قالَ الرّازِيُّ- يَعُمُّ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى الشُّمُولِ؛ لِأنَّها لا تَخْرُجُ مِن قِسْمَيْنِ: مُبْصَرٍ وغَيْرِ مُبْصَرٍ، فَشَمَلَ الخالِقَ والخَلْقَ، والدُّنْيا والآخِرَةَ، والعالَمَ العُلْوِيَّ والسُّفْلِيَّ، وهَكَذا. وتَقَدَّمَ في الواقِعَةِ الكَلامُ عَلى كَلِمَةِ: (لا أُقْسِمُ)، فَتَذَكَّرْ.

﴿إنَّهُ﴾ [الحاقة: ٤٠] أيِ: القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الرَّسُولَ لا يُبَلِّغُ عَنْ نَفْسِهِ.

﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١] أيْ: كَما تَزْعُمُونَ؛ فَإنَّ بَيْنَ أُسْلُوبِهِ وحَقائِقِهِ، وبَيْنَ وزْنِ الشُّعْلَةِ وخَيالاتِهِ، بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ.

﴿قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] تُصَدِّقُونَ بِما ظَهَرَ صِدْقُهُ وبُرْهانُهُ، عِنادًا وعُتُوًّا. والقِلَّةُ كِنايَةٌ عَنِ النَّفْيِ والعَدَمِ. ونُصِبَ " قَلِيلًا " عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ، أوْ زَمانٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: إيمانًا وزَمانًا. والنّاصِبُ " تُؤْمِنُونَ " أوْ " تَذَكَّرُونَ " و" ما " زائِدَةٌ، هَذا ما قالَهُ ابْنُ عادِلٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً ومَصْدَرِيَّةً.

﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ [الحاقة: ٤٢] أيْ: كَما تَدَّعُونَ أُخْرى بِأنَّهُ مِن سَجْعِ الكُهّانِ (p-٥٩٢٠)﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] أيْ: تَتَّعِظُونَ وتَعْتَبِرُونَ. قِيلَ: نَفى الإيمانَ في الأوَّلِ، والذِّكْرى في الثّانِي؛ لِأنَّ عَدَمَ مُشابَهَةِ القُرْآنِ لِلشِّعْرِ أمْرٌ بَيِّنٌ، لا يُنْكِرُهُ إلّا مُعانِدٌ. فَلا عُذْرَ لِقائِلِهِ في تَرْكِ الإيمانِ، وهو أكْفَرُ مِن حِمارٍ. وأمّا مُبايَنَتُهُ لِلْكِهانَةِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلى تَذَكُّرٍ ما؛ لِأنَّ الكاهِنَ يَأْخُذُ جُعْلًا، ويُجِيبُ عَمّا سُئِلَ عَنْهُ ويَتَكَلَّفُ السَّجْعَ، ويَكْذِبُ كَثِيرًا، وإنِ التَبَسَ عَلى الحَمْقى لِإخْبارِهِ عَنْ بَعْضِ المُغَيَّباتِ بِكَلامٍ مَنثُورٍ، فَتَأمَّلْ.

﴿تَنْـزِيلٌ﴾ [الحاقة: ٤٣] أيْ: هو تَنْزِيلٌ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣] أيْ: مِمَّنْ رَبّاهم بِصُنُوفِ نِعَمِهِ، ومِنها ما نَزَّلَهُ وأوْحاهُ لِيَهْتَدُوا بِهِ إلى سُبُلِ السَّعادَةِ، ومَناهِجِ الفَلاحِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском