Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
الليل
Al-Layl
The Night · Meccan · 21 ayahs
92:1–4Page 595
وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰ ١
By the night when it covers1
وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ ٢
And [by] the day when it appears
وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ ٣
And [by] He who created the male and female,
إِنَّ سَعۡيَكُمۡ لَشَتَّىٰ ٤
Indeed, your efforts are diverse.
(p-٦١٧٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ اللَّيْلِ
مَكِّيَّةٌ، وآيُها إحْدى وعِشْرُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ «قَوْلُهُ ﷺ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى».
(p-٦١٧٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٤ ] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ٢] ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣] ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤]
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ أوِ النَّهارَ بِظُلْمَتِهِ، فَيَذْهَبُ بِذاكَ الضِّياءِ، ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ٢] أيْ: ظَهَرَ بِزَوالِ اللَّيْلِ أوْ تَبَيَّنَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ.
قالَ الإمامُ: والتَّعْبِيرُ في الغَشَيانِ بِالمُضارِعِ، لِما سَبَقَ مِن عُرُوضِ الظُّلْمَةِ لِأصْلِ النُّورِ الَّذِي هو أكْمَلُ مَظاهِرِ الوُجُودِ، حَتّى عُبِّرَ بِهِ عَنِ الوُجُودِ نَفْسِهِ. أمّا تَجَلِّي النَّهارِ فَهو لازِمٌ لَهُ. لِهَذا عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي كَما سَبَقَ بَيانُهُ.
﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣] أيْ: والقادِرُ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى مِن كُلِّ نَوْعٍ لَهُ تَوالُدٌ. فَـ: "ما" مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (مَن)، أُوثِرَتْ لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ، كَما تَقَدَّمَ.
قالَ الإمامُ: وإنَّما أقْسَمَ بِذاتِهِ بِهَذا العُنْوانِ، لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِصِفَةِ العِلْمِ المُحِيطِ بِدَقائِقِ المادَّةِ وما فِيها، والإشارَةُ إلى الإبْداعِ في الصُّنْعِ؛ إذْ لا يُعْقَلُ أنَّ هَذا التَّخالُفَ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، في الحَيَوانِ، يَحْصُلُ بِمَحْضِ الِاتِّفاقِ مِن طَبِيعَةٍ لا شُعُورَ لَها بِما تَفْعَلُ، كَما يَزْعُمُ بَعْضُ الجاحِدِينَ، فَإنَّ الأجْزاءَ الأصْلِيَّةَ في المادَّةِ مُتَساوِيَةُ النِّسْبَةِ إلى كَوْنِ الذَّكَرِ أوْ كَوْنِ الأُنْثى، فَتَكْوِينُ الوَلَدِ مِن عَناصِرَ واحِدَةٍ تارَةً ذَكَرًا وتارَةً أُنْثى، دَلِيلٌ عَلى أنَّ واضِعَ هَذا النِّظامِ عالِمٌ بِما يَفْعَلُ، مُحْكِمٌ فِيما يَضَعُ ويَصْنَعُ. انْتَهى.
(p-٦١٧٥)وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤] جَوابُ القَسَمِ. أوْ هو مُقَدَّرٌ، كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ. أيْ: مُخْتَلِفٌ في جَزائِهِ. ومُفَرِّقٌ في عاقِبَتِهِ. فَمِنهُ ما يَسْعَدُ بِهِ السّاعِي ومِنهُ ما يَشْقى بِهِ، فَشَتّانَ ما بَيْنَهُما، كَما فَصَّلَهُ بَعْدُ. و(شَتّى) إمّا جَمْعُ شَتِيتٍ أوْ شَتٍّ، بِمَعْنى مُتَفَرِّقٍ، والمَصْدَرُ المُضافُ يُفِيدُ العُمُومَ. فَيَكُونُ جَمْعًا مَعْنًى. ولِذا أخْبَرَ عَنْهُ بِـ: (شَتّى) وهو جَمْعٌ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ مُفْرَدُ مَصْدَرٍ مُؤَنَّثٍ كَذِكْرى وبُشْرى. فَهو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ مُؤَوَّلٌ، أوْ بِجَعْلِهِ عَيْنَ الِافْتِراقِ، مُبالَغَةً.
قالَ الرّازِيُّ: ويَقْرُبُ مِن هَذِهِ قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]
92:5–11Page 595
فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ ٥
As for he who gives and fears Allāh
وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ ٦
And believes in the best [reward].
فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡيُسۡرَىٰ ٧
We will ease him toward ease.
وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسۡتَغۡنَىٰ ٨
But as for he who withholds and considers himself free of need
وَكَذَّبَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ ٩
And denies the best [reward],
فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡعُسۡرَىٰ ١٠
We will ease him toward difficulty.
وَمَا يُغۡنِي عَنۡهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدَّىٰٓ ١١
And what will his wealth avail him when he falls?1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥ - ١١ ] ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١]
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ تَفْصِيلٌ لِتِلْكَ المَساعِي الشَّتّى، وتَبْيِينٌ لِمَآلِها ما تَقَدَّمَ.
(p-٦١٧٦)قالَ الرّازِيُّ: وفي "أعْطى" وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْفاقَ المالِ في جَمِيعِ وُجُوهِ الخَيْرِ مِن عِتْقِ الرِّقابِ، وفَكِّ الأسارى وتَقْوِيَةِ المُسْلِمِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ، كَما كانَ يَفْعَلُهُ أبُو بَكْرٍ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ واجِبًا أوْ نَفْلًا وإطْلاقُ هَذا كالإطْلاقِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] فَإنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ ما كانَ إنْفاقًا في سَبِيلِ اللَّهِ، سَواءٌ كانَ واجِبًا أوْ نَفْلًا. وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ قَوْمًا فَقالَ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] الآيَةَ.
وثانِيهِما: أنَّ قَوْلَهُ: "أعْطى" يَتَناوَلُ إعْطاءَ حُقُوقِ المالِ، وإعْطاءَ حُقُوقِ النَّفْسِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. يُقالُ: فُلانٌ أعْطى الطّاعَةَ وأعْطى السِّعَةَ. انْتَهى.
إلّا أنَّ الأوَّلَ هو المُناسِبُ لِلْإعْطاءِ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ فِيهِ تَعَلُّقُهُ بِالمالِ خُصُوصًا وقَدْ وقَعَ في مُقابَلَةِ ذِكْرِ البُخْلِ والمالِ ﴿واتَّقى﴾ أيْ: رَبَّهُ فاجْتَنَبَ مَحارِمَهُ.
﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] أيْ: بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى. قالَ قَتادَةُ: أيْ: صَدَّقَ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الحَسَنِ. وهو بِمَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ: إنَّها الجَنَّةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] فَسَمّى مُضاعَفَةَ الأجْرِ حُسْنى. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: صَدَّقَ بِالفَضِيلَةِ الحُسْنى الَّتِي هي مَرْتَبَةُ الكَمالِ بِالإيمانِ العِلْمِيِّ، إذْ لَوْ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِوُجُودِ كَمالٍ كامِلٍ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّرَقِّي.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] أيْ: فَسَنُهَيِّئُهُ ونُوَفِّقُهُ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى، الَّتِي هي السُّلُوكُ في طَرِيقِ الحَقِّ، لِقُوَّةِ يَقِينِهِ.
قالَ الشِّهابُ: ولَمّا كانَتْ مُؤَدِّيَةً إلى اليُسْرِ، وهو الأمْرُ السَّهْلُ الَّذِي يَسْتَرِيحُ بِهِ النّاسُ وُصِفَتْ بِأنَّها يُسْرى، عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ أوْ تَجَوُّزٌ في الإسْنادِ.
﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ [الليل: ٨] أيْ: بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ومَنعِ ما وهَبَ اللَّهُ لَهُ مِن فَضْلِهِ مِن صَرْفِهِ في الوُجُوهِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِصَرْفِهِ فِيها ﴿واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] أيْ: عَنْ رَبِّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ إلَيْهِ بِالعَمَلِ لَهُ (p-٦١٧٧)بِطاعَتِهِ بِالزِّيادَةِ فِيما خَوَّلَهُ، أوِ اسْتَغْنى بِمالِهِ عَنْ كَسْبِ الفَضِيلَةِ، وعَمِهَ بِهِ عَنِ الحَقِّ.
﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] أيْ: بِوُجُودِ المَثُوبَةِ لِلْحُسْنى لِمَن آمَنَ بِالحَقِّ، لِاسْتِغْنائِهِ بِالحَياةِ الدُّنْيا واحْتِجابِهِ بِها عَنْ عالَمِ الآخِرَةِ.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] أيْ: لِلطَّرِيقَةِ العُسْرى المُؤَدِّيَةِ إلى الشَّقاءِ الأبَدِيِّ.
قالَ الإمامُ: الخُطَّةُ العُسْرى هي الخُطَّةُ الَّتِي يَحُطُّ فِيها الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، ويَغُضُّ مِن حَقِّها ويَنْزِلُ بِها إلى حَضِيضِ البَهِيمِيَّةِ، ويَغْمِسُها في أوْحالِ الخَطِيئَةِ. وهي أعْسَرُ الخُطَّتَيْنِ عَلى الإنْسانِ، لِأنَّهُ لا يَجِدُ مُعِينًا عَلَيْها، لا مِن فِطْرَتِهِ ولا مِنَ النّاسِ.
﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] أيْ: وما يُفِيدُهُ مالُهُ الَّذِي تَعِبَ في تَحْصِيلِهِ، وأفْنى عُمْرَهُ في حِفْظِهِ وبَطِرَ الحَقَّ لِأجْلِهِ، إذا هَلَكَ، مِن قَوْلِهِمْ: (تَرَدّى مِنَ الجَبَلِ وفي الهُوَّةِ)، وفي التَّعْبِيرِ بِهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ بِما قَدَّمَهُ مِن أعْمالِهِ الخَبِيثَةِ، هو المُهْلِكُ والمُوقِعُ لِنَفْسِهِ. وهو الحافِرُ عَلى حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ. و"ما" نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَعْنى الإنْكارِ. وقَوْلُهُ:
92:12–21Page 595
إِنَّ عَلَيۡنَا لَلۡهُدَىٰ ١٢
Indeed, [incumbent] upon Us is guidance.
وَإِنَّ لَنَا لَلۡأٓخِرَةَ وَٱلۡأُولَىٰ ١٣
And indeed, to us belongs the Hereafter and the first [life].
فَأَنذَرۡتُكُمۡ نَارٗا تَلَظَّىٰ ١٤
So I have warned you of a Fire which is blazing.
لَا يَصۡلَىٰهَآ إِلَّا ٱلۡأَشۡقَى ١٥
None will [enter to] burn therein except the most wretched one
ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ١٦
Who had denied and turned away.
وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلۡأَتۡقَى ١٧
But the righteous one will avoid it –
ٱلَّذِي يُؤۡتِي مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ ١٨
[He] who gives [from] his wealth to purify himself
وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعۡمَةٖ تُجۡزَىٰٓ ١٩
And not [giving] for anyone who has [done him] a favor to be rewarded1 –
إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٢٠
But only seeking the face [i.e., acceptance] of his Lord, Most High.
وَلَسَوۡفَ يَرۡضَىٰ ٢١
And he is going to be satisfied.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢ - ٢١ ] ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١]
(p-٦١٧٨)﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، أيْ: عَلَيْنا بِمُوجِبِ قَضائِنا المَبْنِيِّ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، حَيْثُ خَلَقْنا الخَلْقَ لِلْإصْلاحِ في الأرْضِ، أنْ نُبَيِّنَ لَهم طَرِيقَ الهُدى لِيَجْتَنِبُوا مَواقِعَ الرَّدى. وقَدْ فَعَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، والتَّمْكِينِ مِن الِاسْتِدْلالِ والِاسْتِبْصارِ، بِخَلْقِ العَقْلِ وهِبَةِ الِاخْتِيارِ.
﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] أيْ: مِلْكًا وخَلْقًا، فَلا يَضُرُّنا تَوَلِّيكم عَنِ الهُدى؛ وذَلِكَ لِغِناهُ تَعالى المُطْلَقِ، وتَفَرُّدِهِ بِمُلْكِ ما في الدّارَيْنِ، وكَوْنِهِ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ، لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ أحَدٌ، ولا يُحَصِّلُهُ أحَدٌ، حَتّى يَضُرَّ عَدَمُ اهْتِدائِهِ أوْ يَنْفَعَ اهْتِداؤُهُ. وفِيهِ إشارَةٌ عَلى تَناهِي عَظَمَتِهِ وتَكامُلِ قَهْرِهِ وجَبَرُوتِهِ. وإنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَجَدِيرٌ أنْ يُبادِرَ لِطاعَتِهِ ويُحَذِّرَ مِن مَعْصِيَتِهِ؛ ولِذا رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] أيْ: تَتَلَظّى وتَتَوَهَّجُ، وهي نارُ الآخِرَةِ.
﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ [الليل: ١٦] أيْ: بِالحَقِّ الَّذِي جاءَهُ ﴿وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] أيْ: عَنْ آياتِ رَبِّهِ وبَراهِينِها الَّتِي وضَّحَ أمْرَها وبَهَرَ نُورَها، عِنادًا وكُفْرًا.
﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] أيْ: يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ، يَتَزَكّى عَنْ رِجْسِ البُخْلِ ودَنَسِ الإمْساكِ.
﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] أيْ: مِن يَدٍ يُكافِئُهُ عَلَيْها، أيْ: لا يُؤْتِيهِ لِلْمُكافَأةِ والمُعارَضَةِ.
﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] أيْ: لَكِنْ يُؤْتِيهِ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ وطَلَبَ مَرْضاتِهِ. لا لِغَرَضٍ آخَرَ مِن مُكافَأةٍ أوْ مَحْمَدَةٍ أوْ سُمْعَةٍ. وفي حَصْرِ "الأتْقى" بِالمُنْفِقِ، عَلى الشَّرِيطَةِ المَذْكُورَةِ، عِنايَةٌ عَظِيمَةٌ بِهِ، وتَرْغِيبٌ شَدِيدٌ في اللَّحاقِ بِهِ، كَيْفَ لا؟ وبِالمالِ قِوامُ الأعْمالِ، ورَفْعُ مَبانِي الرَّشادِ وهَدْمُ صُرُوحِ الفَسادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى هَذا المُؤْتِي مالَهُ في حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، يَتَزَكّى بِما يُثِيبُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ عِوَضًا مِمّا أتى في الدُّنْيا في سَبِيلِهِ إذا لَقِيَ رَبَّهُ تَبارَكَ وتَعالى؛ فَفِيهِ وعْدٌ كَرِيمٌ بِنَيْلِ جَمِيعِ ما يَبْتَغِيهِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأجْمَلِها، إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ الرِّضا. وهَذا عَلى أنَّ ضَمِيرَ "يَرْضى" لِـ "الأتْقى" لا لِلرَّبِّ. قالَ الشِّهابُ: وهو الأنْسَبُ بِالسِّياقِ واتِّساقِ الضَّمائِرِ.
(p-٦١٧٩)وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الثّانِي، ومِنهُمُ الإمامُ، قالَ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الأتْقى الطّالِبِ بِصِفَةِ رِضاهُ، (ثُمَّ قالَ): والتَّعْبِيرُ بِـ (سَوْفَ)؛ لِإفادَةِ أنَّ الرِّضا يَحْتاجُ إلى بَذْلِ كَثِيرٍ، ولا يَكْفِي القَلِيلُ مِنَ المالِ، لِأنْ يَبْلُغَ العَبْدُ دَرَجَةَ الرِّضا الإلَهِيِّ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتّى إنَّ بَعْضَهم حَكى الإجْماعَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى ذَلِكَ. ولا شَكَّ أنَّهُ داخِلٌ فِيها وأوْلى الأُمَّةِ بِعُمُومِها؛ فَإنَّ اللَّفْظَ لَفْظُ العُمُومِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩]
ولَكِنَّهُ مُقَدَّمُ الأُمَّةِ وسابِقُهم في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْصافِ وسائِرِ الأوْصافِ الحَمِيدَةِ، فَإنَّهُ كانَ صِدِّيقًا تَقِيًّا كَرِيمًا جَوّادًا بَذّالًا لِأمْوالِهِ في طاعَةِ مَوْلاهُ ونُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَمْ مِن دَراهِمَ ودَنانِيرَ بَذَلْتَها ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الكَرِيمِ. ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ مِنَّةٌ يَحْتاجُ إلى أنْ يُكافِئَهُ بِها، ولَكِنْ كانَ فَضْلُهُ وإحْسانُهُ عَلى السّاداتِ والرُّؤَساءِ مِن سائِرِ القَبائِلِ. ولِهَذا قالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ -وهُوَ سَيِّدُ ثَقِيفٍ- يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ: أما واللَّهِ! لَوْلا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أجْزِكَ بِها، لَأجَبْتُكَ. وكانَ الصِّدِّيقُ قَدْ أغْلَظَ لَهُ في المَقالَةِ. فَإذا كانَ هَذا حالُهُ مَعَ ساداتِ العَرَبِ ورُؤَساءِ القَبائِلِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُمْ؟ وفي الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللَّهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ: يا عَبْدَ اللَّهِ هَذا خَيْرٌ» . فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما عَلى مَن يُدْعى مِنها ضَرُورَةٌ، فَهَلْ يُدْعى مِنها كُلِّها أحَدٌ؟ قالَ: «نَعَمْ، وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنهُمُ»» . انْتَهى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences