Al-QasimiAd‑Duhaa · 93:1–11

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

الضحى

Ad-Duhaa

The Morning Hours · Meccan · 11 ayahs

93:1–5Page 596

وَٱلضُّحَىٰ ١

By the morning brightness

وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ ٢

And [by] the night when it covers with darkness,1

مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣

Your Lord has not taken leave of you, [O Muḥammad], nor has He detested [you].

وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ ٤

And the Hereafter is better for you than the first [life].

وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ ٥

And your Lord is going to give you, and you will be satisfied.

(p-٦١٨٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الضُّحى

مَكِّيَّةٌ وآيُها إحْدى عَشْرَةَ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: «رُوِّينا مِن طَرِيقِ أبِي الحَسَنِ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَزَّةَ المُقْرِئِ قالَ: قَرَأْتُ عَلى عِكْرِمَةَ بْنِ سُلَيْمانَ، وأخْبَرَنِي أنَّهُ قَرَأ عَلى إسْماعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ وشِبْلِ بْنِ عَبّادٍ. فَلَمّا بَلَغْتُ (والضُّحى) قالَ لِي: كَبِّرْ حَتّى تَخْتِمَ مَعَ خاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ. فَإنّا قَرَأْنا عَلى ابْنِ كَثِيرٍ فَأمَرَنا بِذَلِكَ. وأخْبَرَنا أنَّهُ قَرَأ عَلى مُجاهِدٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ، وأخْبَرَهُ مُجاهِدٌ أنَّهُ قَرَأ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ. وأخْبَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ، وأخْبَرَهُ أُبَيٌّ أنَّهُ قَرَأ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ». فَهَذِهِ سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بِها أبُو الحَسَنِ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَزِّيُّ، مِن ولَدِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ. وكانَ إمامًا في القِراءاتِ. وأمّا في الحَدِيثِ فَقَدْ ضَعَّفَهُ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ وقالَ: لا أُحَدِّثُ عَنْهُ. وكَذَلِكَ أبُو جَعْفَرٍ العُقَيْلِيُّ، قالَ: هو مُنْكَرُ الحَدِيثِ.

لَكِنْ حَكى الشَّيْخُ شِهابُ الدِّينِ أبُو شامَةَ في (شَرْحِ الشّاطِبِيَّةِ) عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُكَبِّرُ هَذا التَّكْبِيرَ في الصَّلاةِ، فَقالَ: أحْسَنْتَ وأصَبْتَ السُّنَّةَ. وهَذا يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذا الحَدِيثِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في مَوْضِعِ هَذا التَّكْبِيرِ وكَيْفِيَّتِهِ. فَقالَ بَعْضُهُمْ:

يُكَبِّرُ مِن آخِرِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] وقالَ آخَرُونَ: مِن آخِرِ ﴿والضُّحى﴾ وكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أنْ يَقُولَ (اللَّهُ أكْبَرُ) ويَقْتَصِرُ، ومِنهم مَن يَقُولُ (اللَّهُ أكْبَرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ) وذَكَرَ القُرّاءُ في مُناسَبَةِ التَّكْبِيرِ مِن أوَّلِ سُورَةِ الضُّحى، «أنَّهُ لَمّا تَأخَّرَ الوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفَتَرَ تِلْكَ المُدَّةَ، ثُمَّ جاءَ المَلَكُ فَأوْحى إلَيْهِ "والضُّحى واللَّيْلِ إذا سَجى" السُّورَةَ بِتَمامِها، كَبَّرَ فَرَحًا وسُرُورًا،» ولَمْ يُرْوَ ذَلِكَ بِإسْنادٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصِحَّةٍ ولا ضَعْفٍ. فاللَّهُ أعْلَمُ.

(p-٦١٨١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١- ٥ ] ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤] ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥]

﴿والضُّحى﴾ تَقَدَّمَ في سُورَةِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] تَفْسِيرُ الضُّحى بِالضَّوْءِ وارْتِفاعِ النَّهارِ ارْتِفاعًا عالِيًا.

﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] أيِ: اشْتَدَّ ظَلامُهُ. وأصْلُهُ مِنَ التَّسْجِيَةِ وهي التَّغْطِيَةُ، لِسَتْرِهِ بِظُلْمَتِهِ. كَما في آيَةِ ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [النبإ: ١٠] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] جَوابُ القَسَمِ، أيْ: ما تَرَكَكَ وما قَطَعَكَ قَطْعَ المُوَدِّعِ.

قالَ الشِّهابُ في (العِنايَةِ): فالتَّوْدِيعُ مُسْتَعارٌ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً لِلتَّرْكِ هُنا، وفِيهِ مِنَ اللُّطْفِ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى؛ فَإنَّ الوَداعَ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ الأحْبابِ ومَن تَعِزُّ مُفارَقَتُهُ، كَما قالَ المُتَنَبِّي:

؎حَشاشَةُ نَفْسٍ ودَّعَتْ يَوْمَ ودَّعُوا فَلَمْ أدْرِ أيَّ الظّاعِنَيْنِ أُشَيِّعُ

وقالَ في (شَرْحِ الشِّفاءِ): الوَداعُ لَهُ مَعْنَيانِ في اللُّغَةِ: التَّرْكُ وتَشْيِيعُ المُسافِرِ، فَإنْ فُسِّرَ بِالثّانِي هُنا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ يَكُونُ فِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يَتْرُكْهُ أصْلًا، فَإنَّهُ مَعَهُ أيْنَما كانَ. وإنَّما التَّرْكُ لَوْ تَصَوَّرَ في جانِبِهِ، ظاهِرٌ مَعَ دَلالَتِهِ بِهَذا المَعْنى عَلى الرُّجُوعِ؛ فالتَّوْدِيعُ إنَّما يَكُونُ لِمَن يُحِبُّ ويَرْجى عَوْدَهُ، وإلَيْهِ أشارَ الأُرْجانِيُّ بِقَوْلِهِ:(p-٦١٨٢)

؎إذا رَأيْتَ الوَداعَ فاصْبِرْ ∗∗∗ ولا يُهِمُّنَّكَ البِعادُ

؎وانْتَظِرِ العَوْدَ عَنْ قَرِيبٍ ∗∗∗ فَإنَّ قَلْبَ الوَداعِ عادُوا

فَقَوْلُهُ: ﴿وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] مُؤَكِّدٌ لَهُ. (قالَ): وهَذا لَمْ أرَ مَن ذَكَرَهُ مَعَ غايَةِ لُطْفِهِ، وكُلُّهم فَسَّرُوهُ بِالمَعْنى الأوَّلِ. ولَمّا رَأوْا صِيغَةَ الفِعْلِ تُفِيدُ زِيادَةَ المَعْنى والمُبالَغَةَ فِيهِ، فَيَقْتَضِي الِانْقِطاعَ التّامَّ، قالُوا: إنَّ المُبالَغَةَ في النَّفْيِ لا في المَنفِيِّ فَتَرَكَهُ لِحُكْمٍ عَلَيْهِ، لا لِضَرَرِهِ بِهَجْرِهِ، أوْ لِنَفْيِ القَيْدِ والمُقَيَّدِ. وقُرِئَ: ﴿ما ودَّعَكَ﴾ [الضحى: ٣] بِالتَّخْفِيفِ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ ««شَرُّ النّاسِ مَن ودَّعَهُ النّاسُ اتِّقاءَ فُحْشِهِ»» . ووَرَدَ في الشِّعْرِ، كَقَوْلِهِ:

؎فَكانَ ما قَدَّمُوا لِأنْفُسِهِمْ ∗∗∗ أعْظَمَ نَفْعًا مِنَ الَّذِي ودَّعُوا

ولِهَذا قالَ في (المِصْباحِ) بِهَذا: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم في عِلْمِ التَّصْرِيفِ: أماتُوا ماضِي يَدَعُ ويَذَرُ خَطَأٌ، وجَعْلَهُ اسْتِعارَةً مِنَ الوَدِيعَةِ تَعَسُّفٌ. انْتَهى.

وكَذا قالَ في (المُسْتَوْفِي): إنَّهُ كُلَّهُ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ، ولا عِبْرَةَ بِكَلامِ النُّحاةِ فِيهِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وإنْ كانَ نادِرًا. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى:

﴿وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] أيْ: وما أبْغَضَكَ. والقالِي: المُبْغِضُ. يَعْنِي ما هَجَرَكَ عَنْ بُغْضٍ.

قالَ الشِّهابُ: وحَذْفُ مَفْعُولِ "قَلى" اخْتِصارًا لِلْعِلْمِ بِهِ، ولِيَجْرِيَ عَلى نَهْجِ الفَواصِلِ الَّتِي بَعْدَهُ، أوْ لِئَلّا يُخاطِبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى البُغْضِ.

تَنْبِيهٌ:

رَوى ابْنُ جَرِيرٍ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ««أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ أبْطَأ عَنْهُ جِبْرِيلُ أيّامًا» (p-٦١٨٣)فَعُيِّرَ بِذَلِكَ؛ فَقالَ المُشْرِكُونَ: ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وفي رِوايَةٍ: أنَّ قائِلَ ذَلِكَ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، وفي أُخْرى أنَّها خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها». ولا تُنافِي، لِاحْتِمالِ صُدُورِهِ مِنَ الجَمِيعِ، إلّا أنَّ قَوْلَ المُشْرِكِينَ وقَوْلَ خَدِيجَةَ -إنْ صَحَّ -تَوَجُّعٌ وتَحَزُّنٌ- وفي رِوايَةِ إسْماعِيلَ مَوْلى آلِ الزُّبَيْرِ قالَ: «فَتَرَ الوَحْيُ حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأحْزَنَهُ. فَقالَ: «لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَكُونَ صاحِبِي قَلانِي» فَجاءَ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ "والضُّحى"».

﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَلدّارُ الآخِرَةُ وما أعَدَّ اللَّهُ لَكَ فِيها، خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدّارِ الدُّنْيا وما فِيها. يَقُولُ: فَلا تَحْزَنْ عَلى ما فاتَكَ مِنها، فَإنَّ الَّذِي لَكَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنها. وقالَ القاضِي: أوْ: لَنِهايَةُ أمْرِكَ خَيْرٌ مِن بِدايَتِهِ. فَإنَّهُ ﷺ لا يَزالُ يَتَصاعَدُ في الرِّفْعَةِ والكَمالِ.

﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] أيْ: يُعْطِيكَ مِن فَواضِلِ نِعَمِهِ في العُقْبى حَتّى تَرْضى، وهَذِهِ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ شامِلَةٌ لِما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا مِن كَمالِ النَّفْسِ وعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وظُهُورِ الأمْرِ وإعْلاءِ الدِّينِ، بِالفُتُوحِ الواقِعَةِ في عَصْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي أيّامِ خُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ وغَيْرِهِمْ مِن مُلُوكِ الإسْلامِ، وفُشُوِّ دَعْوَتِهِ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، ولِما ادَّخَرَ لَهُ مِنَ الكَراماتِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى. وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ جامِعَةٌ لِوُجُوهِ الكَرامَةِ وأنْواعِ السَّعادَةِ وشَتاتِ الإنْعامِ في الدّارَيْنِ، حَيْثُ أجْمَلَهُ ووَكَّلَهُ إلى رِضاهُ وهَذا غايَةُ الإحْسانِ والإكْرامِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ في (المَواهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ): وأمّا ما يَغْتَرُّ بِهِ الجُهّالُ مِن أنَّهُ لا يَرْضى واحِدًا مِن أُمَّتِهِ في النّارِ أوْ لا يَرْضى أنْ يَدْخُلَ أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ النّارَ، فَهو مِن غُرُورِ الشَّيْطانِ لَهُمْ، ولَعِبِهِ بِهِمْ؛ فَإنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ يَرْضى بِما يَرْضى بِهِ رَبُّهُ تَبارَكَ وتَعالى، وهو سُبْحانَهُ وتَعالى يُدْخِلُ النّارَ مَن يَسْتَحِقُّها مِنَ الكُفّارِ والعُصاةِ، وقَدْ ولِعَ الحَشْوِيَّةُ بِتَقْوِيَةِ أمْثالِ هَذِهِ الآثارِ المُفْتَراةِ تَغْرِيرًا لِلْجُهّالِ وتَزْيِينًا لِمَوارِدِ الضَّلالِ. ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

(p-٦١٨٤)

93:6–11Page 596

أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ ٦

Did He not find you an orphan and give [you] refuge?

وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ ٧

And He found you lost and guided [you],

وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ ٨

And He found you poor and made [you] self-sufficient.

فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ ٩

So as for the orphan, do not oppress [him].

وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ ١٠

And as for the petitioner,1 do not repel [him].

وَأَمَّا بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثۡ ١١

But as for the favor of your Lord, report [it].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦ - ١١ ] ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] ﴿ووَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨] ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]

﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: تَعْدِيدٌ لِما أفاضَ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ العِظامِ، لِيَسْتَشْهِدَ بِالحاضِرِ المَوْجُودِ عَلى المُتَرَقِّبِ المَوْعُودِ فَيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ ويَنْشَرِحَ صَدْرُهُ. والهَمْزَةُ لِإنْكارِ النَّفْيِ وتَقْرِيرِ المَنفِيِّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ وجَدَكَ إلَخْ. والوُجُودُ بِمَعْنى العِلْمِ.

رُوِيَ ««أنَّ أباهُ ماتَ وهو جَنِينٌ قَدْ أتَتْ عَلَيْهِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وماتَتْ أُمُّهُ وهو ابْنُ ثَمانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ وعَطَّفَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ»» وذَلِكَ إيواؤُهُ، ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] أيْ: غافِلًا عَمّا أوْحاهُ إلَيْكَ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ، فَهَداكَ إلَيْهِ وجَعَلَكَ إمامًا لَهُ، كَما في آيَةِ، ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]

قالَ الشِّهابُ: فالضَّلالُ مُسْتَعارٌ مِن: (ضَلَّ في طَرِيقِهِ)، إذا سَلَكَ طَرِيقًا غَيْرَ مُوَصِّلَةٍ لِمَقْصِدِهِ لِعَدَمِ ما يُوَصِّلُهُ لِلْعُلُومِ النّافِعَةِ، مِن طَرِيقِ الِاكْتِسابِ.

﴿ووَجَدَكَ عائِلا﴾ [الضحى: ٨] أيْ: فَقِيرًا ﴿فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨] أيْ: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ الَّذِي وهَبَتْهُ إيّاهُ. أوْ بِما حَصَلَ لَكَ مِن رِبْحِ التِّجارَةِ.

﴿فَأمّا (p-٦١٨٥)اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] فَلا تَغْلِبْهُ عَلى مالِهِ فَتَذْهَبَ بِحَقِّهِ، اسْتِعْطافًا مِنكَ لَهُ.

﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وأمّا مَن سَألَكَ مِن ذِي حاجَةٍ فَلا تَنْهَرْهُ، ولَكِنْ أطْعِمْهُ واقْضِ لَهُ حاجَتَهُ، أيْ: لِأنَّ لِلسّائِلِ حَقًّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥]

وقَدْ ذَهَبَ الحَسَنُ -فِيما نَقَلَهُ الرّازِيُّ- إلى أنَّ المُرادَ مِنَ السّائِلِ مَن يَسْألُ العِلْمَ، فَيَكُونُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] وهَكَذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وكَما كُنْتَ ضالًّا فَهَداكَ اللَّهُ، فَلا تَنْهَرِ السّائِلَ في العِلْمِ المُسْتَرْشِدِ. قالَ الإمامُ: ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى ما ورَدَ في أحْوالِ الَّذِينَ كانُوا يَسْألُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيانَ ما يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ، فَمِنهم أهْلُ الكِتابِ المُمارُونَ، ومِنهُمُ الأعْرابُ الجُفاةُ. ومِنهم مَن كانَ يَسْألُ عَمّا لا يُسْألُ عَنْهُ الأنْبِياءُ، فَلا غَرْوَ أنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ بِالرِّفْقِ بِهِمْ، ويَنْهاهُ عَنْ نَهْرِهِمْ، كَما عاتَبَهُ عَلى التَّوَلِّي عَنِ الأعْمى السّائِلِ، في سُورَةِ عَبَسَ. انْتَهى.

﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] أيْ: بِشُكْرِها وإظْهارِ آثارِها فَيَرْغَبُ فِيما لَدَيْهِ مِنها، ويَحْرِصُ عَلى أنْ تَصْدُرَ المَحاوِيجُ عَنْها. وهَذا هو سِرُّ الأمْرِ بِالتَّحَدُّثِ بِها. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أدَبٍ عَظِيمٍ وهو التَّصَدِّي لِلتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ وإشْهارِها، حِرْصًا عَلى التَّفَضُّلِ والجُودِ والتَّخَلُّقِ بِالكَرَمِ، وفِرارًا مِن رَذِيلَةِ الشُّحِّ الَّذِي رائِدُهُ كَتْمُ النِّعْمَةِ والتَمَسْكُنُ والشَّكْوى.

قالَ الإمامُ: مِن عادَةِ البُخَلاءِ أنْ يَكْتُمُوا مالَهُمْ، لِتَقُومَ لَهُمُ الحُجَّةُ في قَبْضِ أيْدِيهِمْ عَنِ البَذْلِ، فَلا تَجِدُهم إلّا شاكِينَ مِنَ القِلِّ. أمّا الكُرَماءُ فَلا يَزالُونَ يُظْهِرُونَ بِالبَذْلِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَجْهَرُونَ بِالحَمْدِ لِما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن رِزْقِهِ. فَلِهَذا صَحَّ أنْ يُجْعَلَ التَّحْدِيثُ بِالنِّعْمَةِ كِنايَةً عَنِ البَذْلِ وإطْعامِ الفُقَراءِ وإعانَةِ المُحْتاجِينَ. فَهَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] أيْ: إنَّكَ (p-٦١٨٦)لَمّا عَرَفْتَ بِنَفْسِكَ ما يَكُونُ فِيهِ الفَقِيرُ، فَأوْسِعْ في البَذْلِ عَلى الفُقَراءِ. ولَيْسَ القَصْدُ هو مُجَرَّدَ ذِكْرِ الثَّرْوَةِ، فَإنَّ هَذا مِنَ الفَجْفَجَةِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ عَنْها النَّبِيُّ ﷺ، ولَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ في امْتِثالِ هَذا الأمْرِ أنَّهُ كانَ يَذْكُرُ ما عِنْدَهُ مِن نُقُودٍ وعُرُوضٍ، ولَكِنَّ الَّذِي عُرِفَ مِنهُ «أنَّهُ كانَ «يُنْفِقُ ما عِنْدَهُ ويَبِيتُ طاوِيًا»» وقَدْ يُقالُ أنَّ المُرادَ مِنَ النِّعْمَةِ النُّبُوَّةُ، ولَكِنَّ سِياقَ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُقابِلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ووَجَدَكَ عائِلا﴾ [الضحى: ٨] فَتَكُونُ النِّعْمَةُ بِمَعْنى الغِنى، ولَوْ كانَتْ بِمَعْنى النُّبُوَّةِ، لَكانَتْ مُقابِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ووَجَدَكَ ضالا﴾ [الضحى: ٧] وقَدْ عَلِمْتَ الحَقَّ في مُقابِلِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском